‫الرئيسية‬ العالم العربي تركيا بين إدلب وطرابلس.. حان وقت المواجهة
العالم العربي - فبراير 20, 2020

تركيا بين إدلب وطرابلس.. حان وقت المواجهة

بقلم: حازم عبد الرحمن

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مهلة لقوات نظام الأسد في إدلب للانسحاب إلى خلف نقاط المراقبة التركية قبل نهاية فبراير الحالي، مؤكدا أن الجيش التركي سيضطر لإجبارها على ذلك, وقد دخلت حشود عسكرية تركية غير مسبوقة إلى إدلب مع تصميم واضح على حماية المدنيين وجعل إدلب منطقة آمنة بالنسبة لتركيا ولسكان المحافظة. وفي تصريح آخر هدد إردوغان بأن بلاده ستدعم حكومة الوفاق الليبية للسيطرة على البلد بأكمله، في حال لم تفضِ المساعي الدولية لحل عادل في ليبيا, ويأتي ذلك ردا على إعلان الاتحاد الأوروبي إطلاق عملية بحرية وجوية جديدة في البحر المتوسط لتطبيق حظر الأسلحة المفروض على ليبيا.

وبالنسبة إلى تركيا فإن روسيا هي القاسم المشترك بين حربي سوريا وليبيا؛ فالقوات الروسية تقاتل المعارضة دفاعا عن نظام بشار الأسد الدموي, وتقصف المدنيين والمستشفيات؛ ليهاجر الملايين في الشمال إلى الحدود مع تركيا التي يقيم بها أربعة ملايين لاجئ سوري تقريبا, ولا يمكنها استقبال المزيد؛ ما يمثل ضغطا كبيرا عليها, كما أن هناك اتفاق “سوتشي” الذي يؤكد ضرورة الحفاظ على منطقة خفض التصعيد، وتعزيز نقاط المراقبة التركية، ومسئولية روسيا تحديداً في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي عمليات عسكرية أو هجمات ضد إدلب، من أجل الحفاظ على الوضع القائم سابقاً, لكن روسيا تتذرع بأسباب متعسفة لتحقيق هدفها النهائي في دعم الأسد لبسط سيطرته على مزيد من الأراضي، ولم تلتزم بأهم بنود الاتفاق المتمثّلة في المحافظة على منطقة خفض التصعيد، وإجبار الأسد على وقف العمليات العسكرية, بحجة أن من حق الأسد بسط سيطرته على كل التراب السوري, مع أن هذا التراب مستباح من دول عديدة, أولها أمريكا, وليس آخرها فرنسا؛ فلماذا التوجه إلى تركيا تحديدا بالرغم من اتفاق “سوتشي”؟, ولم تكن قوات بشار تجرؤ على مهاجمة نقاط المراقبة التركية إلا بضوء أخضر روسي, وهو أمر واضح لا يحتاج إلى دليل, ويتطلب مواجهة روسيا بدورها الخطير في قصف المدنيين في إدلب, ما تسبب في هجرة مليون منهم إلى الحدود التركية, وهو استفزاز من نظام الأسد لتركيا بدعم روسي؛ فلم يكن أمام تركيا إلا الحشد العسكري في إدلب حفاظا على اتفاق “سوتشي” من الانهيار وحماية المدنيين الذين يمثل خروجهم إلى حدود تركيا تهديدا لها.

وفي ليبيا تقاتل قوات “فاجنر” الروسية إلى جانب المرتزقة ضمن ميليشيات الانقلابي خليفة حفتر ضد حكومة الوفاق الشرعية المعترف بها دوليا والتي تدعمها تركيا, وقد بلغ التآمر الدولي على حكومة الوفاق مداه؛ حيث يتلقى حفتر دعما غير محدود من محور الثوة المضادة أبو ظبي والسعودية والانقلاب في مصر, وكذلك الدول الأوروبية, وحفتر نفسه عميل للمخابرات الأمريكية, وتلقى اتصالا هاتفيا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كشف عن دعم أمريكي للانقلاب على الشرعية في ليبيا, وعندما ذهب إلى موسكو لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع حكومة الوفاق, انسحب وغادر موسكو ليلا رافضا التوقيع, وكان تعليق روسيا فقط إنها ستواصل العمل من أجل التوصل إلى تسوية في ليبيا؛ إذن فهي تمارس لعبة أخرى خلاف ما تم الاتفاق عليه مع تركيا, وبالرغم من أنه قد بدا أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتوجسان من الوجود الروسي في ليبيا إلا أنهما لا يرحبان بالوجود التركي أيضا؛ فأعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيطلق عملية بحرية جديدة في البحر المتوسط،؛ لمراقبة تطبيق حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا, وكان رد تركيا بأنها ستدعم حكومة الوفاق الليبية للسيطرة على البلد بأكمله ما لم يتم وصول المساعي الدولية إلى حل عادل, وإن الاتحاد الأوروبي لا يملك أي صلاحية لاتخاذ قرار بشأن ليبيا، والحقيقة أن الخطة الأوروبية المقترحة ستفشل وسيستفيد منها حفتر فقط، خاصة على الحدود البرية والجوية بالمنطقة الشرقية حيث الحدود المصرية المفتوحة على دعم ميليشيات الانقلاب على الشرعية.

*لحظة الحقيقة

تاريخ العلاقات التركية الروسية لا يحمل الكثير من الود بين الدولتين, لكن المصالح والتوازنات الدولية جعلتهما يتقاربان في عدد من القضايا, ومن بينها المصالح الاقتصادية مثل مشروع السيل التركي الذي يهدف لبناء خطوط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى أوروبا عبر تركيا، مرورا بالبحر الأسود إلى البر التركي، لينتهي عند الحدود التركية اليونانية، حيث تتم إقامة مستودعات ضخمة للغاز، ومن ثم يجري نقله للمستهلكين شرقي أوروبا ووسطها, كما يقترب عدد السياح الروس إلى تركيا من سبعة ملايين سائح, بخلاف الصادرات والواردات الكبيرة بين الدولتين, كما تجمع الدولتين علاقات تعاون عسكري ظهرت في إمداد موسكو أنقرة بأنظمة دفاع جوي حديثة من طراز “إس 400”, لكن ذلك لا يمنع تضارب المصالح, خاصة في سوريا وليبيا؛ فروسيا وأوروبا والولايات المتحدة يفضلون حاكما دكتاتورا في أي بلد؛ لينفذ التعليمات دون نقاش على غيره من الحكام المنتخبين بإرادة شعوبهم, وبالنسبة إلى روسيا فإن بشار الأسد سيقدم لها كل ما تريد خاصة وجودها في شرق المتوسط, كما سيدفع لها أيضا مقابل الحماية كل ما تريد؛ فأيهما أولى عند روسيا المطيع مثل بشار أم من يتعامل الند للند مثل تركيا؟ لا بد إذن من الاختلاف, وقد فشلت المفاوضات حتى الآن بين الروس والأتراك في الوصول إلى حل, واستمر قصف الطائرات الروسية لإدلب,  ومن الواضح أن المفاوضات المتعثرة، لا تشير إلى انفراجة قريبة، ما يعني مزيدا من التصعيد العسكري، ووفق هذه المعطيات، لم يعد أمام تركيا إلا الخيار العسكري لوقف تقدم قوات النظام، وهو الخيار الذي أكد عليه الرئيس التركي، مشيرا إلى أن بلاده تجري حاليا الترتيبات الأخيرة لإنهاء هجمات النظام السوري على إدلب، مؤكدا أنها مسألة وقت.

*موقف واشنطن والناتو

تناقضت التصريحات الأمريكية تجاه تطورات الأوضاع المتسارعة في مدينة إدلب بشمال سوريا؛ فقد قام وزير الخارجية مايك بومبيو بتعزية عائلات الجنود الأتراك الذين قتلوا في هجوم لقوات النظام السوري في إدلب, ودعا إلى وقف الاعتداءات المستمرة من قبل نظام الأسد وروسيا، وأكد وقوف بلاده إلى جانب تركيا الحليفة للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي الناتو, وعلى العكس من ذلك عبر مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت أوبراين عن موقف مغاير بالقول “نحن لنا تناول آخر يختلف عن الإدارات السابقة، ماذا علينا أن نفعل وسط هذه الهجمات على إدلب؟ هل نهبط عليهم من السماء ونطالبهم بوقف القتال؟”, وقد جرى اتصال هاتفي بين الرئيسين ترامب وأردوغان، وأعرب الأول للأخير عن بالغ شكره، جراء مساعيه للحد من كارثة إنسانية جديدة في إدلب, لكن الحذر دفع الرئيس التركي إلى التصريح بأن دعم واشنطن لموقف أنقرة في إدلب لا يمنح بلاده الثقة لأنها تختلف من يوم لآخر, وأعلن أمين عام حلف الناتو ينس ستولتنبرج أن الناتو يدعم حليفته تركيا في إدلب.

*حتمية الإصرار التركي

يعتمد الموقف التركي على قوة الدفاع عن أمنه القومي بحماية مناطق خفض التصعيد في إدلب من القصف والتهجير إلى الحدود التركية, ومنع وقوع أزمة لاجئين, وهو يتضمن موقفا إنسانيا إزاء المدنيين في محافظة إدلب, كما أنه يقف بمواجهة موجة جديدة من اللجوء ستعتبر بمثابة الكارثة على الدول الأوروبية، خاصة ألمانيا وإيطاليا، ودول أوروبا الغربية, وعلى روسيا وحليفها الدموي بشار التوقف لإعادة قراءة الموقف التركي من اتفاق “سوتشي” وما يفرضه من حماية منطقة خفض التصعيد في إدلب, كما أن عليهما تفهم طبيعة الأتراك في المواقف الحاسمة؛ فتركيا برغم عضويتها في حلف “الناتو” وهي تشكل فيه القوة العسكرية الثانية، لم تستسلم لشركائها في الحلف مرة بسبب تدخل جيشها في قبرص (1974) واختلافها السياسي مع اليونان، ومرة بسبب رفضها عبور القوات الأمريكية التي كانت تتجه لغزو العراق في 2003, وحالات الشد والجذب والعقوبات المتبادلة مع أكبر حليف في الناتو وهو الولايات المتحدة, لذلك فإنه لا تراجع تركيا متوقعا عن اتفاق “سوتشي” وحماية المدنيين في إدلب, وكان الوفد التركي الأخير إلى موسكو قد رفض عرضا روسيا تضمن خفض منطقة “خفض التصعيد” في الشمال السوري بنسبة 60 في المائة وسحب نقاط المراقبة التركية الـ12 نحو الشمال من الطريقين الدوليين “أم4″ و”أم5”.

أما في ليبيا فالوجود التركي على محدوديته مشروع وباتفاقية دولية مع حكومة الوفاق الشرعية المعترف بها من الأمم المتحدة, وقد تعهد إردوغان بمنع سقوط الحكومة الشرعية, ويبدو أن روسيا تلعب على وتر عدم قدرة تركيا على المواءمة بين موقفها في إدلب السورية ودعم الحكومة الشرعية في طرابلس, وهي خيانة روسية, لا بديل أمام تركيا سوى التمسك بمبادئها في مواجهة الابتزاز والانتهازية التي لا تتوقف عند روسيا فقط, وإنما تشمل الدول الأوروبية ومحور الثورة المضادة؛ فقد حانت لحظة المواجهة.    

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…