‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر «مشروع قانون دار الإفتاء»..  انسجام مع الديكتاتورية العتيقة وتهديد مباشر للأزهر
مصر - مارس 5, 2020

«مشروع قانون دار الإفتاء»..  انسجام مع الديكتاتورية العتيقة وتهديد مباشر للأزهر

ناقش البرلمان المصري الذي صممته الأجهزة الأمنية للطاغية عبدالفتاح السيسي، في جلسته يوم الأحد 23 فبراير 2020 مشروع قانون دار الإفتاء الذي تقدم به رئيس اللجنة الدينية أسامة العبد و60 نائبا آخرين؛ والذي يستهدف تعيين مفتي الديار المصرية بقرار من “رئيس الجمهورية” من بين ثلاثة ترشحهم هيئة كبار العلماء بالأزهر قبل شهرين من خلو المنصب بدلا من انتخابه بالاقتراع السري المباشر لهيئة كبار العلماء برئاسة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

مشروع القانون، الذي حظي بموافقة ممثلي الحكومة خلال اجتماعات اللجنة الدينية بالبرلمان، ينص على المواد الآتية:

أولا، “دار الإفتاء هيئة ذات طابع ديني، تتمتع بالشخصية الاعتبارية، وتتبع وزارة العدل، ويمثلها فضيلة مفتي الديار المصرية، وتقوم على شؤون الإفتاء وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. ويكون للدار أمين عام من الدرجة الممتازة، ويصدر قرار تعيينه من المفتي”. وكانت دار الإفتاء المصرية استَقلت ماليًّا وإداريًّا عن وزارة العدل في نوفمبر 2007، وأصبح لها لائحة داخلية ومالية تم اعتمادهما ونشرهما في جريدة الوقائع المصرية، وتتبع الدار وزارة العدل تبعية سياسية هيكلية فقط، دون أن يكون للوزارة أي سلطة عليها، وينحصر سبب هذه التبعية فيما تقوم به دار الإفتاء من نظرٍ في قضايا الإعدام وإبداء الرأي الاستشاري فيها.

ثانيا، جواز التجديد للمفتي بعد بلوغ السن القانونية المقررة للتقاعد، ومعاملته معاملة الوزراء من الناحية المالية والمراسم والمخصصات، وهو ما اعتبر تمهيدا لاستمرار المفتي الحالي الدكتور شوقي عبدالكريم  موسى علام، الذي يبدي أكبر صور الخضوع والإذعان للنظام العسكري الحاكم، بعد انقضاء مدته الحالية في 4 مارس/آذار 2021، والذي سيبلغ من العمر 60 عاماً (سن التقاعد) بحلول العام المقبل.

ثالثا، تضمن مشروع القانون أنه “في حالة خلو منصب المفتي أو قيام مانع لديه، يتولى الأمين العام لدار الإفتاء تسيير شؤون العمل بالدار، فيما عدا ما يتعلق بقضايا الإعدام المُحالة من المحاكم المختصة”. ويلتزم أمناء الفتوى في أداء عملهم وفق معيار “المهنية”، وبذل الوسع والتقيد بمعتمد الفتوى قبل إبداء الرأي الشرعي، ومراعاة المعايير المنظمة لعمل أمناء الفتوى الواردة باللائحة الخاصة بهم.

رابعا، ينص مشروع القانون أيضا على تشكيل لجنة أمناء الفتوى بقرار من المفتي، والتي تعتبر الجهة العلمية العليا في دار الإفتاء، واعتماد الرأي الذي تختاره اللجنة من فضيلة المفتي باعتباره الرأي المعبر عن دار الإفتاء، مع جواز ندب أمناء الفتوى كخبراء بالدار لمدة سنة، قابلة للتجديد، بعد بلوغهم سن التقاعد القانونية.

خامسا، يمنح مشروع القانون الحصانة القانونية لأمناء الفتوى، وعدم اتخاذ أي إجراءات ضدهم إلا بعد الحصول على إذن من المفتي، واعتماد موازنة مالية مستقلة لدار الإفتاء في الموازنة العامة للدولة، إلى جانب منح المفتي سلطة اعتماد الهيكل التنظيمي والوظيفي والمالي لدار الإفتاء، واللوائح الداخلية لها. ويكون لدار الإفتاء إنشاء حسابات خاصة بالبنك المركزي ضمن حساب الخزانة الموحد، تودع فيها مواردها الذاتية، مع إلزام أجهزة الدولة بمعاونة الدار في أداء مهامها، وتزويدها بما تطلبه من بيانات أو معلومات، وإعفاء الدار من جميع أنواع الضرائب والرسوم والعوائد والدمغات.

سادسا، ينظم مشروع القانون إجراءات العقاب وتأديب أمناء الفتوى أمام مجلس تأديب مُشكل من رئيس لجنة أمناء الفتوى رئيساً، وعضوية أقدم عضوين من أعضاء لجنة أمناء الفتوى، وأحد المستشارين المنتدبين بدار الإفتاء، ومدير إدارة الشؤون القانونية، وتوقيع الجزاءات عليهم بأغلبية الآراء، شريطة اعتمادها من المفتي، مع جواز الطعن عليها أمام المحكمة التأديبية.

سابعا، استحدث مشروع القانون إنشاء مركز لإعداد المفتين برئاسة مفتي الديار المصرية، بهدف إعداد الكوادر العلمية، وإكسابهم المهارات اللازمة لذلك، بحيث يتكون المركز من إدارتين، إحداهما للتدريب المباشر، والأخرى للتدريب عن بعد، على أن تكون مدة الدراسة في كل منهما ثلاث سنوات. وتعتمد هذه الدرجة من المجلس الأعلى للجامعات.

 

موقف الأزهر

التزمت المشيخة وهيئة كبار العلماء الصمت حيال مشروع القانون ولم يبد الأزهر ولا أحد من هيئة كبار علمائه أي تصريحات بهذا الشأن حتى كتابة هذه السطور؛ وتعاملت المشيخة مع مشروع القانون الجديد بشكل رسمي حيث أرسل الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر خطابا إلى مجلس النواب يطالب فيه بإرسال مشروع القانون لإبداء الرأي فيه، ويتردد أن مجمع البحوث الإسلامية عقد اجتماعا طارئا لمناقشة مشروع القانون.

ويوجد وسيلتان للتواصل بين الأزهر الشريف وبرلمان الأجهزة الأمنية، فيما يتعلق بقانون الإفتاء، الوسيلة الأولى أن تطلب اللجنة الدينية مشاركة مندوب رسمي للأزهر، والوسيلة الثانية أن يطلب الأزهر صورة من مشروع القانون، لعرضه على مجمع البحوث وهيئة كبار العلماء، وفقا لتصريح الدكتورة مهجة غالب عضو مجلس النواب وعميد كلية الدراسات الإسلامية الأسبق التي أعلنت تأييدها لمشروع القانون الجديد، مؤكدة في الوقت ذاته أن رأي الأزهر غير ملزم للبرلمان.

على خطاها مضى النائب البرلماني المعروف بولائه الشديد للأجهزة الأمنية محمد أبو حامد مؤكدا دعمه لمشروع القانون وأن رأي الأزهر غير ملزم وأن “البرلمان” هو صاحب القول الفصل في مشروع القانون. وراح أبو حامد يغمز في الأزهر ومشيخته وهيئة كبار علمائه مدعيا أن المشيخة ترفض آلية اختيار المفتي بحسب قوله: «موقف الأزهر سلبي متشدد وغير مقبول، وما يفعله الأزهر تعطيل للمراكب السايرة».

 

قراءة تحليلية

وبقراءة تحليلية لمشروع القانون وأبعاد طرحه في هذا التوقيت يمكن رصد الملاحظات الآتية:

أولا، من حيث التوقيت فإن طرح مشروع القانون يأتي بعد أقل من شهر على مؤتمر الأزهر حول تجديد الخطاب الديني في 27 و28 يناير 2020م، والذي شهد اتهامات مباشرة من الإمام الأكبر لدعاة التجديد “الزائف” بأن الهدف هو اختطاف الأزهر والدين نفسه لخدمة أهداف سياسية لا يرضاها الدين. وأبدى شيخ الأزهر مخاوفه الشديدة من تبديد الخطاب الديني بدعوى التجديد واعتبر الهجوم على التراث مؤشرا وبرهانا على ذلك وأن معاني التجديد نفسها هي مقولة تراثية لا حداثية. وكانت ردوده على رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت قوية ومفحمة ولاقت قبولا جماهيريا واسعا وعبرت الجماهير عن تقديرها لموقف الإمام الأكبر.

ثانيا،  كما يأتي طرح مشروع القانون في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما تبقى من تفاصيل صفقة القرن الأمريكية المشبوهة والتي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية وعكست انحيازا  سافرا  للرواية الصهيونية؛ وعبر الأزهر الشريف عن رفضه لهذه الصفقة المشئومة بالإعلان عن تدريس القضية الفلسطينية لجميع طلابه في جميع المراحل التعليمية من الابتدائية حتى الجامعة لتحصين الوعي العربي والإسلامي بقضية المسلمين الأولى في ظل تواطؤ مفضوح من جانب النظم التي تولي عروشها أهمية أكبر من مصالح الأمة والشعوب والمقدسات. كما عبر الأزهر مرارا عن رفضه لعمليات التهويد المستمرة للقدس والاعتراف الأمريكي بها كعاصمة للكيان الصهيوني، وإسقاط حق العودة لملايين اللاجئين؛ وقد أبدى الإمام الأكبر شيئا من هذا خلال ردوده على الخشت  عندما تألم لعدم وجود العرب والمسلمين كقوة ضد ترامب وبنيامين نتنياهو رئيس حكومة الكيان الصهيوني عند إعلان الصفقة. وبالطبع المرحلة القادمة لا تحتاج إلى مؤسسات قوية تعرقل المخططات الأمريكية في المنطقة وعلى رأسها تصفية القضية الفلسطينية؛ ويستهدف مشروع قانون الإفتاء تقليص صلاحيات ونفوذ الأزهر وإضعافه كأكبر مؤسسة إسلامية في مصر والعالم لتمرير الصفقة الأمريكية الملعونة.

ثالثا، يأتي مشروع القانون في إطار الصراع الدائر منذ سنوات بين رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وشيخ الأزهر أحمد الطيب، وسعي  الطاغية السيسي  لسحب أكبر قدر من الصلاحيات الممنوحة للأخير، والمحصن من العزل بموجب الدستور وهي المواد التي تضمنها دستور الثورة 2012 ولم يستطع العسكر محوها من دستور الانقلاب 2014م، لا سيما مع الهجوم المستمر على الأزهر وشيخه لأغراض سياسية من قبل بعض المسئولين والسياسيين والإعلاميين، في محاولة منهم للتقرب من النظام الذي أدمن الاستبداد وبات مصرا على قتل جميع الآراء المعارضة لتوجهاته على المستويين المحلي والإقليمي؛ خصوصا إذا كان ذلك نابعا من مؤسسة كبرى بحجم الأزهر الذي يراد منه أن يكون خاضعا ومذعنا مثل باقي المؤسسات التي تم إخضاعها للطاغية مثل الأوقاف والإفتاء وحتى الكنيسة التي خضت لاعتبارات تتعلق بصفقات خفية مع النظام يتبادلان من خلالها الدعم والتأييد.

رابعا، يتسق مشروع القانون الجديد مع التوجهات الديكتاتورية لنظام انقلاب 30 يونيو؛ وبحسب مشروع القانون الذي يدرسه البرلمان، فإن تعيين المفتى يتم بعد الاختيار من بين 3 أسماء ترشحهم هيئة كبار العلماء بالأزهر، خلال شهرين قبل خلو المنصب، ويبقى المفتي في منصبه حتى بلوغه سن التقاعد، مع جواز التجديد له. فمشروع القانون الذي أقرته اللجنة الدينية يمنح رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، سلطة اختيار المفتي على غرار ما منحته التعديلات الدستورية الشهيرة في 2019، من سلطة اختيار رؤساء الهيئات القضائية والنائب العام لمصر. ووفقا للائحة الداخلية لهيئة كبار العلماء، يدعو شيخ الأزهر الهيئة إلى الانعقاد قبل موعد انتهاء مدة مفتى الجمهورية بشهر على الأقل، للنظر في ترشيح المفتى الجديد، وتُرشّح الهيئة ثلاثة من العلماء من بين أعضائها أو من غيرهم ممن تنطبق عليهم شروط ومعايير صلاحية شغل منصب المفتى، التي تقررها الهيئة، ثم تختار الهيئة عبر الاقتراع السري المباشر على المرشحين الثلاثة في جلسة يحضرها ثلثا عدد الأعضاء، ويعتبر من يحصل على أعلى الأصوات هو مرشح هيئة كبار العلماء لمنصب الإفتاء بشرط حصوله على الأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين، ويعرض شيخ الأزهر الترشيح على رئيس الجمهورية لإعمال اختصاصه في إصدار قرار تعيين مفتى الجمهورية. وهي الطريقة التي تم إقرارها وتقنينها في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي والتي تكرس الاقتراع السري المباشر لاختيار المفتي ويبقى دور الرئيس فقط هو اعتماد النتيجة وإصدار قرار بها  دون تدخل مباشر منه في عملية الاختيار. أما مشروع برلمان العسكر فينسق كل هذه القواعد والإجراءات، ويجعل حق هيئة كبار العلماء انتقاء ثلاثة فقط ليقوم رأس النظام هو بتعيين من يراه مناسبا؛ وبالطبع لا يمكن استبعاد التدخلات الأمنية في انتقاء هؤلاء الثلاثة أو أحدهم على الأقل ليكون هو المختار وفق القيود والمعايير الأمنية دون سواها. وهو ما يتسق مع توجهات النظام الذي يقوض جميع أشكال المشاركة الشعبية وألغى فعليا جميع صور الانتخابات التي قررتها مكتسبات ثورة 25 يناير وحتى الانتخابات التي تتم فهي صورية تتحكم الأجهزة الأمنية في جميع مخرجاتها من الألف إلى الياء. كما ألغى انتخابات رؤساء الجامعات وعمداء الكليات؛ فكل ذلك بات بالتعيين، فكيف يبقى اختيار المفتي بالانتخاب؟ لذلك يستهدف مشروع القانون الجديد لدار الإفتاء إلغاء الاختيار من جانب هيئة كبار العلماء ليتم التعيين من جانب رئيس الجمهورية.

خامسا، إلى جانب تركيز جميع السلطات في قبضة الطاغية رئيس الانقلاب، يستهدف مشروع القانون الجديد مكافأة المفتي الحالي الدكتور شوقي علام، الذي يبدي جميع صور التجاوب والانصياع والإذعان؛ فالمفتي الحالي تم اختياره في 2013 بالاقتراع السري المباشر من هيئة كبار العلماء وتم التجديد له في مارس 2017 لمدة أربع سنوات أخرى تنتهي في مارس 2021م، وسوف يبلغ سن المعاش مع انتهاء مدته القانونية الثانية؛ وبحسب نص قانون تعيين المفتي تنتهي مدته القانونية عند بلوغه السن القانونية لترك الخدمة “60” سنة؛ ما يتوجب معه اختيار مفتي جديد لدار الإفتاء المصرية؛ فهل يترك السيسي وأجهزته الأمنية الأمر لشيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء وهو الذي يسلط كلابه عليهم آناء الليل وأطراف النهار بالتشهير والتطاول والاتهامات الباطلة بدعوى تشدد الأزهر في مسألة تجديد الخطاب الديني الذي يحمله السيسي المسئولية كاملة على فشله الكبير على كافة الأصعدة والقطاعات؟!  لذلك يستهدف النظام مكافأة شوقي علام والتجديد له أو حتى ترقيته لمستوى أعلى وتعيين شخصية أخرى مماثلة على رأس دار الإفتاء. ولا يخشى السيسي تعيين إحدى شخصيات هيئة كبار العلماء؛ لأنهم جميعا تجاوزوا السن القانونية ولكن الهيئة تستعين بآخرين من خارجها لانتخابهم على رأس دار الإفتاء وما يخشاه السيسي وأجهزته الأمنية أن تتوافق الهيئة على اختيار شخصية مماثلة لشخصية الإمام الأكبر  تتسم بقدر من الاستقلالية فتقف عقبة أمام  جرائم وانتهاكات النظام وخصوصا في ملف الإعدامات التي يوقع علي صحتها مفتي الديار دون أدلة سوى التحريات الأمنية؛ ولعل هذا هو سبب طرح القانون في هذا التوقيت في ظل أحكام الإعدامات الجائرة التي افتقدت إلى جميع معايير النزاهة والعدالة، ورغم ذلك قابلها المفتي بتجاوب واسع حرصا على ولائه للنظام الديكتاتوري وأجهزته الأمنية على حساب رضا الله وإحقاق الحق والعدل بين الناس.

 

“علام” يقدم فروض الولاء المطلق

الأهم ــ إذا ــ  عند نظام الانقلاب ألا يأتي على رأس دار الإفتاء شخصية متوازنة تتصف بالعلم والتقوى؛ تقدم الولاء لله ورسوله والإسلام على ولائها للنظام والسلطة؛ لذلك يريد النظام أن يضمن أمرين: الأول منح السيسي سلطة تعيين المفتي  وسحبها من الأزهر وهيئة كبار علمائه في رسالة تهديد واضحة بأن النظام مصمم على تقليص صلاحيات المؤسسة الإسلامية الأكبر في البلاد كما تمثل رسالة غضب وعدم رضا على أداء المشيخة وهيئة كبار العلماء. والثاني، مكافأة بعض المقربين من النظام والذين أبدوا ــ خلال سنوات ما بعد الانقلاب ــ  إذعانا كاملا للسيسي وأجهزته الأمنية وتجاوبا مهينا  مع توجهات النظام رغم ظلمه وفساده ووحشيته المفرطة وغير المسبوقة؛ ومن هؤلاء المفتي الحالي شوقي علام وربما يتم مكافأة مستشار السيسي للأمور الدينية أسامة الأزهري أو غيرهما من عاشقي السلطة والوجاهة وحب النفوذ.

وخلال الفترة الماضية أبدى مفتي الديار السيسية قدرة هائلة في التلون والنفاق للسلطة وتبرير كل جرائمها وغض الطرف عن مظالمها والحديث بلسانها في المحافل الدولية والمحلية ودعم سياستها الإقليمية.

أولا، على عكس موقف مشيخة الأزهر وهيئة كبار العلماء التي رفضت تكفير الإخوان وحتى جماعات العنف مثل القاعدة وداعش؛ ورفضت أن تقع في مستنقع التكفير والتكفير المضاد وهي التي ترفض من الأساس السقوط في هذا الفخ؛ فإن دار الإفتاء قامت بذلك واعتبرت الإخوان «خوارج العصر وقتالهم أعلى درجات الشهادة» وهي الفتوى التي صدرت في فبراير 2019م، في أعقاب تنفيذ حكم الإعدام في تسعة من شباب الجماعة حكم عليهم ظلما في محاكمات مسيسة افتقدت لجميع معايير النزاهة والعدالة وهو الحكم الذي استند على أمرين: اعترافات بالإكراه تحت التعذيب الرهيب وتحريات الأمن الوطني دون وجود أي دليل مادي ضد هؤلاء الشهداء؛ لكن دار الإفتاء بصمَت على الحكم الجائر وراحت بعد ذلك تهاجم الضحايا وتبرر جريمتها وجريمة النظام. وقد دأبت دار الإفتاء  تحت إدارة شوقي علام على هذا النهج المتزلف للسلطة والمتواطئ معها ضد كل ما هو حق وعدل وإنصاف، وانحازت للجلادين والظالمين على حساب الضحايا والمظلومين.

ثانيا، على خطى  المداخلة؛ راحت دار الإفتاء بسيل من الفتاوى الشاذة والوسائل المتنوعة تحث البسطاء على مناصرة طاغية ظالم عبر خطاب ديني تضليلي وظَّفت فيه الآيات والأحاديث في غير موضعها، وأنزلتها في غير منزلها”. و ذهبت دار الإفتاء إلى  دعوة الناس إلى دعم الحاكم الظالم الذي اغتصب الحكم بقوة السلاح من الرئيس المنتخب صاحب البيعة بعد أن خانه وغدر به وزج به في السجن بتهم ملفقة ثم قتله غدرا كما قتل الآلاف من أنصاره بمنتهى الخسة والوحشية؛ فلم يترك السيسي خسيسة إلا وفعلها من أجل السطو على الحكم؛ ورغم ذلك وجد في عمائم دار الإفتاء وغيرها نصيرا ينحاز لغدره وظلمه وخيانته على حساب الضحايا والقابضين على جمر الحق الثابتين على طريق الحق الداعين للحرية والعدل والحكم الرشيد. وراحت دار الإفتاء عبر مرصدها تدعو الناس إلى الرضوخ لمثل هذا الحاكم الجائر بكل السبيل بالفتاوى والبيانات والرسوم المتحركة والملصقات في تأكيد على أن ولائها للسلطة وليس للحق والعدل والإنصاف.

ثالثا، في أعقاب المناظرة الكلامية التي جرت في مؤتمر الأزهر لتجديد الخطاب الديني بين فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر والدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة؛ استثمر مفتي الديار السيسية الموقف ليثبت ولاءه للنظام والسلطة؛ وأجرى زيارة لرئيس جامعة القاهرة بعد الموقف بأسبوعين فقط؛ وأبدى توافقه التام مع دعوات الخشت المتعلقة بالتراث والخطاب الديني وراح يوظف القواعد الأصولية الصحيحة في موضع بهتان وضلال مثل تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان رغم أنه يعلم علم اليقين مرامي الخشت التي تمثل انقلابا على بعض ثوابت الإسلام لكن المفتي فعل ذلك تزلفا للسلطة ونفاقا لها.

رابعا، لم يتوقف  عطاء المفتي في دعمه للنظام العسكري السلطوي عند حدود الفتاوى الشاذة والبيانات المؤيدة في كل المواقف، لكنه راح يتحدث بلسان النظام في المحافل الدولية؛ حيث شارك المفتي في مؤتمر “تحصين الشباب ضد أفكار التطرف والعنف وآليات تفعيلها” والذي نظمته الأمم المتحدة بجنيف يومي 18 و19 فبراير 2020م، وقال المفتي نصا: «التطرفَ الدينيَّ في العادةِ لا يقفُ عندَ حدِّ الفكرِ المتشددِ المنطوي على نفسِه؛ بل سرعانَ ما يتطورُ إلى مرحلةِ فرضِ الرأي، ثم محاولةِ تطويعِ المجتمعِ بأسره قسرًا لهذا الفكرِ، ولا سبيلَ له إلا العنف والإرهاب وسفك الدماءِ». ولو كان المفتي بصيرا لأدرك أن من يفعل ذلك تنظيمان فقط في مصر: الأول هو تنظيم الجيش الذي يقود البلاد منذ أكثر من ستين سنة بالحديد والنار ويوظف كل مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية والإعلامية والثقافية لتكريس حكمه بالعنف والإرهاب والظلم. والثاني هو تنظيم “داعش” وفروعه في سيناء والذين أبدو نهجا يقوم على إكراه الآخرين على ما يرى ويعتقد. ولو أنصف المفتي وأبصر الحقيقة؛ لأدرك أن من يكره الناس بالعنف والإرهاب هو النظام الذي ينتمي إليه ويدافع عن جرائمه ويبرر مواقفه المشينة والوحشية.

خامسا، انغمست دار الإفتاء في الصراع السياسي حتى النخاع ويتم توظيفها من جانب النظام سياسيا على نطاق واسع لخدمة أهداف النظام ومخططاته، ليس فقط في ملف الإعدامات والفتاوى الشاذة والحرب على كل من يعارض النظام، حتى من القوى والحركات والأحزاب العلمانية التي اتهمتها دار الإفتاء بالخيانة وعدم الوطنية عندما دعت إلى مقاطعة مسرحية انتخابات الرئاسة في 2018م؛ بل امتدت حربها لخدمة النظام إلى إصدار الفتاوى السياسية التي تتعلق بالوضع الإقليمي وخير مثال على ذلك، موقفها من تركيا والملف الليبي، حيث أصدر ما يسمى بمرصد الفتاوى التكفيرية التابع للدار بيانا في 3 يناير 2020م ينتقد فيه دعم الحكومة التركية لحكومة الوفاق الليبية الشرعية المعترف بها دوليا، وذلك في تعبير صادق عن  توجهات النظام وهو ما يعني بشكل مباشر دعم مليشيات وعصابات الجنرال الدموي خليفة حفتر  المدعوم من نظام العسكر والإمارات والسعودية والذي يشن عدوانا سافرا على العاصمة طرابلس منذ إبريل 2019م.  رغم أن الدعم التركي جاء بناء على اتفاق موقع بين الحكومتين التركية والليبية وليس دعما مشبوها كما يفعل السيسي مع عصابات حفتر. كما أصدرت دار الإفتاء بيانا في 2 مارس 2020م تدعم فيه السفاح بشار الأسد وتنتقد فيه عملية “درع الربيع” التركية لحماية  ملايين المسلمين من بطش ووحشية عصابات الأسد والعصابات الروسية ومليشيات إيران وحزب الله الطائفية؛ فدار الإفتاء تدعم كل ظالم جبار ولا نجد في بياناتها ذرة من ضمير أو إسلام أو إنسانية؛ فقد انحازت بشكل أعمى لكل سياسات وتوجهات النظام مهما كانت شاذة ومهما كانت ظالمة وشديدة التطرف والإرهاب.

خلاصة الأمر،  تولى منصب المفتى -حتى اليوم- 20 مفتيًا منذ إنشاء دار الإفتاء المصرية في 12 من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1895، وذلك بالأمر الصادرِ من خديوي مصر، عباس حلمي الثاني، وكان أولهم الشيخ حسونة النواوي، وتلاه الإمام محمد عبده. وصولا إلى على جمعة الذي ترك الدار في 2013م بانتخاب الدكتور شوقي علام بالاقتراع السري المباشر من هيئة كبار العلماء بالأزهر في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي. ويستهدف نظام العسكر بمشروع قانون دار الإفتاء ضمان استمرار السيطرة على المؤسسة الدينية الإسلامية في إصرار على مصادرة الدين وتأميمه لحساب السلطة وتطويعه لخدمة أجندتها وأهدافها؛ ولعل تنويع المؤسسة الدينية الإسلامية بين الأزهر بمشيخته وهيئة كبار علمائه ثم الأوقاف من جهة ثانية ودار الإفتاء من جهة ثالثة يستهدف أولا إضعاف الأزهر وبث الأسافين والفتنة بين رؤساء الفروع الثلاثة للمؤسسة الإسلامية وضمان ولائها عبر آليات الترغيب والترهيب من جهة ثانية، وهو ما تقوم به سلطات الانقلاب حاليا ويشهد على ذلك سوء العلاقة بين المشيخة والأوقاف والإفتاء. ويريد السيسي تطويع الأزهر بشكل مطلق لخدمة أجندة النظام كما فعل مع الأوقاف ودار الإفتاء؛ لأن الولاء للنظام مقدم على الولاء للدين في تصورات قادة الحكم العسكري وانقلاب 30 يونيو.

تم الانتهاء منه في الاثنين 3 مارس 2020م

 

أهم المصادر:

  • محمود صديق/السيسي وسلطة اختيار المفتي.. مكايدة لشيخ الأزهر أم تهديد له؟/ الجزيرة نت 29 فبراير 2020
  • محمد عبد الشكور/صراع على مشيخة الأزهر!/ الجزيرة مباشر الجمعة 28 فبراير 2020
  • مشروع قانون يمنح السيسي سلطة تعيين مفتي الجمهورية/العربي الجديد 23 فبراير 2020
  • فادي الصاوي/ القصة الكاملة لاختيار المفتي الجديد.. هل يتصادم الأزهر مع البرلمان؟/ مصر العربية  24 فبراير 2020
  • محمد مغاور /قانون جديد يسحب تعيين المفتي من الأزهر ويمنحه للسيسي/ “عربي 21” الأحد، 23 فبراير 2020
  • فادي الصاوي/ هيئة كبار العلماء تجدد فترة ثانية لمفتي الجمهورية/ مصر العربية 06 يناير 2017
  • “الإفتاء المصرية” تهاجم الإخوان: خوارج العصر وقتالهم أعلى مراتب الجهاد/ الجزيرة نت 21 فبراير 2019
  • في عهد السيسي.. دار الإفتاء تدعو لطاعة الحاكم ونصرته والدعاء له/ الجزيرة نت 3 مايو 2019
  • مصطفى محمد/ بعد «معركة» الطيب والخشت.. ماذا فعل المفتي في جامعة القاهرة؟/ مصر العربية 13 فبراير 2020
  • أحمد البحيري/ المفتي من الأمم المتحدة: دعاة التطرف يستخدمون الشباب معولًا لهدمِ الأوطان..طموحات الإرهابيين توسعت إلى حد تلقي تمويلات وإقامة جيوش وتسليح كتائب/ المصري اليوم الثلاثاء 18 فبراير 2020
  • الإفتاء المصرية تهاجم العملية التركية في سوريا.. وناشطون يردون/ الجزيرة مباشر الثلاثاء 3 مارس 2020

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آب…