‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر انهيار مفاوضات سد النهضة.. ثبوت تهمة “الخيانة” على السيسي
مصر - مارس 1, 2020

انهيار مفاوضات سد النهضة.. ثبوت تهمة “الخيانة” على السيسي

بقلم: حازم عبد الرحمن

رفضت إثيوبيا توقيع حكومة العسكر في مصر على المبادئ التوجيهية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة في مفاوضات الولايات المتحدة, وأعلنت استمرارها في عمليات بناء سد النهضة بجانب بدء عملية ملء البحيرة، معتبرة أن هذا يتوافق مع التوقيع على اتفاقية إعلان المبادئ مع مصر التي وقعها قائد الانقلاب السيسي في مارس 2015, وطالبت بمواصلة التفاوض مع مصر والسودان لمعالجة المسائل العالقة ووضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق النهائي, وغابت عن المشاركة في الاجتماع الثلاثي حول “سد النهضة”، في الوقت الذي أعلنت فيه حكومة الانقلاب التزامها بالمسار التفاوضي برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي.

وقد سبق ذلك اجتماعات مطولة في واشنطن مع الفريق الفني والقانوني في وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، والذي صاغ مسودة الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل، التي تم تسليمها إلى كل من مصر والسودان وإثيوبيا ، لكن الأخيرة اعتذرت بعدها عن عدم حضور جولة المفاوضات التي كان من المقرر إجراؤها في واشنطن، ما يمثل انقلاباً على المسار التفاوضي، وتفريغ الجولة من مضمونها ويفشل المحاولة الأمريكية لتكون هذه الجولة هي الأخيرة في المفاوضات تمهيداً لتوقيع اتفاق ثلاثي جديد ونهائي يضمن تحقيق جوانب من اهتمامات الأطراف المختلفة.

وقد تسبب الانسحاب الإثيوبي من الجولة في ارتباك لدى مندوبي السيسي في المفاوضات, بعد الصفعة الإثيوبية بالانسحاب, واقترح بعضهم العودة إلى مصر وعدم حضور الاجتماع والإعلان عن تعليق المفاوضات, لكن تعليمات وصلتهم من قائد الانقلاب بتأكيد استمرار التفاوض والتمسك به كحل وحيد للأزمة, برغم أن المسودة الأمريكية للاتفاق، التي اعترضت عليها إثيوبيا، تضمن لها  الغالبية العظمى من مطالبها  بتمكينها من الاستمرار في ملء خزان (البحيرة) بالكميات المطلوب تأمينها على حساب حصة مصر من المياه؛ لضمان توليد الكهرباء من السد لمدة خمس سنوات تالية لبدء التوليد في صيف 2021، وكذلك الاقتراب الكبير مما تطالب به من تمرير 35 مليار متر مكعب في فترات الملء لمصر، و32 مليار متر مكعب في فترات الجفاف. واقترحت المسودة ضمان تمرير 37 مليار متر مكعب من المياه لمصر في أوقات الملء والجفاف، كرقم وسط بين الرقمين الإثيوبيين ورقم الـ40 مليار متر مكعب الذي تتمسك به مصر، على أن يترك الرقم الخاص بأوقات عدم الملء والرخاء لآلية التنسيق بين الدول الثلاث, وهو ما يعني عمليا خصم 18 مليار متر مكعب من حصة مصر, مع ما يترتب على ذلك من بوار ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية, ويؤثر بشدة على تأمين غذاء مائة مليون مصري.

وقد أبلغت الخزانة الأمريكية مندوبي السيسي بأن إثيوبيا  لا تعتزم العودة للمفاوضات قبل الانتخابات المحلية في أغسطس المقبل؛ ما يعني تأكد المطالبات التي أبدتها  لجميع الأطراف وتحججت بأن بقاء حكومة أبي أحمد في السلطة، وفوز حزبه في الانتخابات المقبلة هو الضامن الوحيد لتنفيذ أي اتفاقات بشأن السد مع مصر والسودان، وبالتالي فعلى جميع الأطراف وقف المفاوضات حتى ذلك الحين, وهذه هي تكملة خطة إثيوبيا في المماطلة في التفاوض لمدة خمس سنوات,  بينما بناء السد يجري على قدم وساق, اعتمادا على توقيع السيسي على اتفاق (الخيانة) المسمى بالمبادئ في مارس 2015 والذي يمثل القيد الأخطر على مصر في أي خيارات.

*حقوق مصر ثابتة باتفاقيات دولية

تتجسد خيانة قائد الانقلاب السيسي في تجاهله الاتفاقيات التاريخية التي أبرمتها مصر مع جيرانها في حوض نهر النيل, أو أبرمتها الدول الأوروبية التي احتلت إفريقيا وهي:

1- ‏بروتوكول‏ 15‏ أبريل عام‏ 1891‏ المبرم بين بريطانيا وإيطاليا‏:

تضمن هذا البروتوكول نصا يفيد تعهد الحكومة الايطالية بعدم إعاقة أي أشغال علي نهر عطبره لأغراض الري‏،‏ يمكن أن تسبب تعديلا محسوسا علي تدفق مياهه إلي نهر النيل‏.‏

2-‏ المعاهدة المبرمة بين بريطانيا وإثيوبيا لعام‏ 1902:‏

تعهد إمبراطور إثيوبيا ‏”منليك الثاني‏”‏ طبقا لهذه المعاهدة بعدم إقامة أو السماح بإقامة أي أشغال على النيل الأزرق وبحيرة تانا ونهر السوباط، يمكن أن توقف تدفق مياهها إلى نهر النيل‏.‏

‏3-‏ اتفاق ‏9‏ مايو عام‏ 1906‏ بين بريطانيا والكونغو المستقلة‏:‏

ينص هذا الاتفاق علي تعهد الكونغو بعدم إقامة أو السماح بإقامة أي أشغال علي نهر سيميليكي أو أسانجو أو بجوا يمكن أن يخفض كمية المياه المتدفقة في بحيرة ألبرت‏.‏

4- اتفاقية مياه النيل 1929:

نصت اتفاقية عام 1929 بين مصر وبريطانيا -التي كانت تنوب عن السودان وأوغندا وتنزانيا- على أنه لا تقام بغير اتفاق مسبق مع الحكومة المصرية أي أعمال ري أو كهرومائية أو أي إجراءات أخرى على النيل وفروعه أو على البحيرات التي ينبع منها، سواء في السودان أو في البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية، والتي من شأنها إنقاص مقدار المياه التي تصل مصر أو تعديل تاريخ وصوله أو تخفيض منسوبه على أي وجه يلحق ضررا بالمصالح المصرية، كما تنص على حق مصر الطبيعي والتاريخي في مياه النيل.

5‏-‏ اتفاقية عام ‏1934الموقعة بين بريطانيا وبلجيكا:‏

ينص هذا الاتفاق علي تعهد كل من بريطانيا وبلجيكا‏،‏ إذا ما قامت بتحويل أية كميات من مياه جزء من النهر يقع كله في حدود تنجانيقا أو رواندا‏ -‏ بوروندي‏،‏ بأن تعيد هذه الكمية دون أي نقصان محسوس إلي مجري النهر عند نقطة معينة قبل أن يدخل النهر حدود الدولة الأخري أو قبل أن يشكل الحدود المشتركة بين إقليمي الدولتين‏.‏

‏6-‏ المذكرات المتبادلة بين بريطانيا ومصر بخصوص إنشاء محطة توليد الكهرباء من مساقط أوين بأوغندا في الفترة من‏ 1949: 1953, وتنص هذه المذكرات علي احترام أوغندا للاقتسام السابق أو الاستخدامات السابقة وأن تشغيل المحطة لن يخفض كمية المياه التي تصل إلي مصر أو يعدل تاريخ وصولها أو يخفض منسوبها علي نحو يضر بمصالح مصر‏., كما نصت هذه المذكرات علي عدم المساس بمصالح مصر المقررة طبقا لاتفاق‏1929‏ وعدم تأثير أية أعمال تقوم بها محطة كهرباء أوغندا علي تدفق المياه المارة عبر الخزان وفقا للترتيبات المتفق عليها بين الدولتين‏.‏

7– اتفاقية مياه النيل 1959 الموقعة بالقاهرة في نوفمبر 1959 بين مصر والسودان، وجاءت مكملة لاتفاقية عام 1929 وليست لاغية لها، حيث تشمل الضبط الكامل لمياه النيل الواصلة لكل من مصر والسودان في ظل المتغيرات الجديدة التي ظهرت على الساحة آنذاك وهو الرغبة في إنشاء السد العالي ومشروعات أعالي النيل لزيادة إيراد النهر وإقامة عدد من الخزانات في أسوان, وقد حددت لأول مرة اتفاقية نوفمبر 1959 بين مصر والسودان كمية المياه بـ55.5 مليار متر مكعب سنويا لمصر و18.5 مليارا للسودان.

‏8-‏ الخطابات المتبادلة بين مصر وأوغندا عام‏ 1991:‏

والتي أشارت إلي المذكرات المتبادلة بين بريطانيا ومصر بخصوص إنشاء محطة توليد الكهرباء من مساقط أوين بأوغندا‏ 1949: 1953 (‏على سبيل الخصوص خطاب عام ‏1953)‏، بما يفيد اعتراف أوغندا بالتزاماتها الواردة بهذه الخطابات‏، وبالتالي لا يجوز لها التشكيك في مدي إلزامية هذه الخطابات باعتبار أنها وقعت خلال عهد الاستعمار‏,، حيث أن أوغندا عام‏1991‏ (باعتبارها دولة مستقلة وذات سيادة‏) ‏قد أكدت واعترفت صراحة بسريان التزاماتها الواردة بالخطابات المتبادلة بين ‏1949: 1953.‏

9-‏ الإطار العام للتعاون بين مصر وإثيوبيا لعام‏ 1993:‏

ويؤكد هذا الاتفاق التعاوني علي امتناع الطرفين عن القيام بأي نشاط يتعلق بمياه النيل يمكن أن يضر علي نحو محسوس بمصالح الطرف الآخر‏,، بما يعني ان هذا الاتفاق يؤكد بوضوح وبما لا يدع مجالا للشك حماية الاستخدامات السابقة لكل مصر وإثيوبيا‏, كما أكد هذا الاتفاق ضرورة حماية مياه النيل والحفاظ عليها والتعاون والتشاور بخصوص المشروعات المشتركة وبما يساعد علي تعزيز مستوي تدفق المياه وتقليل الفاقد منها‏.‏

وبعد كل هذه الاتفاقيات والوثائق التي تؤكد حقوق مصر التاريخية في نهر النيل يأتي عميل صهيوني خائن ليتجاهلها, ويتنازل عن شريان الحياة للشعب المصري, ويضعه رهينة تحت تصرف إثيوبيا الوثيقة الصلة بالعدو الصهيوني ومخططاته ضد مصر التي تمثل أكبر تهديد لوجوده في فلسطين المحتلة.

*استمرار الخيانة والتضليل

  واصل السيسي وأذرعه الإعلامية تضليل الشعب المصري حول كارثة سد النهضة باستمرار التفاوض مع إثيوبيا في واشنطن, وتواصل ذلك بعد ما صرح وزير خارجية أمريكا مايك بومبيو  من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا ليقول إن مفاوضات سد النهضة الإثيوبي ما زالت تحتاج إلى شهور من العمل، بعد أن كانت وزارة الخارجية في حكومة الانقلاب تبشر الناس في ختام الجولة الأخيرة من المحادثات في واشنطن بأنه سيتم توقيع اتفاق ملء وتشغيل السد بنهاية الشهر الحالي, وفي هذا التاريخ ستصبح مصر مرغمة على قبول الأمر الواقع, وتبدأ في محنة زيادة الانحدار في مدخولها  المائي وبالتالي الزراعي, بعدما تأكدت إثيوبيا من استسلام السيسي  لها وخروجه على الموقف المصري الثابت تاريخيا إزاء أي بناء سدود على نهر النيل, وهو الإنذار بعملية عسكرية تنسف أي منشآت أو سدود على النيل, وقد خضع السيسي لإثيوبيا لتبني السد مع أنه كان بإمكانه منعها بالتهديد أو بتوجيه ضربة عسكرية لأساسات البناء قبل تشييده, وبذلك تنتهي المشكلة, لكن السيسي عميل خائن فلم يفعل ذلك, كما أنه ترك إثيوبيا  تكسب المفاوضات بالمماطلة بتمديدها خمس سنوات حتى تنتهي من بناء السد ليصبح أمرا واقعا, وفي النهاية أعلنت أنها حرة في المياه التي تجري في أراضيها؛ لتقع مصر تحت خطر تهديد وجودها, ولن تعطي أي اتفاقات مقبلة مصر حقوقها التاريخية الثابتة باتفاقيات دولية قديمة, وستحدد ذلك إثيوبيا وحدها فقط , كما أن أي اتفاقات جديدة مع إثيوبيا حول مياه نهر النيل ستلغي واقعيا الاتفاقات التاريخية السابقة التي تضمن لمصر حصة مقدارها 55 مليار متر مكعب من المياه.

وحسب تأكيد محمد نصر علام وزير الري المصري الأسبق، فإن هدف إثيوبيا الخفي والحقيقي من بناء السد هو التحكم الكامل في مياه النيل الأزرق وبيعها لمصر والسودان، مؤكدا أن الجانب الإثيوبي سبق أن تحدث عن تسعير المياه في اتفاقية عنتيبي.

وهذه هي النهاية الحتمية لخيانة قائد الانقلاب الذي كسر هيبة مصر وأضاع حقوقها أمام دولة متهالكة مثل إثيوبيا, تعاني الفقر وعوامل تفكك جبهتها الداخلية, والتخلف العسكري, ومع ذلك تتحدى مصر وتبني سدا كبيرا على نهر النيل وتسطو على حصة مصر التاريخية من مياه نهر النيل.

 ومن المهم هنا الإشارة إلى أن اتفاقية أديس أبابا في العام 1902 تمنع الإثيوبيين من بناء أي أعمال إنشائية أو سدود على النيل الأزرق وغيره من روافد النيل إلا بإذن من الحكومة السودانية والحكومة البريطانية إبان احتلالها لمصر, وكذلك موقف عبد الناصر في الخمسينيات عندما اعتزمت إثيوبيا إنشاء سد كبير على النيل  لتوليد الكهرباء، بعث جمال عبد الناصر بخطاب إلى الإمبراطور هيلا سيلاسي، جاء فيه: «نطالبكم بوقف أعمال بناء السد، لأننا نعتبره تهديدًا لحياتنا؛ مما يستدعي تحركًا مصريًا غير مسبوق»، فامتثلت إثيوبيا بعد نصيحة الرئيس الأمريكي أيزنهاور، وقللت ارتفاعه من 112 مترًا إلى 11 مترًا فقط, وعندما عادت إلى هذه المحاولات في عهد الرئيس السادات أرسلت القاهرة رسالة رسمية عبر وزير خارجيتها: «إذا قامت إثيوبيا بعمل أي شيء يعوق وصول حقنا في الماء كاملًا، فلا سبيل إلا استخدام القوة».

وقد تكرر التهديد بإعلان الحرب على إثيوبيا في عهد المخلوع مبارك عندما تأزمت العلاقات وشرعت إثيوبيا في استئناف خططها التنموية لمواردها من مياه النيل، وإقامة السدود لتوليد الكهرباء,  وهو ما قوبل بتهديد مصر بإعلان الحرب، عبر تسريبٍ صوتي منسوب لمبارك, قال فيه إنه مستعد لضرب السد بطائرة «توبوليف» – قاذفة قنابل سوفيتية تسبق سرعة الصوت – في حال أقدمت على تنفيذ تهديدها. وحسب وثيقة سربها موقع «ويكيليكس» عام 2013 جاء فيها أن مبارك طلب في أواخر حكمه من الخرطوم إنشاء قاعدة عسكرية تستخدمها القوات الخاصة المصرية إذا أصرت إثيوبيا على بناء سد.

وعندما تولى الرئيس الشهيد محمد مرسي الحكم قال في كلمته، بمؤتمر فعاليات اللقاء الشعبي حول حقوق مصر المائية، إن النيل هبة الله لمصر، وذلك فيه خير ضمان لكي ننظر لمستقبل أفضل لمصر، وعلينا الحفاظ على مياه النيل، وإذا نقصت قطرة واحدة من ماء النيل فإن دماءنا هي البديل, وأكد ضرورة العمل للوقوف ضد أي تهديد للوطن.

إن الشعب المصري مدعو اليوم للدفاع عن حياته بخلع العميل الصهيوني من كرسي الرئاسة الذي اغتصبه رغما عن إرادة الشعب, ومحاكمته مع عصابة الانقلاب التي أوردت مصر المهالك بخيانتها, وتقزيم قامتها أمام دولة تعاني من الترهل والفقر وتطمع في مقدرات الشعب المصري, وتهدد حاضره ومستقبله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مذكرة تفاهم بين السيسي والجامعة الأمريكية.. قراءة في الأبعاد والمخاطر

  أقدم رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي في منتصف أكتوبر 2020م على خطوة مثيرة للجدل تكرس…