‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر مستقبل المعارضة المصرية في ضوء مشكلاتها البينية وعلاقتها مع النظام
مصر - مارس 15, 2020

مستقبل المعارضة المصرية في ضوء مشكلاتها البينية وعلاقتها مع النظام

التاريخ: 9 مارس 2020

المعارضة من الناحية النظرية هي القوى السياسية التي تمارس العمل السياسي في الإطار الشرعي وضمن المؤسسات الثابتة، وتشير المعارضة عادة إلى الأشخاص والجماعات والأحزاب، التي تكون مناوئة، كليًّا أو جزئيًّا، لسياسة الحكومة. وفي مصر فقد تأثرت المعارضة سلبيًّا بالتردي الاقتصادي والسياسي والأمني الذي وصلت إليه الأوضاع في مصر، وتأثرت سلبيًّا كذلك بأزمة الشرعية التي يعاني منها النظام المصري منذ يوليو 2013.

هذه التأثيرات السلبية على المعارضة نتجت في النهاية عن صمت هذه الأحزاب حيال ممارسات النظام وسياساته، وعن رفض هذه الأحزاب رص صفوفها، وعدم مبادرتها إلى تنسيق حملات ضد النظام. وتبدت هذه التأثيرات وظهرت في نسبة المشاركة في التصويت بالانتخابات البرلمانية الأخيرة في 2015، والتي تراوحت بين 28: 29%، والتي عكست تنامي اللامبالاة في شكل عام، وأحد الأسباب هو الاستياء العام من إدارة السيسي على خلفية تزايد القمع الذي تمارسه الدولة، وسوء الإدارة الاقتصادية، والمشكلات الأمنية المستمرة[1]، وأهم أسبابها كذلك هو قصور المعارضة وتأزماتها التي ذكرناها.

في هذه السطور نحاول الوقوف على المشكلات التي تعاني منها المعارضة المصرية، خاصة الأحزاب .. هذه المشكلات بعضها ناتج عن السياق الاستبدادي الذي تعمل فيه المعارضة المصرية، وبعضها ذات طبيعة بنيوية متولد عن قوى المعارضة نفسها وعن علاقاتها البينية المضطربة.

أولا: مشكلات السياق السلطوي:

لا يلجأ النظام في مصر عادة إلى حل الأحزاب إلا في أضيق نطاق، مثل حل حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وأبقى على أحزاب كانت منضوية تحت تجمع “تحالف دعم الشرعية[2]“، مثل الوسط والبناء والتنمية، ولم يقم بحلِّها؛ لكنه جعلها دون نشاط سياسي يُذكر[3]. في حين يعتمد النظام المصري في تعامله مع الأحزاب على سياسات التضييق والإقصاء، التي تدفع هذه الأحزاب إلى تعليق نشاطاتها بصورة ذاتية، وتشمل سياسات التضييق تلك اعتقال أعضائها؛ لتوجيه رسالة إلى قيادتهم، وعند تجاوز الحدود يتم اعتقال قيادات الحزب، أو الاعتداء عليهم في المناسبات العامة، أو التلويح بورقة حل الحزب، عبر تقديم بلاغات تتهم الحزب بمخالفة قانون الأحزاب؛ كل ذلك بهدف إحكام الرقابة على الأحزاب. لكن في السنوات الأخيرة زادت سياسات التضييق بشكل غير مسبوق، حتى باتت الدولة تستخدم عمليات التصفية الجسدية ضد المعارضين، لتسجل 356 جريمة على الأقل، بينها 242 لم تعلن الدولة عن هوية ضحاياها[4].

ومن المشكلات السياقية التي تضعف المعارضة، وتقلص من قدرتها على التأثير، غياب البديل المطروح، والبديل لا يقتصر على رأس النظام؛ بل يتعداه إلى وجود رؤية شاملة ومتماسكة ومقبولة للشارع؛ للانتقال من حالة الفوضى السياسية والاقتصادية والتشريعية التي يصنعها النظام، إلى حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتشريعي[5]. ونذكر هنا أن ثمة من يتحدث عن تأييد شعبي للنظام لا يزال يتمتع به[6]؛ خاصة أن نتائج استطلاع البارومتر العربي لعام 2019، قد بيَّنت أن حوالي 66% من المصريين أبدوا قدرًا كبيرًا من الثقة في الحكومة، كما لا يزال التأييد الشعبي للجيش مرتفعًا، حيث بلغ 85% عام 2019، رغم تراجعه بمقدار 4% عن عام الانقلاب، ونفس الأمر بالنسبة لمؤسستي الداخلية والقضاء[7]. كل هذه الأسباب تظهر حجم التحديات التي تواجهها قوى المعارضة، وتسلط الضوء على الأسباب الخاصة بالبيئة التي تضعف من قدرة المعارضة على التأثير.

 

ثانيًا: مشكلات بنيوية .. المعارضة مؤسساتها وعلاقاتها البينية:

المشكلات البنيوية النابعة من داخل جسد قوى المعارضة، والناتجة عن ممارساتها، والبادية في علاقاتها البينية، ليست فقط مقصورة على معارضة الداخل، إنما تشمل المعارضة المصرية في الخارج، والتي تعيش حالة ضعف عام، جعلها في حالة تشتت وانقسام وإجهاد يتزايد مع مرور الوقت[8].

هذه المشكلات الذاتية هي بالأساس بسبب استمرار أزمة عدم الثقة بين قوى المعارضة، فضلا عن استمرار التباينات الأيديولوجية بينها، لا سيما بين الإسلاميين والعلمانيين[9]؛ فأحزاب المعارضة المصرية تحاصر نفسها بنفسها عبر تعميق الانقسام الأيديولوجي، ورفض التوافق بينها على المواقف المشتركة، وهو ما يبدو -بشكل شديد الوضوح- في موقف الحركة المدنية المصرية من الإسلاميين في مصر. ربما يكون هناك رفض مفهوم للتعاطي مع جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها مصنّفة كجماعة إرهابية من قِبل السلطات، لكن غير المفهوم (في ظل قمع السلطة للجميع) رفض التعاطي مع أحزاب إسلامية معارضة من غير الإخوان، كالوسط والبناء والتنمية ومصر القوية.

لكن بعض المحسوبين على الحركة المدنية يفسر مقاطعة الأحزاب المدنية لقوى الإسلام السياسي بأنه نتيجة الرقابة الشديدة والحصار المفروض من أجهزة النظام على القوى المدنية؛ فهناك تهديدات واضحة من النظام المصري لهم -أي القوى المدنية- في حالة التقارب مع حزب كمصر القوية مثلا، بالإضافة إلى وجود قيادات حزبية داخل الحركة المدنية، تخشى من ربطها بالإسلاميين، في ظل القمع الشديد الذي يتعرضون له؛ مما سيجعلهم عرضة لنفس المستوى من البطش الأمني، فالرفض هنا مرتبط بالخوف من رد فعل الدولة[10].

أما مواقف شباب القوى السياسية فهي تتراوح بين قبول الانفتاح على الإسلاميين، والدخول معهم في تحالف أوسع، مقابل التشدد والرفض الكامل للدخول في تحالفات، مهما كانت وقتية ومفيدة، مع المحسوبين على النظام السياسي الحاكم[11].

 

الخاتمة: سيناريوهات المستقبل:

استعراض هذه المشكلات التي تعاني منها قوى المعارضة، يظهر حجم التحديات التي تجابهها، وإلى أي مدى يبدو الخيار الثوري مستبعدًا في الوقت الراهن، أو بصيغة أخرى يظهر كم أن الخيار الثوري بعيد المنال، بالتالي يبدو أن الرهان على سيناريو الثورة الشعبية التي تسقط النظام وتطيح برأس النظام هو رهان خاسر، خاصة مع حالة الخوف التي استحكمت في الشارع، ومع ضعف كوادر المعارضة التي يمكن أن تجعل من هذا السيناريو خيارًا ممكنًا.

كذلك يبدو من غير الممكن الرهان على سيناريو الانقلاب العسكري، فالعسكريون الجدد -وفق هذا السيناريو- سيتعاملون أيضًا بنوع من الفوقية والحذر مع قوى المعارضة. خاصة أن الوضع المتردي الذي وصلت إليه الأوضاع في مصر، سيمنح شعبية كبيرة للقائمين على الانقلاب -في حال تحقق هذا السيناريو-؛ ومن ثم فإن المسار التفاوضي مع النظام يبدو هو الخيار الأكثر واقعية في الوقت الراهن.

لكن تحقق ذلك المسار يستلزم إجبار النظام على الجلوس على الطاولة مع هذه المعارضة التي يعتبرها عدوًّا مباشرًا، ولا يبدو هذا الاضطرار وشيكًا في ظل الهيمنة الراهنة للنظام من ناحية، واعتباره الصراع مع جماعة الإخوان التي تقود المعارضة خيارًا صفريًّا من ناحية ثانية. كما أن هذا المسار التفاوضي يتطلب ثلاثة أمور أساسية: أولا: قناعة قيادات المعارضة به. ثانيًا: سعيها امتلاك عناصر القوة، ومنها: “الاصطفاف الداخلي، والقدرة على تحريك الشارع بوسائل أخرى غير المظاهرات، مثل الإضرابات والعصيان المدني”؛ ما قد يجعل النظام يتقبل أولا فكرة التفاوض. ثالثًا: وضع أجندة أولويات تفاوضية واضحة ومدروسة بدقة، في حدود المتاح، والواقعية في حينها داخليًّا وإقليميًّا ودوليًّا[12].

[1] كرستوفر كوكس، مصر: المعارضة الموالية، 29 يونيو 2019، الرابط: http://bit.ly/32Qvb72

[2] تحالف دعم الشرعية مكون من عدة أحزاب وحركات؛ بغرض مناصرة الرئيس الأسبق محمد مرسي، ومناهضة الانقلاب العسكري.

[3] شريف أيمن، المعارضة المصرية تحاول جاهدة تجاوز الانقسامات، جدلية، 2 أغسطس 2019، الرابط: http://bit.ly/2PPQPmB

[4] تقرير مشترك لمجموعة العمل المصرية من أجل حقوق الإنسان، مقدم لآلية الاستعراض الدوري الشامل بالأمم المتحدة بشأن ملف حقوق الإنسان في مصر، 3 فبراير 2020، الرابط: https://bit.ly/2SdZgs7

[5] شريف أيمن، المعارضة المصرية تحاول جاهدة تجاوز الانقسامات، جدلية، مرجع سابق.

[6] بدر شافعي، المعارضة المصرية: واقع مأزوم وخيارات صعبة، مركز الجزيرة للدراسات، 20 فبراير 2020، الرابط: http://bit.ly/2W6f7Nh

[7] Imothy E. Kaldas, Hardened and Brittle: Egypt’s Authoritarian Fragility, The Tahrir Institute for Middle East Policy (TIMEP(,18/12/2019, link: http://bit.ly/2xdGfiG

[8] أسماء شكر، المعارضة السياسية بعد الانقلاب: 7 سنوات من التحولات، المعهد المصري للدراسات، 20 فبراير 2020، الرابط: http://bit.ly/2TH3vx3

[9] بدر شافعي، المعارضة المصرية: واقع مأزوم وخيارات صعبة، مرجع سابق.

[10] شريف أيمن، المعارضة المصرية تحاول جاهدة تجاوز الانقسامات، جدلية، مرجع سابق.

[11] شريف أيمن، مرجع سابق.

[12] بدر شافعي، المعارضة المصرية: واقع مأزوم وخيارات صعبة، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع المنصرم   أولا…