‫الرئيسية‬ العالم العربي العراق المشهد العراقي منذ بدء التظاهر رؤية موجزة
العراق - فبراير 25, 2020

المشهد العراقي منذ بدء التظاهر رؤية موجزة

انطلقت تظاهرات محدودة العدد، تندد بنقل عبد الوهاب الساعدي القائد العسكري، الذي كان له دور كبير في هزيمة تنظيم داعش؛ حيث انتقل إلى وظيفة مكتبية هامشية، بقرار وصف بالفج والسافر. ولم تعرف الأسباب الحقيقية التي تم بناء عليها إعفاء الساعدي من مهامه. وإن كان الساعدي قد أورد في تصريحات له لوسائل الإعلام أنه تلقى إجابة بخصوص ذلك من قبل رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، فسر فيها أن الإعفاء يدخل في إطار إداري عادي، تم نقله بموجبه إلى إدارة وزارة الدفاع.

لكن وسائل إعلام مختلفة تناقلت، بأن قياديين في فصيلين من “الحشد الشعبي”، المقرب من إيران، مارسا ضغوطًا لإبعاد الساعدي من قيادة قوات مكافحة الإرهاب، وتنصيب إحدى الشخصيات العسكرية المقربة من إيران.

وفي رد منه، علق الساعدي بأن الإقالة هي “إهانة له ولرتبته العسكرية”، مذكرًا بدوره الكبير في قيادة قوات مكافحة الإرهاب بالقول: “لم أجلب رتبتي من الشارع، وجميع الضباط في قيادة القوات الأمنية الآن، تدربوا على يدي في كلية الأركان. مفضلا أن يحال على التقاعد بدل نقله بهذه الطريقة من مسؤولية الإشراف على قوات مكافحة الإرهاب إلى الإدارة في وزارة الدفاع[1].

رفعت التظاهرات راية رفض التدخل الإيراني في الشأن العراقي؛ حيث أكد المحتجون أن طهران هي من تقف وراء هذا القرار، بدعوى وجود علاقة تجمع المخابرات الأمريكية بالساعدي.

سريعًا، تحولت التظاهرات المحدودة إلى انتفاضة شعبية كبرى، دخلت فيها شرائح اجتماعية متعددة، ورفعت سقف مطالبها الاقتصادية والاجتماعية، إلى مطالب سياسية، تستهدف إزاحة النخبة السياسية القائمة برمتها.

لقد كانت التحولات سريعة، وسقف المطالب في ازدياد، فالتظاهرات ركزت بعد شعلة البداية على مجموعة من الأهداف الاجتماعية والاقتصادية، التي تلمس السواد الأعظم من الشعب؛ حيث حاول رئيس الحكومة المقال عادل عبد المهدي، القبول بمطالب المحتجين، وقام بتعيين مئات الآلاف منهم، وحاول احتواء الغضب بتخفيض الأسعار، وبزيادة العلاوات، وبتقديم وعود بتحقيق باقي الأهداف.

وبالرغم من عودة الآلاف من المفصولين من عملهم، وتعيين آلاف آخرين، إلا أن التظاهرات قد وصلت لمرحلة اللاعودة؛ نتيجة حجم القمع غير المسبوق الذي شهدته التظاهرات، والذي أودى بحياة العشرات.

كما أن زيادة أهداف الحراك، تجاوزت فكرة القبول بمجموعة من الوعود التي لن تتحقق، بحسب زعمهم، والتي تكررت كثيرًا طوال الفترات الماضية، فكلما خرجت تظاهرات، انتهت بوعود تهملها الحكومة فيما بعد؛ لذلك أصبح الهدف الرئيس للحراك هو إزاحة النخبة السياسية القائمة برمتها؛ باعتبارها وليدة الاحتلال الأمريكي، ورهينة للسيطرة الإيرانية، وهو ما أفقد العراق استقلاله ومكانته في المنطقة.

الرواية الإيرانية تتهم بالتآمر:

كعادتها تصرح إيران أن التظاهرات المشتعلة حاليًّا في بغداد ليست طبيعية، وأنها بتحريك من جهات خارجية وأجندات صهيونية وأمريكية، ولا يؤخذ غالبًا على تصريحات طهران فيما يخص أي احتجاجات تظهر في العاصمة أو في العواصم التابعة لها، إلا أن المختلف هذه المرة هو تصريحات أردوغان، التي أيدت الرواية الإيرانية؛ بل ونصحها بأنه ثمة من يريد نقل الاحتجاجات من بغداد إلى طهران.

وقال أردوغان: “دعوني أكن صريحًا .. لدينا تكهنات بشأن من يقف وراء هذه الاضطرابات .. كما أننا نظن أنه من الممكن أن تمتد هذه إلى إيران”.

واعتبر أن “جدول الأعمال هو خلق انقسامات في العالم الإسلامي، وأن نقف ضد بعضنا بعضا .. فكروا في الأمر: اتخذ العراق مواقف ضدنا .. وحتى إيران اتخذت مواقف سلبية ضدنا .. وأشار أردوغان إلى الشعارات التي أطلقها المتظاهرون العراقيون ضد تدخلات النظام الإيراني، خاصة في المناطق ذات الغالبية الشيعية، والهجوم على قنصلية إيران في كربلاء، متسائلا: “من يقف وراء هذه الاضطرابات أثناء الاحتجاجات العراقية؟”. وأجاب: “نحن نظن بأن الذين بدأوا الاحتجاجات ويستمرون بها هم من يقفون وراء ذلك، وتحليلنا هو أنهم يخططون لمد هذه الاحتجاجات العراقية إلى داخل إيران[2].

من جهتها، علّقت طهران، على تحذير أطلقه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من امتداد أحداث العراق إلى إيران، معتبرة أنه “تحذير مهم جدًّا.

جاء ذلك على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سيد عباس موسوي، في مؤتمر صحفي من طهران، قائلا: إن “تصريح السيد أردوغان عن إمكانية امتداد الاضطرابات إلى البلدان الأخرى في مكانه، وتحذير مهم؛ لأن بعض الأيادي الخفية تريد إحداث الخلاف والاضطراب في البلدان الإسلامية.
وأشار إلى أن أردوغان “رأى هذه الأيادي الخفية بطريقة صحيحة. معربًا عن تقدير بلاده للرئيس التركي حيال التحذير[3].

ومن خلال هذه التصريحات والتجاوب معها، أخذت التحليلات تبحث عن مقصود الرئيس التركي، وبالفعل تلاه ظهور بعض الخيوط، عندما تمكنت الحكومة العراقية من القبض على بعض المسئولين الذين اتهمتهم بالتواصل مع الإمارات والسعودية؛ حيث أضافت الحكومة أن هذه الدول هي من تقود المؤامرة، وتقول إن هناك علاقة تواصل جمعت بين محمد بن زايد ومحمد دحلان وبين عبد الوهاب الساعدي، حيث انتشرت بعض المعلومات عن تحركات الساعدي قبل إزاحته من منصبه، فقد تواصل مع السفارة الأمريكية، وبالفعل كان يجهز نفسه للسفر لأمريكا، لا سيما وأنه يعرف بأنه الرجل العسكري الأهم في العراق من وجهة نظر البنتاغون، ولذلك قررت إيران الانتقام منه، بدعوى أن هناك تنسيقًا بينه وبين أمريكا والإمارات والسعودية وإسرائيل لإسقاط الحكومة في العراق، وسحب البساط من تحت أقدام طهران.

التظاهرات والنخب السياسية:

أعلن مقتدى الصدر مذ البداية دعمه للتظاهرات، رغم أن كتلة سائرون التابعة له، كانت هي من اختارت عادل عبد المهدي رئيس الوزراء السابق، ودعمته بكل قوة.

لم يقبل المتظاهرون من البداية وجود مقتدى الصدر أو أنصاره، وظلوا على مطالبهم، برفض كل النخب السياسية، وبالفعل أصبح لكل منهم مكان للتظاهر، إلا أن التنسيق بينهم ظل قائمًا، وربما حدثت بعض التفاهمات، التي أدت إلى عودة الجميع في تظاهرة واحدة، إلا أن الصدر تفاجأ بهجوم المحتجين عليه مرة أخرى، وهو ما استفزه، واضطر للانسحاب بأنصاره، وتوجييهم نحو التظاهر أمام السفارة الأمريكية، لا سيما وأنه شن هجومًا كبيرًا على واشنطن بعد مقتل سليماني؛ لخشيته من تحويل العراق، لبؤرة حرب أهلية تدمر البلاد، حيث طالب أنصاره بالاستعداد لحماية العراق في حالة حدوث أي حرب.

لم يمر موقف سب الصدر مرور الكرام، وسعى الصدر لإظهار أنه يمتلك مخالب وأنيابًا على أمريكا أن تحذر منها، وبالفعل قام بالتنسيق مع هادي العامري ذراع إيران في العراق، وقاموا بتشكيل حكومة علاوي، وأعلنوا دعمها سريعًا.

وبصورة مفاجأة تمت تسمية رئيس وزراء جديد في بغداد، على غير الأعراف الدستورية الخاصة بتكليف رئيس الحكومة الجديد بمحضر رسمي، وخلال اجتماع يشارك به رئيس البرلمان ورئيس مجلس القضاء الأعلى، أعلن وزير الاتصالات الأسبق، محمد توفيق علاوي، توليه رئاسة الحكومة العراقية الجديدة بناء على ترشيح الرئيس برهم صالح، وذلك في تسجيل مصوّر بث على مواقع التواصل الاجتماعي[4].

يبدو أن التصدع الذي حدث في الاتصالات بين مقتدى الصدر وواشنطن كان أكبر مما توقعه الكثيرون، فقد ساهمت الانتقادات والهتافات المناهضة لتيار الصدر في الحراك العراقي في غياب الثقة بينه وبين الأمريكان، وهو ما دفعه للتظاهر أمام مبنى السفارة الأمريكية، ثم تقارب مع الإيرانيين من بوابة العامري رئيس تحالف الفتح، واتفق على تشكيل حكومة من أحد وزراء حكومة المالكي، الذي يظهر وكأنه تحدٍّ للنفوذ الأمريكي، خاصة أن مقتدى الصدر أعلن مباشرة عن دعمه للحكومة بمجرد إعلانها، وهو ما يظهر أن ثمة ترتيبات سبقت لحظة الإعلان.

هذا الاتهام تناغم مع ما كشفته الوثيقة المسربة التي حملت توقيع عدد من قادة الكتل السياسية التي توصف بالقريبة من إيران، أظهرت اختيار علاوي لرئاسة الوزراء، في مقابل تعهده بإنفاذ اتفاقية الصين التجارية، والالتزام بقرار إخراج القوات الأمريكية من البلاد، وحملت الوثيقة توقيع رئيس تحالف الفتح هادي العامري، إضافة إلى قادة كتل سياسية أخرى[5].

على الجهة الأخرى، رفض الحراك في الشارع تسمية علاوي رئيسًا للوزراء، رغم محاولته تهدئة المحتجين بتأكيده أنه جاء لكي يدافع عنهم وينفذ مطالبهم؛ حيث أخذ على نفسه عهدًا لمدة ستة أشهر فقط، ولكن المحتجين هددوا بتصعيد حراكهم، وبالفعل قاموا في الجنوب بقطع الطرق بين المحافظات[6]. ويبدو أن واشنطن تعتمد بالكامل على القبائل العربية الشيعية في الضغط على النخب السياسية وفي تحريك الشارع، والجدير بالذكر أن هذه القبائل تتلقى دعمًا كبيرًا من السعودية؛ حيث تحاول الأخيرة تبني سياسة إيران التي وطدت علاقاتها مع القبائل العربية السنية؛ ولذلك لم تشارك الأخيرة في الحراك بأي صورة، بفضل التواصلات الإيرانية التي طالبتهم بالابتعاد عن المشهد، وعدم فعل أي شيء.

ختامًا، المشهد السياسي العراقي معقد بشدة، وكل يوم في تجدد واختلاف مستمر، ويبدو أن مصير حكومة علاوي الجديدة سيكون في يد الموقف الأمريكي من القبول بالأمر الواقع، أو بإشعال حراك القبائل ضده، إلا أن المؤشرات تقول إن الحكومة الحالية ستعاني من اشتعال الأوضاع أكثر، ولذلك فهناك سيناريو يلوح في الأفق ويقترب بشدة، وهو حدوث حرب أهلية بين الطائفة الشيعية في العراق، وفي حال ذلك يدور السؤال حول موقف السنة من هذه الحرب، وهل ستتدخل وتدفع الفاتورة كما دفعتها بعد هزيمة داعش، وهل ستسمح هذه الحرب بعودة داعش؟ تساؤلات عديدة يمكن أن توضحها الأيام المقبلة.

 

[1]              العراق: من هو عبد الوهاب الساعدي الذي يهتف المتظاهرون باسمه؟، فرانس 24، 10/10/2019

                https://www.france24.com/ar/20191010-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D9%8A-%D8%AA%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%AC-%D8%A5%D8%B9%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%A5%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8

[2]                 صالح حميد،  أردوغان: من الممكن أن تمتد مظاهرات العراق إلى إيران، العربية، 9/11/2019

                https://www.alarabiya.net/ar/iran/2019/11/09/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D9%83%D9%86-%D8%A3%D9%86-%D8%AA%D9%85%D8%AA%D8%AF%D9%91-%D9%85%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86

[3]                 طهران: تحذير أردوغان من امتداد أحداث العراق لإيران “مهم”، عربي 21، 10/11/2019

                https://arabi21.com/story/1221770/%D8%B7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%AD%D8%B0%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%85%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%87%D9%85

 

[4]                      هذه أبرز تعهدات علاوي للعراقيين بعد تكليفه برئاسة الحكومة، عربي 21، 2/2/2020

                        https://arabi21.com/story/1241860/%D9%87%D8%B0%D9%87-%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2-%D8%AA%D8%B9%D9%87%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%AA%D9%83%D9%84%D9%8A%D9%81%D9%87-%D8%A8%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9

 

[5]                      عماد عنان، العراق: تكليف علاوي برئاسة الحكومة يثير جدلا وحديث عن صفقة سياسية، نون بوست، 2/2/2020

                        https://www.noonpost.com/content/35819

[6]                      تواصل التظاهرات بالعراق رفضا لتكليف “علاوي” وقطع طرق، عربي 21، 2/2/2020

                        https://arabi21.com/story/1241887/%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%B1%D9%81%D8%B6%D8%A7-%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%84%D9%8A%D9%81-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%88%D9%82%D8%B7%D8%B9-%D8%B7%D8%B1%D9%82

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

العراق المرتبك : عودة داعش والتظاهرات

شن تنظيم داعش هجومًا على حاجز لميلشيا الحشد الشعبي في محافظة ديالي، والقتيل هو قائد المدفع…