‫الرئيسية‬ العالم العربي مستقبل الصراعات الإقليمية في القرن الإفريقي
العالم العربي - فبراير 29, 2020

مستقبل الصراعات الإقليمية في القرن الإفريقي

انتهت قمة الاتحاد الإفريقي التي عقدت بإثيوبيا يومي 9و10 فبراير الجاري، والتي جاءت تحت عنوان: “إسكات البنادق… خلق ظروف مواتية لتنمية إفريقيا دون تطور إيجابي لحلحلة الخلافات القائمة في القارة الإفريقية، وخاصة في منطقة القرن الإفريقي التي تعج بالخلافات والتوترات الطاحنة، والتي تؤثر سلبا على القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط.

ولعل إحدى التحديات الرئيسة في مجال السلام والأمن في إفريقيا، تبدو في كيفية ضمان حلول دائمة للصراعات. إذ إن العديد من المناطق في القارة، شهدت حروباً مسلحة ناجمة عن عودة مشكلات قديمة، حُلت في السابق، أو انتقلت إلى مرحلة الحوار والمفاوضات.

كما أن العديد من الصراعات في إفريقيا ذات طبيعة داخلية، وتأتي في شكل حروب أهلية أو صراعات مسلحة داخل حدود الدولة، وتتسم بالعديد من الخصائص الفريدة المستمدة من الهويات الطائفية الدينية أو الثقافية أو العرقية، بجانب الموروثات السياسية والجيوسياسية منذ زمن الاستعمار الأجنبي بالقارة، أو بسبب الصراعات الإقليمية والتدخلات الإقليمية والدولية الراهنة.

 

وقد تحولت هذه النزاعات الداخلية إلى أزمات إقليمية، حيث أصبحت الفصائل المتحاربة تقوم بتنفيذ عملياتها داخل الدولة وخارجها، وتؤدي هذه الديناميكية إلى تعقيد الصراعات، فضلاً عن تورط عدد لا يحصى من الأطراف الفاعلة فيها واتساع المصالح إلى ما يتجاوز نطاقها الأصلي.

 

وغالباً ما تتأثر التحديات والصراعات الوطنية في القارة بالجهات الفاعلة الخارجية. ففي ظل الصراعات العنيفة، تتصاعد أدوار الأطراف المعنية وأصحاب المصلحة في هذه الحروب، التي غالباً ما تنشأ من خارج القارة. ويمكن العثور على جهات غير إفريقية تمارس نفوذها على الأوضاع الداخلية في الدول التي تشهد نزاعات، وهو ما دفع شعار “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية” بالبروز، كرد فعل على التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول.

 

ويؤكد مؤيدو هذا الشعار أن القارة تحتاج إلى قوتها الخاصة في تفعيل الحلول، التي تأخذ في الاعتبار العوامل التي تتناسب مع ظروفها. إلا أن هذه الأدوار يعوقها عدم كفاية القدرات التقنية والخبرة في بعض الأحيان، والافتقار إلى الإرادة السياسية لضمان التنفيذ والتفعيل المستدام في أحيان أخرى. لكن هناك رؤى أخرى ترى أهمية دور الجهات الفاعلة غير الإفريقية في النظام العالمي المترابط الحالي، خصوصاً في ضوء وجود فجوات في قدرة إفريقيا على مواجهة تحدياتها. أي وبعبارة أخرى، ترتبط مشكلات إفريقيا بتلك الموجودة في العالم (والعكس أيضاً)، وليس من الحكمة منع إسهام الجهات الخارجية في إيجاد حلول لها، بل يجب تقييم الإسهامات قبل تطبيقها أو رفضها.

 

القرن الإفريقي في بؤرة الصراع

 

وتعد منطقة القرن الإفريقي إحدى أبرز المناطق المرشحة لتصاعد الصراعات واندلاع الأزمات الإقليمية والدولية  في القارة الإفريقية والمنطقة برمتها. ويقصد بمنطقة القرن الإفريقي -جغرافيا- ذلك الجزء الممتد على اليابسة الواقع غرب البحر الأحمر وخليج عدن على شكل قرن، وهو بهذا المفهوم يشمل أربع دول هي الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، بينما تتسع المنطقة أكثر عند النظر لها من زاوية سياسية واقتصادية لتشمل كينيا والسودان وجنوب السودان وأوغندا.

 

ويقول بعض الباحثين: إنه وفقا لهذا المفهوم فإنها تمثل منطقة شرق إفريقيا المتحكمة بمنابع النيل والمسيطرة على مداخل البحر الأحمر وخليج عدن، وهي إن لم تكن جزءا رئيسيا من القرن الإفريقي فهي امتداد حيوي له.

وتقدر مساحة القرن الإفريقي بمفهومه الضيق (الصومال، جيبوتي، إريتريا، إثيوبيا) نحو 1.9 مليون كيلومتر مربع. ويبلغ عدد سكانها نحو 115 مليون نسمة وفقا لتقديرات عام 2014.

وليست أهمية القرن الإفريقي وليدة اليوم، فقد كانت ومنذ العصور القديمة محط أنظار القوى والإمبراطوريات المهيمنة، لأهميتها الإستراتيجية وإطلالها على طرق التجارة الدولية البرية والبحرية، ومنذ القرن الـ 15 ازداد التنافس الغربي على النفوذ بهذه المنطقة، بل وتحول لصراع في حالات عديدة.

وبالنظر للأهمية الإستراتيجية التي تشكلها هذه المنطقة الحساسة فقد أصبحت نقطة جذب وتركيز واهتمام من لدن أطراف دولية وإقليمية عديدة تتصارع على مواطن الثروة والنفوذ ومراكز القوة والحضور.

وزاد من أهميتها الإستراتيجية كونها تمثل منطقة اتصال مع شبه الجزيرة العربية الغنية بالنفط، فالموانئ وحاملات النفط والغاز والاتجار بالبضائع والأسلحة وعبور الأشخاص عوامل جعلت منها نقطة جذب دولية.

 

وسعت دول عربية عديدة السنوات الأخيرة لتقوية حضورها في تلك المنطقة نظرا للأهمية الاقتصادية والإستراتيجية لتلك الدول عموما وللبلدان التي يمر نفطها عبر المنافذ البحرية التي تتحكم فيها هذه الدول، بيد أن ذلك لم يكن قاصرا فقط على هذه الدول، فالعديد من دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة وكذلك الصين والهند واليابان وتركيا وإيران وإسرائيل تسعى كلها لتقوية نفوذها بهذه المنطقة.

 

فأصبحت الولايات المتحدة بعد حرب الخليج الثانية تُولي القرن الإفريقي أهمية جيوسياسية إستراتيجية كبرى، وتجلى اهتمام واشنطن -التي تتمسك بمقولة “الربط بين الأمن القومي الأميركي وأمن الطاقة النفطية” وحصلت بذلك على قدرة مضافة للتحكم في منابع الطاقة بالمنطقة أكثر منذ أواخر القرن الماضي.

وعمقت حالة الفراغ العسكري والأمني التي شهدها الإقليم بالعقود الماضية وساهمت في دفع واشنطن للاهتمام به أكثر، خاصة بعد تخلي فرنسا وبريطانيا وإيطاليا -طوعا أو قسرا- عن هذه المنطقة التي كانت تاريخياً مجالا لنفوذها بالتقاسم، وبعد أن بدأ تغلغل الصين بإفريقيا عامة والقرن الإفريقي خاصة.

ويراكم الأزمات، تصاعد الاهتمام الروسي بالمنطقة، حيث تضع الأولوية الروسية المنطقة في دائرتها العسكرية، بجانب نهب مواردها الاقتصادية ، خاصة المعدنية والموارد الأولية.

قواعد عسكرية

ومع أن واشنطن تمتلك -وبشكل معلن- قاعدة عسكرية في جيبوتي، فإن مصادر صحفية تحدثت عن وجود قواعد عسكرية سرية لها بالقرن الإفريقي وما حولها، وتتحدث عن وجود قاعدتين بحريتين في كينيا (مومباسا ونابلوك). وفي إثيوبيا توجد قاعدة أربا مينش الجوية لـ الطائرات بدون طيار منذ عام 2011، ومهمتها الاستطلاع والتجسّس في شرق إفريقيا.

 

وقد وجدت إسرائيل مجالا حيويا في تلك المنطقة الحيوية، فأسست وجودا عسكريا وأمنيا كما طورت من علاقاتها السياسية مع بعض أنظمة تلك المنطقة وخاصة النظام الإريتري والأوغندي.

 

كما تعاظمت الأهمية الإستراتيجية للقرن الإفريقي بعد اندلاع الحرب في اليمن وتدخل التحالف العربي عسكريا بقيادة المملكة السعودية تحت ذريعة التصدي لتوسع النفوذ الإيراني. وتقاطع ذلك مع مصالح مجموعة من الدول (أميركا وإسرائيل وبعض دول الخليج) لمواجهة الخطر الذي يمثله النفوذ الإيراني مستقبلا على نفوذها ومصالحها.

ولم تكن الصين كقوة عظمى بعيدة مما يجري هناك، فقد حاولت منذ فترة غرس أقدامها في القارة الإفريقية عموما وفي منطقة القرن الإفريقي خصوصا، فبنت قاعدة بحرية في جيبوتي بحجة مكافحة القرصنة وضمان أمن باب المندب.

 

وعلى المستوى الإقليمي، سعت تركيا هي الأخرى لتعزيز وجودها عبر البوابة الصومالية حيث كثفت من تدخلها الإنساني والتنموي، وعززت وجودها عام 2017 بافتتاح أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها جنوب العاصمة مقديشو لتدريب 10 آلاف جندي حكومي بالصومال،  الذي تمزقه الصراعات السياسية والحروب الأهلية.

كما تتسارع الجهود الإماراتية لخلق فضاءات سياسية وعسكرية لها في المنطقة، عبر دعم عسكري لحركات التمرد الصومالية، في إقليم صومال لاند، وعبر التدخلات السرية في العديد من الدول الإفريقية، لمجابهة الدور التركي والقطري في القرن الإفريقي.

 

 

التنافس الخليجي

وتتنافس بعض دول الخليج على النفوذ في القرن الإفريقي للسيطرة على البحر الأحمر، فتنقل بذلك خصوماتها الداخلية إلى منطقة هشة.

 وتناور القوى الخليجية بشكل خاص لوضع شروط توازن إقليمي جديد للقوى والاستفادة من النمو الاقتصادي المستقبلي.

وقد دفع عدم الاستقرار الإقليمي، والفراغ النسبي في القوى والتنافس بين دول شرق أوسطية صاعدة، دول الخليج للسعي إلى استعمال قوتها خارجياً في الجوار. وهي تنظر إلى القرن الإفريقي لتعزيز التحالفات والنفوذ.

وقد استفادت الأطراف الخليجية والإقليمية، من أن العديد من العلاقات الجديدة في القرن الإفريقي غير متناظرة بدرجة كبيرة، وهي مدفوعة بشكل أكبر بالمصالح الخليجية وليس الإفريقية. تضخ دول الخليج الموارد وتصدّر الخصومات بطرق من شأنها أن تفاقم من زعزعة استقرار الحياة السياسية المحلية الهشة في هذه المنطقة. إلا أن هذه العلاقات تحمل أيضاً إمكانات كامنة لتسوية الصراعات وتغذية النمو الاقتصادي.

إذ أصبح القرن الإفريقي ومنذ القرن الماضي أكثر المناطق الإفريقية احتمالا للتفجر، بعد أن عانى من أطول الصراعات وأكثرها مرارة خلال ذلك القرن.

وفي الوقت ذاته، شهدت المنطقة خلال العقدين الماضيين مجاعات وحروبا بسبب الصراعات السياسية والجفاف وانعدام الأمن الغذائي، وهو ما دفع السكان ثمنه قتلا وتشريدا.

لأسباب سياسية، واقتصادية وأيديولوجية، فإن السعودية، والإمارات ، وقطر وتركيا منخرطة بقوة في عملية دفع وجذب لوضع القواعد لشرق أوسط طالما كان في حالة اضطراب. ثمة حالتان متقاطعتان من التنافس تدفعان وتحددان هذا الانخراط: الانقسام بين الدول الخليجية بحيث تقف السعودية، والإمارات ومصر ضد قطر وتركيا، والتنافس بين السعودية وإيران.

 

وفي كلا هذين الصراعين، فإن المتنافسين الرئيسيين يرون في إفريقيا حلبة جديدة للتنافس وبناء التحالفات، خصوصاً وأن القرن الإفريقي مرشح لنمو اقتصادي كبير خلال الجيل القادم. وبالنظر إلى مواردها المالية الكبيرة، فإن دول الخليج وتركيا ترى أمامها فرصة لتعديل المشهد الاقتصادي والسياسي لحوض البحر الأحمر لصالحها. وجميعها توسع وجودها المادي والسياسي لإقامة شراكات جديدة ومحاصرة أعدائها – أي أنها تحاصر بعضها بعضاً في كثير من الأحيان.

 

من خلال تعزيز علاقاتها في القرن الإفريقي، فإن دول الخليج وتركيا تأمل بتأمين مصالحها قصيرة المدى وطويلة المدى على حد سواء. فالأزمة الخليجية المهلكة التي خرجت إلى العلن في العام 2017 سرّعت جهود كلا طرفي الصراع لتأمين حلفاء جدد. وعلى المدى البعيد، فإن كل بلد يناور للحصول على موقع اقتصادي وسياسي متميز في ممر البحر الأحمر. اقتصادياً، تسعى هذه الدول إلى دخول الموانئ غير المخدَّمة جيداً في القرن الإفريقي، وأيضاً دخول أسواق الطاقة والاستهلاك بوصفها بوابات للتوسع الاقتصادي السريع في سائر أنحاء القارة. وتصف جميع هذه الدول الصين بأنها القوة الناشئة المهيمنة في منطقة القرن الإفريقي، ومن هنا فهي القوة التي ينبغي عليهم التحالف معها، مع تراجع النفوذ الأميركي والأوروبي. الإمارات العربية المتحدة، وقطر وتركيا، بشكل خاص، ترى في مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تخطط لمشاريع في سائر أنحاء شرق إفريقيا، فرصة لتعزيز علاقاتها مع بكين.

 

وتتراوح الأدوات المستخدمة في صراع القوى الجديد بين الأدوات الإجرائية والأدوات القسرية. يمكن لدول الخليج وتركيا أن تقدم المساعدات والاستثمارات بمبالغ لا يقدر عليها كثيرون آخرون، أو بظروف سوق تعتبرها العديد من الشركات الغربية ذات مخاطر عالية أكثر مما ينبغي. وكثيراً ما تكون شروط هذه الدول لتقديم المساعدات أكثر جاذبية للقادة السياسيين المحليين من تلك التي يعرضها المانحون الغربيون. فبدلاً من الإصلاحات الديمقراطية أو إصلاحات السوق، فإن دول الخليج تتوقع منحها وصولاً تفضيلياً إلى فرص الاستثمار الجديدة وتطلب من متلقي المساعدات الوقوف إلى جانبها في أحد محوري التنافس الذي تخوضه. ومقابل المساعدات العسكرية، يمكن أن تطلب دول الخليج من حلفائها المحليين مقاومة أو قمع القوى السياسية المحلية المتحالفة مع أعدائها الخارجيين.

 

خلق الصراعات

ونظراً لما تمثله منطقة القرن الإفريقي من موقع جيوستراتيجي مهم، ظلت تاريخياً ساحة صراع دولي سواء في فترات الاحتلال الغربي، أو فترة الحرب الباردة وما بعدها، وقد عملت القوى الكبرى على التواجد بها؛ بداية من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، مروراً بالصين واليابان؛ ثم اللاعبين الجدد مثل تركيا وإيران والدول العربية كالإمارات والسعودية.

 

فمن الواضح أن طبيعة المشهد السياسي في منطقة القرن الإفريقي اليوم -وفق التجربة التاريخية- أنه مشهد متحرك ولا يملك القدرة على الاستقرار والثبات، ومآلاته مفتوحة على كل الاحتمالات، رغم اتجاه بعض القوى الدولية إلى ترميم الأوضاع لتحقيق الاستقرار وعدم الخروج عن السيطرة، وهو ما رأيناه في المحاولات الأخيرة لتحقيق السلام بين إريتريا وإثيوبيا، إلا أن نجاح ذلك مرهون بجملة من التحديات الداخلية والخارجية، ومدى تحقيق المكتسبات الجمعية لمكونات الإقليم

ويظل القرن الإفريقي بؤرة للصراعات السياسية، وأرضاً خصبة لأشرس التحديات، إلا أن الإسراع المتزايد والتكالب على المنطقة لبسط النفوذ قد يكون له تداعيات مستقبلية لا تُحمَد عُقباها، خاصة أن الدول صاحبة القوة لا تكتفي بقواعدها العسكرية، بل تمد جذورها داخل بلدان القرن الإفريقي عن طريق الهيمنة الاقتصادية؛ مما جعل دول المنطقة لا تملك من أمرها شيئاً.

 

التحديات الاقتصادية

وتعاني دول القرن الإفريقي من فقر مدقع، حيث تعتمد معظمها على المساعدات الخارجية، فإريتريا تعد واحدة من أكثر دول العالم اعتماداً على المساعدات الخارجية، وكذلك الصومال، أما إثيوبيا فكانت تعتمد أيضاً على المساعدات، وكانت تصنف من أفقر دول العالم؛ إلا أنها في السنوات الأخيرة شهدت نمواً اقتصادياً ملموساً يعد من أسرع معدلات النمو العالمية، أما جيبوتي فتسعى إلى الاستفادة من موقعها الإستراتيجي على مضيق باب المندب عن طريق الاستثمار في اقتصاد الموانئ، وكذلك الامتيازات والتربح بالسماح بإنشاء قواعد عسكرية، حيث تجني جيبوتي نحو ربع مليار دولار سنوياً مقابل تأجير أراضٍ لقواعد عسكرية.

“””””””””””””””””

ووفق دراسة للمركز العربي في واشنطن ، فإن العديد من القوى الدولية والإقليمية تتنافس من أجل فرض نفوذها عليه. وتشمل قائمة القوى الإقليمية كل من المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان واليمن ومصر و(إسرائيل) والأردن والسودان وإريتريا وإثيوبيا وجيبوتي وإيران وتركيا، أما على الصعيد الدولي، فهناك أربع قوى تتنافس على النفوذ والتفوق، كل حسب قدراته وطموحاته.

وتعد الولايات المتحدة هي الأكثر قدرة وفعالية في التأثير على البيئات الأمنية والاستراتيجية للنظام الفرعي للبحر الأحمر، تليها فرنسا من خلال وجودها في جيبوتي، وبدرجة أقل الصين وروسيا. لكن وجود الصين له تأثير يتجاوز الأمن بسبب وجودها الاقتصادي في قلب إفريقيا، وتحديدا في جيبوتي. ومن المحتمل أن يشعل هذا الزحام الدولي منافسة شرسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهما قوتان تعتبرهما إدارة “ترامب” منافسين عالميين. بالإضافة إلى ذلك، شاركت الهند وإسبانيا واليابان وغيرها في عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن وبحر العرب.

 

 لا تزال التهديدات التي تكتنف المنطقة تتمثل في الإرهاب والقرصنة وانتهاك حقوق الإنسان وحقوق الطفل ومخزونات الأسلحة والاحتكاكات بين الدول ومساعدة إيران السرية للحوثيين في اليمن والحرب السعودية والإماراتية المستمرة منذ ذلك الحين. علاوة على ذلك، قد لا تعتبر التطورات في الوضع الأمني ​​الإقليمي تهديدات في حد ذاتها، ولكنها يمكن أن تصبح تهديدات حقيقية وواسعة النطاق إذا أصبحت عواقبها ضارة بالمصالح الوطنية لبلدان المنطقة، أو لحلفائها، أو على النقل البحري وأمن الدول الأخرى خارج المنطقة.

 

 تشابكات دولية

 

وتتجلى المنافسة الإقليمية والدولية المكثفة حول البحر الأحمر بشكل أوضح في جيبوتي. ومن الجدير بالذكر أن القيادة الأمريكية الإفريقية (أفريكوم) يقع مقرها الرئيسي في جيبوتي، كما تمتلك كل من فرنسا وإيطاليا -ومؤخرا الصين- وجودا عسكريا كبيرا في البلاد. وليس هناك شك في أن هذا قد يقوض ويكون له تأثير سلبي طويل الأجل على المصالح الأمريكية، سواء في إفريقيا أو شبه الجزيرة العربية.

ويشير الوجود الصيني الكامل في قلب مضيق باب المندب إلى أهداف الصين بعيدة المدى في مثل هذه البيئة الاستراتيجية البعيدة جغرافيا ويظهر رغبة بكين في إظهار ألوانها العسكرية. وهذا الوضع الإستراتيجي المعقد في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي هو الذي يزيد من احتمال الاحتكاك وعدم الاستقرار.

 

جيبوتي

وقد أجرت السعودية مفاوضات مع حكومة جيبوتي من أجل تأسيس وجودها العسكري في البلاد. لكن المفاوضات توقفت بسبب الأزمة الخليجية المستمرة؛ وربما يتم استئنافها في وقت أكثر ملاءمة. كما سعت دولة الإمارات إلى احتكار ميناء جيبوتي من خلال هيئة موانئ دبي التي أرادت أن تصبح لاعبا في أنشطة الموانئ في البلاد، لكن رئيس جيبوتي “إسماعيل عمر غيله” توقف لوقف وإلغاء الصفقة.

وربما كون المصالح الوطنية والمخاوف المتعلقة بالأمن والبقاء وراء قرار جيبوتي للدخول في مثل هذه التحالفات المتضاربة. وكانت فرنسا الضامن الأساسي والتاريخي لسيادة جيبوتي، لكن الحماية الفرنسية لم تعد كافية في ظل وجود العديد من القوى العالمية المتنازعة، مما يجبر هذه الدول في كثير من الأحيان على البحث عن ضامنين متعددين، وهو وضع يمكن تطبيقه اليوم على جيبوتي.

 

إرتيريا

بالمثل، لدى إريتريا مبرراتها الخاصة في تأجير جزرها وموانئها لقوى متضاربة. ويعتقد أن كل من إيران و(إسرائيل) والإمارات العربية المتحدة استأجرت منشآت بحرية وموانئ في إريتريا. واستأجرت دولة الإمارات العربية المتحدة ميناء عصب واستخدمته كمنصة انطلاق في حربها ضد الحوثيين في اليمن. وبدعم من إيران، تم تزويد الحوثيين في ميناء الحديدة على الساحل اليمني من المنشآت الإيرانية المؤجرة في أرخبيل دهلك الإريتري، رغم إنكار الحكومة الإريترية لهذا الوجود الإيراني.

 

الصومال

تشكل الصومال وسواحلها أيضا أحد البؤر المحتملة للتهديدات الأمنية. وغالبا ما كانت السواحل الصومالية مرتعا للقراصنة على الرغم من التحسن النسبي في الظروف الأمنية للحركة البحرية نتيجة لعمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن وبحر العرب المتاخم للسواحل الصومالية. ومنحت الصومال تركيا قاعدة عسكرية على الأراضي الصومالية استخدمتها تركيا لتدريب وتسليح الجيش الصومالي.

ودفع وجود القاعدة العسكرية التركية في الصومال الإمارات العربية المتحدة إلى الضغط من أجل وجود عسكري مماثل. ومن أجل ممارسة ضغوط على الحكومة الصومالية، اعترفت الإمارات بشكل أحادي بجمهورية أرض الصومال الانفصالية، وأقامت وجودا عسكريا دائما في بربرة عند طرف القرن الإفريقي، على الشاطئ الغربي لخليج عدن وبحر العرب.

 

مآلات مستقبلية

 

وفي ضوء تلك الأوضاع المتشابكة، فإن المستقبل القريب مليء بالعديد من التطورات المفصلية بالقرن الإفريقي.

إذ تمثل أنشطة بعض بلدان المنطقة تهديدا مدمرا للسلم والأمن الإقليميين. على وجه التحديد، يبدو أن إيران والإمارات تدفعان الوضع الأمني ​​في اتجاهات غير مرغوب فيها بسبب طموحاتهما التوسعية، وسيؤدي ذلك إلى تصعيد التوترات. من ناحية أخرى، هناك اتجاه مقلق للسياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر حيث أظهرت التطورات على مدى السنوات القليلة الماضية أن الأمن السعودي والسياسة الخارجية تتطابق تقريبا مع سياسات دولة الإمارات، على الرغم من أن المملكة هي القوة الرئيسية في شبه الجزيرة العربية.

 

وما يجعل الأمر أكثر إثارة للقلق هو سلوك مصر المحير في المنطقة حيث تبدو كفاعل إستراتيجي ضعيف على الرغم من وضعها كقوة بحرية رئيسية. وخلال هذه الفترة، ظهرت سياسات مصر كما لو كانت انعكاسا لتوجه الإمارات الطموح.

كما أن الحرب في اليمن ستبقى أكبر تهديد للأمن الإقليمي في منطقة البحر الأحمر والمبرر الأول للوجود الإيراني فيها. في المستقبل المنظور، لا يوجد توقع بأن ينتصر التحالف السعودي الإماراتي في هذه الحرب، لكن من المؤكد أن الحرب ستظل تستنزف أصول صناديق الثروة السيادية للبلدين وستتسبب في مزيد من المعاناة الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان.

 

 وفي ظل الصراعات العربية العربية، تبقى إسرائيل المستفيد الأكبر من الصراعات بالمنطقة، حيث تتحرك للاستفادة من الثغرات في مجال الأمن العربي والقدرات الدبلوماسية العربية. وقد تجلى هذا بوضوح في نجاح إسرائيل في إقناع الإدارة الأمريكية بتبني أهدافها السياسية الداخلية المثيرة للجدل مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل) والاعتراف بسيادة الدولة العبرية على مرتفعات الجولان.

ووفق تقديرات إستراتيجية، تشكل المنافسة المستقبلية بين اللاعبين الدوليين الرئيسيين في المنطقة تهديدا للأمن. وسيكون للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين في المنطقة تأثير سلبي ليس فقط على الأمن في البحر الأحمر ولكن أيضا في القارة الإفريقية بأكملها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المناورات المصرية السودانية – هل تضرب مصر سد النهضة؟

تُعد المياه من العناصر التي قد تفجر حروبًا في المستقبل؛ فقد تجمعت عوامل متعددة تجعل قيمة ا…