‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الدور المصري في «صفقة القرن»..  الأبعاد والمآلات
مصر - فبراير 13, 2020

الدور المصري في «صفقة القرن»..  الأبعاد والمآلات

يعتبر زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي هو أول من كشف الغطاء عن مصطلح «صفقة القرن» وذلك خلال زيارته لواشنطن في إبريل 2017م بعد فوز ترامب بالرئاسة الأمريكية بشهور قليلة. وأبدى السيسي حماسا منقطع النظير في دعم وتسويق هذه الصفقة قائلا: «ستجدني بكل قوة ووضوح داعما لأي مساع لإيجاد حل للقضية الفلسطينية في صفقة القرن، ومتأكد أنك تستطيع أن تحلها». واللافت في الأمر أن السيسي أخرج المصطلح من دائرة “الغرف المغلقة” إلى دائرة الإعلام بهذا التصريح الحماسي، وهو ما قوبل برد ترامب: «سنفعل ذلك سويا، سنحارب الإرهاب سويا وستمتد صداقتنا طويلا». وهي إشارة لا تخفى دلالتها على أن الحرب المزعومة على الإرهاب يراد لها أن تستعر وتستمر من أجل تمرير هذه الصفقة الحرام. ([1])

أما المحطة الثانية في علاقة السيسي بصفقة القرن المشبوهة، فقد جرت في 6 ديسمبر 2017م،  حيث خطا ترامب خطوة واسعة في تنفيذ الصفقة معلنا بشكل رسمي الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس باعتبارها عاصمة موحدة لـ«إسرائيل». وهو ما قوبل من جانب نظام السيسي وعواصم تحالف الثورات المضادة بردود فعل شديدة الضعف والهشاشة؛ ما اعتبر  تواطؤا فجا أمام المؤامرة.

المحطة الثالثة، بعد ذلك بشهر واحد وفي يناير2018م ، بثت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية تسريبا لإعلاميين وممثلين مصريين يتلقون توجيهات من ضابط المخابرات أشرف الخولي، وتضمنت التسريبات تعليمات للإعلام بتناول قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بشكل يمهد للرأي العام قبول القرار، لكن قناة “مكملين”  بثت تلك التسجيلات الصوتية، حيث ظهر صوت «الخولي» وهو يأمر الإعلاميين بترديد فكرة “ما الفرق بين القدس ورام الله” كعاصمة للدولة الفلسطينية. ومن أسباب الاهتمام الدولي والعربي البالغ بتلك التسريبات، منسوبة إلى توجيهات أمنية من جهات تسمى “سيادية”، أنها تسلط الضوء على ازدواجية الموقف المصري بين ما هو معلن وما هو فعلي في قضية القدس ومستقبلها.

المحطة الرابعة، استخدم السيسي ونظامه أسلوب المراوغة؛ من أجل التبرؤ من هذه الدور المتواطئ حد الخيانة، وراح يبدي عكس ما يبطن متظاهرا بدور الرافض للصفقة وتمادى إلى اتهام وسائل الإعلام بأنها المسئولة عن تعبير “صفقة القرن”. ففي 29 يوليو 2018، قال السيسي -خلال فعاليات منتدى الشباب الوطني السادس وكرره في نوفمبر 2018م خلال مؤتمر الشباب العالمى-: إنه لا يمتلك معلومات، وأن صفقة القرن عبارة عن طرح من قبل وسائل الإعلام، مضيفا أنه لا يمكن لمصر الحديث باسم الفلسطينيين أو نيابة عنهم، أو أن تفرض القاهرة عليهم شيئا. واعتبر إعلام العسكر هذه التصريحات وضعت حدا لشائعات “صفقة القرن” وجدد اتهامه لوسائل الإعلام بأنها من أطلق اسم “صفقة القرن” على خطة السلام الأميركية.

المحطة الخامسة، مضى نظام السيسي وفق سياسية ازدواجية الموقف بين المعلن الرافض للصفقة والخفي الذي يبذل كل مساعيه من أجل تمرير الصفقة وتكريسها وإجبار الفلسطينيين على القبول بها طوعا أو كرها. ففي يناير 2018، أعلن البيت الأبيض جاريد كوشنر صهر السيسي وعرَّاب الصفقة اجتمع بالسيسي في إطار اجتماعاته بالشرق الأوسط حول خطة مرتقبة منذ فترة طويلة يعدها للسلام بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية. وفي أغسطس 2019، كشفت سفارة الولايات المتحدة في القاهرة عن كواليس لقاء جمع ترامب والسيسي، قبل الاجتماع الثنائي الذي جمعهما على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، حيث نقلت السفارة -في بيان لها- تأكيد ترامب على أهمية السيسي في تمرير صفقة القرن. وقال ترامب: “الرئيس السيسي هو شخصية مهمة جدا في خطة السلام، ووزير الخارجية يعمل بجهد كبير وبكفاءة على هذا الموضوع، نريد أن نرى إذا كنا نستطيع التوصل إلى إبرام صفقة بالنظر إلى ما يحصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين”. يدلل على ذلك أيضا أن موقع “ميدل إيست مونيتور” البريطاني -نقل عن صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية-  في 24 إبريل 2019م أن السيسي يعكف على استقطاب زعماء عرب لحشد تأييدهم للخطة التي تصيغها الإدارة الأميركية، والتي يُطلق عليها وصف “صفقة القرن”. ونقل الموقع عن سمدار بيري كبير محرري شؤون الشرق الأوسط بالصحيفة أن الأمر الجلي بصفقة القرن هو مدى استغراق الرئيس المصري في الاتفاقية. وأوضح بيري في مقاله أنه كان يسود اعتقاد بادئ الأمر أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يحشد الدعم للصفقة، إلا أن السيسي “الصديق الممتاز” للرئيس الأميركي دونالد ترامب وجد نفسه مؤخرا في موقع القيادة. ويقول أيضا: إن حكومته ترى في السيسي “جارا وشريكا مؤازرا لإسرائيل يحرس شبه جزيرة سيناء حيث يقضي آلاف الإسرائيليين عطلة عيد الفصح”. ومضى المقال في التأكيد على أن “مصر ستقود العالم العربي لقبول ما يُسمى بصفقة القرن” وسوف يُطلب منها المساهمة بأفكارها في الخطة قبل استكمال كافة التفاصيل. وبالمقابل، ستحصل على حزمة مساعدات اقتصادية “ضخمة” من الإدارة الأميركية.([2])

المحطة السادسة،  في فبراير 2019م، حيث أبرم السيسي صفقة الغاز مع الصهاينة والتي تقدر بحوالي 20 مليار دولار لمدة 15 سنة وتقضي باستيراد مصر للغاز المصري والفلسطيني المنهوب من جانب الصهاينة بقيمة تزيد بـ3 أضعاف على الأقل من قيمته في السوق العالمي. وهي الخطوة التي تمثل جزءا من الصفقة الحرام بإدماج الكيان الصهيوني في المنطقة وفق نظرية إعادة  هندسة وتصميم التحالفات الإقليمية بجعل إيران والإسلاميين هم العدو الأول للنظم العربية بدلا من الكيان الصهيوني، وهي الرؤية التي تمثل انقلابا شاملا على الأمن القومي المصري والعربي على حد سواء.

المحطة السابعة، في يونيو 2019م، شارك نظام السيسي في  ورشة المنامة التي اعتبرها مراقبون الخطة الاقتصادية “لصفقة القرن”. في البداية نفت القاهرة المشاركة في الورشة وسرعان ما تم التراجع والمشاركة رسميا في المؤتمر المشبوه. وقالت: إن المشاركة ستكون بشكل رمزي تحت اسم “مشارك مستمع”.

المحطة الثامنة، على مدار السنوات الثلاث الماضية، عبّر العديد من مسؤولي السلطة الفلسطينية مرارًا وتكرارًا عن استيائهم، خارج المحاضر الرسمية، لما اعتبروه ضغوطًا مصرية وإماراتية وسعودية على الفلسطينيين لتجنب رفض «الصفقة». ووفقا لموقع “مدى مصر”، قال هؤلاء المسؤولون مرارًا وتكرارًا: إن هذا الضغط، وخاصةً من مصر، كان بمثابة تحوّل كبير عن الموقف المصري التقليدي الذي ظل ثابتًا على الدوام تجاه المطالب الأساسية لحقوق الفلسطينيين.([3])

 

الدور الأمني

من  الأدوار المشبوهة لنظام السيسي في «صفقة القرن» تحجيم المقاومة الفلسطينية والضغط علي حركتي حماس والجهاد من أجل عدم التصعيد ضد الكيان الصهيوني على خلفية البنود المجحفة في صفقة القرن ومحاولات إقناع فصائل المقاومة بعدم الربط  بين التهدئة في غزة والصفقة الأمريكية.

وتستهدف الخطة الأمريكية سيطرة السلطة على قطاع غزة أو أي جهة أخرى ترضى عنها “إسرائيل” بحسب نص الصفقة المنشور على موقع وزارة الخارجية الأمريكية؛ وهو ما يشير إلى وجود أو دراسة توجهات بضم قطاع غزة إلى مصر بحيث يتولى السيسي فعليا  القضاء على المقاومة الفلسطينية لحماية أمن الكيان الصهيوني على أن يتم إظهار السيسي بدور البطل الذي يوسع مساحة أرض مصر واستعادة قطاع غزة الذي كان تحت الحكم المصري حتى هزيمة 5 يونيو 1967م.

في هذا السياق، سبق أن كشف الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة “حماس” خالد مشعل، عن مقترحات غربية أُرسلت للرئيس الشهيد محمد مرسي بأن يضم غزة إلى مصر وتحل كل مشاكلها، شرط تحمله مسؤولية أي صاروخ ينطلق من القطاع، فرفض مرسي ورفضت حماس وانتهى الأمر.  وبحسب مصادر مطلعة بحكومة الانقلاب فإن نظام السيسي يرغب من الإدارة الأمريكية أن تدرك صعوبة مهمة تكليف مصر بإدارة الملف الأمني في غزة والسيطرة على حركة “حماس” وتحجيم قوتها العسكرية، والتي سبق للسيسي محاولة إنجازها في صورة “المصالحة الفلسطينية” والتي شهدت انتكاسة كبرى العام الماضي، وأن تسعى واشنطن لتأمين ودعم التحركات المصرية بمزيد من المساعدات المالية للقاهرة وغزة على السواء.([4])

وخلال الأيام التي تلت إعلان الرئيس الأمريكي لتفاصيل الصفقة، أجرى مسئولون بجهاز المخابرات العامة المصري اتصالات مكثفة مع قادة الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة من أجل تأكيد تثبيت الهدنة، وعدم إشعال مواجهة عسكرية شاملة في القطاع، وفصل مسار التهدئة عن باقي مسارات الرفض الفلسطيني لـ”صفقة القرن”. وذلك بهدف حماية الكيان الصهيوني من تصعيد المقاومة خصوصا وأن “الاحتلال” مقبل على جولة انتخابات مبكرة ساخنة وتريد استقرارا داخليا حتى إتمامها وحل أزمة عدم القدرة على تشكيل حكومة.

وثمة غضب بين فصائل المقاومة من الموقف الأمريكي الصهيوني المصري، وقد أبلغ قادة بحماس مخابرات السيسي بأنّ مبدأ خذ ثمّ فاوض الذي تتبناه السعودية والإمارات هو مبدأ يليق بالصفقات التجارية، وليس مبدأ مفاوضات سياسية بشأن مستقبل الأوطان”، مضيفةً أنّ حماس “تلقت دعماً كبيراً” خلال جولة رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية الخارجية الأخيرة من محاور إقليمية. ودور السيسي هنا هو القيام بدور  الحارس للكيان الصهيوني وإخماد نار الغضب الفلسطيني ومنع تصعيد الموقف رفضا للصفقة المشبوهة، وكانت حماس ترى في الوساطة المصرية تخفيفا عن أهالي القطاع الذين يعانون من صعوبات حادة بفعل الحصار المصري الصهيوني ولكن الأمر الآن بات يرهن هذه الوساطة والتهدئة بالتنازل والتفريط في القدس وفلسطين وهو ما يضع جهود التهدئة والوساطة المصرية أمام اختبار قاس. ([5])

ولا يمكن تجاهل ما قام به نظام السيسي على طول الحدود مع غزة من تجريف وتهجير وهدم لجميع الأنفاق التي كانت تستخدم في عمليات تهريب السلاح والسلع للقطاع؛  كما أن تقارير عبرية تؤكد أن الهدف من العملية الشاملة في سيناء هو منح طيران الاحتلال فرصة ملاحقة عمليات التهريب؛ وبالطبع لا يهدف نظام الانقلاب في مصر من ذلك سوى إضعاف شوكة المقاومة وإجبارها على الانصياع للصفقة أو التهديد بحرب ممتدة لا تستطيع فيها الصمود كما حدث في الحروب السابقة. وهو بذلك بقوم بدور مشبوه باستخدام العصا والجزرة من أجل تكريس المخططات الأمريكية الصهيونية في مصر والمنطقة.

 

سيناء في «صفقة القرن»

رغم أن نص «الصفقة» المنشور خلا صراحة من أي ذكر لتوطين الفلسطينيين في سيناء وهو الطرح الذي تناولته وسائل إعلام أمريكية وعبرية خلال السنوات الماضية؛ إلا أن الصفقة أشارت إلى بعض النوايا غير المعلنة يمكن اعتبارها تمهيدا وتهيئة لهذا الطرح. وخطة توطين الفلسطينيين في سيناء، التي يدعمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل ضمني وغير معلن بكلمات واضحة، ليست جديدة على الإسرائيليين، ولا يسمعها المصريون للمرة الأولى، فقد سبق أن قال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في عامي 2017 و2018: إنه رفض هذا المشروع مرتين؛ أولاهما في عهد رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر والرئيس الأميركي رونالد ريغان، والثانية خلال رئاسة بنيامين نتنياهو الأولى للحكومة الإسرائيلية، في التسعينيات.

وتحت بند “الحزم التحفيزية” تضمنت الصفقة بعض البنود التي تبدو بمثابة تمهيد لتوطين الفلسطينيين، حتى وإن لم تعلن جميع الأطراف المعنية ذلك.  ويمكن ربط العناصر الآتية ببعضها لتقدم لنا صورة أكثر وضوحا وشمولا عن التوجهات التي أخفاها معدو الصفقة([6]):

أولا، وفق الخطة، سيتم تخصيص نصف مليار دولار لتطوير منشآت ومرافق الطاقة في سيناء وجعل مدنها قابلة للحياة وجاذبة للاستثمار، وتخصيص نصف مليار دولار لتطوير منشآت ومرافق المياه في سيناء لجذب مزيد من الاستثمار والأيدي العاملة المستدامة، وتخصيص نصف مليار دولار لإنشاء شبكة طرق متكاملة بين مدن سيناء لتدعيم البنية التحتية الجاذبة للاستثمار. كما سيتم تخصيص نصف مليار دولار لدعم الجهود المصرية لإنشاء وتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وزيادة المشاريع والمصانع والمناطق اللوجستية فيها، وتخصيص نسبة من العمالة فيها للفلسطينيين. وتشمل الخطة دعم استفادة الفلسطينيين من المناطق الصناعية المؤهلة في مصر بنظام “الكويز”، وتوثيق التعاون الصناعي بين مصر والفلسطينيين وإسرائيل، والمشاركة في تأهيل مناطق صناعية بالأراضي الفلسطينية وسيناء توفر فرص عمل للفلسطينيين. إلى جانب تخصيص 125 مليون دولار تُوجّه لفتح مجالات العمل أمام المشاريع الصغيرة والمتوسطة برعاية المؤسسة الأميركية للاستثمار الخاص عبر البحار بنظام القروض، على أن يتم توجيه النسبة الأكبر من هذه القروض إلى المشاريع الفلسطينية بمصر، وذلك على مدار عامين من الخطة.

ثانيا، تواصل الحرب المزعومة على الإرهاب في سيناء وتواصل جهود نظام السيسي في مساعيه لتفريغ شمال سيناء من أهاليها في رفح والشيخ زويد والعريش، وبدأ نظام انقلاب 30 يونيو حربه على أهالي سيناء منذ أواخر 2013م، حيث بدأ في تفريغ سيناء من أهلها وتجريف أراضيهم تحت نير حالة طوارئ قاسية وممتدة بدعوى مكافحة تمدد تنظيم “داعش” في سيناء. وقدّم النظام دماء مئات المجندين والضباط في سبيل ما روج له دائماً باعتباره “جهوداً مستمرة لمكافحة الإرهاب” وأنفق مليارات الجنيهات من دون حلول تذكر. إلا أن ما ساهم في تعميق جراح أهالي شمالي شرق سيناء، هو إجلاؤهم عن منازلهم وقراهم وتجريف أراضيهم، إلى درجة أنها لم تعد صالحة لممارسة الأنشطة الزراعية والتجارية والتعدينية المعتادة، فضلاً عن تحكم الجيش فيها بالكامل، إلى جانب تصعيد الضغط عليهم بسوء حالة المرافق والاتصالات، لتضطر آلاف الأسر إلى النزوح لمدن القناة أو جنوب سيناء أو حتى لصعيد مصر لدى أقاربهم.

ثالثا، بالتوازي مع تهجير أهالي شمال سيناء وتضيق الحياة عليهم، تم إنشاء مدن جديدة في العريش ورفح والإسماعيلية الجديدة، ولم يتم تسكين المهجرين فيها ما يعكس حقيقة وجود مخططات أكبر تحاك بين القاهرة وواشنطن والقيادة الإسرائيلية، تشي بها هذه المؤشرات المكتوبة، فضلاً عن وثائق أخرى نشرتها الصحافة الإسرائيلية على مدار العامين الماضيين.

رابعا، في يوم إعلان الصفقة الثلاثاء 28 يناير2020م، شرع الجيش المصري في إنشاء جدار خرساني على طول الحدود مع قطاع غزة، بارتفاع 6 أمتار، رغم وجود جدار صخري سبق بناؤه، بخلاف السيطرة شبه المطلقة على الحدود بين الطرفين في ظل عمليات التهجير المستمرة للأهالي وزرع نقاط تفتيش كثيرة وتوقف تسلل عناصر تنظيم “داعش” وعدم وجود أي هجمات من خلال  هذه الحدود منذ 2013م، يعني أن الجدار هدفه سياسي وليس أمنيا، وربما يستهدف النظام به  التمويه وغلق أبواب التأويلات التي تربط سيناء  بغزة في صفقة القرن وعمليات التوطين المقترحة والتي لمحت إليها بعض نصوص وحوافز الصفقة.

 

ترحيب بالمؤامرة

وبمجرد إعلان تفاصيل «الصفقة الحرام» في 28 يناير2020م، هرعت خارجية الانقلاب إلى إصدار بيان بعد إعلانها بـ30 دقيقة فقط؛ ترحب فيه بالصفقة وتدعو الطرفين “الإسرائيلي والفلسطيني” إلى «الدراسة المتأنية للرؤية الأمريكية لتحقيق السلام والوقوف على أبعادها كافة و وفتح قنوات الحوار لاستئناف المفاوضات برعاية أمريكية».

ووفقا لموقع “مدى مصر” فإن رئاسة الانقلاب تدخلت بالتعديل على الصياغة التي أقرتها وزارة الخارجية بحسب مصدر حكومي اطلع على مسودة الخارجية الأولى وما جرى عليها من تعديلات من جانب السيسي.([7])

أولا، مسودة الخارجية ذكرت «الدولة الفلسطينية على اﻷراضي المحتلة في 1967، وعاصمتها القدس الشرقية»، لكنها حُذفت من نسخة الرئاسة الأخيرة.

ثانيا، كما حُذفت من نسخة رئاسة الانقلاب جملة وردت في المسودة نصت على «ضرورة أن تدرك إسرائيل أن تحقيق السلام في المنطقة لن يتم دون ضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني»، فيما اكتفت نسخة السيسي بالإشارة إلى أن «القاهرة» تدرك «أهمية النظر لمبادرة الإدارة اﻷمريكية من منطلق أهمية التوصل لتسوية للقضية الفلسطينية بما يعيد للشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة من خلال إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على اﻷراضي الفلسطينية المحتلة، وفقًا للشرعية الدولية ومقرراتها».

ثالثا، يمثل موقف نظام السيسي انكفاء غير مسبوق للسياسة الخارجية المصرية ويعكس افتقار النظام  للقدرة على التمييز والموازنة بين المصالح والمفاسد التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالأمن القومي المصري؛ ذلك أن الموقف المصري يتماهى بشكل فاضح مع الموقف الأمريكي الإسرائيلي ويمثل انقلابا على الثوابت التي قامت عليها السياسة الخارجية المصرية عبر عقود منذ غرز القوى الغربية للكيان الصهيوني في خصر الأمة العربية مع بدايات القرن العشرين. وبيان خارجية السيسي ناقض المواقف المصرية الرسمية منذ هزيمة 1967 وحتى بعد توقيع اتفاق “كامب ديفيد” مع الاحتلال سنة 1979 برعاية أمريكية، حيث ظل موقف مصر داعماً لحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وبالتالي أن تدعم القاهرة «صفقة ترامب» التي منحت الاحتلال اعترافاً بالمستوطنات المقامة في الضفة الغربية المحتلة وبالقدس عاصمة غير مقسمة لإسرائيل، فهذه سابقة تستحق التوقف أمامها سعياً لفهم أبعادها ودوافعها.

رابعا،  بمقارنة هذا البيان ببيانات أخرى رسمية صدرت عن عواصم حليفة للسيسي والأمريكان في ذات الوقت تكشف أن البيان المصري كان هزيلا وضعيفا إلى حد مخزٍ؛ فمثلا تحدث بيان الخارجية الأردنية الصادر في التوقيت ذاته، عن دولة فلسطينية «على حدود 4 يونيو 1967»، بناءً على حل الدولتين «بحسب القانون الدولي»، فضلًا عن إشارته إلى «القضية الفلسطينية بوصفها القضية اﻷهم للعالم العربي». و«حذر» البيان اﻷردني «إسرائيل من اتخاذ أي خطوات أحادية بما في ذلك ضم أراض فلسطينية أو التوسع في المستوطنات الإسرائيلية أو المساس بأي شكل باﻷماكن المقدسة» بما يعني رفضا لما ورد في نص «الصفقة الحرام».

 

تسويق «المؤامرة»

انعكس هذا الموقف المخزي على الآلة الإعلامية التابعة لنظام العسكر؛ والتي بدأت في تسويق الصفقة الحرام والتدليس على الشعب والجماهير من أجل إقناعهم ببنودها التي تعصف بحقوق الفلسطينيين وتمنح الصهاينة القدس وكل ما كانوا يحلمون به. وذلك من خلال الإجراءات التالية:

أولا، في حرب المصطلحات، تلقى رؤساء تحرير الصحف الحكومية والخاصة، وكبار الإعلاميين، مساء الأربعاء 29 يناير2020، رسالة مطولة من جهاز المخابرات العامة، طالبتهم بعدم استخدام مصطلح “صفقة القرن” خلال تغطيتهم الإعلامية والتشديد على استخدام مصطلح «خطة السلام»([8]) رغم أنها تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية ولا تنطوي على أي معنى من معاني السلام. وتم التشديد على تسويق المصطلح الأخير على نطاق واسع. رغم أن السيسي هو أول من استخدم هذا المصطلح خلال لقائه بترامب في أول زيارة له لواشنطن بعد فوز ترامب بالرئاسة وذلك في إبريل 2017م. وذلك لما ينطوي عليه مصطلح “الصفقة” من معاني سلبية بالبيزنس والسمسرة والمكاسب المادية البحتة.

ثانيا،  رسالة المخابرات التي بعث بها المقدم أحمد شعبان، مدير مكتب عباس كامل مدير المخابرات العامة، عبر تطبيق “واتس أب” وتحمل اسم “فرسان السيف والقلم”، شددت على أهمية “إبراز الدور التاريخي والمحوري لمصر حيال القضية الفلسطينية”، و”عدم التركيز على البعدين الديني أو الوطني عند تناول تفاصيل الخطة الأمريكية أو الاجتهادات بشأن مساسها بالثوابت المصرية والعربية إزاء القضية الفلسطينية”. ولهذا السبب تم الإطاحة بالإعلامي توفيق عكاشة من قناة الحياة ، على خلفية حلقة الأربعاء 29 يناير التي تناول فيها البعد الديني في الصفقة باعتباره شكلا من أشكال الحرب بين الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام.

ثالثا، الإلحاح على فكرة أن «الخطة» تمثل رؤية لحل مشكلة فلسطين والهدف منها هو إفساح المجال للمفاوضات المتوقفة منذ سنوات للوصول إلى أقصى قدر من المصالح المشتركة. والتركيز على اعتزام مصر دعم الفلسطينيين لتحقيق مصالحهم وحقوقهم، في ضوء الجهود المصرية من أجل قطاع غزة”، و”رفض القاهرة توجيه أية ضغوط على الفلسطينيين للقبول بما لا يتلاءم مع طموحاتهم”، و”ارتكاز الخطة على حل عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من دون إقحام أطراف إقليمية أخرى كجزء من الحل السياسي”.

رابعا، عدم التركيز مطلقا على قضايا القدس أو اللاجئين أو شرعنة المستوطنات أو نزع سلاح المقاومة، في المقابل التأكيد على الشق الاقتصادي من الصفقة وأهمية السلام للفلسطينيين في ضوء الصعوبات التي تواجههم في الضفة وغزة والإلحاح على فكرة أن “الخطة الأمريكية ” بارقة أمل للفلسطينيين وأنها تضمن لهم دولة في الضفة وغزة يربط بينهما نفق تحت الأرض، بالإضافة إلى منطقتين، صناعية للتكنولوجيا المتطورة، وزراعية وإسكانية في صحراء النقب”.

خامسا، على الفور تم ترجمة هذه التوجيهات الأمنية في جميع وسائل الإعلام التابعة للنظام؛ وتحولت البرامج الحوارية والسياسية في تغطيتها إلى التعبير بشكل سافر عن هذه التوجهات الرامية لإقناع الرأي العام بالصفقة أو بمعنى أدق بالمؤامرة؛ وإن كان ذلك لا يمنع من استخدام عبارات منمقة للتغطية على الموقف المتواطئ وعبر عن ذلك بكل وضوح الإعلامي الأمنجي أحمد موسى في برنامج “على مسئوليتي” على فضائية “صدى البلد”، حيث قال نصا: « “لا بد من دعم الدول العربية للشعب الفلسطيني لإقامة دولته”. كذلك دعا الفلسطينيين لقبول الصفقة والتحذير مما أسماها بالعنترية «العنترية لن تفيد الشعب الفلسطيني»، على حد تعبيره، ومحذرًا من رفض الصفقة “بدون دراسة، والبحث عن حياة أفضل للشعب الفلسطيني”. وتمسّك محمد الباز، بالمفردات نفسها في تأييد الموقف المخزي والتسويق له، وقال في برنامجه “90 دقيقة”: «إن “التعامل بعاطفة مع مثل هذه القضايا لن يكون مجديًا، لكن التعامل بالمنطق يشير إلى أن هناك فرصة جديدة أمام الفلسطينيين، حيث إن الكرة في ملعبهم الآن». وأضاف أن “هذا يوم فلسطين التي تمد إسرائيل لها يد السلام.. فالقضية الفلسطينية ممتدة منذ سنوات طويلة، ولا يوجد حل، وترامب أكد أنه سيتم دفع 50 مليار دولار للفلسطينيين، وأنهم لن يحتاجوا لأي مساعدات أخرى». واشتمل خطاب الباز على تهديد للفلسطينيين، تمامًا كما فعل أحمد موسى، وقال: “ترامب قادر على تنفيذ خطته التي وصفها بأنها خطة واضحة من القوى الكبرى في العالم، التي لديها من القدرة ما يجعلها تنفذ اتفاقيتها”. وجاء التناول الصحفي على ذات الخطى المتواطئة؛ فقد تم تهميش ردود الفعل الرافضة والغاضبة، واستخدام مصطلح “خطة السلام” وتجنب استخدام مصطلح “صفقة القرن” في جميع التغطيات الصحفية للصفقة. وعلى مستوى الصحف المصرية الخاصة، أفردت صحيفة “المصري اليوم” ملفًا بعنوان “صفقة القرن.. شروط ترامب المستحيلة”، احتوى على العديد من الموضوعات المتعلقة بالموقفين الفلسطيني والمصري، وعلى سرد تاريخي للصراع. أما جريدة “الشروق” الخاصة، فنشرت أيضًا في صفحتها الأولى مانشيت “غضب عارم في الأراضي الفلسطينية رفضًا لخطة ترامب”.([9])

سادسا،  أفسح الإعلامي المقرب من قيادة تحالف الثورات المضادة عمرو أديب مساحة واسعة لعرَّاب المؤامرة “جاريد كوشنر” الصهيوني وصهر ترامب ومستشاره الشخصي، عبر برنامجه “الحكاية” على فضائية “إم بي سي مصر” التابعة للمخابرات السعودية، وراح “كوشنر” يروج للمؤامرة زاعما أنها فرصة هائلة للفلسطينيين، وأضاف كوشنر، في محاولته الترويج لـ”صفقة القرن”، أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب “قدم الكثير لإسرائيل ويريد كذلك لفلسطين، وفي النهاية على الفلسطينيين أن يقوموا بشيء عقلاني، الخطة ذات حدود ومساحتها ضعف أراضيهم، كما تضمن خطة اقتصادية تبلغ 50 مليار دولار، وتعطيهم عاصمة في القدس، وتسمح للملك عبد الله (العاهل الأردني) بالبقاء على موقفه في رعاية الأماكن المقدسة، وتسمح للمسلمين في جميع أنحاء العالم بالحضور للقدس والصلاة بالأقصى”، متابعاً “احتفظنا بالخطة سرًا لمدة طويلة، وكنا نأخذ النتائج من القادة العرب، ومنهم مصر، بشأن ما هو هام للفلسطينيين”. ودعا الفلسطينيين إلى دراسة الصفقة والجلوس مع “الإسرائيليين” على مائدة المفاوضات.  وتابع كوشنر “كثيرون يقولون: إنّ السلطة الفلسطينية لم تعقد أي صفقات منذ مدة طويلة، لأنه يأتي إليهم مليارات الدولارات من المساعدات وثروات كبيرة وأثرياء، فلماذا يعقدون صفقات؟ الرئيس المهتم بشعبه سيركض نحو طاولة المفاوضات ويجلس عليها ويقول الأشياء التي يرغب فيها ويحرك الأمور للأمام، ونحن سنكون عادلين وموضوعيين، وترامب وضع خطة تفصيلية للأعمال التجارية وكيفية بناء اقتصادهم، ترامب هو الرئيس الذي جعل هذا العرض ممكناً، وهو الذي يستطيع إنهاء هذه الصفقة”.([10])

سابعا، امتنعت نقابة الصحفيين عن إصدار بيان رسمي  تترجم فيه موقفها من الصفقة وتدين فيه المؤامرة، ولكن عضو مجلس النقابة هشام يونس أمين صندوق النقابة، نشر على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”  مشروع بيان قال فيه: إن “النقابة تابعت بنود ما يسمى بصفقة القرن الأميركية والتي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل ساعات، وإذ تؤكد النقابة رفضها المطلق لتلك المؤامرة التي تعتبرها اغتصابا فاضحا لحقوق الشعب الفلسطيني، فإنها تدعو العواصم العربية إلى التبرؤ من هذه الصفقة المشبوهة، وإعلان رفضها صراحة ودون مواربة”. ونشر يونس أسماء الموقعين على البيان، وهم نقيب الصحفيين، وجمال عبد الرحيم، وهشام يونس، ومحمد سعد عبد الحفيظ، ومحمد خراجة، وعمرو بدر، ومحمود كامل، مضيفاً أن 5 أعضاء امتنعوا عن التصويت وطلب عضو التأجيل لحين انعقاد مجلس النقابة. وصباح الخميس، أصدر النقيب ضياء رشوان بياناً لتوضيح حقيقة ما جرى بخصوص مشروع البيان المقترح الذي نشره يونس  معتبرًا أن ما قام به يونس “يحمل اتهامًا ضمنيًا غير مقبول لزملائه الذين لم يبدوا بعد رأيهم في مشروع البيان بالتخاذل في ما يخص الحقوق الفلسطينية الثابتة بمقررات الشرعية الدولية، وهو ما لم يحدث من أي منهم، بل ربما حالت ظروف عملية أو شخصية بينهم وبين إبداء الرأي خلال الوقت القصير الذي تم تداول المشروع على مجموعة المجلس المغلقة”.([11])

 

مصر في الصفقة

احتلت مصر جزءاً من نص الصفقة أو المؤامرة  تحت عنوان “تعزيز التنمية الإقليمية والتكامل”، ورصدت المؤامرة الأمريكية 9.167 مليارات دولار أميركي للمشروعات المقررة، منها 917 مليون دولار عبارة عن منح، و4.325 مليارات قروض و3.925 مليارات تمويل ذاتي.([12]) وتضمن نص «المؤامرة» المقترحة 12 مشروعاً اقتصادياً مرتبطة بنظام العسكر في مصر، والتي تمتلك حدوداً مع قطاع غزة في فلسطين، وكل هذه المشروعات ترتبط  بالحدود المصرية مع قطاع غزة في شبه جزيرة سيناء وهي المنطقة التي شهدت تجريفا وتهجيرا قسريا لأهاليها خلال سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو2013م. وتشمل إنشاء صندوق للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم خدمات عبر الحدود بإنشاء خطوط نقل إلى غزة، وزيادة إمدادات الطاقة من مصر إلى القطاع عن طريق تحديث خطوط النقل، وتعزيز التبادل التجاري بين مصر و”إسرائيل” والضفة الغربية وغزة، ودعم إنشاء مركز إقليمي في مصر للاستفادة من إنتاج الغاز في شرق البحر المتوسط. كما تضمنت زيادة الصادرات إلى الأسواق الدولية من محطات الغاز الطبيعي المسال المصرية، وزيادة المعروض في السوق المحلية المصرية، وإقرار حوافز للمركز التجاري المصري بالقرب من قناة السويس، ودعم مشاريع توليد الطاقة في سيناء، وكذا مشاريع البنية التحتية للمياه في سيناء لدعم التنمية الاقتصادية على نطاق أوسع، وتطوير المشروعات السياحية في سيناء، بما في ذلك على ساحل البحر الأحمر.

 

تفسير ومآلات الموقف المصري

يبدو الثمن المدفوع لنظام السيسي بخسا أمام بشاعة الدور الذي يقوم به والذي يعكس صورة  بالغة التآمر على قضية العرب والمسلمين الأولى، ما يؤكد وجود أثمان أخرى تحت الطاولة تلقاها نظام السيسي بالقبول والترحيب وهي التي دفعته إلى القيام بهذا الدور الذي لا يمكن وصفه إلا بالخيانة والتفريط. وقد أشارت  صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن جزء من الأثمان التي يتلقاها نظام السيسي عبر تقرير نشرته عشية تصريحات السيسي حول صفقة القرن، في أبريل/نيسان 2017، حيث أوضحت أن السيسي يستهدف 3 أمور: أولها زيادة المساعدات الاقتصادية، وثانيها المساعدات العسكرية لمكافحة الإرهاب، وثالثها إدراج الإخوان كمنظمة إرهابية على اللوائح الأمريكية والأوروبية.

ويحاول السيسي إقناع المؤسسات الرسمية في الدولة بهذا الدور المشبوه بأنه يتوقع فشل الصفقة لكنه لا يرغب في الصدام مع الإدارة الأمريكية خصوصا في ظل رعايتها لمفاوضات سد النهضة المتعثرة مع إثيوبيا؛ الأمر الذي يؤكد أن توقيت الرعاية الأمريكية لهذه المفاوضات كان مدروسا بعناية ومقصودا في حد ذاته للتخديم على تمرير المؤامرة الأمريكية. ولكن ما يؤكد أن تبرير  السيسي لموقفه مجرد ذريعة لا حقيقة أن هذه المفاوضات لو فشلت تماما كما يحدث حاليا وبات الموقف الأمريكي عاجزا  عن التوصل إلى حل؛ فهل يغير السيسي موقفه ويصدع برفض الصفقة الأمريكية؟

حقيقة الأمر أن السيسي يخشى النفوذ الأمريكي في مصر؛ فهو يدرك تماما أبعاد هذا الاختراق ومداه وحجمه ونفوذه الواسع منذ اتفاقية “كامب ديفيد” سنة 1979م؛ ذلك أن السيسي نفسه كان جزءا من هذا النفوذ والاختراق وكان جزءا من عصابات المافيا التابعة لأمريكا في مصر والتي قادت انقلاب 30 يونيو 2013م على المسار الثوري والديمقراطي، ولو أن السيسي الذي يستمد شرعيته من هذا الدور المشبوه والمتآمر تبنى مواقف الشعب المصري الرافضة للصفقة والتنازل عن القدس وفلسطين ودعم الكيان الصهيوني؛ فإنه يخشى أن يتم التخلص منه بانقلاب آخر مدعوم صهيونيا وأمريكا ؛ولعل هذه هي الحقيقة المؤكدة التي تفسر مواقف السيسي باعتباره جنرالا تم تجنيده لخدمة المصالح الأمريكية الإسرائيلية في مصر والمنطقة.

إزاء هذا فإنه لا يمكن استبعاد ما جرى في  منتصف 2013م عما يجري اليوم في المنطقة؛ فهل كان يمكن أن يتم الإعلان عن هذه المؤامرة بكل هذه الوقاحة والصفاقة لو كان نظام ثورة يناير الديمقراطي قائما حتى اليوم؟ وهل كانت تجرؤ واشنطن على الاعتراف بسيادة الصهاينة على القدس لو كانت مصر ديمقراطية؟

الإجابة على هذه الأسئلة تؤكد أن انقلاب 30 يونيو كان في حد ذاته جزءا من مخططات تمرير  صفقة القرن الأمريكية التي لم يكن لها لتمر لولا هذا الانقلاب المشئوم؛ الأمر الذي يتطلب معه إعادة قراءة الأحداث وتفسيرها من جديد وفق المعطيات الجديدة، وما يتم الكشف عنه من مخططات تستهدف إعادة هندسة وتصميم المنطقة وفق الرؤية الأمريكية الصهيونية.

من زاوية أخرى، يمكن تفسير موقف السيسي ونظام انقلاب 30 يونيو المتآمر على القدس وشعب فلسطين أنه جزء من تحالف الثورات المضادة التي دبرت انقلابه ومولته وساندته ولا تزال حتى اليوم، وهو تحالف يستهدف بالأساس عبر علاقته الوثيقة بكل من الإدارة الأمريكية التي تنتمي إلى اليمين المتطرف أو علاقته الوثيقة بالكيان الصهيوني تكريس بقاء النظم العربية الشمولية وتصفية الثورات العربية والقضاء على ظاهرة الإسلام السياسي والتكريس النهائي لوجود “إسرائيل” ودمجها إقليميا، كما يستهدف هؤلاء اكتساب شرعية الحكم من هذه العلاقات والتحالفات المشبوهة مع الصهاينة والأمريكان في ظل افتقادهم لأي شرعية شعبية معتبرة وفق أدوات الديمقراطية أو حتى أطر الحكم الرشيد. ولا يَبعُد في هذا السياق أن يحضر دافع أيديولوجي متفلّت من الثوابت العربية السياسية، أو معادٍ للإسلام السياسي، ليُشكّل ركنا من أركان هذا التحالف. فالإيغال في التخلّي عن القضية الفلسطينية، وفي دعم “إسرائيل”، وفي العداء للإسلام السياسي، بما يصل -في بعض أحواله- إلى المسّ بالدين نفسه، أو انقلابًا على ثقافة مجتمعيّة، يصعُب تفسيره بدواعٍ سياسيّة كانت متوفّرة دائمًا.

ربما يرتبط بهذا أيضا، محاولات عواصم “تحالف الثورات المضادة” المبالغة باستمرار من حجم التهديد الإيراني وأحيانا التركي؛ لكن العامل المشترك  بين من يستهدفهم تحالف الثورات المضادة كأعداء سواء إيران أو تركيا والإسلاميين عموما وثورات الربيع العربي، أنهم جميعا يعادون المشروع الصهيوني؛ بما يعني بكل وضوح أن الأنظمة العربية التي تنطوي داخل تحالف الثورات المضادة باتت تمارس ـ بكل وقاحة ــ دور الحارس والشرطي لحماية وضمان أمن الكيان الصهيوني لنيل الرضا الأمريكي كمشروعية وحيدة لبقائهم في الحكم.

 

مخاوف عكسية

هذه الخيانة البالغة من السيسي والنظم العربية إضافة إلى بشاعة الصفقة التي تنسف كل الحقوق الفلسطينية وتعصف بكل قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة والقانون الدولي، فقد أبدى خبراء وساسة ونواب بالكونجرس عن مخاوف كبيرة من أن تفضي الصفقة إلى نتائج عكسية. وفي رسالة وقع عليها 100 من أعضاء الكونجرس الأمريكي، للرئيس ترامب، عبروا عن هذه المخاوف مؤكدين أن الصفقة بصورتها الحالية شديد الانحياز لإسرائيل يمكن أن تؤدي  إلى اندلاع العنف في المناطق الفلسطينية كما  أنها يمكن أيضاً أن تتسبب في زعزعة الاستقرار بالأردن الذي يشهد احتجاجات متواصلة على الخطة الأمريكية. وتهدد أيضا اتفاقيتي السلام بين “إسرائيل” وكل من مصر والأردن للخطر. ([13])

 

الجمعة 7 فبراير2020

 

مصادر

  • التفاصيل الخاصة بمصر في “صفقة القرن”: 10 مليارات دولار و12 مشروعاً اقتصادياً/العربي الجديد 28 يناير 2020
  • كيف يمكن تفسير موقف مصر الداعم لـ «صفقة القرن»، وما المقابل المنتظر من ترامب؟/عربي بوست 30 يناير2020
  • «صفقة القرن» وتحولات السياسات العربية تجاه القضية الفلسطينية/ مدى مصر 3 فبراير 2020
  • الإعلام و”صفقة القرن”: هكذا تكلم النظام المصري/العربي الجديد 1 فبراير 2020
  • دعاء عبد اللطيف /السيسي وخطة السلام الأميركية.. إعلان ومراوغة ومقايضة/ الجزيرة نت 28 يناير2020
  • صحيفة إسرائيلية: السيسي يحشد الدعم العربي لصفقة السلام الأميركية/الجزيرة نت 24 إبريل 2019
  • «صفقة القرن» وتحولات السياسات العربية تجاه القضية الفلسطينية/ مدى مصر 3 فبراير 2020
  • ما حذفته الرئاسة من مسودة بيان الخارجية عن «صفقة القرن»/ مدى مصر 29 يناير2020
  • ساري عرابي/ “صفقة القرن” والتردّي العربي.. سياقات ودلالات/ الجزيرة نت 2 فبراير2020

 

[1] دعاء عبد اللطيف /السيسي وخطة السلام الأميركية.. إعلان ومراوغة ومقايضة/ الجزيرة نت 28 يناير2020

 

[2] صحيفة إسرائيلية: السيسي يحشد الدعم العربي لصفقة السلام الأميركية/الجزيرة نت 24 إبريل 2019

[3] «صفقة القرن» وتحولات السياسات العربية تجاه القضية الفلسطينية/  مدى مصر 3 فبراير 2020

[4] السيسي يوفر ظهيراً إقليمياً لخطة ترامب: انكفاء سياسي وخلاف حول 3 نقاط/ العربي الجديد 30 يناير 2020

[5] محاولات مصرية لتثبيت تهدئة غزة وفصلها عن “صفقة القرن”/العربي الجديد 3 فبراير 2020

[6] حوافز “صفقة القرن” لتطوير سيناء: وجه جديد لتوطين الفلسطينيين/ العربي الجديد 1 فبراير 2020

 

[7] ما حذفته الرئاسة من مسودة بيان الخارجية عن «صفقة القرن»/ مدى مصر 29 يناير2020

 

[8] أحزاب مصرية تدين “صفقة القرن” والمخابرات تأمر بتجاهل المسمَّى/العربي الجديد 30 يناير 2020

 

[9] الإعلام و”صفقة القرن”: هكذا تكلم النظام المصري/العربي الجديد 1 فبراير 2020

[10] عمرو أديب يفتح منبراً لجاريد كوشنر للترويج لـ”صفقة القرن” ومهاجمة القيادة الفلسطينية/ العربي الجديد 2 فبراير 2020

[11] الإعلام و”صفقة القرن”: هكذا تكلم النظام المصري/العربي الجديد 1 فبراير 2020

[12] التفاصيل الخاصة بمصر في “صفقة القرن”: 10 مليارات دولار و12 مشروعاً اقتصادياً/العربي الجديد 28 يناير 2020

 

[13] معتز بالله محمد/ أعضاء بالكونجرس لترامب: «صفقة القرن» تهدد «اتفاق السلام» بين مصر وإسرائيل/ مصر العربية  07 فبراير 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

هل تنجح مصر في تغيير الموقف السوداني من أزمة سد النهضة؟

فشلت جولات التفاوض بين مصر وإثيوبيا التي كانت ترعاها الولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاق …