‫الرئيسية‬ العالم العربي هل تلجأ السلطة الفلسطينية وحماس إلى تفعيل أدواتهما لمواجهة صفقة القرن؟
العالم العربي - فبراير 15, 2020

هل تلجأ السلطة الفلسطينية وحماس إلى تفعيل أدواتهما لمواجهة صفقة القرن؟

التاريخ: 8 فبراير 2020

بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبجواره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الثلاثاء 28 يناير 2020، عن الشق السياسي لخطة السلام الأمريكية في الشرق الأوسط، والمعروفة إعلاميًّا بـ “صفقة القرن”. ثار الحديث عن الأدوات الفعالة التي تملكها كل من السلطة الفلسطينية وحماس لمواجهة تلك الصفقة، وتمثلت تلك الأدوات بصورة أساسية في وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل من قبل السلطة، ولجوء حماس إلى التصعيد العسكري ضد إسرائيل في قطاع غزة، وأخيرًا، وليس آخرًا، اتجاه الطرفين نحو تحقيق المصالحة. فهل يتجه الطرفان نحو تفعيل تلك الأدوات لمواجهة الصفقة؟

 

هل تنفذ السلطة الفسطينية تهديدها بوقف التعاون الأمني مع إسرائيل؟:

كشفت قناة التلفزة الإسرائيلية “12”، في 29 يناير 2020، أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بعث برسالة شخصية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد فيها أن الخطة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعني أن إسرائيل والولايات المتحدة قد ألغتا اتفاقية أوسلو.

وقالت المعلقة السياسية للقناة دانا فايس، إن عباس شدد في الرسالة التي سلمها وفد فلسطيني إلى وزير المالية الإسرائيلي موشيه كحلون، لينقلها إلى نتنياهو، على أن السلطة ترى نفسها “غير ملزمة بتنفيذ كل التزاماتها في اتفاقية أوسلو، وضمن ذلك التعاون الأمني مع إسرائيل”. وأضاف عباس في رسالته: “يحق لنا أن نقوم بتحطيم القواعد تمامًا كما تفعلون، من خلال الإجراءات الأحادية الجانب”. وحسب فايس، فإن عباس شدد في رسالته على أنه معنيٌّ بنقل هذه الرسائل الواضحة لنتنياهو، قبل أن يقوم بإبلاغ اجتماع الجامعة العربية بها يوم السبت المقبل (1 فبراير)[1].

وفي كلمته خلال الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب في 1 فبراير الجاري (2020) بالقاهرة، فقد أعلن عباس عن رفض الفلسطينيين لـ “صفقة القرن، ورفض بقاء الولايات المتحدة وسيطًا وحيدًا لأي عملية سلام مستقبلية”. وذكر أنه أبلغ رسميًّا الأمريكيين والإسرائيليين، بقطع كافة أشكال التنسيق الأمني معهما، معلنًا انطلاق المواجهة السلمية لاسترداد الحقوق الفلسطينية.

إلا أن أغلب التحليلات التي تناولت تلك التهديدات أكدت على أنه لن يتم تنفيذها، وذلك لمجموعة من الأسباب، منها:

1- أن عباس سبق وأن هدد بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل عدة مرات، كما أن المجلسين المركزي لمنظمة التحرير والوطني اتخذا العديد من القرارات بهذا الشأن عام 2015 بقطع العلاقات مع إسرائيل، وفي 2017 بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة، ولم يتم تنفيذ أي منها[2].

2- أن لغة عباس أصبحت أقل حدة، فقد أشار أبو مازن، خلال ترؤسه اجتماعًا للحكومة الفلسطينية في مدينة رام الله، الاثنين (3 فبراير 2020) إلى أنه أبقى قناة واحدة للتنسيق مع الإدارة الأمريكية والبيت الأبيض، مؤكدًا أنها لن تقطع، ومن ضمنها العلاقات الأمنية. وعن العلاقة مع الجانب الإسرائيلي قال الرئيس الفلسطيني: “كذلك مع إسرائيل، لا يوجد الآن أي علاقة إلا الأغراض التي يبيعوننا إياها ونشتريها منهم، والتنسيق الأمني، ونحن نرفض هذا التنسيق إذا استمروا في هذا الخط”[3].

3- أن اللقاءات بين الأجهزة الأمنية مستمرة ولم تتوقف، فقد كشفت قناة “كان” العبرية، عن زيارة سرية قامت بها جينا هاسبل مديرة وكالة المخابرات المركزية إلى مدينة رام الله بعد يوم واحد من إعلان تفاصيل “صفقة القرن”، واجتمعت برئيس المخابرات الفلسطينية ماجد فرج والوزير حسين الشيخ[4]. فضلا عن إجراء مسؤولي الأمن الإسرائيلي محادثات مع كبار المسؤولين الفلسطينيين وكبار المسؤولين الأمنيين في السلطة الفلسطينية، في محاولة لطمأنتهم بعد إطلاق ترامب لصفقة القرن[5].

أكثر من ذلك، فإن رئيس المخابرات العامة الفلسطينية، ماجد فرج، يبدو أنه من الشخصيات التي عملت على إنجاح الصفقة، فهو كان مجتمعًا مع مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكية، سرًّا قبل الإعلان عن الصفقة. يذكر أن فرج خلال الأعوام الأخيرة، قام بمجموعة من المهام التي مهدت لتمرير بنود الصفقة؛ إذ نجح الرجل -الذي ينادونه بـ «الباشا»- في استئصال حركة حماس وأسلحتها، والحد من نفوذها العسكري كثيرًا في الضفة الغربية[6].

4- استمرار الاعتقالات السياسية من قبل السلطة، واستجواب المعتقلين من أبناء حركتي حماس والجهاد الإسلامي، والذي يعد مؤشرًا على عدم وجود نية لدى السلطة الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي.

5- حالة الاستقرار الأمني في مدن الضفة الغربية المحتلة بعد إعلان ترمب لخطته للسلام، وعدم وجود مسيرات شعبية قوية ضد أماكن التماس مع الاحتلال الإسرائيلي، ما يعكس درجة التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل.

6- أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية سمحت لمسيرات بعد إطلاق صفقة القرن؛ ولكنها لم تسمح لهذه التحركات أن تأخذ مدى بعيدًا، أو تصل إلى مستوى يؤثر على الاحتلال الإسرائيلي.

7- كما حرصت الولايات المتحدة على إبقاء التنسيق الأمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو ما ظهر في أنه في حين قامت واشنطن بقطع الدعم المالي عن السلطة، فإنها لم توقف الأموال عن الأجهزة الأمنية[7].

8- أن عباس يخشى من أن تستغل حماس إطلاق صفقة القرن وما قد ينتج عنها من تسخين الشارع في الضفة الغربية؛ لاستعادة وجودها، والسيطرة مرة أخرى على الضفة؛ ولذلك فقد اتخذ أبو مازن قرارًا باستمرار التنسيق الأمني مع إسرائيل[8].

9- كما يخشى عباس من أن قطع العلاقات مع إسرائيل يؤدي إلى التسريع في عملية استبداله بغريمه المفصول من حركة فتح، محمد دحلان، خاصة في ظل العديد من الأجراءات التي تشير إلى استعداد دحلان لتولي رئاسة السلطة، والتي كان آخرها، ترتيب وضع تياره المسمى الإصلاحي ضمن مساعيه لتأسيس أطره النقابية. حيث أنشأ دحلان أخيرًا مكتبًا مركزيًّا لصحافييه على غرار «المكتب الحركي لصحافيي فتح»، فيما يعمل على إنشاء مؤسسات إعلامية في قطاع غزة، مقابل منع عباس نشاطه في الضفة المحتلة.

وتترافق تلك الجهود مع العمل على إعادة إحياء مؤتمر “عين السخنة” بنسخته الثانية، الذي يهدف إلى استضافة دورات ومخيمات في مصر، تركز على استهداف طاقات حقوقية وإعلامية، وتحديدًا من فئة الشباب الغزيين، مع دخول مباشر على خط الترويج لدور أكبر للقيادي الفتحاوي مروان البرغوثي، الذي تحول إلى خصم آخر لعباس. وفي هذا السياق، يشتكي مسؤولون مقربون من «أبو مازن» من موقف «الرباعية العربية» (مصر، السعودية، الإمارات، البحرين) التي دعم أطرافها «صفقة القرن»، وهم أنفسهم من يرون في دحلان رجل المرحلة المقبلة. ومن هنا، يُفهم جزء من الأسباب التي تجعل «فتح» مصرّة على زيارة غزة، وعودة العمل على ملف المصالحة[9].

 

هل تصعد حماس عسكريًّا ضد إسرائيل؟:

تشترط خطة السلام الأمريكية تجريد قطاع غزة بالكامل من السلاح، قبل تنفيذ إسرائيل لالتزاماتها الواردة بالخطة، وقبل إحداث أي تحسينات كبيرة لحياة السكان في القطاع. وجاء في المقترحات: “ستنفذ إسرائيل التزاماتها بحسب الاتفاق فقط في حال: سيطرة السلطة الفلسطينية أو أي هيئة وطنية أو دولية أخرى مقبولة لدى دولة إسرائيل بالكامل، ونزع سلاح حماس، والجهاد الإسلامي، وبقية المنظمات في غزة، وتكون غزة منزوعة السلاح”.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتنازل حماس أو فصائل المقاومة الموجودة في قطاع غزة عن سلاحها لأى جهة، حتى إذا كانت تلك الجهة هي السلطة الفلسطينية. خاصة وأن مطلب نزع سلاح المقاومة في غزة، مطلب قديم جديد، نصت عليه اللجنة الرباعية الدولية، منذ فوز الحركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006. كما يتجدد هذا المطلب في المحافل الدولية حينما يتحدث مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون حول إمكانية تحسين الأوضاع الإنسانية بغزة، أو في الرسائل الدولية للفلسطينيين، أو يُدرج ضمن شروط رفع الحصار الإسرائيلي، المستمر لعامه الـ 13 على التوالي على قطاع غزة[10].

وفى إشارة إلى إصرار المقاومة على عدم التنازل عن سلاحها، فقد قامت حماس (سواء بنفسها أو عبر السماح لتنظيمات أصغر) إلى التصعيد عسكريًّا ضد إسرائيل، فقد عادت البالونات الحارقة مرة أخرى، أعقبها خروج صواريخ بأعداد قليلة نحو بلدات غلاف غزة.

وإن كانت معظم التحليلات -منها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية- ركزت على عودة حماس إلى التصعيد؛ لاعتقادها بأن إسرائيل لم تنفذ التسوية بالسرعة المطلوبة، كما قرر الوسطاء الدوليون. كما أن إسرائيل لم تدفع لمشاريع البنية التحتية في قطاع غزة أو تشغيل المنطقة الصناعية المشتركة عند معبر المنطار “كارني”. فضلا عن قرار وزير الأمن الإسرائيلي، نفتالي بينيت، في 1 فبراير 2020، بوقف إدخال الأسمنت إلى قطاع غزة، وخفض 500 تصريح لتجار غزة للدخول إلى البلاد، وهي الخطوة التي جاءت بعد موافقة بينيت على إدخال الأسمنت للمرة الأولى منذ بدء العملية العسكرية على قطاع غزة في العام 2014، بالإضافة إلى إدخال الإطارات وزيادة عدد تصاريح الدخول للتجار[11].

ومن الجدير بالملاحظة أن التصعيد من قبل حماس كان محدودًا، وربما يرجع ذلك إلى ما تدعيه الاستخبارات العسكرية للجيش الإسرائيلي بأن قيادة حماس في القطاع اتخذت قرارًا إستراتيجيًّا لصالح التهدئة طويلة المدى، وأنه بعد اغتيال قائد الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا، جرى الادعاء بأن العقبة الرئيسة أزيلت من الطريق أمام تسوية غير مباشرة مع حماس. وأن هناك توصية من قبل الجيش الإسرائيلي للحكومة بتقديم تسهيلات كبيرة للقطاع؛ من أجل التوصل إلى تسوية، وأن نتنياهو استجاب لذلك[12].

وإن كان يمكن إرجاع محدودية التصعيد في ظل رغبة حماس في عدم إعطاء فرصة لإسرائيل لاستغلال التصعيد العسكري من قبلها؛ من أجل تنفيذ بنود الخطة بالقوة العسكرية. بجانب عدم التورط في حرب عسكرية شاملة مع إسرائيل، في ظل اختلال موازين القوة لصالح الاحتلال، خاصة وأن حماس تدرك بأن نتنياهو قد يقدم على شن مثل تلك الحرب إذا وجدها طوق النجاة الوحيد لإنقاذه من المحاكمة، وفوزه في الانتخابات القادمة. فضلا عن الظروف الإقليمية الصعبة المحيطة بحماس، في ظل تخلي الدول العربية عن دعمها، وفي ظل الحصار الذي تقوده واشنطن على إيران، أبرز الداعمين العسكريين للحركة. كما أن حماس ربما وجدت أن الأفضل هو إعطاء الفرصة للتحركات الجماهيرية والشعبية على الأرض في الضفة الغربية وغزة والقدس؛ من أجل التأكيد على أن رفض صفقة ترامب هو رفض فلسطيني شامل، وليس مقتصرًا عليها.

وربما يكون ذلك (التصعيد المحدود من قبل حماس) هو ما أدى إلى عدم وجود ردة فعل إسرائيلية قوية على تلك الضربات؛ حيث اقتصرت على ضربات لسلاح الجو الإسرائيلي لأهداف محدودة، في حين استمر نقل الأموال القطرية للقطاع. ويرجع ذلك إلى رغبة الحكومة الإسرائيلية في عدم الانجرار نحو عملية عسكرية واسعة وهي تقف على أبواب انتخابات ثالثة خلال عام (الانتخابات ستجرى في مارس 2020)، وهناك أيضًا الرغبة في تهدئة الجبهة الجنوبية مع غزة؛ من أجل التفرغ للجبهة الشمالية المشتعلة مع إيران[13].

وبالتوازي مع -وربما بديلا عن- التصعيد العسكري “المحدود” من قبل حركة حماس، فقد لجأت الحركة إلى الضغط على إسرائيل بورقة ملف الأسرى الإسرائيليين، فقد أشار الناطق العسكري للكتائب أبو عبيدة، في رسائل للصحافيين بثها عبر تطبيق “تلغرام”، في 5 فبراير 2020، أن القسام “تتحفظ على الكشف عن مصير الإسرائيليين الأسرى لديها في هذه المرحلة”. وأشار أبو عبيدة إلى أنه “في ظل الخديعة الكبرى التي مارسها (رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو) على الجمهور الصهيوني بإطلاق سراح المعتقلة الصهيونية في السجون الروسية (نعاما يساسخار) في قضية مخدرات، فإن العدو يترك أسراه الذين أرسلهم للعدوان في قطاع غزة منذ عام 2014، غير آبه بمصيرهم المجهول”[14].

وتأتي تصريحات الناطق العسكري للقسام بالتزامن مع إعلان خطة ترامب (صفقة القرن)، في الجزء الخاص بالأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل جنود إسرائيليين؛ حيث منح العدو الحق في تقرير مصيرهم. ومع الإفراج عن الإسرائيلية المتهمة بتجارة المخدرات من روسيا، وتسويق نتنياهو على أنه إنجاز، في وقت يترك جنوده الذين أرسلهم للقتال في غزة دون إجراء مفاوضات للإفراج عنهم. ومع سخونة المشهد الانتخابي، مع اقتراب إجراء الإنتخابات الثالثة، وطرح ملف الجنود الأسرى لدى المقاومة على الطاولة الانتخابية وبرامج الأحزاب.

وتريد المقاومة من خلال ذلك إرسال مجموعة من الرسائل، منها: رسالة لعوائل الجنود بأن أبناءكم لدى المقاومة في خطر، وأن عامل الوقت ليس في صالحكم. ورسالة للجمهور والإعلام الإسرائيلي غير المهتم بصورة فاعلة بملف الجنود الأسرى لدى المقاومة، عبر إعادة تفعيل قضيتهم؛ مما قد يشكل ضغطًا على الحكومة. ورسالة إلى الحكومة الإسرائيلية بأن المقاومة لن تتحمل مصير الجنود في المستقبل في حال واصل العدو المماطلة في إنجاز صفقة تبادل مع المقاومة. والتأكيد على أن كل خطط التسوية لن تستطيع تجاهل ملف الأسرى، وأن المقاومة هي الأمل الوحيد والحقيقي للإفراج عن الأسرى، لا عملية التسوية[15].

 

هل تنجح المصالحة بين حماس والسلطة الفلسطينية؟:

تمثل صفقة القرن فرصة ذهبية للمصالحة بين الفصائل الفلسطينية، خاصة في ظل ما أظهرته الصفقة من إشارات لدى حركتي فتح وحماس، في ردود فعلهما على إعلان الصفقة، تحمل روحًا إيجابية في اتجاه المصالحة الداخلية. حيث هاتف رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، الرئيس الفلسطيني محمود عباس؛ لبحث سبل مواجهة صفقة القرن، وفق تصريح أصدرته حركة حماس، ليقوم عباس بتثمين مبادرة هنية. كما أكد الطرفان على ضرورة العمل المشترك، واستمرار التنسيق والتواصل من أجل إفشال الصفقة. فضلا عن استعداد وفد من حركة فتح ومنظمة التحرير، لزيارة قطاع غزة؛ للتباحث مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي، حول صفقة القرن والمصالحة الفلسطينية، حسبما جاء على لسان حسين الشيخ عضو اللجنة المركزية لحركة فتح[16].

إلا أن هناك فشلا في استغلال تلك الفرصة من أجل تحقيق المصالحة، وهو الفشل الذي ظهر في فشل الفصائل الفلسطينية في الاجتماع على طاولة واحدة داخل فلسطين، سواء في الضفة الغربية أو في غزة، فقد أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية، في 3 فبراير 2020، عن تأجيل زيارتها المقررة إلى قطاع غزة لوقت آخر، لم تحدده، وقد تبادل الطرفان (السلطة وحماس) الاتهامات حول المتسبب في تأجيل هذا الاجتماع.

ففي حين أشار عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واصل أبو يوسف أن “سبب التأجيل متعلق بعدم جهوزية حركة حماس؛ نتيجة الظروف الأمنية في القطاع”، كما أكد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، عزام الأحمد، أن سبب التأجيل “نتيجة عدم الحصول على موافقة حماس على الزيارة”. لكن الناطق باسم حركة حماس فوزي برهوم قال في بيان صحفي، إن حماس وافقت على طلب ممثل حركة فتح بحضور الوفد، وبعقد لقاء ثنائي بين قيادات فتح وحماس، وأشار برهوم إلى أنه جرى التوافق على أن يكون الأربعاء المقبل (5 فبراير 2020) موعدًا للزيارة، على أن تبدأ بلقاء وطني عام، يضم القوى الوطنية جميعها والشخصيات المستقلة ترحيبًا بالوفد، ثم يجري الوفد سلسلة من اللقاءات وفق ما يراه مناسبًا[17].

وتدور الأحاديث عن أن سبب تأجيل الزيارة يعود إلى الخلاف حول برنامج الزيارة الذي يركز على الزيارات واللقاءات من دون بُعد جماهيري وشعبي، في حين يرغب عباس في الظهور بصورة جماهيرية مساندة له في غزة، إضافة إلى أن القيادة العليا في حماس لم تبلغ موقفها من استقبال الوفد أو الجلوس معه، وهنا تخشى قيادة السلطة أن يكون مستوى اللقاء ضعيفًا؛ وهو ما يعني ضغطًا من حماس كي يأتي عباس بنفسه للقاء الصف الأول. ومن المحتمل أيضًا أن يكون هناك رفض من قبل عباس لوجود حركة الجهاد في اللقاءات المقررة، وهو ما ظهر في استنكار الحركة زجها في أسباب التأجيل، بالقول: «الجهاد لا دخل لها .. إلا أن هناك حاجة في نفس عزام الأحمد»، في إشارة إلى هجومه عليها سابقًا[18].

 

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن حالة التوافق بين الفصائل الفلسطينية قد تقتصر على نقطة واحدة، وهي رفض صفقة القرن، دون أن تصل إلى التوافق حول تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، وحتى إذا رغبت تلك الفصائل في تحقيق المصالحة، فإن مجرد الدخول في قضايا المصالحة التفصيلية سيحبط تلك الرغبة، وذلك في ظل وجود العديد من العوائق أمام المصالحة، والتي يأتي على رأسها الفجوة الواسعة بين البرنامجين اللذين يحملهما كل من حماس وفتح؛ ففي حين تلجأ حماس إلى المقاومة المسلحة، فإن فتح تتمسك بالمسار التفاوضي، واتفاقية أوسلو (بين منظمة التحرير وإسرائيل عام 1993)، كما أنها لا تزال حريصة على تنفيذ التزاماتها تجاه الطرف الإسرائيلي، وفي مقدمتها التنسيق الأمني[19].

[1] ” رسالة من عباس لنتنياهو: لا أوسلو ولا تعاون أمني”، العربي الجديد، 30/1/2020، الرابط: https://bit.ly/2OcJyMS

[2] “مختصون يقرأون تهديدات عباس بقطع العلاقات والتنسيق الأمني”، عربي 21، 2/2/2020، الرابط: https://bit.ly/382RhVs

[3] “عباس والتنسيق الأمني مع “إسرائيل” .. مناورة تكشفت تفاصيلها”، الخليج أونلاين، 4/2/2020، الرابط: https://bit.ly/2GVikGi

[4] “بالفيديو: مديرة CIA تزور رام الله سرًّا وتلتقي ماجد فرج وحسين الشيخ”، عكا للشؤون الإسرائيلية، 2/2/2020، الرابط: https://bit.ly/2RZK6Yz

[5] “حماس تضغط بالقذائف لتنفيذ التسوية قبل انتخابات الكنيست”، عرب 48، 4/2/2020، الرابط: https://bit.ly/2Sgvl2C

[6] “10 أسئلة تشرح لك «صفقة القرن» التي أعلنها ترامب بالأمس”، ساسة بوست، 29/1/2020، الرابط: https://bit.ly/2StGAF1

[7] “عباس والتنسيق الأمني مع “إسرائيل” .. مناورة تكشفت تفاصيلها”، مرجع سابق.

[8] “محلل إسرائيلي: أبو مازن يخشى على سلطته من حماس”، عكا للشؤون الإسرائيلية، 5/2/2020، الرابط: https://bit.ly/2w2bInx

[9] “دحلان يعيد ترتيب تياره .. لما بعد «الصفقة» وعباس”، الأخبار، 3/2/2020، الرابط: https://bit.ly/3bkGqIE

[10] “صفقة القرن ونزع سلاح “غزة” .. مطلب “قديم” صعب التطبيق (تحليل)”، الأناضول، 4/2/2020، الرابط: https://bit.ly/2RXBx0q

[11] “حماس تضغط بالقذائف لتنفيذ التسوية قبل انتخابات الكنيست”، عرب 48، 4/2/2020، الرابط: https://bit.ly/2Sgvl2C

[12] عاموس هرئيل: “حماس .. بين تقديرات الجيش الإسرائيلي وغليان الشارع الغزي”، القدس العربي، 2/2/2020، الرابط: https://bit.ly/39g1SNj

[13] المرجع السابق.

[14] “القسام” تضغط على نتنياهو: أسراك بغزة أصيبوا في عدوان 2019، العربي الجديد، 5/2/2020، الرابط: https://bit.ly/2UCyKvE

[15] حمزة أبو شنب، “الصفحة الشخصية على الفيسبوك”، 5/2/2020، الرابط: https://bit.ly/2UH7iwN

[16] “صفقة ترامب – نتنياهو .. “فرصة ذهبية” للمصالحة الفلسطينية؟ (تحليل)”، الأناضول، 3/2/2020، الرابط: https://bit.ly/38lVLHf

[17] “تأجيل زيارة وفد منظمة التحرير إلى غزة .. و”حماس” تعلق”، عربي 21، 4/2/2020، الرابط: https://bit.ly/36XLa3G

[18] “لا اتفاق فصائليًّا على آليات «مواجهة صفقة القرن»”، الأخبار، 5/2/2020، الرابط: https://bit.ly/2Sj3QFz

[19] “صفقة ترامب – نتنياهو .. “فرصة ذهبية” للمصالحة الفلسطينية؟ مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …