‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر عشرات الإصابات وحالة وفاة بــ«كورونا» في مصر .. قراءة تحليلية في المخاوف والتوقعات
مصر - مارس 10, 2020

عشرات الإصابات وحالة وفاة بــ«كورونا» في مصر .. قراءة تحليلية في المخاوف والتوقعات

خلال فبراير 2020م، بدأت تتواتر الأخبار من بلاد مختلفة عن إصابات لسائحين أجانب مصابين بفيروس «كوفيد ــ 19» الشهير بـ«كورونا» عائدين من مصر؛ وبلغت هذه الحالات إلى 32 حالة من فرنسا (19 حالة عائدة من مصر) والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وتايوان واليونان ولبنان والصين([1])؛  بينما كانت حكومة الانقلاب تنفي مرارا  أي إصابات بالفيروس في مصر؛ ولم تعلن سوى عن حالة واحدة فقط في 13 فبراير لمواطن صيني كان يعمل في مول سيتي ستارز بمصر الجديدة؛ الأمر الذي أثار شكوكا واسعة حول تعمد نظام الانقلاب التعتيم على  العدد الحقيقي للمصابين بالفيروس لاعتبارات سياسية واقتصادية؛ إذ كيف تكون مصر خالية من الفيروس وتقوم بتصدير المصابين للخارج في ذات الوقت؟!

عزَّز من المخاوف، أن المواطن الصيني الذي تم عزله في مستشفى النجيلة بمرسى مطروح اختلط فعليا بعدد كبير من العاملين معه بنفس الشركة أو حتى المبنى كله الذي يضم عشرات الشركات؛ ولم تجر الحكومة التحاليل المطلوبة إلا بـ5 من المخالطين معه بشكل مباشر، و308 تعاملوا معه بشكل غير مباشر؛ تقول الحكومة إنه تم عزلهم لمدة 14 يوما وأن نتائجهم جميعا جاءت سلبية. لكن  الشكوك تحوم حول معرفة عدد المخالطين له وهل اكتفت الحكومة بالعاملين معهم في الشركة والمبني وهل توصلت إلى الذين احتكوا به في الشارع والمواصلات وغيرها؟

 

ضغوط ضد التعتيم الحكومي

وأمام حالة التعتيم التي فرضها النظام على حالات الاشتباه أو الإصابة بكورونا؛ مارس الرأي العام ضغطا شديدا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي؛ بخلاف تجارب الحكومات الأخرى والتي تؤكد أن التعتيم ليس حلا بل يؤدي إلى تفاقم الأزمة وليس حلها.

أولا، تناولت وسائل الإعلام قصة الطبيب الصيني “لي وين ليانج” والذي يعد أول من حذر من تفشي فيروس مشابه لسارس بعد تشخيص سبعة مرضى من سوق المأكولات البحرية في مدينة وهان. لكن الأجهزة الأمنية استدعته ومارست معه التهديد والتوبيخ واتهمته  بنشر الشائعات، عبر الإنترنت”، و”الإخلال بالنظام الاجتماعي بشدة”، بسبب الرسالة التي أرسلها لمجموعة الدردشة. واضطر (لي) إلى توقيع بيان للاعتراف بـ “جريمته” ووعد بعدم ارتكاب “أفعال غير قانونية” أخرى، فقد كان يخشى أن يتم اعتقاله، ولحسن الحظ سُمح له بمغادرة مركز الشرطة بعد ساعة.([2]) ووفقا لشبكة (CNN) فمنذ البداية، أرادت السلطات الصينية السيطرة على المعلومات حول انتشار المرض، وإسكات أي أصوات تختلف عن روايتها، بغض النظر عما إذا كانوا يقولون الحقيقة أم لا. ومع تفشي الفيروس، ثم وفاة الطبيب “لي وين ليانج” لإصابته بالمرض؛ اكتسبت قصته دعما شعبيا هائلا؛ وعلى مدار أسبوعين من الإنكار اضطرت الحكومة الصينية إلى الإعلان عن الفيروس الجديد؛ لكن الكارثة كانت قد حلت بالفعل؛ فقد غادر مدينة “ووهان” بؤرة الفيروس خلال هذين الأسبوعين 5 ملايين شخص لقضاء إجازة رأس السنة في عدد من دول العالم!.. ويؤكد خبراء أن الحكومة الصينية لو أخدت بتحذيرات هذا الطبيب في وقتها لتم احتواء المرض إلى حد بعيد. وحتى كتابة هذه السطور، لقي أكثر من 3 آلاف صيني مصرعهم وأصيب أكثر من 80 آلفا آخرين بينهم أكثر من 6 آلاف حالتهم خطيرة.

ثانيا، على خطى التعتيم الصيني مضت الحكومة الإيرانية، وأنكرت انتقال الفيروس إلى أراضيها ومارست ولاتزال تعتيما كبيرا بحق العدد الحقيقي للقتلى والمرضي بالفيروس، واليوم باتت إيران من أكبر 4 بؤر للفيروس على مستوى العالم إلى جانب كل من الصين وكوريا وإيطاليا. حيث لقي حوالي 150 مصرعهم وارتفع عدد  المصابين إلى حوالي 7آلاف.

ثالثا، تداول نشطاء  مشهدا  من  المسلسل الأميركي The Last Ship “السفينة الأخيرة” (2014) الذي تدور أحداثه حول انتشار فيروس مجهول في مصر، وادعت الحكومة كذباً أنها احتوته، لينتشر الفيروس بعد ذلك ويقتل معظم سكان الأرض. وشبه مغردون، أحداث المسلسل، بواقع نظام الطاغية عبد الفتاح السيسي في مواجهة فيروس كورونا، وحالة الإنكار التي يعيشها، ليسخروا “حتى المسلسلات الأمريكاني عارفة ان حكومتنا بتكدب”.([3])

 

تحولات  مارس

أمام هذا السيل الجارف من التشكيك في مصداقية حكومة الانقلاب والمعروفة أصلا ليس بانعدام الشفافية فقط بل بتحري الكذب واحتراف الفبركة، اضطر النظام إلى الكشف عن بعض الحقيقة. وفي 2 مارس 2020م، تم الإعلان عن الحالة الثانية لكندي يعمل بإحدى شركات  البترول بالصحراء الغربية؛ حاول الطبيب علاجه من أعراض الإنفلونزا، ولم تتحسن حالته فتم نقله إلى مستشفى العزل وأجريت له التحاليل التي أثبتت أنه حامل للفيروس؛ وبحسب تصريحات وزيرة الصحة فإن المخالطين له بشكل مباشر 3875 فردا منهم 2555 بالشركة، تم وضعهم في العزل الطبي وتوفير 3 عيادات وأطباء لمتابعة حالتهم، بينما يوجد 890 شخصا آخرين من خارج الشركة تقول الوزارة إنه تم عزلهم ذاتيا في منازلهم ومتابعتهم جميعا ولا يوجد لدى أحدهم أي أعراض حتى السبت 7 مارس 2020م.

الحالة الثالثة، تم الكشف عنها في 5 مارس 2020م، وهي لمصري عمره 44 عاما كان قادما من صربيا ترانزيت 12 ساعة بباريس وعانى من الأعراض وتوجه إلى مستشفى خاص وتم أخذ عينه له وجاءت نتيجتها إيجابية وتم وضعه في مسشتفى العزل الطبي وتم عمل مسح لعينات 42 شحصا من المخالطين المباشرين وكلها بحسب الوزيرة جاءت سلبية وإن كان الوقت لا يزال مبكرا على الحكم النهائي على كل هذه الحالات بخلاف آخرين ربما احتكوا به ولم تصل إليهم الوزارة.

 

«الوزيرة في الصين»

وأمام هذه التطورات المخيفة،  قامت وزيرة الصحة بحكومة الانقلاب هالة زايد بزيارة إلى الصين؛  يوم الاحد 1 مارس واستغرقت 6 أيام لتعود الجمعة 6 مارس 2020م، تم إظهارها على أنها زيارة دعم للصين مع تقديم بعض المساعدات الطبية؛ لكنها في حقيقتها كانت من أجل طلب المساعدة من الجانب الصيني الذي بات لديه بفعل التجربة خبرات واسعة وأجهزة متطورة للكشف عن فيروس “كورونا”؛ «وأعلنت الوزيرة بالفعل في مؤتمر صحفي أقيم السبت 7 مارس حيث تم  تزويد المعامل المركزية للوزارة بالكواشف الحديثة حيث تم شراء 250 ألف كاشف من الصين. وتم زيادة المعامل المرجعية إلى 8 معامل على مستوى الجمهورية. وبدءا من الثلاثاء 10 مارس سيتم شحن وتوريد كواشف سريعة لوضعها بالمطارات وكل الطائرات القادمة من الدول التي يوجد بها إصابات؛ حيث تظهر النتيجة خلال 30 دقيقة في المطارات».([4]) وبحسب صحيفة “صوت الأمة” فإن الوزيرة عادت من الصين بهديتين: أولاهما ألف كاشف حديث لفيروس «كورونا» المستجد، والأخرى هي الوثائق الفنية المُحدَّثة للإجراءات الاحترازية المُتخذة في الصين لمواجهة الفيروس، والتقرير المشترك لخبراء منظمة الصحة العالمية والخبراء الصينيين حول الزيارة التفقدية الأخيرة لمناطق عديدة في الصين.

 

«55» إصابة وحالة وفاة!

التطور اللافت، جرى بدءا من مارس، حيث تم الإعلان عن الحالتين الثانية والثالثة في 2 و5 مارس، وفي الجمعة 6 مارس تم الإعلان عن اكتشاف 12 إصابة دفعة واحدة؛ والمخيف في الأمر، أن عملية الكشف عن المصابين جرت بذات الطريقة التي تم الإعلان بها عن الحالات السابقة؛ حيث عادت سائحة أمريكية من أصل تايواني لبلادها وثبت إصابتها فأبلغت منظمة الصحة العالمية الجانب المصري بالحالة؛ حيث تم تعقب خط سير رحلتها بمصر فثبت أنها كانت على متن باخرة سياحية لعدة أيام بين الأقصر وأسوان، وبحسب المتحدث باسم «الصحة» خالد مجاهد، فإن الوزارة تابعت الحالة الصحية للمخالطين للسائحة خلال 14 يومًا ولم تظهر عليهم أي أعراض، لافتًا إلى أنه تم إجراء تحاليل الـpcr لهم في اليوم الـ14، والذي يمثل نهاية «حضانة كورونا»، وثبت وجود 12 حالة إيجابية للفيروس دون أعراض، وتمت إحالة الحالات الاثنتي عشرة للحجر الصحي بـ «النجيلة»، فالحكومة لم تكتشف الإصابات إلا بعد إبلاغ منظمة الصحة العالمية لها.([5])

لكن التطور الأكبر، جرى في يوم السبت  7 مارس 2020م، حيث عقد رئيس الحكومة مصطفى مدبولي مؤتمرا صحفيا بمشاركة وزيرة الصحة هالة زايد؛ حيث تم الإعلان عن 33 حالة جديدة حاملة للفيروس على متن الباخرة السياحية، وبذلك ترتفع أعداد المصابين بالفيروس على متن الباخرة إلى 45 حالة(26 مصريا و19 أجنبيا) تم عزل 34 منهم بمستشفى النجيلة بمرسى مطروح والـ11 الباقين عزلوا في محافظة الأقصر؛  وبذلك يرتفع العدد الإجمالي للمصابين إلى 48 حالة إذا أضفنا الحالات الثلاثة التي تم الإعلان عنها أيام 13 فبراير و2 مارس و5 مارس. واتهمت الوزيرة السائحة التايوانية بالتسبب في تفشي الفيروس على متن الباخرة السياحية،  التي تقل 171 شخصا.([6])

وفي مساء 8 مارس 2020م، أعلنت الحكومة عن ارتفاع عدد المصابين إلى “|55” حالة كما أعلنت عن أول حالة وفاة بكورونا في مصر لمواطن ألماني دخل البلاد قبل أسبوع وكان في أسوان واتجه إلى مستشفى الغردقة بمحافظة البحر الأحمر، وأجريت له التحاليل التي أكدت إصابته؛ لكن حالته ساءت حتى لفظ أنفاسه الأخيرة بالمستشفى. وخطورة الحالة أنها بعيدة عن باخرة “آية سارة” التي تم الإعلان عن 45 إصابة بها، وكذلك الخطورة الناتجة عمن التقاهم خلال جولته السياحية في الفنادق والشوارع والكافتيريات وغيرها وهم بالآلاف طبعا ولا يمكن حصرهم. وسبب ذلك أن الحكومة تساهلت في دخول الأجانب خلال الفترة الماضية ولم تجر عليهم أي فحوصات أو حتى تعليق دخول الوفود السياحية لأن صحة المواطنين هي آخر ما يفكر فيها النظام العسكري.

 

انتهازية وفوضى واستخفاف

أدى إعلان الحكومة عن هذه الأرقام إلى حالة من الرعب في أوساط المصريين؛ وللأسف قابلتها سلطة العسكر بقدر من الانتهازية والفوضى والاستخفاف؛ للأسباب الآتية:

أولا، تعاملت حكومة الانقلاب مع  المصريين الراغبين في إجراء فحص الـ PCR،  فيروس كورونا” من المعامل المركزية لوزارة الصحة بقدر من الانتهازية والفوضى؛ إذ حددت سعر التحليل الواحد بألف جنيه؛ وهو مبلغ كبير، وبررت سلوكها الانتهازي بأن تكلفة الفحص في القطاع الخاص أعلى من ذلك بكثير!  ويسعى المصريون العاملون بدول الخليج والمقيمون حاليا بمصر أو الذين حصلوا على فرصة للعمل هناك للحصول على شهادة رسمية من وزارة الصحة بخلوهم من “فيروس كوفيد ــ19 “كورونا” ليتمكنوا من السفر. ويحدد التحليل وجود الفيروسات وكميتها فى الدم بشكل قاطع، وتظهر نتائجه خلال  3 إلى 4 أيام على أقصى تقدير. ومن أهم استخدامات الـ(PCR) الطبية، تشخيص بعض الأمراض وتحديد أعداد الفيروسات في الدم.([7])

ثانيا،  الفوضى تبدت في أعقاب نشر مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد مرعبة ومؤسفة في ذات الوقت، لحشود غفيرة من المصريين الراغبين في الحصول على تحليل “البي سي آر” أمام معامل وزارة الصحة بالقاهرة من أجل الخضوع للفحص للتأكد من خلوهم من الفيروس لكي يتمكنوا من السفر للعمل بالخارج بعد أن طلبت دول خليجية منهم الحصول على فحص PCR من إدارة تابعة لوزارة الصحة المصرية، كي يتمكنوا من السفر لأعمالهم ودخول الدول. ([8]) هذه الحشود تلخص وتعكس حالة الفوضى العارمة التي تمر بها مصر منذ عقود طويلة وتؤدي بلا شك إلى إصابة الآلاف إذا كان بين هؤلاء حامل واحد للفيروس أو مصاب به.

ثالثا، الاستخفاف يظهر في طريقة تعامل الحكومة مع الراغبين في الحصول على شهادات خلوهم من فيروس كورونا، وكذلك عدم وضع وزيرة الصحة ووفدها المرافق الذين عادوا من الصين بؤرة انتشار المرض تحت الملاحظة، والاكتفاء بالتحاليل والمتابعة الطبية فقط. لكن الاكثر خطورة هو استقبال رحلات من الصين حتى اليوم؛ ففي ذات اليوم الذي تم الإعلان فيه عن 12 إصابة (الجمعة 6مارس) استقبلت  حكومة الانقلاب رحلة صينية على متنها 165 راكبا! وقبلها بأيام استقبلت رحلة على متنها 114 راكبا؛ فهل هناك أكثر خطورة من هذا الاستخفاف من جانب الحكومة ونظام العسكر؟! ([9])  كما لم تضع الحكومة أي قيود على دخول الأجانب لمصر مع انتشار الفيروس عالميا وهو ما ساهم في هشاشة الوضع وإصابات ربما تصل إلى المئات والآلاف سيتم الكشف عنها خلال الأيام القليلة المقبلة.

خامسا، مهدت بعض وسائل الإعلام الموالية للنظام لمثل هذا السيناريو؛ إذ انتقلت من نبرة الاستخفاف بالفيروس خلال الأسابيع الماضية إلى نبرة التحذير؛ ونشرت صحيفة اليوم السابع في أعقاب إعلان حكومة الانقلاب تقريرا  حول دراسة طبية أعدتها الجامعة الوطنية الأسترالية  تتوقع وفاة “15” مليون شخص وانخفاض الاقتصاد بــ(2.3) تريليون دولار بسبب كورنا؛ وهي نظرة سلبية  تشيع حالة من الخوف والإحباط على عكس ما كانت تنشره الصحف والمواقع والفضائيات التابعة للنظام خلال المرحلة الماضية. ووضعت الدراسة عدة سيناريوهات حول انتشار الفيروس عالميا: الأول هو “الخطورة الشديدة” ويصل بعدد القتلى إلى (68) مليونا وانهيار عالمي صحيا واقتصاديا. والثاني، نظرة منخفضة تقدر عدد القتلى ب (15) مليونا خلال السنة الأولى فقط من تفشي الفيروس. والسيناريو الأوسط، “متوسط ​​الخطورة”، حيث سيكون عدد القتلى فى العالم حوالى 38 مليون، ويفقد الاقتصاد العالمى حوالى (5.3) تريليون دولار، ويقول الباحثون إن احتمالية حدوث أى من نتائجهم المتوقعة غير مؤكدة إلى حد كبير. بحسب صحيفة “ديلي ميل” البريطانية.([10])

 

سيناريوهات مرعبة

إزاء هذه المعطيات، هل يمكن لمصر احتواء الفيروس؟  هناك 3 سيناريوهات:

الأول،  (احتواء الفيروس)، وفيه يتمكن النظام وحكومته من احتواء الفيروس والتعامل بشفافية مطلقة مع المرض وعدد المصابين وتوفير خدمة طبية متميزة لأعداد ربما تصل إلى المئات والآلاف ــ  نسأل الله ألا تحدث وألا تتحول إلى وباء ــ  وبالطبع هذا يفوق قدرات النظام ويفوق حتى منظومته السياسية والأخلاقية التي تعتمد باستمرار على تستيف الشكل دون المضمون والاهتمام باللقطات والشو الإعلامي على حساب الحقيقة ومصلحة الشعب؛ لأن مصلحة النظام تعلو على مصلحة الشعب في النظم المستبدة.

الثاني، (التحول إلى وباء)هو عدم قدرة النظام على احتواء الفيروس، يعزز من هذه النظرة المتشائمة التدهور الحاد في القطاع الصحي المصري تماما كما هو الوضع في جميع الدول الإفريقية. كما أن  منظمة الصحة العالمية عندما أعلنت حالة الطوارئ الدولية في 30 يناير2020م، كان الهدف الأكثر خطورة هو منع انتشار الفيروس إلى دول لا تتمتع برعاية صحية متطورة ومتقدمة؛ وقال  «تيدروس أدهانوم غيبريسوس»، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية: “أكبر مخاوفنا هو احتمالية انتشار الفيروس إلى الدول التي تعاني من ضعف الأنظمة الصحية والتي ليست جاهزة للتعامل مع مثل هذه الحالات”. وبالطبع فإن مصر من هذه الدول التي لا تحظى بقدر كاف من الرعاية الصحية مثل الصين التي تقع في المركز 51 من بين 195 دولة من حيث مستوى الجاهزية لتفشي الأمراض، وفقاً لمؤشر الأمن الصحي العالمي. أما مصر فتحتل المرتبة “87” عالميا.([11]) إضافة إلى ذلك فإن اكتشاف 48 حالة حتى كتابة هذه السطور يسهم في مزيد من المخاوف والفزع، وكان تقرير لصحيفة “لوموند” الفرنسية نشرته الاثنين 11 فبراير2020م، أشارت إلى  دراسة أعدها فريق دولي من جامعات هارفارد والسوربون وبروكسل، تؤكد أن “مجموعة من ثلاث دول تقع في المراكز الثلاثة الأولى  في إفريقيا من بين الدول الأكثر تهديداً بوصول الفيروس، وهي مصر والجزائر وجنوب افريقيا. وتليهم مجموعة ثانية مكونة من نيجيريا وإثيوبيا “. وأظهرت الدراسة البحثية أن هذه الدول هي الأكثر عرضة لتفشي فيروس “كورونا”، وذلك بناءً على علاقات هذه الدول بالصين وضعف استعداداتها الطبية.([12])  ويعزز هذه المخاوف في هذا السيناريو المرعب أن الفيروس يصيب كبار السن بنسبة أكبر؛ كما ثبت من خلال تحليل بيانات الموتى جراء الفيروس أنهم يتمكن من المصابين بالقلب والسكر والمدخنين؛ حيث كانت حالات الوفاة أكثر شيوعا بخمسة أمثال على الأقل بين المصابين بداء السكري أو الارتفاع في ضغط الدم، أو من يعانون من مشاكل في القلب أو التنفس. وللأسف هؤلاء يمثلون نسبة كبيرة من المصريين. إذ يصل عدد مرضى السكري إلى ما بين 9 إلى 12 مليونا.([13]) ومرضى القلب يصل إلى 20 مليونا بحسب تقديرات وسائل إعلام النظام.([14])  وأشارت التقارير الأولى الخاصة بتفشي المرض في الصين إلى أن 40% من الأشخاص الذين كانوا مرضى بفيروس كورونا لدرجة استدعت نقلهم إلى المستشفى كانوا يعانون إما من أمراض القلب والأوعية الدموية أو أمراض الدماغ والأوعية الدموية التي أثرت في تدفق الدم إلى الدماغ، مثل السكتة الدماغية.([15])

ويتوقع خلال المرحلة المقبلة إذا تفاقم الفيروس مع توافر أجهزة الكشف عن الإصابات، أن يتم تعليق الدراسة ومنع التجمعات وتعليق صلاة الجمعة والجماعة في المساجد وكذلك تعليق الحج والعمرة. وكذلك الحفلات والمهرجانات الغنائية وجميع الأنشطة التي تحظى بمشاركة جماهيرية واسعة أو كبيرة. وسوف يضطر النظام إلى تعليق استقبال جميع الرحلات بل ستبادر الدول الأخرى إلى تعليق رحلاتها إلى مصر كما حدث من قطر الكويت. وبذلك سوف يتأثر الاقتصاد بشدة وسوف يصاب قطاع السياحة بشلل تام بخلاف الصناعات التي تعتمد على منتجات وسيطة من الصين في التصنيع. وسوف تخلو الأسواق مع سلع المنظفات ونوعيات من الأدوية والكمامات وحتى المخابز والمطاعم والكافتريات سوف تتوقف نسبيا  ما يعني حالة من الشلل التام وهو بالطبع يفوق قدرات أي نظام.

السيناريو الثالث، هو حالة وسط بين السيناريو الأول (احتواء الفيروس) والثاني (التحول إلى وباء) فلا يتمكن النظام من احتواء المرض ولا يتحول إلى وباء. ويعزز من هذه الفرضية أن نسبة الوفيات مقارنة بعدد المصابين تصل إلى 5% فقط، فقد توفي حوالي 3500 من  بين أكثر من 100 ألف مصاب على مستوى العالم حتى كتابة هذه السطور. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عن رئيس قسم الإحصاءات في منظمة الصحة الدولية، روبرت كوفي، قوله إن نحو واحد بالمئة فقط من مصابي كورونا يفارقون الحياة، فيما يتماثل البقية للشفاء.([16]) وأوضحت أن احتمالات الوفاة تخضع لعدة عوامل، أبرزها “السنّ، الجنس، الصحة العامة، النظام الصحي”.  ولفت كوفي إلى أن “أدنى معدلات الوفاة بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما، إذ كان هناك 8 حالات وفاة بين كل 4500 حالة إصابة”.  كما أن العولمة التي ساهمت في تفشي الفيروس تساهم أيضا في نقل الخبرات والأجهزة التي يمكن أن تسهم في احتوائه وتقليل خسائره، وقد اكتسبت الصين خبرات هائلة وبدأت أرقام الوفيات والمصابين بالفيروس تتراجع بعد إجراءات حاسمة وحازمة، وتتمتع بالكفاءة رغم الفوضى والاضطراب التي أصابت الصين في بداية الأزمة.

إزاء هذه المعطيات نتمنى بالطبع احتواء المرض بعيدا عن الخلاف السياسي؛ لأن المرض يستوجب التكاتف المجتمعي رغم الجراح والآلام؛ لكن تجاربنا مع نظام العسكر لا ترجح هذا السيناريو، كما نرجو ألا يتفاقم المرض ليتحول إلى وباء، والمرجح أن يكون السيناريو الثاني هو الأكثر توقعا وذلك بالطبع سوف يفضي أيضا إلى تعليق الدراسة والحفلات والمهرجات وكل الأنشطة الجماهيرية إلى حين السيطرة على المرض وهو ما يستوجب التعاون والتكاتف لأن الإهمال والتقصير كافيا لتحقيق كارثة بالوطن كله.

تم في مساء الأحد 8 مارس 2020م

[1] ارتفاع مصابي كورونا العائدين من مصر إلى 31… وإقرار بـ15 إصابة داخلية/ العربي الجديد 6 مارس 2020

[2] هاجر أبوبكر/ حاولت السلطات إسكاته.. قصة الطبيب الصيني مكتشف كورونا/ بوابة الشروق الثلاثاء 4 فبراير 2020

 

[3] أحمد عزب/ مسلسل أميركي تنبأ بنهاية العالم بسبب إنكار #مصر لوجود فيروس على أراضيها/ العربي الجديد 3 مارس 2020

 

[4] الحكومة: تقرير يومى عن التعامل مع “كورونا” وتوزيعه على مختلف سفاراتنا بالخارج.. ولن نتردد فى اتخاذ أية إجراءات من شأنها حماية المصريين.. والصحة: شراء 250 ألف كاشف سريع وزيادة عدد المعامل المرجعية (فيديو)اليوم السابع السبت 7 مارس 2020

[5] «النتيجة سلبية» وتحليل كل 48 ساعة.. إجراءات «الصحة» للتأكد من عدم إصابة «زايد» بـ «كورونا»/ مدى مصر  السبت 7 مارس 202

[6] مصر: 33 إصابة جديدة بفيروس كورونا والمجموع 48/ العربي الجديد 7 مارس 2020// جميع الصحف والمواقع

[7] منى حسن/ بـ1000 جنيه.. الصحة توفر تحليلا للكشف عن الإصابة بفيروس كورونا/ مصر العربية 07 مارس 2020

[8] فيديو لتجمُّع مزدحم لمصريين أمام مركز لفحص فيروس كورونا يثير انتقادات وجدلاً/عربي بوست 8 مارس 2020

[9] إجراءات مصرية مشددة لاستقبال رحلة صينية تضم 165 راكبا/ الخليج الجديد  الجمعة 6 مارس 2020

 

[10] محمد رضا/دراسة تتوقع وفاة 15 مليون شخص وانخفاض الاقتصاد بـ2.3 تريليون دولار بسبب كورونا/ اليوم السابع الجمعة، 06 مارس 2020

[11] القدرة على مواجهة انتشار الأمراض.. تعرف على ترتيب الدول العربية/ الحرة 29 يناير2020

[12] دراسة بحثية.. مصر الأكثر عرضة لتفشي «كورونا» في قارة أفريقيا/ شبكة رصد الثلاثاء، 11 فبراير 2020 //دراسة فرنسية: كورونا يهدد مصر والجزائر/ الخليج أون لاين  الأربعاء 12 فبراير 2020

[13] مؤتمر «الأطباء العرب» يدق ناقوس الخطر: 4 أمراض مسؤولة عن 85% من الوفيات بمصر/ المصري اليوم الجمعة 6 مارس 2020م

[14] أمراض القلب خطر يواجه المصريين.. تصيب 20 مليوناً وتمثل 40% من أسباب الوفيات.. تلاحق الأطفال والشباب.. والقرفة والأفوكادو وزيت جوز الهند والبروكلى تحافظ على الشرايين/ اليوم السابع الجمعة، 08 مايو 2015

[15] كبار السّن منهم أكثر عرضة للإصابة.. لماذا يتعرض مرضى السكري والقلب لتهديد أكبر من كورونا؟/ عربي بوست 6 مارس 2020

[16] هذه احتمالات الوفاة بين مصابي كورونا.. نسبة الشفاء مطمئنة/ “عربي 21” الأحد، 01 مارس 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…