‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الجامعة الأمريكية بالقاهرة..رأس حربة للتنصير والتجسس وتكريس التبعية
مصر - مارس 16, 2020

الجامعة الأمريكية بالقاهرة..رأس حربة للتنصير والتجسس وتكريس التبعية

رغم مرور أكثر من “100” سنة على تأسيسها لا تزال الجامعة الأمريكية بالقاهرة (American University in Cairo) محل جدل كبير بين المصريين، ولا تزال الكثير من علامات الاستفهام تبحث عن أجوبة مقنعة خصوصا فيما يتعلق بنشأتها التنصيرية وأنشطتها التجسسية المتسترة بالبحث العلمي وتقديم الخدمات التعليمية.

وخلال مائة سنة منذ غرزها بالقاهرة؛ ماذا قدّمت الجامعة الأمريكية لمصر والمصريين؟ وماذا عن طبيعة الدِّراسة والمناهج التي تدرِّس بها؟ وماذا أضافت إلى النّـخبة والجدل الثقافي والفكري والسياسي الدائر بمصر والمنطقة؟ وهل استفادت مصر، علميا، من الأبحاث والدّراسات والاستطلاعات، التي تقوم بها الجامعة؟ ومَـن هُـم أبرز وأشهر خرِّيجيها في مصر؟ ولماذا لم تُخَرِّجْ واحدا من قائمة الأفذاذ الذين تلقّـوا تعليمهم بالجامعات المصرية، ذات الإمكانات المتواضعة، وأصبحوا ملء السمع والبصر؟! ولماذا يشكِّـك الكثيرون في نواياها ويتّـهمونها بالعمل، وِفق أجندة خفِـية؟ وعلى أي أساس يثني عليها آخرون ويُشيـدون بدورها التّـنويري والتّـحديثي «المزعوم» لمصر؟

إزاء هذا؛ ينقسم المصريون حيالها إلى ثلاثة أصناف[1]:

  • الأول: هو الفريق التغريبي المتأثر كثيرا بالنموذج الغربي الأمريكي حيث يعتبرها أنصار هذا الفريق إضافة للبحث العلمي وسببا مباشرا في التواصل الثقافي والحضاري مع الغرب.
  • الثاني: هم المتمسكون بالهوية المصرية الإسلامية والذين يتهمون الجامعة الأمريكية بأنها رأس حربة للاحتلال الغربي وتحقيق هيمنته على مصر والمنطقة العربية والإسلامية وأنها تقف وراء موجات التغريب والعلمنة التي ضربت البلاد وسط اتهامات لها بممارسة أنشطة تنصيرية وتجسس؛ مبرهنين على صحة رأيهم بترسانة من الحقائق والأدلة الدامغة حول النشأة التنصيرية للجامعة الأمريكية بالقاهرة وغيرها من العواصم العربية.
  • أما الفريق الثالث: فيرى أنها مثلت أحد أهم بوابات العلوم الغربية في بعض مجالات المعرفة في مصر والمنطقة العربية، إلا أنها كانت أحد أدوات صناعة التّـبعية الثقافية في مصر، من خلال سعيها لترويج النّـموذج الأمريكي.

وفي 12 فبراير 2020، احتفلت الجامعة الأمريكية  بالقاهرة لمدة أسبوع كامل  ببدء القرن الثاني على إنشائها؛ وهي الاحتفالات التي تأتي  استكمالاً لاحتفالية الجامعة بالمئوية على مدار عام كامل والتي انطلقت يوم 9 فبراير 2019 بحرم الجامعة بالتحرير. وغطت الألعاب النارية سماء حرم الجامعة بالتجمع الخامس، وأوضح رئيس الجامعة، فرانسيس ريتشاردونى، في كلمته أنه إذ كانت الجامعة ركزت العام الماضي على تاريخها العميق الضارب جذوره في مصر والمنطقة العربية، فإن الجامعة هذا العام تحت شعار «أنت المستقبل» تركز على المستقبل وخططها في الـ100عام القادمة، في تأكيد على تركيز الجامعة خلال القرن المقبل على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.([2])

وكانت الجامعة الأمريكية بالقاهرة قد احتفلت في فبرير 2019م، بعيدها الذهبي بمناسبة مرور مائة سنة على إنشائها، وذلك بقاعة إيوارت بحرم الجامعة بالتحرير، بحضور لفيف من المسئولين بحكومة الانقلاب على رأسهم مصطفى مدبولي رئيس الحكومة وخالد عبدالغفار، وير التعليم العالي والبحث والعلمي، ورجل الأعمال القبطي المثير للجدل نجيب ساويرس وعدد من الشخصيات العامة وفنانين ورجال أعمال وأبرز الخريجين والطلاب، إضافة إلى ريتشارد بارتلت، رئيس مجلس أوصياء الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وفرانسيس ريتشياردونى، رئيس الجامعة.([3])

وتزعم الجامعة عن نفسها أنها مصرية مستقلة غير هادفة للربح متعددة الثقافات والتخصصات، تأسست سنة 1919م، في ميدان التحرير في وسط العاصمة المصرية، القاهرة، وأصبح مقرها الحالي بالقاهرة الجديدة، على مساحة “260” فدانا بتكلفة قدرها “400” مليون دولار. وتقدم الجامعة تعليماً قائماً على النهج العلماني الليبرالي تقول إنه يعتمد على التفكير النقدي والتحليلي لطلاب البكالوريوس والدراسات العليا، وبرامج مهنية، بالإضافة إلى برامج التعليم المستمر.

 

 

تغول التعليم الأجنبي

للاحتلال الغربي لبلاد المسلمين في كل بلد يحتله أربع ركائز كبرى، أولها الكنيسة وجهاز تبشير، وثانيها مدرسة أو مدارس تعلم بلغة الدولة المستعمرة، وثالثها عدد من الشركات في مختلف جوانب الحياة، وأخيراً مصرف رئيسي يهيمن على الجوانب الاقتصادية والمالية.

والركائز الحالية للغزو الثقافي الجديد في مصر تتمثل في 36 مؤسسة بحثية ما بين أمريكية وألمانية وفرنسية وبريطانية وصهيونية، مثل مؤسسة الأيد Aid الأمريكية، وهيئة المعونة الأمريكية، ومؤسسة فورد، ومؤسسة فريدرش ايبرت، وفريدرس نومن وهانز ظايدل وفولدايت، والمركز الأكاديمي الصهيوني، والجامعة الفرنسية بالإسكندرية، والمركز الثقافي الفرنسي، والمركز الثقافي البريطاني والمراكز الثقافية الأمريكية. لكن على رأس هؤلاء جميعاً تقف الجامعة الأمريكية بالقاهرة([4]) كمؤسسة تعليمية وبحثية بما تملكه من إمكانات ضخمة وتمويل واسع.

 

نشأة تنصيرية

وفي دراسة للدكتورة سهير البيلي، الأستاذة بكلية التربية بجامعة طنطا بعنوان «أهداف الجامعة الأمريكية في القاهرة.. دراسة وثائقية منذ النشأة وحتى عام 1980»، كشفت عن الدوافع التنصيرية لتأسيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة وبيروت([5]) من أجل مواجهة الإسلام فكريا وثقافيا، والعمل على نشر المسيحية وفق مفاهيم المذهب البروتستانتي؛ حيث بدأ التفكير في إنشاء  الجامعة الأمريكية في القاهرة في عام 1899 م تقريباً عندما نادى ثلاثة من مبشري الإرسالية الأمريكية في مصر منهم اندرو واطسن الذي أصبح مؤسس الجامعة الأمريكية بعد ذلك بإقامة كلية بروتستانتية في القاهرة حيث ذكر فرنمان جوست أن مؤسسة كهذه يمكنها أن تكون مركزا للمواجهة الفكرية مع الإسلام.

وقام واطسن ورفاقه بتقديم وثيقة للقنصل العام الأمريكي في مصر حول الحاجة إلى إقامة مؤسسة للتعليم العالي، وتم تشكيل لجنتين بالفعل لدراسة المشروع الأول عام 1902 بطلب من هيئة الإرساليات الأجنبية للكنيسة المسيحية المتحدة في أمريكا التي قدمت تقريرها عام 1908 مؤيدة إنشاء الجامعة تحت اسم “جامعة مسيحية لمصر” وصدقت اللجنة على المشروع عام 1911.

وفى عام 1913 جاءت لجنة ثانية من الهيئة كذلك وقدمت تقريرها ولخصت فيه أسباب إنشاء الجامعة وهي:

  • عدم وجود جامعة مسيحية في منطقة شمال إفريقيا التي يوجد بها 24 مليون نسمة على الأقل يتكلمون العربية وهم بحاجة إلى التعليم المسيحي لكي يشكل حياتهم اليومية ويعد قادتهم للمستقبل.
  • المكانة الاستراتيجية لمصر باعتبارها مركزاً فكرياً للعالم الإسلامي مما يفرض على المسيحية أن تقدم أفضل ما لديها من التعليم المسيحي لتتحدى الإسلام في مركزه الفكري.
  • استكمال منظومة التعليم الأجنبي التبشيري.
  • إظهار شخصية المسيح للناس وإعدادهم مهنيا لكي تتحول بلادهم إلى مملكة للرب(!).

وقد هيأت الأوضاع الداخلية في مصر والتفوق الحضاري للدول الغربية المسيحية الأجواء لدعم مشروع الجامعة الأمريكية بالقاهرة؛ فوجود الاحتلال الإنجليزي الذي عمل على تكوين نخبة تعمل في تعاون تام مع سلطات الاحتلال الذي قال عنه كرومر: “واجبنا الأول هو إقامة نظام يسمح لجمهور السكان بأن يكون محكومًا وفقا للأخلاق المسيحية، ولذلك فإن الهدف تكوين طبقة من السادة وإن سياسة فرّق تسُد لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق التربية، والتحالف مع الصفوة أفضل بكثير من كسب الجماهير”.

وقد تزامن ذلك مع وقت كان فيه التيار المسيحي العالمي مستمراً في نشاطه بعقد المؤتمرات التبشيرية، وأهمها مؤتمر عام 1910 بعنوان “ضرورة تبشير العالم كله”، وبعده عام 1911 في لكهنؤ بالهند والذي أوصى بضرورة “إنشاء جامعة مسيحية قوية في القاهرة من أجل تطوير العنصر الديني لدى شباب مصر وتدريبهم على القيادة من أجل العمل المسيحي، ومن أجل جذب شعوب مصر وما جاورها إلى المسيح ورسالته”.

وتم اتخاذ الخطوات العملية لنشأة الجامعة الأمريكية والتي بدأت بجهود تشارلز واطسن للحصول على الاعتمادات المالية لإنشاء الجامعة، خاصة من الأغنياء مؤيدي العمل التبشيري أمثال عائلات ماكيون ولوكهارت وغيرها الذين أكد لهم واطسن «مسيحية الجامعة» التي “تمجد السيد المسيح في العالم الإسلامي”، ورغم أوضاع الحرب العالمية الأولى إلا أنه تمت الموافقة على اختيار مجلس أوصياء للجامعة المقترحة ممثلاً لكل الكنائس المسيحية البروتستانتية بإجمالي 21 عضواً وتم اختيار القاهرة مقراً للجامعة حسب قول واطسن : “إذا أردنا التأثير في الإسلام فإن أكبر مركز مؤثر يمكن البدء فيه هو مصر”.

ويقول وليم بانكروفكت : “هل إذا أردنا أن نبحث عن مكان يمكن أن نقدم تعاليم السيد المسيح بصورة أكثر انتشارًا في العالم الإسلامي كله فهذا المكان هو مدينة القاهرة “ويبرر بانكروفكت ذلك بقوله: “إن تأثير مكة وجداني أما القاهرة فهي مركز قوي ففيها الأزهر ومائتا دار للطباعة والنشر” وتم افتتاح الجامعة بمقرها الحالي بميدان التحرير (الإسماعيلية سابقا) في 5 أكتوبر عام 1920 م.

وبدأت سياسة الجامعة الأمريكية بالقاهرة تتبلور تجاه المؤسسات المدنية والدينية في مصر وفقا لهذه الأفكار التنصيرية والتوجهات الرامية للحد من التزام المسلمين بالإسلام وتشكيل جيل جديد من المثقفين والحكام وأصحاب النفوذ يكون ولاؤهم للنموذج الغربي الأمريكي. وقد أكد المؤسسون في لقاءاتهم ومراسلاتهم على أن تكون شخصية الجامعة مسيحية تبشيرية، وكان من بين المشاركين في وضع المعالم الرئيسة لشخصية الجامعة القس “زويمر” و”جون موط” السكرتير العام لجمعية الشبان المسيحيين الأمريكيين، وبالفعل ولدت الجامعة نصرانية بروتستانتية تبشيرية بنسبة 100%.

 

العداء للإسلام

وبناء على هذه الرؤية والفلسفة والأهداف التي تأسست عليها الجامعة الأمريكية بالقاهرة جاءت توجهاتها شديدة العدائية للإسلام وقيمه وشرائعه في ظل إصرار من مؤسسيها على المضي قدما في أنشطة التنصير التي لم تقف عند المسلمين فقط بل امتدت كذلك لإقناع الأقباط الأرثوذوكس بالمذهب البروتستانتي؛ ولعل هذا هو سبب تحفظ الأقباط الأرثوذوكس على الإرساليات التنصيرية الأمريكية؛ وهو تحفظ وصل في بعض مراحله إلى الرفض والعداء؛ لأنها كانت تستهدف دعم المعتقدات البروتستانتية على حساب العقائد الأرثوذوكسية التي تؤمن بها الكنيسة المصرية التي ترى في البروتستانت  وأنشطة كنائسها ابتداعا في الدين لا يمت للمسيحية الأولى بصلة وتمثل أيضا اختراقا للأرثوذوكسية المصرية العتيقة التي أسستها كنيسة الإسكندرية الأولى.

أولا: التوجه الديني: تؤكد وثائق الجامعة أن الهدف منها هو “ضمان الشخصية المسيحية للجامعة وتأثيرها في الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بالجامعة وذلك من خلال المقررات الدراسية والحياة الجامعية بغية تنمية الولاء المسيحي لديهم”، وأشارت أيضا إلى أن الجامعة ستكون ” أداة الإرسالية الأمريكية لتنفيذ أهدافها المتعلقة بالتنصير والإصلاح الفكري والديني في مصر والبلدان المجاورة”، ولتكون جزءا من الوكالات التبشيرية لمواجهة الإسلام حيث ستكون الجامعة عامل تنوير -طبقًا للوثائق- للصفوة من رجال مصر بالفكر ونشر حقيقة المسيحية واستكمال السلم التعليمي المسيحي البروتستانتي لتكون الجامعة على قمته والتي يحتاج المسلمون لها لتهذيب أخلاقهم طبقاً لتعاليم المسيح.

وجاء في رسالة من مؤسسها واطسن أن الجامعة يجب أن تلتزم بالخط المسيحي وأن تكون مسيحية بمعنى الكلمة في شخصيتها، وهذه الجامعة لن تكون أي شيء على الإطلاق إذا لم تخطط لإقامة مملكة المسيح في مصر(!).

ثانيا: أما بشأن التوجه الأكاديمي: فبدا واضحا من البداية أنها ستكون جامعة أكاديمية متكاملة تضم عددا من الكليات والعلمية واللاهوتية وغيرها إضافة إلى فتح باب إنشاء كليات جديدة مستقبلاً.

ثالثا: حول الوجه الاجتماعي، فقد كان الهدف منه تحويل المجتمع المصري نحو القيم الغربية، وبذلك امتزج الهدف الديني(التبشير) بالهدف الاجتماعي (التغريب)، وتم تقسيم الجامعة الأمريكية إلى ست كليات وهي كلية الآداب والعلوم ومدرسة الدراسات الشرقية التي انقسمت إلى قسمين : أحدهما لغوي، والآخر لاهوتي لدراسة الأديان ويرأسه القس المبشر زويمر، والثالث قسم الدراسات الممتدة المهتمة بالدراسات الاجتماعية وكلية التربية للتأثير في التعليم المصري ومركز البحث الاجتماعي بهدف جمع وتحليل وتقويم المعلومات الخاصة بأوضاع مصر الاجتماعية والأقطار الشرق أوسطية، وأخيراً معهد اللغة الإنجليزية.

ولم تُخفِ الجامعة في بندها الثاني أن “تقديم التربية المسيحية لشباب مصر والأراضي المجاورة هو هدفها الرئيسي”، وقد ظلت الوجهة التبشيرية هي المحور الذي تدور حوله بقية الأهداف المعلنة من إعداد النخبة ونشر الثقافة الأمريكية وخدمة المجتمع المصري خلال العقود الأولى من إنشاء الجامعة الأمريكية من خلال تكثيف الصلوات المسيحية والاجتماع الديني وقراءة الإنجيل وتقديم العظات الإنجيلية والمحاضرات العامة والمناظرات الدينية وتكريس مفاهيم علمانية لدى المسلمين للتشكيك في دينهم، وبخصوص المناهج الدراسية فقد جعلت الجامعة دراسة الإنجيل وما يتصل به من علم الأخلاق جزءاً من الدراسات الإجبارية طوال سنوات الدراسة في العقود الأولى التي تلت نشأتها. وكان يراعى في اختيار المدرس الاتفاق مع تحقيق أهداف الجامعة الأمريكية، وهو ما أوضحته لائحة الجامعة الداخلية عام 1945 من أنه عند تعيين هيئة التدريس يوضع في الاعتبار توفر الشخصية المسيحية للشخص المراد تعيينه من أجل تحقيق الهدف التبشيري. لكن هذه النزعة المتطرفة بدأت مع مرور الزمن في التستر ومحاولة إظهار مسحة من الحيادية المفتعلة لإخفاء الأهداف التبشيرية التي تأسست عليها.

 

 

إعداد وتجنيد النخب الحاكمة

بحسب دارسة الدكتورة سهيرالبيلي، فإن إعداد النخبة الحاكمة أحد الأهداف الرئيسية للجامعة وهو ما يؤكد وجهة الجامعة في الهيمنة والسيطرة على مقدرات شعب مصر من خلال إعداد القادة وإمدادهم بالثقافة الغربية والقيم المسيحية والحياة الأمريكية مما يجعلهم ينتمون بعقلهم ووجدانهم إلى المجتمع الغربي، وبهذا تضمن أمريكا ولاء هؤلاء القادة لها وبالتالي الهيمنة على المجتمع المصري كله بحكم أنه في المجتمعات الشرقية يكون للقادة اليد الطولى.

وأكد جون بادو رئيس الجامعة الأمريكية عام 1945 أن هدف الجامعة “نقل الثقافة والقيم الأمريكية إلى العالم العربي”، وتم ذلك عبر التعليم الحر والحفلات الموسيقية والمحاضرات والمنتديات الثقافية والسينما التعليمية والتي كانت تهدف جميعها لبسط الهيمنة الثقافية الغربية وبناء مجتمع تابع للغرب خاصة الولايات المتحدة عن طريق تربية الطلبة على فهم واضح للعالم الغربي وثقافته وقيمه.

وقد أنشأت الجامعة برنامجاً للخدمات العامة وافتتحت قسم الدراسات الممتدة بهدف زيادة تأثيرها في أعداد كبيرة من القاعدة الشعبية، وفي عام 1951 تم تأسيس “مركز البحث الاجتماعي” الذي دعمته مؤسسة فورد ومسؤوليته تتركز في جمع وتحليل المعلومات التي تخص الظروف الاجتماعية في الشرق الأوسط وكانت الأبحاث السوسيولوجية والأنثربولوجية هي الأساس في نشاط المركز مع التفكير في الاقتصاد مستقبلاً وقد قام المركز بدور خطير في كشف دقائق الأمور والمشكلات الاجتماعية في مصر بما يمكن اعتباره أداة للتجسس على مقدرات الحياة الاجتماعية في مصر ودول الشرق الأوسط بما يمكن أمريكا من بسط الهيمنة الثقافية على المجتمع العربي.

وذلك يحدد أهداف السياسة الأمريكية الاستراتيجية وهي حماية الأمن القومي الأمريكي الذي يشمل العالم كله، ومنه منطقة الشرق الأوسط وأن تصبح مصر ركنا فاعلا في الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وإفراغ مصر والمنطقة العربية من القيادات القوية ومن مفاهيم خلق التبعية وفرض الهيمنة المعنوية والحضارية على المجتمع المصري. وهو ما تحقق بالفعل خلال العقود التالية  وتحديدا منذ  زيارة السادات للكنيست في 1977 ثم كامب ديفيد واتفاق السلام المزعوم في مارس 1979م حتى اليوم.

وكانت الجامعة الأمريكية بالقاهرة إحدى الآليات التي استخدمتها أمريكا لتحقيق تلك الأهداف حيث كانت – ولا تزال – تقوم بالدور الثقافي لتربية أجيال من الطلاب الأمريكيين لغة ووعياً وثقافة وقيمًا وسلوكًا، وهؤلاء سيتولون المناصب القيادية في الدولة وبالتالي يسهمون في تأكيد واستمرارية تبعية المجتمع المصري للثقافات الغربية وخاصة الأمريكية منها، وهو ما نلمسه في مجالات كثيرة كالتعليم والسياسة والاقتصاد.([6])

 

نحو تربية انهزامية

من أشهر أنماط التربية الجماعية ثلاثة:

النمط الأول، التربية العنصرية العدوانية، وهي التربية التي تقوم على تشكيل أفراد المجتمع على العدوانية وسحق الآخر ونهب ثرواته وأملاكه بتبريرات سياسية أو دينية أو اقتصادية وفق السياق الحاكم والمنتشر في المجتمع. ولعل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا خير من يمثلون هذا النمط من التربية الجماعة في العصر الحديث والمعاصر؛ وإن كانت هذه العدوانية مغلفة بشعارات براقة ولافتات حضارية تستهدف بالأساس التغطية على طبيعة العدوانية والعنصرية المتأصلة في هذه المجتمعات.

النمط الثاني، التربية الانهزامية، وهي تكوين الشعوب والمجتمعات على الانهزامية والاستسلام عبر التشكيك المتواصل في القدرات والكفاءة والانبهار الشديد بالأعداء، وفرض حالة الانهزامية على هذه الشعوب وتلك المجتمعات. ولعل أبرز من يمثل هذا النمط الشاذ من التربية هي الدول العربية حاليا والتي تبدي أعلى درجات الانهزامية والانكسار أمام أعدائها رغم تعرضها لعدوان مستمر لا يتوقف منذ قرون طويلة.

النمط الثالث، هو التربية المتوازنة؛ وهي التربية التي تقوم على أساس تحريم العدوان مع الاستعداد التام للدفاع عن النفس والذات ضد المعتدين وعدم الانبهار بالأعداء؛ لأن الإنسان يملك القدرة على تحقيق المستحيلات وتذليل الصعاب إذا ما توافرت شروط الإيمان والإصرار والأخذ بالأسباب؛ وتمثل التربية الإسلامية بكل أبعادها وشمولها هي خير من يمثل هذه النوعية من التربية؛ اتساقا مع قوله تعالى { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}.([7])

ومنذ نشأة  الجامعة الأمريكية في القاهرة مطلع القرن الماضي؛  ومن أهدافها الرئيسية تكريس النمط الثاني من التربية الجماعية للشعوب والمجتمعات العربية والإسلامية؛ وتكريس حالة الانهزامية والانكسار والتبعية المطلقة وتجذير معاني الشعور بالضعف أمام الغرب القوي المتحضر الذي يملك جميع أدوات الهيمنة والسيطرة والنفوذ  على المستوى العالمي.

يؤكد هذا المعنى ما انتهت إليه دراسة عن الهوية العربية الإسلامية ودور المؤسسة التعليمية في تشكيلها قام بها د. “أحمد ثابت” أستاذ العلوم السياسية جاءت نتائج عينة الجامعة الأمريكية كما يلي:

  • 5% من طلاب الجامعة الأمريكية لا يعرفون لون العلم المصري أو ترتيب ألوانه.
  • 5% يرون أن ارتداء الحجاب يعد مظهراً للتخلف ومؤشراً لسلوك الفقراء.
  • 5% على شوق جارف للحصول على الجنسية الأمريكية، 19.5 % يرون في تبادل القبلات بين الطلبة والطالبات مسألة حضارية ولا تتنافى مع التقاليد المصرية.
  • 75% يرون أن الوجود الأوروبي الاستعماري في مصر كان تعاوناً وتنويراً ولم يكن احتلالا، وأن مشاكل المجتمع المصري عندهم هي في قلة أماكن اللهو، وضوضاء أماكن العبادة، وعدم وجود أماكن لانتظار السيارات، وسوء فهم المجتمع للاختلاط بين الجنسين.

ونتيجة لفقدان الثقة بالذات أصبحت الإعلانات التي تطلب شباباً للعمل في بعض الدول العربية تشترط خريجي الجامعة الأمريكية(!).. فهم الذين يحظون تقريباً بالعمل السهل في المنظمات الدولية العاملة والمؤسسات الإعلامية من صحف ومجلات ووكالات أنباء وفضائيات، كما تفضلهم الشركات والمؤسسات المهمة، ومواقع صنع القرار.. مما يعنى أنهم هم الذين سوف يقودون المجتمع في المستقبل.

ويجمع الباحثون والأكاديميون أن المستوى العلمي لطالب الجامعة الأمريكية متواضع إذا قورن بنظيره في أية جامعة عربية.. الشيء الوحيد الذي يتفوق فيه خريج الجامعة الأمريكية هو إتقانه للغة الإنجليزية التي درس بها.

 

اتهامات بالتجسس

ومن الألغاز التي تثير كثيرا من التساؤلات وتؤكد أن ثمة صفحات مطوية وخافية تحتاج إلى كشفها وإماطة اللثام عنها أن “كريستوفر ثورن” وهو رئيس سابق للجامعة كان عميلاً في ذات الوقت للمخابرات المركزية الأمريكية (CIA) كما يتضح من كتاب “فيليب آجي” “يوميات المخابرات المركزية الأمريكية”، كما كان “مالكوم كير” مدير الجامعة الأمريكية السابق ببيروت، والذي عمل تحت لواء المخابرات الأمريكية خلال الستينيات، على علاقة حميمة مع الجامعة الأمريكية في القاهرة من خلال برامج مشتركة بين الجامعتين الأمريكيتين في بيروت والقاهرة.

فعلاقة الجامعة الأمريكية بالمخابرات المركزية الأمريكية هي علاقة إرسال تقارير عن الأوضاع في القاهرة، واستقبال تعليمات موجهة طبقاً للخطة الموضوعة، فيطلب من الدارسين والطلاب المصريين أثناء تدريس بعض المواد كأبحاث ضمن المناهج التعليمية بجانب الجماعات التبشيرية وهذه الأبحاث تدور حول:

  • الأنشطة الطلابية في الجامعات المصرية وبيانات الاتحادات الطلابية وحجم التيار الإسلامي في الجامعات.
  • عدد ونشاط الجماعات الإسلامية مركزاً على جماعتي الإخوان المسلمين والجهاد وأعداد المسلمين الذين يقومون بصلاة الفجر في مناطق معينة.
  • بحث ظاهرة انتشار الحجاب على جميع المستويات وخاصة في الجامعة وأسباب انتشار هذه الظاهرة. وهذه الأبحاث تطلب خاصة من طلاب قسم دراسات الشرق الأوسط ضمن مادة الحركات الإسلامية المعاصرة.

الخلاصة أن الجامعة الأمريكية أنشئت ولم تهتم بتدريس العلوم البحتة كالطب والزراعة والهندسة، ولكنها اهتمت ببث الأفكار الغربية عن طريق الدراسات الأدبية لدوام سيطرتها على العقول والأفكار كتدريس الصحافة والإعلام والاقتصاد والتاريخ والإدارة وعلم المصريات وعلم النفس والاجتماع ودراسات في الشرق الأوسط، كل هذه المواد لا يوجد لها مقرر محدد لكنها مجموعة محاور يدور حولها أساتذة الجامعة للرؤية التغريبية والمنظور العلماني ومراجع وأبحاث المستشرقين ذوي الاتجاهات المعادية للإسلام، والمستشرقين اليهود.

كما لا يخفى على مُـتابع راصد أن الجامعة الأمريكية بالقاهرة لم تخرِّج لمصر طوال المائة سنة الماضية طبيبًا واحدًا أو مهندسا واحدا ولا عالِـما واحدا في أي فرع من فروع العلوم الطبيعية، ولا مخترعا ولا مبتكرا، بينما ساهمت الجامعات الحكومية، ذات الإمكانات المتواضعة، في تخريج مئات، بل ألوف العلماء والمفكِّـرين والمخترعين والمبتكِـرين، ممّـن يُـشار إليهم بالبنان، وهم ملء السمع والبصر، يكرّمون في مختلف المحافل الدولية”، بينما ركزت الجامعة الأمريكية على أنشطة التنصير و”البيزنس” والسياسة والدبلوماسية، في محاولة للسيطرة على شعوب المنطقة وثرواتها عبر تجنيد الحكام المستبدين لخدمة الأجندة الأمريكية سياسيا واقتصاديا ودينيا.

تم الانتهاء منه في الثلاثاء 10 مارس 2020م

 

 

[1] بعد 90 عاما.. “الجامعة الأمريكية” لا زالت تثير الجدل في مصر/ سويس إنفو 19 فبراير 2009

[2] منة خلف/احتفالًا ببدء القرن الثاني على إنشائها.. الجامعة الأمريكية تسلط الضوء على التكنولوجيا/ المصري اليوم الثلاثاء 18 فبراير 2020

 

[3] وائل ربيعى/غدا.. الجامعة الأمريكية تحتفل بمرور 100 عام على إنشائها بحضور رئيس الوزراء/ اليوم السابع الجمعة، 08 فبراير 2019

[4] الجامعة الأمريكية حصان طروادة الغزو والاختراق بإشراف المخابرات المركزية الأمريكية “السي آي إيه”/ لها أون لاين 31 ديسمبر 2004

[5] أحمد غانم/ الأهداف الخفية للجامعة الأمريكية بالقاهرة/ موقع إسلام ويب 26 أغسطس 2002

 

[6] أحمد غانم/ الأهداف الخفية للجامعة الأمريكية بالقاهرة/ موقع إسلام ويب 26 أغسطس 2002

[7] البقرة الآية رقم(190)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…