‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا مسارات ليبيا المأزومة بين جنيف والقاهرة ..وقف تصدير النفط والتسليح أبرز التحديات
ليبيا - فبراير 13, 2020

مسارات ليبيا المأزومة بين جنيف والقاهرة ..وقف تصدير النفط والتسليح أبرز التحديات

دائرة مفرغة من الأزمات والتصريحات المتباينة تعيشها القضية الليبية، المتشظية بين مسارات ثلاثة:

 عسكري لم يحقق أي تقدم بجنيف سوى تصريحات متضاربة بعيدة عما يدور على الميدان، واقتصادي بالقاهرة، ناقش ملفين ولم يجر تفاهمات فعليه بشأنهما وهما الإصلاح المالي وإصلاح القطاع الخاص، وبحث التوزيع العادل للثروات، فيما أُرجئ ملف الإعمار لارتباطه بالتطورات العسكرية التي ما زالت غير محسومة، فيما زالت مصافي النفط مغلقة، وبات الدخل القومي الليبي من النفط صفرا بعد قرار حفتر إغلاق مصافي النفط قبيل انعقاد مؤتمر برلين بألمانيا، للضغط على الأطراف الأوربية المهمومة بوارداتها من النفط الليبي ، الأقرب لأوروبا.

أما المسار السياسي، فما زال بلا أفق في ظل الخروقات الواسعة لقوات حفتر على الأرض، وتقاسم العديد من الأطراف والعواصم العربية والعالمية المواقف، بين تصريحات سياسية محايدة للاتحاد الأفريقي بقمته الأخيرة بأديس أبابا، والقاهرة التي تسعى لتأمين مصالحها مع حفتر وجنيف التي ترعى المسار العسكري، وأوروبا التي ما زالت تتحرك ببراجماتية لوقف التمدد الأوروبي في ليبيا فقط، عبر تضييق الخناق البحري على ليبيا بغية وقف إمدادات السلاح، بينما الأجواء الليبية مفتوحة لجسر جوي من أبوظبي حتى شرق ليبيا بجانب قوات مصرية على الأرض وكتائب مدفعية وهاون تدك مع قوات حفتر جنوب طرابلس.

 

خروقات ميدانية للمسار العسكري

 

ويضع مراقبون، أهمية كبيرة لحوار اللجان العسكرية الليبية بالمسار الأمني بل يعتبرونه “العقدة الأساسية” التي لو حلت لتبعتها بقية العقد في المسارات الأخرى، ويربطون نجاحها وفشلها بالمضي قدماً أو التعثر نهائياً في المساعي إلى الحلحلة السلمية للأزمة، عبر المسارين الآخرين الأمني والاقتصادي.

ويعزز هذا التحليل، تصريحات من كبار المسؤولين في طرفي الأزمة أكدت على أن فشل مفاوضات المسار الأمني، تعني نسف المسار التفاوضي والعكس صحيح.

 

وكان المتحدث الرسمي باسم مكتب الإعلام الحربي لعملية “بركان الغضب” التابعة لحكومة “الوفاق”، عبد المالك المدني، كشف في تصريحات صحفية، الاثنين الماضي، عن خروقات قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر للهدنة، التي وصفها بأنها لم تتوقف منذ الإعلان عنها في 12 ينايرالماضي. حيث دمرت  مدفعية “الوفاق”  غرفتين للعمليات المصغرة في محور الأحياء البرية كانت مليشيات حفتر قد أنشأتها قريبا، ما يؤكد على عدم رغبتها في وقف القتال، بجانب استهداف حشداً جديداً لمرتزقة حفتر في محيط معسكر اليرموك وتحركات مريبة في خلة الفرجان.

ورغم دفعه بممثليه العسكريين للمشاركة في محادثات المسار العسكري في جنيف، التي انتهت جولتها الأولى، الأحد الماضي، إلا أنّ حفتر لا يبدو راغباً في وقف القتال، فقد أكد رئيس اللجنة العسكرية الممثلة لحكومة “الوفاق” في محادثات جنيف، اللواء أحمد أبوشحمة، رفض ممثلي حفتر “إخلاء المناطق السكنية، التي تشهد الاشتباكات، من المظاهر المسلحة”، وفق تصريح له نشرته الصفحة الرسمية لعملية “بركان الغضب”، الاثنين الماضي.

وكان فريق “الوفاق” قدم مقترحاً للبعثة الأممية تضمن “وقف إطلاق النار على كامل التراب الليبي، وفك اشتباك القوات، وعودة المواطنين النازحين والمهجرين، ووقف نزيف الدم بين الليبيين، بينما تعنت ممثلو حفتر الذين رفضوا الموافقة والتوقيع على المقترح. ورغم ذلك الموقف الذي يعبر عن فشل بالمسار العسكري الدائر بجنيف، إلا أن المبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة أبدى تفاؤله ، معلنا عن اقتراح جولة جديدة للجنة العسكرية يوم 18 فبراير الجاري.

وعلى ما يبدو فإن تصريحات سلامة انطلقت من قابلية الطرفين لتبادل الأسرى والجثامين، وهو ما بنى عليه تصريجاته الإيجابية ، التي أراد من خلالها تصوير وجود توافق بين طرفي اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، من أجل البحث عن أفق لاستمرار الهدنة التي بدأت في 12 يناير  الماضي، وأهمية احترامها وتجنب خرقها، ولتنشيط المسارين الآخرين ؛ السياسي والاقتصادي.

فبسبب أهمية نجاح هذا المسار وارتباطه بنجاح المسارين الآخرين، السياسي والاقتصادي، حاول سلامة بتصريحاته المطمئنة ألا يقطع الطريق أمام بدء المسارين الآخرين، آملاً إحراز تقدم فيهما.

 

فشل حتمي للمسار العسكري الأمني

 

 

ولعل مواقف الطرفين، تؤكد أنه لا حلحلة للمواقف، وأن التدخل العسكري الخارجي، هو ما قد يحسم الأزمة في ليبيا، حيث أكد رئيس المجلس الرئاسي خالد المشري” أن الثابت الأول للتوصل إلى تفاهمات أمنية، هو عودة قوات الجيش الوطني الليبي إلى مواقعها ما قبل معركة طرابلس“.

بينما شدد اللواء خالد المحجوب على”أن نقاط اللجنة العسكرية في اجتماع جنيف واضحة، هي حل الميلشيات، وتسليم سلاحها إلى الجيش، وبناء على هذا الشق العسكري نتجه إلى الشق السياسي، ومن دون الترتيب العسكري لن يحصل أي ترتيب سياسي“.

وهو ما يؤكد صعوبة حل الملفات الآنية بسهولة، وفق ما يقوله الصحفي الليبي محمد العنيزي: “إن أسس نجاح المسار التفاوضي غير موجودة قبل بدء اجتماعات اللجان العسكرية في جنيف”، موضحاً لـ”اندبندنت عربية”  أن “نجاح أي مسار تفاوضي قائم على استعداد أطرافه لتقديم التنازلات في جلسات التفاوض، وتصريحات الطرفين قبل أن تبدأ حوارات جنيف تعبر بوضوح عن مواقف متصلبة، من الصعب اختراقها لخلق تفاهمات وإحداث ثقب في الجدار الكبير الفاصل بين الطرفين”..

 

المسار الاقتصادي .. لجان بلا انجاز

 

وعلى المسار الاقتصادي الذي انتهت جولته الاولى بالقاهرة، يوم الاثنين10 فبراير، لم تعلن البعثة الأممية عن نتائج الجولة الأولى التي استمرت ليومين، رغم أنه سبق أن أعلنت عن موعده ومكانه في القاهرة، لكن التسريبات التي أعلنتها بعض وسائل الإعلام بشأن اتفاق المشاركين في لقاء القاهرة على “تشكيل 3 لجان، تختص الأولى بإصلاح القطاع المصرفي والقطاع الخاص، وأخرى للتوزيع العادل للثروات، وثالثة لإعادة الإعمار” تبرز تقدماً نسبياً في الحوار.

وبحسب مصادر دبلوماسية، ستبدأ اللجنتان الأولى والثانية أعمالهما، خلال الأسبوعين المقبلين، فيما تم إرجاء أشغال اللجنة الخاصة بإعادة الإعمار إلى وقت غير معلن، مرجعا سبب تأخرها “كونها تتعلق بضرورة إحراز تقدم في المحادثات العسكرية التي من شأنها وقف القتال في المدن المتضررة، خصوصا العاصمة طرابلس.

 

لكن أحد الأطراف الأساسية في المسار الاقتصادي لا يبدو متفائلاً وراضياً عما وصلت إليه تلك المحادثات، فقد جاءت تصريحات عبد اللطيف التونسي، مدير مكتب محافظ بنك ليبيا المركزي في طرابلس، متشائمة جداً بشأن إمكانية عودة طوابير المواطنين أمام البنوك وارتفاع جديد للأسعار.

ودعا التونسي، في تصريح لقناة “ليبيا الأحرار”، ليل الاثنين الماضي، إلى خفض الإنفاق العام إلى أدنى المستويات، والاقتصار فقط في الترتيبات المالية للسنة الجارية على النفقات الضرورية، “بسبب تدني إيرادات النفط إلى الصفر تقريبا”، واصفا قرار إغلاق المنشآت النفطية بأنه “قتل عمد لكل الليبيين”، وهي تصريحات تبدو أنها جاءت كرد ضمني على فشل لقاء القاهرة في مناقشة قضية إغلاق المنشآت النفطية من قبل مجموعات قبلية موالية لحفتر، خصوصا أن البعثة أشارت إلى أن لقاء القاهرة سيناقش القضية.

وشارك في الاجتماعات مجموعة من الخبراء في لجنتين مشكلتين من حكومة الوفاق ومجلس النواب، بحضور سلامة، لبحث آليات توحيد المؤسسات الاقتصادية، والتوزيع العادل للثروات وإعادة الإعمار وملفات أخرى أعدتها بعثة الأمم المتحدة.

وتهدف المباحثات أيضاً إلى إنشاء هيئة تضم خبراء السياسات العامة الليبيين للانخراط في حوار من أجل تحقيق التكامل بين السياسات الاقتصادية والمالية بشكل تدريجي.

ولعل ما يشير إلى فشل اقتصادي  لا محالة فيه، ما أكده عبد القادر حويلي، عضو المجلس الأعلى للدولة، في تصريحات صحفية مؤخرا، حول أن   

“من يشاركون في المسار الاقتصادي لا يمثلون المجلس الأعلى ولا حكومة الوفاق، لأنه لم يتم ترشيحهم من قبلهما، بل تمت دعوتهم للقاء بصفاتهم الشخصية، وعليه فنتائج هذا المسار لا تمثلنا“...وهو ما يعبر عن تجاوز أممي لأطراف الأزمة الليبية، من أجل تسريع عملية إعادة تصدير النفط الليبي المؤثر أوروبيا.

 

تجاذبات المسار السياسي

 

أما المسار السياسي، لا تزال الإجراءات والمساعي تدور في حلقة مفرغة، تحت تأثير التجاذبات والمواقف الدولية.

أوروبيا، أشار مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، في مقابلة مع صحيفة “دي فيلت” الألمانية، الاثنين، إلى نقاش أوروبي بشأن مهمة بحرية أوروبية تهدف إلى فرض الحظر الأممي على بيع الأسلحة في ليبيا.

ورغم الانخراط الجزائري الحثيث في الملف الليبي، مؤخراً، والذي انتهى باقتراح جزائري تونسي لتأسيس “منتدى المصالحة الوطنية”، يستهدف إجراء حوار بين القبائل الليبية، لم يبد الاتحاد الأفريقي، خلال قمته التي اختتمت الاثنين الماضي، في أديس أبابا، متحمساً لذلك.

واقتصر بيان القمة الأفريقية على “رفض الحل العسكري”، و”التدخل الخارجي” في ليبيا، وهو ما يراه سياسيون “أفضل الممكن”، باعتبار أن الاتحاد الأفريقي “وصل متأخراً عندما قرر إرسال بعثة لمراقبة مدى احترام قرار وقف إطلاق النار”، بحسب نص البيان الختامي للقمة، وهو ما عبر عن ضعف الدور الأفريقي وإمكانية أن يلعب دوراً يوازن التدخلات الأوروبية والإقليمية في ليبيا.

 

وعلى الرغم من أن ليبيا عضو أساسي في تأسيس الاتحاد الأفريقي، إلا أن القضية الليبية ليست أساسية لدى الكثير من الدول الأفريقية، التي لا تملك جغرافيا مشتركة معها.  

أما مصر فقد فضلت البحث عن مصالحها لدى الأقوياء الأوروبيين والتحالف معهم في رعاية أحد مسارات الحل المقترحة في برلين، أما الجزائر فهي لا تمتلك رؤية واضحة بشأن الملف الليبي حتى الآن، إذ أن تصريحات مسؤوليها، ما زالت مضطربة، بين اعتبار طرابلس خطا أحمر إلى الارتماء في أحضان حفتر بحثا عن طريقة تبعد بها خطر مليشياته عن حدودها التي باتت على مشارفها، ومما يزيد الالتباس السياسي في الشأن الليبي، بحسب باحثن ليبيين، دور القبائل الليبية وبعضها يقدم أبناءه للقتال في صفوف حفتر، وبعضها مجبر على ذلك، والبعض الآخر يغض طرفه عن أرتال المرتزقة التي تمر عبر أراضيه لمعسكرات حفتر، بل ويحمي مواقع النفط التي تقع في أراضي نفوذه القبلي.

 

من جانبه، واصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تصريحاته التي تحمل نبرة تشاؤمية حول الأوضاع في ليبيا، بعد وصوله إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا للمشاركة في قمة الاتحاد الأفريقي، التي حملت اسم “إسكات البنادق في أفريقيا”.

وقال غوتيريش: “إن الأمم المتحدة تضغط لحل الأزمة الليبية، وكان هناك بعض المؤشرات الإيجابية، تلاشت مع تجدد المواجهات في طرابلس“.

وأضاف “منذ أشهر عدة، شهدنا تصعيداً خطيراً للنزاع يهدد بعواقب كارثية على الشعب الليبي”، لافتاً إلى “انتهاك القوانين الدولية لحقوق الإنسان، وكذلك قرارات مجلس الأمن وتجاهلها عدة مرات“.

وأشار إلى أن الدعم العسكري الخارجي لطرفي النزاع الليبي يزيد من مخاطر نشوب صراع إقليمي.

وتبقى بعض الآمال الخافتة، من تحقيق أي تقدم سياسي، قبل انهيار وقف إطلاق النار مع اقتراب قوات حفتر من أكبر حشد عسكري وتسليحي، يجري على قدم وساق من حلفائها في القاهرة وأبوظبي.

وكان  المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، قد عبر عن أمله في مشاركة الشخصيات المدعوة من الجانبين في المسار السياسي في 26 فبراير الجاري في جنيف، موضحا أن “أحد الطرفين نجح في اختيار ممثليه، والآخر ما زال يجد صعوبة في ذلك“.!!!

 

ألغام على طريق السياسة

 

واعتبر الصحفي الليبي فاتح الخشمي أن نتائج اجتماع اللجنة العسكرية بقيت مبهمة، قائلاً لـ “اندبندنت عربية”: إنه “لم تصدر أي تصريحات من طرفي اللجنة، وكل ما تلقاه الليبيون هو بعض بذور الأمل، التي حاول رئيس البعثة الأممية غسان سلامة نثرها أمامهم وأمام المجتمع الدولي“.

واصفا الوضع في البلاد بأنه “لا يزال معقداً، والمسارات الحوارية متعثرة ولا وجود لاتفاقات كلية حتى الآن. كما أن استمرار التدخلات الخارجية السلبية يزيد تعقيد المواقف وتعميق الأزمة”. ورأى أنه “من المحتمل أن نشهد عودة للحل العسكري بناءً على المستجدات الأخيرة“.

وعلى خلفية تعثر الجولة الأولى من مفاوضات المسار الأمني، تواترت أنباء متطابقة عن تصعيد عسكري محتمل في جبهات القتال، بعد إصدار جيش حفتر تعليمات إلى قواته برفع درجة التأهب إلى الحالة القصوى.

وأكدت غرفة عمليات إجدابيا التابعة لحفتر، هذه الأنباء، معلنة ما سمته “حالة الاستعداد في جميع محاور جنوب طرابلس”. وقالت الغرفة، على صفحاتها الرسمية في مواقع التواصل: إن “القوات على استعداد تام لخوض المعارك فور وصول التعليمات”.

من جهته، حذر السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نولاند، في سلسلة تغريدات، من “تجدد العمليات العسكرية في البلاد“. وقالت السفارة: إنها “تتابع بقلق التقارير الموثوقة التي تفيد بأن هناك عمليات عسكرية يتم التخطيط لها من قبل القوات التابعة للطرفين في المستقبل القريب”، مضيفة: “سواء كانت عدائية أو استباقية، فإن مثل هذه الأعمال تنتهك الاتفاقيات الموقعة في برلين“.

وبحسب خليل الكلاعي، بمقاله بالعربي الجديد ” “ليبيا .. أجراس ما بعد برلين”: فإذا كانت قمة موسكو قد خرجت بتعهد شفوي من حفتر بوقف إطلاق النار إلا أنه واقعيا يقوم بتكديس الأسلحة بشكل كبير، يجعل المراقب يتأكد من أن من “يكدّس الأسلحة والعتاد والمقاتلين بهذا القدر لا يفكّر في الانخراط في أية عملية سياسية”، إذ أن  مؤتمر برلين لم يزد على كونِه تأكيداً لما اتُّفق عليه في موسكو، ولم يتجاوز مستوى التزام حفتر تجاه المجتمعين في برلين أكثر من تكرار التعهّد الشفوي بوقف إطلاق النار، وهو ما كان العارفون بطريقة تفكير الرجل، وبسوابِقِ حلفائه في التعامل مع الملفات التي يلعبون فيها أدواراً متقدّمة، مدركين له تماماً، وإذ بدا خلال برلين وبعدها أن دور أوروبا قد تراجع كثيراً في الملف الليبي لمصلحة روسيا وتركيا، فإن هذه الفكرة، على أهميتها، كانت أقلّ شأناً، مقارنةً بفكرة أخرى، محورها أن جنرالاً مارقاً مسنوداً بدعم إماراتي سخي يضرب عرض الحائط، لا بأوروبا فقط (باستثناء فرنسا)، ولكن كذلك بالمجتمع الدولي برمّته، وهو ما يتضح في ثلاث مسائل أساسيّة:

الأولى، أن الزخم الذي سبق برلين، كان يشي بأن خريطة طريق جديدة للحل في ليبيا ستنبثق من هذا الاجتماع، وستحظى بإجماع دولي، وبموافقة طرفي الصراع في طريقها إلى التبني، وهو ما لم يحصُل، حتى إن بعضهم شبّه قمة برلين باجتماعات الصخيرات في 2015، التي كانت ذروة التعاقد السياسي والمجتمعي في ليبيا بعد انقسام 2014. وفي المقابل، لم يزد كل ما التزمه حفتر على تعهد شفوي.

الثانية، أن اتفاق برلين اعتمد آلية اللجنة العسكرية المشتركة (خمسة عسكريين عن كل طرف) لمراقبة وقف إطلاق النار وتثبيته، وهي آلية تواصل لم تحقق أي نجاح يذكر في السابق، حين التقى عسكريون من الجانبين، قبل بدء الحرب، وطوال عام أو يزيد، في ستة اجتماعات متتالية، برعاية مصرية في إطار ما تعرف بمباحثات توحيد المؤسسة العسكريّة. ولم تتمخّض تلك الاجتماعات عن أي شيء. زد على ذلك، أن القادة النظاميين في الطرفين ليسوا هم من يقود القوات على الأرض، وليسوا هم من يمسك فعلاً بزمام التصعيد أو التهدئة.

الثالثة، أن الطرفين استمرّا في تلقي السلاح بكميات هائلة، ما يشي بأن محطتي موسكو وبرلين، وبينهما اتفاق وقف إطلاق النار، لم تكونا إلا فُسحة من الوقت لاسترداد الأنفاس، والتجهّز لجولة أخرى من التصعيد، قد تكون طاحِنة، بالنظر إلى كميات السلاح التي دخلت ليبيا في الأسابيع الأخيرة، يُحدّثُ عن ذلك بيان البعثة الأممية، حين ذكر استمرار الرحلات التي تقوم بها طائرات شحن، نقلت عتاداً ومقاتلين باتجاه شرق البلاد وغربها، متهماً دولاً شاركت في مؤتمر برلين بالاستمرار في خرق حظر السلاح.

وكان تقرير سابق لموقع إنتيليجنس أونلاين الاستخباري قد أكد تلقي حفتر، إثر مؤتمر برلين، ثلاثة آلاف طن من العتاد العسكري، وهو ما يعادل ما سبق له تلقيه طوال سنة، طبقاً للموقع نفسه، مرت عبر مطارات بالإمارات والعقبة الأردنية إلى مطار الخادم بشرق ليبيا.

وهو ما يؤكد، أن حفتر يتجهّز بشكل حثيث لجولة جديدة من المواجهة.

 

 

وقف النفط سلاح بيد حفتر

 

وبغض النظر عن الاعتبارات الثلاثة آنفة الذكر، لم يقتصر نهج حفتر في إدارة الحرب على تكديس القوة العسكريّة فقط، بل كذلك على حرمان حكومة الوفاق الاستفادة من عوائد النفط في التسلّح، أو في عقد الصفقات التي لها علاقة غير مباشرة بالحرب، تُرجمان ذلك ما قام به من توظيف ما بدا أنه حراك شعبي يطالب بغلق الموانئ النفطية (حراك ظاهره اجتماعي وباطِنه سياسي عسكري)، أفضى لاحقاً إلى إيقاف قوات حفتر حركة التصدير في موانئ الحريقة والسدرة والزويتينة والبريقة ورأس لانوف شرقي البلاد، وكذلك قفل صمامات حقل الحمادة، ما انجرّ عنه إيقاف الإنتاج في حقلي الفيل والشرارة، وهما الأكبر في ليبيا كلها. وهي خطوة يقول متابعون: إنها اتخذت بتنسيق مع فرنسا التي عرقلت بياناً أوروبياً مشتركاً يشجب الخطوة، ويطالب باستئناف الإنتاج.

وفي 6 فبراير الجاري، أعلنت المؤسسة الوطنية الليبية للنفط أن خسائر الاقتصاد الليبي الناتجة عن إغلاق المنشآت النفطية من قبل خليفة حفتر في 17 يناير الماضي بلغت نحو مليار دولار.

 

وأوضحت المؤسسة في بيان ، أن إنتاج النفط الخام في البلاد تراجع من 1.2 مليون إلى 187 ألف برميل يوميا، أي بنسبة 80%.

وأضافت أن خسائر الاقتصاد الليبي منذ 18 يناير الماضي وحتى 3 فبراير الحالي بلغت 931 مليون دولار، وأشارت إلى أن فاقد الإنتاج عن الفترة ذاتها بلغ 14.5 مليون برميل.

وكان رئيس مجلس إدارة المؤسسة مصطفى صنع الله توقع انخفاض الإنتاج الليبي إلى 72 ألف برميل خلال أيام.

وبلغت إيرادات ليبيا من النفط نحو 20.3 مليار دولار خلال الـ11 شهرا الأولى من العام الماضي وفق إحصائية حديثة لمصرف ليبيا المركزي.

كما سبق أن حذرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من أن تعطيل إنتاج النفط ستكون له عواقب وخيمة على الشعب الليبي الذي يعتمد كليا على التدفق الدائم للنفط، كما ستكون له تداعياته الهائلة التي ستنعكس على الوضع الاقتصادي والمالي المتدهور أصلا في البلاد.

 

ولعل إيقاف تصدير النفط، بما يعنيه من حرمان حكومة الوفاق عوائدَ مالية ضخمة، سيحدّ من مقدرتها على مغازلة دول أخرى لها علاقة بالملف الليبي، ولا ترى في ليبيا إلا حقل نفط كبيراً، بهدف حشدها إلى جانب معسكر الوفاق، أو تحييدها عبر عقود استثمارية أو تراخيص تنقيب واستخراج للنفط أو الغاز. وفضلاً عن ذلك كله، سيجعل توقف النفط حكومة الوفاق تواجه على المديين، المتوسط والبعيد، صعوبات في إدارة موازنتها التي تعتمد، في أكثر من 80% منها، على عوائد النفط، وهو ما سيسبّب حالة من التململ والسخط الشعبي في مناطق نفوذها. وهذا بالضبط ما يبحث عنه حفتر لإرباكها أكثر، وجعلها تبدو داخلياً بمظهر الضعيف، وعبر هذه الآلية يضرب حفتر عصافير كثيرة بحجر واحد.

ومن ثم فإن مراقبين، يرون أن أهم مكسب حقّقه حفتر في موسكو وثبّته في برلين، كان قبول معسكر الوفاق بوقف لإطلاق النار، يفضي إلى إحياء العمليّة السياسية من دون مطالبتِهِ بالانسحاب إلى نقاط تمركزه، قبل 4 إبريل الماضي. وكان الرأي السائد في طرابلس، منذ أشهر، يعتبر أي مشروع لوقف إطلاق النار من دون رجوع حفتر إلى مواقعه قبل ذلك التاريخ خيانة، بل شبه انتصارٍ لحفتر، لو قُدِّر له أن يتحقق. والآن لم يعُد للحديث عن ذلك الشرط تحديداً من محل، ربما لأن مسؤولين في معسكر الوفاق يعتقدون أنه غير واقعي الآن على الأقل، غير أن تراجع الحديث عن ذلك الشرط المركزي في أي محادثات أو حوار على فرض أنه نصف انتصار لحفتر لا يحجِبُ انعكاساتٍ ربما لم يقرأ لها حفتر حساباً قبل تحرّكه نحو طرابلس منذ عشرة أشهر، ويمكن اعتبارها نصف هزيمة له. من ذلك، مثلاً، إذابة الخلافات القديمة بين التشكيلات العسكرية المختلفة في المنطقة الغربية، وخصوصاً بين تشكيلاتٍ في مصراتة، كانت تُعتبرُ متشددة سياسياً، وتخاصم حكومة الوفاق وتشكيلاتٍ في طرابلس، حيث اتحدت خلال هذه الحرب مجموعاتٌ كانت، في السابق، يقاتل بعضها بعضاً على خط واحد، ضد قوات حفتر، فضلاً (وهذا الأهم) عن أن الحرب أوجدت ديناميكية جديدة داخل تشكيلات طرابلس نفسها، وهي ديناميكيةٌ أحيت، بشكل لافت، شعارات الثورة الليبية ومبادئها، في انطلاقتها، وهي تبِعات يبدو أن حفتر لم يقرأ لها في البدء حساباً، حين اعتقد أنه سيجد نفسه في مواجهة التشكيلات المسلّحة الموجودة في طرابلس.

 

تحديات مستقبلية

ويبقى الصراع في ليبيا مشتعلا، حيث يراهن حفتر على قوته العسكرية وقدراته على إغلاق المصافي النفطية، التي تؤثر سلبا على حكومة الوفاق، التي قد تواجه تململا شعبيا ناجما عن تراجع الوفورات المالية والاقتصادية، ما قد يثير غضب بعض الفصائل المسلحة التي تتمتع بقدر ما من الاستقلالية عن حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي، كما في مصراتة، التي تقاربت مع حكومة الوفاق مؤخرا، بفعل ضربات حفتر للمدن جنوب ووسط طرابلس، وفي جانب آخر تبقى التدخلات الدولية أكبر عوائق الحل السياسي في ليبيا، خاصة من الجانب المصري الإماراتي، الملبوس بداء الإخوان، حيث تتواصل الاتهامات لحكومة الوفاق بأنها توفر الملاذ الآمن لفصائل الإخوان، بجانب التدخل التركي، المضاد للأجندات القمعية الإماراتية والمصرية في المنطقة العربية حاليا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مستقبل عملية “إيريني” الأوروبية لحظر توريد السلاح لليبيا بحرا ..قراءة في التوقيت والثغرات والمواقف

مواقف متضاربة أثارها إعلان الإتحاد الأوروبي لإطلاق المهمة العسكرية الأوربية في ليبيا، بدءا…