‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس مستقبل حكومة الفخاخ التونسية في ضوء التحديات الداخلية والإقليمية
تونس - مارس 16, 2020

مستقبل حكومة الفخاخ التونسية في ضوء التحديات الداخلية والإقليمية

بعدما نجحت تونس في تجاوز عقبة الخلافات السياسية، والصراعات الحزبية، بالتوافق على حكومة إلياس الفخاخ، التي مرت برلمانيا، بعد تفاهمات سياسية بين الفخاخ ومؤسسة الرئاسة وحركة النهضة التونسية، التي حصلت على 7 حقائب وزارية، بعد محاولات عزلها سياسيا وحرمانها من أغلبيتها البرلمانية..

 

إلا أن الأفق السياسي بدا ملبدا بالعديد من الملفات الشائكة التي تجابه حكومة الفخاخ، سواء على الصعيد المجتمعي أو من داخل الحكومة نفسها، علاوة على التحديات الإقليمية والدولية…

ففي 27 فبراير الماضي،  مرّت في تونس حكومة إلياس الفخفاخ، ونالت ثقة مجلس النواب بأغلبية 129 صوتاً، وهي أقل نسبة من الأصوات تنالها تشكيلة حكومية منذ بداية المسار الديمقراطي التونسي والتداول السلمي على السلطة. إلا أن هذا المرور العسير للتشكيلة الحكومية سيطرح عليها سؤال التعاطي مع الملفات الشائكة التي بانتظارها.

ستكون الحكومة التونسية أمام اختبارات قاسية، وملفات عاجلة، لا بد لها من التعامل معها بجدّية، بعيداً عن الشعارات والكلمات الحماسية التي ردّدها رئيس الحكومة الجديد في أثناء مراسم تسلمه المنصب من سابقه، يوسف الشاهد.

 

 

أولا: أزمات مجتمعية

 

1-أزمة كورونا:

حيث بدأ فيروس كورونا في التصاعد ضاربا 6 حالات مؤكدة أصيبت بالفيروس، حتى ليل الثلاثاء 10 مارس الجاري، فأخذت الأجواء الداخلية في البلاد تتبدل، في ضوء ذلك، توقع رئيس الحكومة أن تكون كلفة مواجهة هذا المرض قاسية، إلى درجة ستؤدي إلى أن تخسر تونس نصف نقطة نمو، حيث لن تتجاوز 1%  مع نهاية العام 2020. وإذ اعترف منذ البداية بأن ما وعد به عند توليه رئاسة الحكومة لن يتحقق، فالفرضية التي تمّ العمل عليها كانت تحقيق نمو بـ1.5 %، غير أنه بعد ظهور “كورونا” انخفضت التوقعات إلى حدود نقطة نمو واحدة.

 

 2-الإرهاب والعنف

أما الملف الثاني المتفجر، فهو الإرهاب والعنف المسلح، والذي تمثل في التفجير الذي وقع قرب السفارة الأميركية، والذي لم يكن متوقعاً حدوثه بعد أيام قليلة من تشكيل الحكومة وشروعها في عملها. وعلى الرغم من أن العملية التي نفّذها انتحاريان لم تلحق أي أضرار بمبنى السفارة والدبلوماسيين  الأمريكيين العاملين فيها، يوم الجمعة الماضية، إلا أن الجانب التونسي خسر رجل أمن يعتبر من بين الكفاءات التي تفتخر بها المؤسسة الأمنية. هذا الأمر شكّل رسالة أخرى تستوجب على الفخفاخ أن يقرأها جيداً، ومفادها أن المعركة مع الجماعات الإرهابية في تونس لم تنتهِ، وأنها مرشحة للاستمرار سنوات طوال، ما سيتطلب الزيادة في ميزانيتي الدفاع والأمن.

فقد ظنّ الذين وقفوا وراء التخطيط لهذه العملية أن الأجواء مهيأة أمامهم، نظراً لانشغال الأطراف السياسية بالصراع حول تشكيل الحكومة، فاستغلوا ذلك وأقدموا على تهديد الأمن القومي، وإرباك المسئولين الجدد، وإقحام البلاد في أزمة جديدة مع الولايات المتحدة مثلما حصل في مرحلة حكم الترويكا. مع ذلك، تمكنت الأجهزة الأمنية خلال السنوات الثلاث الأخيرة من إحباط عشرات العمليات التي كانت مبرمجة، وذلك من خلال عمليات استباقية فاجأت الكثير من الخلايا النائمة. وما حصل يوم الجمعة الماضي يفرض مراجعة بعض الخطط الأمنية المعتمدة. فالمنفذان لعملية البحيرة لم يكونا يقبعان في السرية أو في كهوف الجبال، وإنما كانا سجينين يقضيان عقوبة الانتماء إلى تنظيم “داعش”، وكانا معروفين لدى الشرطة المختصة. لكنهما نجحا بعد خروجهما من السجن في تنفيذ هجوم انتحاري بهذه الخطورة.

وجاءت العملية بالتزامن مع إحياء تونس ذكرى انتصارها على الإرهاب في جنوب البلاد في 7 مارس 2016، بعد إحباط القوى الأمنية والعسكرية محاولة لعناصر تابعين لتنظيم “داعش” الإرهابي التوغل في منطقة بن قردان.

 

3-الأزمات الاقتصادية:

أما التحدي الثالث، فهو الملف الاقتصادي، حيث تجد الحكومة نفسها مضطرة لمواصلة التعامل مع صندوق النقد الدولي، على الرغم من مطالبة بعض الأحزاب الشريكة في الحكومة بتغيير سياسة الاقتراض. فتونس غير قادرة على الاستغناء عن القسط السادس من القرض المقدر بأكثر من مليار و300 مليون دينار، وهو ما جعل الفخفاخ يؤكد على أنه “في حال تجاوز موعد 20 مارس الحالي من دون زيارة وفد صندوق النقد، فإن تونس ستخسر الكثير، لأنه لا خيار آخر لديها”. وأشار في هذا السياق، إلى أن التقييم الأولي للمالية العمومية كشف عن “وجود معطيات غير مدرجة في نسبة العجز، حيث تمّ تأجيل بعض الدفعات بالنسبة للدعم”. وأعلن الفخفاخ أنه “سيقول الحقيقة، ليس بهدف تحميل المسؤولية، بل لكشف الأوضاع للتونسيين، وتحديد الأولويات والتحديات”. وبذلك يكون رئيس الحكومة قد استبق سلسلة الصدمات المقبلة، التي لا يملك القدرة على التخفيف منها أو إخفائها. ولذا فقد سارع إلى إعلام الرأي العام بدقة المرحلة، وتوجه بالخصوص إلى “اتحاد الشغل” الذي وصفه بـ”الشريك”، داعياً إياه إلى مناقشة برنامج إصلاح المؤسسات والتحكم في الإنفاق العمومي، الذي سيتم عرضه على البرلمان خلال شهر إبريل المقبل ضمن الإعداد للمخطط الخماسي قبل نهاية العام الحالي.

ولعّل أخطر ما كشف عنه الفخاخ “تجميد الأجور وعدم إقرار زيادات والتقليص من نفقات الدولة خلال السنوات الثلاث المقبلة”، مؤكداً أن “الحلّ المتمثل في رفع الأجور لم يعد يقنع الشعب، لأن المرفق العمومي لم يعد يرضي الشعب الذي يعتبر أنّ الخدمات باتت تتراجع“.

إن ما ذكره رئيس الحكومة في أول كشفٍ لجوانب من سياسته، من شأنه أن يجعل مفاوضاته المقبلة مع “اتحاد الشغل” عسيرة ومتوترة. وعندما سئل عما سيفعل إذا رفضت النقابات خطته الاقتصادية، أجاب: “انتهى الأمر”، ما يعني أن الإصلاح لن يكون ممكناً.

 

ففي ظل نسب النمو المتدهورة التي سجلها الاقتصاد التونسي (مؤشر النمو الاقتصادي بلغ 0.8% في الربع الرابع من سنة 2019) وارتفاع نسبة التضخم إلى 5.9% مقابل استقرار نسبة البطالة في حدود 14.9% في الفترة نفسها، بحسب معطيات المعهد الوطني للإحصاء، وهو ما يعني أن حكومة الشاهد قد خلّفت إرثاً ثقيلاً من العجز المالي والتأزم الاقتصادي، يصعب معه الحديث عن حصول معجزة اقتصادية أو تغير المشهد بين عشية وضحاها.

 

4-أزمات اجتماعية متصاعدة:

 

وبحسب المهدي مبروك، وزير الثقافة التونسي الأسبق، فإن النجاحات التي حققتها البلاد في مكافحة الإرهاب ومختلف أشكال الجريمة المنظمة، ومنها الاتجار بالبشر، وتهريب المهاجرين، وبنسبة أقل الاتجار في المخدرات، وتهريب الممنوعات، قابلها فشل في محاصرة الجريمة الاجتماعية؛ ففي بيانات وتصريحات عديدة، أفادت المصادر نفسها بأنه تم مثلا سنة 2012 تسجيل 55 ألفا و700 عمليّة سرقة في مختلف أنواعها، في مقابل 49 ألف عمليّة سرقة خلال العام 2018، أما عدد عمليات السطو باستعمال القوة، فإنها ظلت تتراوح في حدود 5500 واقعة في السّنة. ووحدها تمثل نسبة 40% من جملة الجرائم المسجلة سنة 2019، ونسبة 20% منها في تونس الكبرى. وبصفة عامة، ظل نسق الجريمة الاجتماعية، على الرغم من بعض التراجع من حين إلى آخر، يرتفع خلال السنتين الماضيتين تحديدا.

يذهب بعضهم في تفسير ذلك بالأولوية المطلقة التي أعطتها البلاد إلى الحرب على الإرهاب، وهي التي استنزفت معظم الموارد المالية والبشرية لوزارة الداخلية، علاوة على استمرار ظاهرة البطالة وتهميش الفئات الفقيرة، خصوصا في الأحياء الشعبية، غير أن المختصين في الدراسات الاجتماعية والإنسانية يدرون، من دون عناء كبير، أن الانعطافات الكبرى التي تمر بها المجتمعات، على غرار الثورات والكوارث الطبيعية والحروب ترافقها، في أحيانٍ كثيرة، موجات عنف معمّم، تشمل الفضاءات الخاصة والعامة؛ تتحلل المعايير، وتتمزّق أنسجة المجتمع، بشكل أو بآخر، فتصاب المجتمعات بحالة اختلال وانفلات جماعي، يأتي فيها الأفراد أفعالا منحرفة، تصل إلى ذروة العنف وأعلى درجاته. تفقد الأطر الاجتماعية، على غرار الأسرة والجماعات، قدرتها على مراقبة تصرّفات الأفراد وضبطهم الاجتماعي، ويصبح الشارع مسرحا للعنف، لا يخلو أحيانا من تشفٍّ وتنكيل عبثي بالضحايا.

 

ثانيا: أزمات داخل الحكومة

وبحسب الدوائر السياسية، فإن الحزام البرلماني لحكومة الفخفاخ يبقي هشّاً، حيث لم يتجاوز 129 نائباً بعد جهد كبير، ما من شأنه أن يجعل هامش المناورة لدى رئيس الحكومة محدوداً، أمام معارضة شرسة ومتعددة الأطراف. هذا الأمر جعل رئيس مجلس شورى “النهضة”، عبد الكريم الهاروني، يؤكد مجدداً بعد التصويت على تشكيلة الحكومة، مواصلة “تحمل مسؤولية الحركة في محاولة توسيع الحكومة، وذلك بالانفتاح على أطرافٍ جديدة، وإدماج أخرى، وتوسيع القاعدة البرلمانية لتمرير الإصلاحات والقرارات”.

وبحسب مراقبين، هذا التصريح فاجأ الفخفاخ، الذي ظنّ أن “النهضة” قد تجاوزت هذه المسألة عندما منحت الثقة لحكومته، ما أعطى مؤشراً إلى أن العلاقة بين الطرفين لم تستعد عافيتها بعد.

كما تجد سادسُ حكومةٍ تونسية منذ الثورة نفسها أمام وضع اقتصادي واجتماعي يتسم بالصعوبة والخطورة، وهو ما جعل أغلب وزرائها ينطلقون مباشرةً في نشاطهم الميداني، في رسالة منهم إلى الرأي العام المتحفز، والذي ينتظر نتائج عاجلة وملموسة. لقد طويت مرحلة يوسف الشاهد بنجاحاتها النسبية وإخفاقاتها الضخمة، والمطلوب من الفريق الجديد أن يعيد الأمل في إمكانية إخراج البلاد من النفق الذي دخلت فيه بسبب عدم الاستقرار السياسي، وأسلوب الارتجال الذي مارسه أغلب الذين تولوا السلطة للمرة الأولى في حياتهم.

ولم يبق من فريق الشاهد سوى ثلاثة وزراء: وزير الشؤون الدينية أحمد عظوم، ووزير الطاقة والمناجم والإصلاح الطاقي منجي مرزوق، المستقل والمشهود له من الجميع بالكفاءة والنزاهة، ووزير الشباب والرياضة أحمد قعلول من حركة “النهضة”.

 

هذا يعني أن هناك رهاناً على تجديد الدورة الدموية داخل أجهزة الدولة، ولا يعكس ذلك بالضرورة حصول قطيعة بين الفخفاخ والشاهد الذي كان قد اختار ترشيح الأول لرئاسة الحكومة، ما دفع مراقبين وجزءاً واسعاً من النخب السياسية للتساؤل حول مدى وجود اختلافات جوهرية بين الرجلين في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية.

لكن لكلٍّ من الفخفاخ والشاهد مساراً مختلفاً. ظهر يوسف الشاهد فجأة عندما جعل منه الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي رئيساً للحكومة بعد تجربةٍ قصيرة على رأس إحدى كتابات الدولة، في حين عُرف الفخفاخ عضواً قيادياً في حزب “التكتل للعمل والحريات”، ثم وزيراً للسياحة والمالية خلال مرحلة “الترويكا”. بعد ذلك، انهار الحزب ووجد نفسه خارج البرلمان. ومن دون بقية المرشحين، وجد الفخفاخ نفسه الشخصية الأقدر لدى رئيس الجمهورية قيس سعيّد لقيادة الحكومة الجديدة. ومن يعتقد أن السياسة محكومة بعلمٍ صارم، فهو مخطئ تماماً.

 

ثانيا: تحديات إقليمية

 

1-الدور الإماراتي:

 

وتسعى الإمارات لضرب المسار الانتقالي، وتشويه التجربة الديمقراطية التونسية باعتبارها النموذج الأنجح للربيع العربي، فضلاً عن تعطيل مؤسسات الدولة عن أداء مهامها، وفق تقارير إعلامية واستخباراتية.

 

يُذكر أنّ سفير الإمارات لدى تونس سبق أن واكب ندوة صحفية لـ”الحزب الدستوري الحرّ” مخصصة لتقديم برنامجيه الاقتصادي والاجتماعي، انعقدت بتاريخ 26 أبريل 2019، وهو ما أثار وقتها جدلاً واسعاً واستياء واستنكار عديد من السياسيين والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

كما نُشرت وثيقة مُؤرخة بتاريخ 1 يونيو 2017، متمثلة في جملةٍ من التوجيهات للسياسة الإماراتية بعنوان “الإستراتيجية الإماراتية المقترحة تجاه تونس”، صادرة عن “مركز الإمارات للسياسات”، الذي تأسس سنة 2013، ويُظهر على موقعه الرسمي صوراً لشخصيات من بينها ضاحي خلفان، المعروف بعدائه الشديد للثورات العربية، وقد تضمنت هذه الوثيقة إشارة إلى “الحزب الدستوري الحر” باعتبار أنه “يضم المجموعات التي لا تزال تحافظ على الوفاء للرئيس السابق ابن علي“.

 

وكان رئيس كتلة النهضة بالبرلمان التونسي، نور الدين البحيري، قد اتهم أطرافاً إقليمية ودولية، في إشارة إلى دولة الإمارات، تدعم بعض بقايا النظام السابق؛ من أجل مهاجمة واستهداف “النهضة” والتجربة الديمقراطية التونسية، مشيراً إلى أن “الحزب الدستوري الحرّ من بقايا النظام السابق، وهو في صِدام مع الجميع داخل البرلمان وخارجه“.

 

وفي أكثر من مناسبة، أعلن “الدستوري الحرّ” ورئيسته عبير موسي، مناهضة ثورة 2011، وجاهر بعدائه المستمر لحركة النهضة، وهي أكثر نقطة تلتقي فيها مع المخطط الإماراتي المعارض للثورات العربية..

 

وفي سياق الأجندة الإماراتية، كشف الدبلوماسي الجزائري السابق، محمد العربي زيتوت، عن أن دولة الإمارات تسعى بكل الطرق لإحداث انقلاب في تونس من خلال عدد من اللوبيات التي تدعمها.

وأكد زيتوت، في حوار خص به “الخليج أونلاين”، أن “الإمارات حاولت أكثر من مرة إحداث انقلاب في تونس وإيصالها -إلى جانب الجزائر- لنفس الأحداث التي تمر بها ليبيا“.

 

وقال زيتوت، الذي يُعد أحد مؤسسي حركة “رشاد”، موضحاً: “الإمارات تقيم الآن قاعدة عسكرية في النيجر قرب الحدود الجزائرية، كما أنها موجودة في مالي، حيث موّلت الحرب الفرنسية هناك إلى جانب حليفتها السعودية؛ باسم الحرب على الإرهاب“.

وأضاف زيتوت: “الوجود الإماراتي في الجزائر له أشكال مختلفة؛ فهي تسيطر على أهم ميناء هناك وهو ميناء العاصمة، وميناء جنجن في الشرق، وعلى شركة التبغ والكبريت، وهي من أكثر الشركات الجزائرية ربحاً“.

ويعد ميناء جنجن من أكبر موانئ الجزائر الذي يقع بالطاهير في ولاية جيجل، قرب مطار فرحات عباس، وطاقته الاستيعابية 4.5 مليون طن سنوياً، ويستجيب لكل التقنيات الحديثة في مجال النقل البحري.

ويحتوي على أرضية يصل عمقها إلى 18.2 متراً، وهو موصول بأهم محاور الاتصالات، لا سيما المنفذ شمال جنوبي جيجل-سطيف، وخط السكك الحديدية، ما يجعله المحور المفضل للنقل الأورو-أفريقي.

 

وتابع: “كما أن الإمارات موجودة في الجزائر كوسيط ما بين وزارة الدفاع والجنرالات والألمان في تركيب بعض شاحنات وسيارات مرسيدس العسكرية بشكل أساسي، وهي وسيط مع الصينيين لتركيب مصنع للذخيرة في أحد المدن الجزائرية“.

وبيّن أن الإمارات متغلغلة ضمن النظام القائم في الجزائر إبان وجود الرئيس المستقيل، عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان مستشاراً لدى الإماراتيين في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، خاصة أنهم أدوا دوراً كبيراً جداً إلى جانب السعوديين لقدومه على ظهر دبابة.

 

وأشار إلى أن الوجود الإماراتي والنفوذ في الجزائر ليس جديداً، ولكن هدفه “إحداث خراب بها إلى جانب الدول العربية والإسلامية وتدميرها؛ كما فعلت في اليمن وليبيا والعراق وسوريا“.

 

2- الأزمة الليبية: ولعل تصاعد الاحتراب الداخلي بليبيا، وتأزم الأوضاع على الأراضي الميدانية، إثر مطامع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ومحاولته المستمرة لاقتحام طرابلس وإنهاء دور حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا، بدعم إماراتي ومصري، لإنهاء أي وجود لتيار الثورات العربية، وهو ما يحمل الحكومة التونسية المزيد من التبعات السياسية والاقتصادية والإستراتيجية.

ولعل تراجع الدور التونسي الإقليمي، حال دون دعوتها لحضور المؤتمرات الدولية الأخيرة المتعلقة بالأزمة الليبية، سواء في جنيف أو برلين ..وغيرها، وهو ما يحتم على الحكومة الجديدة والنظام التونسي العمل على استعادة دورها الإقليمي والدولي.

 

مهام شائكة

 

ويبقى الفخفاخ مدعو إلى التركيز في مرحلة أولى وعاجلة على ثلاث مسائل تعتبر مهمة جداً لخلق مناخ سياسي مستقر يسمح له بالعمل والإنجاز، ويمكنه من الحصول على ثقة التونسيين.

 

1-حلحلة أزمة الثقة بين رئيس الجمهورية وحركة “النهضة”. ويمس هذا الخلاف بالصلاحيات الدستورية، وهو مرتبط بمستقبل النظام السياسي في البلاد. حيث يعتبر قيس سعيّد أن تونس لها رأس واحد ورئيس واحد، ويرى أن أيّ تأويل لهذه المسألة هو بمثابة الدعوة إلى الفوضى، وخلق دولة داخل الدولة. من جهتها، تعتبر “النهضة” أن هذا الرأي خاطئ دستورياً، لأن النظام في تونس برلماني، والنظام الرئاسي اختفى مع الثورة، وأن السلطة قد انقسمت إلى ثلاث. هذا الاختلاف ليس هيّناً، ومن دون توحيد وجهات النظر، ستبقى السلطة معرضةً للتنازع والتجاذب بين رئاستي الدولة والبرلمان.

 

2-تجاوز اختلافات التركيبة الحكومية، إذ من المعلوم أن الائتلاف الحاكم حالياً قائمٌ بين أحزاب تشقها تناقضات هي أشبه بقنابل موقوتة، وتسكنها أزمة ثقة عميقة لا تزال واضحة المعالم، حتى بعد مرور الحكومة. فمن جهة، يقف “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب” اللذان دارت بينهما صراعات قوية مع “النهضة”، واضطرتهما موازين القوى إلى القبول بالعمل معها ضمن حكومة واحدة. في حين تنظر الحركة بعين الريبة إلى هذين الحزبين، وخصوصاً حركة “الشعب”، بعدما تسببا في إسقاط حكومة الجملي. لهذا لم تكن “النهضة” مرتاحة للتقارب الشديد الذي حصل في البداية بين “الشعب” والرئيس قيس سعيّد، وتعزز في ما بعد بين “الشعب” و”التيار” والفخاخ، ورأت فيه عاملاً سيكون ضاغطاً عليها، ما جعلها تُصّر على أن يكون لها عدد واسع من الوزراء احتراماً لحجمها البرلماني، وثانياً العمل على توسيع الحزام السياسي للحكومة من خلال إشراك حزب “قلب تونس”. وإذ نجحت في فرض الشرط الأول، تحاول الآن المرور إلى الطلب الثاني من خلال إشعار الجميع بكون مستقبل الحكومة واستمراريتها هما رهن إرادتها باعتبارها الحزب الأول والأكبر.

 

3- وتبقى المسألة الأصعب، وهي المفاوضات الصعبة خلال شهر مارس الحالي مع صندوق النقد الدولي حول القسط الأخير من القرض الذي حصلت عليه تونس من الصندوق، والذي لا يمكنها التراجع عنه لأنها في أشد الحاجة إليه. ويعتبر هذا الملف من المسائل الشائكة التي دفعت بالكثيرين إلى اتهام الصندوق بممارسة الوصاية على البلاد، ويدفع بها نحو الإفلاس. ومن بين هذه الأطراف حركة “الشعب”، الشريكة في الائتلاف الحاكم، والتي سبق أن طالبت بعدم التعامل مع الصندوق، وإعادة النظر في مسألة ديون تونس، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعداً مخيفاً.

 

4-وإذا أضفنا إلى عبء الملف الاقتصادي المتوارث، بما فيه من فشل، وما ولّده من أزمات اجتماعية متتالية، فإن الحكومة الحالية ستواجه أزمات مستحدثة، لم تكن في الحساب، بداية من حالة الخوف والتوجس التي أحدثها انتشار فيروس كورونا، وهو ما سيكون له أثره على جانبين، أولهما الضغط على الجهاز الصحي العمومي غير المجهز أصلاً لمجابهة كوارث عاجلة أو لانتشار أمراض غير متوقعة، ومن جهة أخرى، سيكون لانتشار الهلع من الفيروس على المستوى العالمي أثره لا ريب على النشاط الاقتصادي والحركة السياحية عموماً، على الرغم من أن تونس حققت حضوراً جيداً للنشاط السياحي في السنة الماضية، مقارنة بالسنوات التي سبقتها. ومن ناحية أخرى، سيكون على الحكومة مواجهة آثار موجة الجفاف التي إن استمرت ستكون لها مخلفات كارثية على الموسم الفلاحي، في ظل توقع الشارع التونسي أن تُحسن الحكومة الحالية التعامل مع القطاع، بسبب سوء تصرّف الحكومة السابقة بشأن الحبوب للسنة الماضية، وهو ما أثار سخطاً عاماً على وزير الفلاحة السابق، في بلد يحتاج إلى التركيز على القطاع الزراعي الذي لم تقدّم الحكومات المتتالية برنامجاً واحداً لتطويره، وتحويله إلى رافعة للاقتصاد الوطني، بل بقي مهمّشاً، ولا يحظى بأدنى عناية، مقارنة بقطاعات أخرى، كالسياحة مثلاً.

 

5-بقي ملف العلاقات الخارجية، الذي تتداخل فيه مواقف الحكومة بصلاحيات رئيس الجمهورية، والذي يبدو مرتبكاً في اختياراته، مراوحاً بين الشعارات التي يردّدها وعجزه عن التعامل الذكي مع الأزمات الدولية ذات العلاقة بالخارجية التونسية، وهي أساساً تتعلق بالموقف من الأزمة  الليبية، حيث تكاد تونس تغيب عن الحضور في هذا الملف، على الرغم من تأثيره المباشر في استقرارها وأمنها. وإذا استمرت السياسة الخارجية التونسية بوتيرتها الحالية من خلال الاكتفاء باجتماع رئيس الجمهورية مع بعض ممثلي القبائل الليبية من دون اتخاذ خطواتٍ فعليةٍ للاقتراب من أطراف الأزمة الحقيقيين في ليبيا، سيظل الدور التونسي هامشياً، وفي موقع المتأثر بما يجري، وليس المؤثر فيه.

تفرض كل هذه الملفات العاجلة والحارقة على الفريق الحكومي أن يكون متجانساً في مواقفه، ناجعاً في تعامله معها، بما يمنح الثقة للشارع التونسي، غير أن الصورة العامة لتركيبة الحكومة الحالية لا توحي بوجود تجانس تام، ولا حتى ما يوحي بالاستمرارية في ظل بداية حديث بعض الأطراف عن إمكانية تغييرها في أقرب فرصة، وهو ما دعا إليه، صراحة، نبيل القروي، رئيس حزب قلب تونس (المعارض) صاحب ثاني أكبر كتلة برلمانية، وهو ما يعني فعلياً أن على حكومة الفخفاخ أن تقدّم إنجازات ملموسة في المائة يوم الأولى من تشكيلها، بما يضمن لها نيل ثقة الشارع، وأن تحافظ بالتالي على بقائها، وفي الوقت نفسه، عليها أن تخرج من مجال المزايدات السياسية، وهي التي تضمّ تحالفاً حزبياً لا تجمع بينه البرامج، ولا التوجهات، بقدر ما كان الأمر متعلقاً بنوعٍ من إكراهات السياسة، حيث كان التصويت لما سميت حكومة الرئيس مدخلاً لإبعاد شبح حل البرلمان وإعادة الانتخابات، في ظل التشكيك في قدرات رئيس الحكومة الجديد على صنع الفارق وتحقيق إنجازات فعلية. فهل ينجح إلياس الفخفاخ في تكذيب التوقعات، وتحقيق ما عجزت عنه حكومة سلفه، يوسف الشاهد، أم أنها ستعيد تكرار الأخطاء نفسها، على الرغم من رفعها لشعارات كبيرة من قبيل محاربة الفساد والإصلاح الإداري، وتحقيق ما سماه رئيس الحكومة “الاقتصاد التضامني”.

 

مستقبل حكومة الفخاخ

 

ونالت حكومة الفخفاخ، فجر الخميس 27 فبراير الماضي، ثقة البرلمان، بحصولها على 129 صوتاً، واعتراض 77 نائباً، وامتناع نائب عن التصويت، بعد جلسة امتدت لأكثر من 15 ساعة، طرح خلالها النواب، مؤيدين ومعارضين، مواقفهم ومواقف أحزابهم.

وشدد الفخفاخ على أنه اختار الفريق الحكومي وفقاً لـ”حبّهم لوطنهم ونكرانهم لذاتهم ورغبتهم في الإصلاح”، مؤكداً أن هذه الحكومة فيها تمثيل لـ17 محافظة، على الرغم من أن ذلك لم يكن معياراً للاختيار، وذلك رداً على انتقادات من بعض النواب حول إقصاء بعض الجهات من تركيبة الحكومة. وأضاف الفخفاخ أن “الحكومة تتضمّن كل العائلات السياسيّة والفكريّة، وهي مجسّدة للمصالحة الوطنية”، متسائلاً “كيف يمكن أن ينعت بالإقصاء بسبب خياره لحزامه السياسيّ؟ اللعبة الديمقراطية تقتضي أن يكون هناك حكم ومعارضة، ولن أقبل أن أعمل دون معارضة بنّاءة تلعب دور الرقيب“.

 

وأشار الفخفاخ إلى أن عملية الإصلاح ستشمل كل الوزارات، بالإضافة إلى المشاريع الإصلاحية الكبرى. وتمسك أكثر من مرة بخيار سعيد لشخصه، مفسراً أسباب استبعاد حزب “قلب تونس”، وعدم الذهاب إلى خيار حكومة وحدة وطنية، خصوصاً أن حركة “النهضة” بقيت حتى آخر لحظة تؤكد حذرها من توجهات الفخفاخ، وهو ما ينبئ بأن الخلاف السياسي لم ينته بمجرد حصول الحكومة على الثقة.

فيما قال القيادي في “النهضة” محمد القوماني، في تصريح لـ”العربي الجديد”: إن نقاط قوة حكومة الفخفاخ تتمثل في تسلمها لمهامها في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تغيير بسقف عالٍ. وأضاف أن “الوجوه التي ضمتها في صفوفها، من الأحزاب أو المستقلين، هم من أصحاب التاريخ النضالي في حقبة الاستبداد، أو تحملوا مسؤوليات وزارية سابقة وعُرفوا بوطنيتهم ومصداقيتهم على الساحة السياسية، علاوة على التنوع الفكري والسياسي وثراء التركيبة الأيديولوجية، من عروبيين ودستوريين وقوميين وإسلاميين واجتماعيين، التقوا جميعاً على قاعدة وثيقة الاتفاق من أجل الائتلاف الحكومي. وتعطي هذه النقاط قوة لحكومة الفخفاخ، بالرغم من غياب الالتزامات المحددة التي تتعهد الحكومة بتحقيقها. فخطاب الفخفاخ، كما الوثيقة، احتويا على عناوين عامة”. واعتبر أن “البرلمانيين، والتونسيين عامة، اعتادوا الخطابات ذات النوايا الحسنة، لكن الإنجاز على أرض الواقع هو المحدد. وفي نظر النهضة ما زال نجاح الفخفاخ منقوصاً طالما لم ينفتح على الحزب الثاني في البرلمان، قلب تونس”، مشدداً على أن تواجد هذا الحزب في الحكومة سيدعم تمرير مشاريع القوانين التي ستقترحها.

 

ويعد عامل النضال وتاريخ بعض الأسماء نقطة القوة التي تجمع أغلب مكونات حزام الحكومة، وحتى بعض المعارضة. وأشار القيادي في “التيار الديمقراطي” سفيان مخلوفي، في تصريحات صحفية،  إلى أن “الأهمية تكمن في مدى معرفة هؤلاء بمكامن الخلل والعلل في الدولة. ويبقى الدعم السياسي في ظل تحالفات هشة وظرف صعب أهم معوقات نجاح حكومة الفخفاخ”. ووصفها بأنها “حكومة الضرورات التي أباحت المحظورات”، موضحاً أن الفراغ وإعادة إجراء الانتخابات والتزامات البلاد الدولية لا تترك خياراً أمام الأطراف سوى العمل سوياً وتجنب سيناريوهات أكثر قتامة، ولا يمكن أن تتجاوز ذلك وتحشد الدعم إلا عبر التغيير والعمل الجدي.

 

من جهة ثانية، أكد الأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، أن “معركة المشروعية تنتظر حكومة الفخفاخ، بعد أن نجحت في نيل الشرعية”، مشدداً على أن المعركة الثانية بذات قدر أهمية السابقة، فهي تتحمل مسؤولية تاريخية بوصفها “حكومة الفرصة الأخيرة”. وأكد المغزاوي أن الحزام السياسي للحكومة سيدفع نحو توجيهها للملفات الحارقة، وتحقيق الحد الأدنى من مطالب التونسيين. ومن هذا المنطلق، جزم المغزاوي بأن مآلات الحكومة ومستقبلها ومدة عهدتها ستكون رهن أدائها.

وأيضا ، قال القيادي في حزب “قلب تونس” أسامة الخليفي: إن “مكونات الحكومة في حد ذاتها أبرز أسباب نهايتها السريعة، وإن جميع المؤشرات تشير إلى أن استمرارها أمر مستبعد”، موضحا، أن “الحكومة تحمل في تداخلها تناقضات ما يوحي باحتدام الصراع السياسي داخلها خلال الفترة المقبلة”. ونبه إلى أن “المرحلة الحالية تقتضي وجود حكومة بحزام سياسي عريض وقوي، في حين تمخضت المشاورات عن حكومة ضعيفة ذات مكونات متنافرة”. ويعتبر “قلب تونس” نفسه بديلاً للحكم، لكنه يعمل على أن يكون معارضة بناءة وفعالة لا هدامة. ولفت الخليفي إلى أن “الحزب غير معني بالدعوات التي تطلقها أطراف سياسية أخرى بإدخال تغييرات على الحكومة إثر منحها الثقة، ودمج قلب تونس فيها، وأنه لا حاجة له لحقائب وزارية، وسيكتفي بالقيام بدوره كحزب معارض على أمثل وجه“.

ولم تكن المواقف السياسية لمختلف نواب الحزام الحكومي مطمئنة، وسيكون على الفخفاخ بناء مناخ ثقة جديد وإقناع المشككين بجدوى خياره، إلا أن ذلك سيكون صعباً للغاية، لأنها حكومة ولدت في مناخ إكراهات ومخاوف من المجهول، وفي ظل صراع واضح للعيان حول مصدر السلطة في البلاد، بين البرلمان والرئاسة. وسيكون على الفخفاخ ألا يميل بحكومته إلى هذا الطرف أو ذاك، برغم أن ذلك سيكون مهمة شاقة.

ولعل الأيام القادمة ستحدد إلى أي مدى يمكن أن تصمد حكومة الفخاخ، غير المتجانسة فكريا، وهو ما يراهن عليه التونسيون الذين يؤمنون بأن المسئوليات الجسام الملقاة على عاتق الحكومة، ستدفع كافة الأطراف للعمل كفريق حكومي واحد نحو تجاوز صعوبات الاقتصاد والأمراض الصحية والأخرى الاجتماعية، والتحديات الإقليمية المتصاعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اختتام ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس وسط مجموعة من التوافقات والاختلافات

أعلنت رئيسة البعثة الأممية إلى ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز، في 15 نوفمبر 2020، انتهاء مل…