‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الخرائط المجهولة لمراكز القوى داخل النظام قراءة في خلفيات الجدل حول مشروع قانون المحليات
مصر - فبراير 15, 2020

الخرائط المجهولة لمراكز القوى داخل النظام قراءة في خلفيات الجدل حول مشروع قانون المحليات

التاريخ: 8 فبراير 2020

في ديسمبر 2019، وبعد جدل بين رئيس البرلمان المصري وأحزاب محسوبة على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بخصوص قانون المحليات المقدم من الحكومة، استجاب رئيس البرلمان المصري علي عبد العال لرؤساء الهيئات البرلمانية للأحزاب المقربة من النظام، وتراجع عن مناقشة قانون الإدارة المحلية الجديد في الجلسة العامة، بعد إدراجه على جدول الجلسات العامة، وذلك بعد الهجوم الذي قادته هذه الأحزاب ضد رئيس البرلمان[1].

دارت هذه المعركة -في ذلك التوقيت- حول مشروع القانون بين طرف يمثله رئيس البرلمان علي عبد العال، يؤكد أن “من يقاوم إصدار هذا التشريع هي الدولة العميقة بالمحليات، وأن مصر من دون أجهزة محلية منذ تسع سنوات، ولا يجوز رفض القانون من حيث المبدأ باعتباره التزامًا دستوريًّا”[2]. وطرف آخر يمثله أحزاب ائتلاف «دعم مصر»، والذي يرى أن مشروع القانون لا يحقق الهدف المأمول منه، وأن هناك أسبابًا تُعيق إجراء انتخابات المجالس المحلية، ومنها: “التقسيم الإداري للدولة، وتصويت المصريين بالخارج في انتخابات المحليات، والمواد الدستورية الخاصة بالمحليات، والتي يجب تعديلها، والنظام الانتخابي المقترح”[3]. الغريب أن هذا الخلاف حول القانون قد تفجر، رغم أن مشروع القانون مقدم من السلطة التنفيذية وعلى رأسها السيسي، ومقدم لبرلمان تشكل في غرف المخابرات وأجهزة الأمن، وهو ما يدعم فكرة وجود جهات متنافرة داخل جهاز الدولة، لكل منها رؤيته ومواقفه.

بعد ذلك الجدل بأيام فقط، وبالضبط في 25 ديسمبر 2019، خلال لقاء السيسي بالصحفيين على هامش افتتاحات مشروع الثروة الحيوانية في الفيوم، أكد مصطفى بكري أنه توجه بالسؤال للسيسي، عن مدى قدرة الدولة على إجراء ثلاث انتخابات -في إشارة للمحليات والشيوخ والنواب- في عام واحد، فقال السيسي: “أنا مع إجراء الانتخابات في عام واحد، ولكن من الصعوبة إجراءها مرة واحدة”، وأضاف “بكري” أن السيسي طالب بحوار مجتمعي واسع، والتعرف إلى كل وجهات النظر حول انتخابات المحليات[4]. وتبدو من إجابة السيسي أنه أقرب لموقف أحزاب الائتلاف «دعم مصر» وحزب «مستقبل وطن» ضد عبد العال. والسؤال هنا ما سبب الجدل والخلافات إن كان السيسي يدعم أحد طرفي الخلاف، إذا علمنا أن السيسي هو قطب الرحى الذي تلتف حوله كل قوى نظام دولة يوليو 2013؟ التفسير المطروح أن النظام -بما فيه السيسي – لم يحسم موقفه بعدُ من إجراء انتخابات المحليات، وهذا التردد هو سبب ظهور الخلافات بين مكونات النظام.

 

محددات الموقف المرتبك للنظام من المحليات:

بداية يدرك النظام بكل أجهزته القيمة المركزية لـ “الإدارة المحلية”، في ضمان استقرار النظام وسيطرته التامة على المجتمع. فـ (الإدارة المحلية هي الفرع الثالث من السلطة التنفيذية بعد رئيس الجمهورية والحكومة، وقد أفرد لها دستور 2014 فصلًا كاملًا[5] ينظم آلية تقسيم الدولة إلى وحدات إدارية، منها المحافظات، والمدن، والقرى، على أن يكون لكل وحدة إدارية موازنة مستقلة. وألزم البرلمان بإصدار قانون يتضمن شروط وطريقة تعيين أو انتخاب المحافظين، ورؤساء الوحدات الإدارية المحلية الأخرى، واختصاصاتهم، وطريقة انتخاب مجلس محلي لكل وحدة محلية، وتطبيقه بالتدريج خلال خمس سنوات من سريانه في 18 يناير 2014، وهي المدة التي انتهت بالفعل في 18 يناير 2019)[6].

كما يدرك النظام أن سرعة إنجاز انتخابات المحليات أو ترتيبات أخرى بديلة، تعيد تشكيل خريطة المحليات بما يتوافق مع توجهات النظام، ويعبر عن تحالفاته في المجتمع، ويشكل دعمًا كبيرًا للاستقرار، وتعضيدًا لسطوة النظام وسيطرته على المجتمع، وأن تأخر هذه الخطوة قد يفتح مجالًا لعودة القوى المناوئة من باب الفراغ الناجم عن تأخر انتخابات المحليات، وسيسمح للتحالفات في المحليات المتوارثة عن دولة مبارك أن تمثل خاصرة رخوة للنظام؛ فهي تمثل عصب المكون الثالث من مكونات السلطة التنفيذية الثلاث “الرئاسة، الحكومة، المحليات”، وفي الوقت نفسه، فإن ولاءها ليس للنظام.

ويدرك النظام في الوقت ذاته أنه رغم هذه الأهمية الكبيرة لانتخابات المحليات، إلا أنه يدرك أيضًا أن إجراء هذه الانتخابات محاط بالمخاطر، وقد يسمح بتسرب قوى مناوئة لداخل الأجهزة المحلية من باب الانتخابات؛ لذلك بالرغم من أن السيسي منذ أبريل 2016 توجه للحكومة بالبدء في تنفيذ إجراءات انتخابات المحليات قبل نهاية هذا العام[7]، وبالرغم من استجابة الحكومة، والتي انتهت من إعداد مشروع القانون في يوليو من العام نفسه[8]، وأرسلته إلى مجلس النواب، الذي أعلن في سبتمبر من العام نفسه تسلم مشروع القانون[9]، إلا أن مشروع القانون ظل حبيس الأدراج منذ انتهت لجنة الإدارة المحلية بالبرلمان من مراجعته في أبريل 2017، وحتى ديسمبر الماضي 2019.

 

تفسير الخلاف عبر رصد الخرائط المجهولة لمراكز القوى داخل النظام:

إن كان التردد هو سيد الموقف، والارتباك هو المهيمن على تعاطي النظام بمكوناته مع مشروع القانون، فما تفسير هذه الجدالات والاشتباكات بين مراكز القوى داخل النظام على مشروع القانون. ثمة ثلاث تفسيرات؛ التفسير الأول: أن الخلاف الحقيقي حول مشروع القانون حدث بسبب تجدّد الصراع بين جهاز سيادي وأحد الأجهزة الأمنية، وذلك بعدما أُسند الملف السياسي للبلاد (البرلمان والأحزاب) مؤخرًا للجهاز السيادي مرة أخرى، وذلك بعدما أُسند للجهاز الأمني خلال فترة التعديلات الدستورية في 2019. وأن رئيس البرلمان يمثل الجهاز السيادي “المخابرات العامة”، بينما الأحزاب تمثل أحد الأجهزة الأمنية “الأمن الوطني”، وأن المخابرات ارتأت ضرورة إحداث تطور لافت في ملف الانتخابات المحلية في عام 2020؛ بهدف ملء الفراغ السياسي المُسيطر على المشهد المصري، إلا أن جهاز الأمن الوطني كان له رأي مغاير؛ لمنح الجهاز مزيدًا من الوقت لإحكام سيطرته على المحليات[10] بعد انهيار التحالفات -خلال سنوات الثورة- التي أسستها الدولة مع العائلات الكبرى إبان حكم الرئيس الأسبق مبارك، والذي امتد لثلاثين عامًا.

هذا التفسير يؤكده مراقبون، وأن ما حدث يمثل مبارزة باتت متكررة في الآونة الأخيرة بين رئيس البرلمان المحسوب على الأجهزة السيادية، و«مستقبل وطن» المحسوب على جهاز أمني، عاد على إثرها القانون إلى الدرج إلى أجل غير مسمى[11]، وما يؤكد هذا الطرح أن من النواب من رأى أن اعتراضات ائتلاف دعم مصر واهية، وأن النواب المعارضين لمشروع القانون لم يتطرقوا إلى أي ملاحظات موضوعية على القانون، وإنما كلها اعتراضات ظاهرية تؤكد أن غالبيتهم لم يقرأوا مسودة القانون من الأساس، وإنما ينفذون أوامر ما، خاصة أن أيًّا من النواب الرافضين لفتح باب المناقشة حول مواد القانون المقترح، لم يتطرقوا للمواد الجدلية، مثل المادة الخاصة باختيار المحافظ بالتعيين وليس بالانتخاب[12].

التفسير الثاني: أن الأحزاب التي رفضت تمرير القانون الذي يمهد لإجراء انتخابات المحليات، غير مستعدة للمجالس المحلية ومجلس النواب خلال عام واحد، وأن القانون يحمل الكثير من النقاط التي تمثل عقبات أمام هيمنة هذه الأحزاب المدعومة من النظام على المحليات. وقد ذكرت هذه الأحزاب أن من أسباب رفضها لمشروع القانون (مطالباتهم بأن تكون انتخابات المجالس المحلية بنظام القائمة المطلقة المغلقة بنسبة 100% بدلا من نسبة 75% المنصوص عليها في مشروع قانون الحكومة، بالإضافة إلى مناداتهم بضرورة اعتماد تخطيط عمراني جديد للدولة، وفصل حدود المحافظات قبل إنفاذ القانون، وتعارض المشروع مع قانون المجتمعات العمرانية الذي يخضع المدن الجديدة لوزارة الإسكان وليس للإدارة المحلية، وكذلك اعتراضهم على تعريف المشروع للعمال والفلاحين، واشتراطه عدم ترشح حملة المؤهلات العليا لمقاعدهم).

التفسير الآخير: أن السبب الحقيقي، وغير المُعلن، وراء تأجيل مناقشة القانون، يتمثل في اشتراط مراقبة المجالس المحلية لخطط التنمية، ومتابعة أوجه النشاط المختلفة، وممارسة أدوات الرقابة على الأجهزة التنفيذية، بحسب أحكام الدستور، وهو ما يُهدد بشكل واضح عمليات الإسناد المباشر من الوزارات والمحافظات المختلفة للشركات التابعة لوزارة الدفاع، وعلى رأسها جهاز الخدمة الوطنية، والهيئة الهندسية للقوات المسلحة. وأن هذا يُنذر بأحد أمرين: إما سحب عمليات الإسناد من الجيش في حالة نزاهة المجلس المحلي، أو مشاركة المجلس أرباح المؤسسة العسكرية من وراء تلك المشاريع بصورة غير شرعية[13].

ما يدعم هذا التفسير أن انتخابات المحليات مرفوضة جملة من المؤسسة العسكرية، وأنها من خلال الاستخبارات العامة أوعزت لـ «دعم مصر» وحزب «مستقبل وطن» برفض مشروع القانون. ينصّ مشروع القانون على أن تُجرى انتخابات المحليات بنظامي القائمة المطلقة المغلقة بنسبة 75% [نظام يختار الناخب فيه جميع أعضاء قائمة لتنجح معًا أو تخسر معًا] والفردي بنسبة 25%. وهو ما يصب في مصلحة أحزاب ائتلاف «دعم مصر»[14].

 

الخاتمة:

كان آخر تطورات مشهد الصراع بين مراكز القوى في النظام على القانون المنظم للانتخابات المحلية، هو بدء حزب “مستقبل وطن”، المُدار حاليًّا بواسطة جهاز الأمن الوطني بالداخلية المصرية، اجتماعات تحضيرية لإعداد مشروع جديد لقانون المحليات، بعد رفضه مشروع القانون المقدّم من الحكومة؛ بسبب تمريره مباشرة من المخابرات العامة (التي أسست الحزب وكانت تديره سابقًا) للبرلمان مباشرة، بواسطة رئيسه علي عبد العال، من دون التشاور مع الأمن الوطني في محتواه النهائي وتوقيته[15]. أما عن سبب نجاح حزب “مستقبل وطن” وائتلاف “دعم مصر” في الحيلولة دون تمرير القانون المدعوم من المخابرات العامة، وتدعيم موقف الأمن الوطني في الصراع بين الجهازين، فيعود في جزء منه لميل السيسي لجانب الأمن الوطني في خوفهم من تداعيات إجراء انتخابات المحليات دون إحكام القانون المنظم لهذه الانتخابات بشكل يحول دون تسرب عناصر مناوئة للنظام، أو ليست على هواه إلى المحليات، ثالث مكون من حيث الأهمية بعد الرئاسة والحكومة، ولأن موقف الحزب المتحفظ أكثر أمانًا من موقف المخابرات الذي يبدو أن عواقبه غير مأمونة، ولأن الخوف والحذر أصبح الصفة البةالمميزة للنظام بعد احتجاجات 20 سبتمبر.

[1]  العربي الجديد، الأمن الوطني ينتصر على المخابرات بمعركة “انتخابات المحليات” في مصر، 22 ديسمبر 2019، الرابط: http://bit.ly/34UnImJ

[2]  بوابة الشروق، عبد العال: أنصاف القانونيين أوهموا البعض برفض «الإدارة المحلية»، 22 ديسمبر 2019، الرابط: http://bit.ly/2uwKx3H

[3]  فيتو، هل الأحزاب السياسية مستعدة لخوض انتخابات المحليات طبقا لمشروع القانون المعروض؟، 25 ديسمبر 2019، الرابط: http://bit.ly/3bksZbH

[4]  فيتو، بكري: الرئيس السيسي طالب بحوار مجتمعي حول انتخابات المحليات، 25 ديسمبر 2019، الرابط: http://bit.ly/2S8cEPS

[5]  ويكي مصدر، دستور مصر 2014، الرابط: http://bit.ly/2SscxO2

[6]  مدى مصر، لهذه الأسباب سقط «المحليات» في دهاليز «الدولة العميقة»، 11 يناير 2020، الرابط: http://bit.ly/2OD9HEN

[7]  المصري اليوم، السيسي يوجّه إسماعيل بسرعة إجراء انتخابات المحليات، 13 أبريل 2016، الرابط: http://bit.ly/3boZ9CM

[8]  المصري اليوم، الحكومة توافق على قانون الإدارة المحلية، 20 يوليو 2016، الرابط: http://bit.ly/2vkH2gL

[9]  المصري اليوم، بالصور .. الحكومة ترسل مشروع قانون الإدارة المحلية للبرلمان بشكل رسمي لمناقشته، 5 سبتمبر 2016، الرابط: http://bit.ly/2H2OU9x

[10]  العربي الجديد، البرلمان المصري يؤجل مناقشة قانون المحليات لأجل غير مسمى، 23 ديسمبر 2019، الرابط: http://bit.ly/2MwGavv

[11]  مدى مصر، لهذه الأسباب سقط «المحليات» في دهاليز «الدولة العميقة»، مرجع سابق.

[12]  المرجع السابق.

[13]  العربي الجديد، “بيزنس الجيش” وراء تجميد قانون المحليات المصري، 25 ديسمبر 2019، الرابط: http://bit.ly/2MukuQE

[14]  مدى مصر، لهذه الأسباب سقط «المحليات» في دهاليز «الدولة العميقة»، مرجع سابق.

[15]  العربي الجديد، استئناف التحضير لمحليات مصر: اتجاه لقائمة موحدة، 6 فبراير 2020، الرابط: http://bit.ly/2HcAFPf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

متى ينتهي وباء كورونا ومتى تعود البشرية إلى الحياة الطبيعية؟

وضعت حكومة الانقلاب العسكري في مصر ثلاثة سيناريوهات للتعامل مع حجم ومدى تفشي العدوى، بحسب …