‫الرئيسية‬ العالم العربي سوريا على خط النار التركي الروسي ماذا بعد؟
العالم العربي - مارس 17, 2020

سوريا على خط النار التركي الروسي ماذا بعد؟

تشهد إدلب اليوم أعنف حملة عسكرية خلال 9 سنوات من عمر الحرب في سوريا، بمشاركة روسيا وإيران مع نظام الأسد، وتتعرض لحملات ممنهجة من التهجير، لم تعرف مثيلتها الثورة من قبل. أما المدن المنسية فلم تعد عنوان خبر فحسب؛ بل هي اليوم حديث العالم، من هول ما تتعرض له حاليًّا.

يركز هذا التقرير على بحث مستجدات الأوضاع في سوريا، وتأثير ذلك على سيناريوهات المستقبل التي تنتظر منطقة الشمال السوري.

 

سراقب محور الصراع:

تشهد مدينة سراقب صراعًا محليًّا وإقليميًّا بين عدة أطراف، تتصدرهم روسيا وإيران وتركيا؛ حيث تمكنت المعارضة السورية من استعادة مدينة سراقب بدعم تركي، قبل أن تتمكن قوات بشار من استعادة السيطرة على مدينة سراقب والقرى المحيطة بها، بينما حشدت المعارضة وبقية الفصائل المسلحة مزيدًا من قواتها على ذلك المحور.

وتشكّل سراقب محور الصراع حاليًّا؛ لأهميتها الإستراتيجية؛ لكونها تقع عند نقطة تلاقي الطريقين الدوليين دمشق – حلب “إم 5″، وحلب – اللاذقية “إم 4”.

وقد شنت قوات بشار هجومًا مدفعيًّا وصاروخيًّا وجويًّا على نقاط المراقبة التركية، أدت لمقتل أكثر من 5 عناصر تركية، وهو ما استفز أنقرة للرد بطيرانها المسيَّر؛ حيث قصفت رتلا لقوات النظام السوري شمال مدينة سراقب؛ ما أدى إلى تدمير عدد من آلياته، وقتل وجرح مجموعة من عناصر قوات النظام. كما قام الطيران التركي بقصف موقع لقوات النظام، يُعتقد أنه مستودع للذخيرة على محور بلدة الشيخ علي في ريف حلب الغربي، وضرب راجمتي صواريخ على محور بلدة كفر حلب أيضًا في ريف حلب الغربي، موقعًا خسائر بشرية[1].

درع الربيع معركة تركيا السياسية:

كانت في التصريحات التركية المتكررة من جهة والتعزيزات المرسلة باستمرار إلى إدلب من جهة أخرى؛ إشارات واضحة على جدية أنقرة بخصوص العملية التي هددت بها النظام السوري ما لم يعد بقواته إلى ما بعد نقاط مراقبتها، والالتزام بالمناطق التي حددها اتفاق سوتشي بينها وبين موسكو في سبتمبر 2018.

كان التهديد التركي الأخير واضحًا، عندما أعطى مهلة للنظام للانسحاب، وهو متيقن أنه لن ينسحب، ولكن لكي يظهر تركيا في موقف الدفاع عن الوضع الإنساني الصعب في إدلب، وليس المهاجم الذي يخرج على الاتفاقات المبرمة، إلا أن استهداف روسيا لقوات تركية وقتلها للعشرات منهم، بعد تقدم المعارضة السورية وسيطرتهم على مدينة سراقب، كان رسالة برفض روسي لتحركات أنقرة، وردًّا مباشرًا من موسكو على تهديد أنقرة للأسد. أعلن وزير الدفاع التركي بعد هذه العملية أن الرد سيكون قاسيًا جدًّا، وبالفعل تم إعلان عملية “درع الربيع”، التي تمكنت من قتل ما يزيد عن 3000 جندي من مليشيات الأسد، علاوة على تدمير ثماني مروحيات، و200 دبابة، وثلاث منظومات دفاعية 100 مدفع[2].

الهدف العريض المعلن للعملية هو عودة قوات النظام لحدود اتفاق سوتشي، وهو ما يعني تحقيق أو تهيئة الأرضية لتحقيق الأهداف الفرعية الثلاثة المتكررة في التصريحات التركية، أي فك الحصار عن نقاط المراقبة التركية وتأمين جنودها، وتجنب عملية في قلب إدلب تؤدي لموجة نزوح كبيرة، وإنشاء منطقة آمنة قرب الحدود.

لقد أطلقت أنقرة نيرانها في سوريا، وتعلم أن صداها سيحدث في موسكو، وهو ما حدث بالفعل في القمة الروسية التركية، التي نتحدث عنها في الجزء التالي من التقرير.

قمة بوتين وأردوغان:

جاءت عملية درع الربيع قبل أيام من لقاء بوتين وأردوغان؛ لتوضح أن الإرادة التركية واضحة، في رفض تحركات روسيا في تغيير معادلات سوتشي؛ حيث استهدفت درع الربيع شتى مناطق ونقاط التحركات السورية، وهو ما أدى لتقدم المعارضة ميدانيًّا على الأرض.

جاء التصعيد التركي عقب تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، التي حمّل فيها أنقرة “مسؤولية تعثر الحل في إدلب”، مشيرًا إلى أن “الجانب التركي فشل في تنفيذ بنود اتفاق سوتشي المتعلقة بالفصل بين المعارضة و”الإرهابيين” في الإطار الزمني المحدد”، في حين رد أردوغان في تصريحات  بعد يوم أنه طلب من بوتين أن “تتنحى روسيا جانبًا في سوريا، وتترك لتركيا التعامل مع قوات الحكومة السورية بمفردها”[3].

الجدير بالملاحظة، هو حالة الصمت الروسي، الذي لم يبدِ رد فعل حقيقي ضد أنقرة؛ بل هناك كلام أن موسكو ترفض انفجار الأوضاع مع أنقرة، وترغب في امتصاص غضبها[4]. ففي البداية، حاول بوتين التملص من عقد هذه القمة، والجلوس على مائدة مفاوضات جدية مع أنقرة في هذه الأيام، إلا أن العملية العسكرية، أوضحت أن ما كانت تسعى لتحقيقه موسكو، قد بات قريبًا من الفشل.

وظهرت إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد خلال القمة الروسية التركية بوضوح، في ظل براغماتية الطرفين، وإصرارهما على عدم الدخول في صدام مباشر، وقد بدا ذلك ملفتًا في الإشارات التي جرى تبادلها خلال التصعيد أخيرًا، فعلى الرغم من أن الصاروخ الذي أدى إلى مقتل الجنود الأتراك كان روسيًّا موجّهًا، إلا أن أنقرة لم تحمّل موسكو مسؤولية الهجوم. في المقابل، لم يتدخل الروس لحماية قوات النظام والمليشيات الإيرانية من الانتقام التركي، الذي أدّى إلى سقوط عدد كبير من القتلى[5].

وفي حقيقة الأمر، ليس من السهل على أردوغان الدخول في حرب بدون تأمين تحركاته؛ حيث يتلاعب الناتو بالطلب التركي المتكرر من بطاريات باتريوت، في حين جاء الرد الأمريكي واضحًا على لسان وزير دفاعه، عندما أكد أن عملية درع الربيع، لن تحظى بدعم جوي أمريكي؛ ولذلك فكيف يدخل الأتراك حربًا واسعة وكبرى كتلك بدون تأمين جوي، ودعم دولي ودبلوماسي.

في حقيقة الأمر، ليست هذه الهدنة الأولى للوضع في إدلب، فقد سبقتها اثنتان؛ الأولى: كانت في اغسطس 2019، والثانية كانت في يناير 2020، إلا أن نية النظام السوري وموسكو التي تحركها كانت واضحة، وهي إنهاء الملف السوري بأسرع وقت؛ حيث تمكن النظام من السيطرة على مدينة خان شيخون الإستراتيجية، ثم مدينة معرة النعمان، وكان في طريقه للسيطرة على مدينة سراقب، التي تعد البوابة الأهم للسيطرة على إدلب، إلا أن التحركات التركية أجهضت هذا الأمر من خلال تصعيدها الأخير، الذي وصل لإعلان حرب كاملة ضد النظام؛ لإجباره على الانسحاب من المناطق التي احتلها في الفترة الأخيرة.
ويتضمن الاتفاق تسيير دوريات مشتركة، اعتبارًا من 15 آذار/ مارس، في جزء كبير من الطريق السريع “إم 4”. ويحظى هذا الطريق بأهمية كبرى بالنسبة للنظام؛ إذ يعبر محافظة إدلب. وستكون هذه المرة الأولى التي يقوم فيها الأتراك والروس بدوريات مشتركة في هذه المنطقة. كما ينص الاتفاق أيضًا على إنشاء “ممر آمن” بعمق ستة كيلومترات على جانبي هذا الطريق السريع[6].

أمريكا في سوريا للمرة الأولى منذ سنوات وملف اللاجئين يعود:

أجرى وفد أمريكي زيارة لعدد من المخيمات الحدودية مع تركيا في ريف إدلب الشمالي، وتُعدّ هذه الزيارة الأولى من نوعها لشمال غرب سورية منذ بداية الثورة ضد النظام السوري عام 2011.
فقد ضمّ الوفد كلا من سفيرة أمريكا في الأمم المتحدة كيلي كرافت، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سورية جيمس جيفري، وسفير أمريكا في تركيا ديفيد ساتيرفيلد. دخل الوفد من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، والتقى بممثلين عن عدد من المنظمات المحلية، من بينها منظمة الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء”، حيث اطلع الوفد الأمريكي على أوضاع النازحين والمهجرين في المنطقة[7].

وتأتي الزيارة في ضوء تقارب رسمي بين أنقرة وواشنطن على مستوى التصريحات، لا سيما مع انفجار الوضع في إدلب، إلا أن هذا التقارب، لم يعدُ كونه تسكينًا للخلافات بين واشنطن وأنقرة، وحرص الأولى على عدم فقدان الثانية تمامًا، ومصداقية حربها ضد النظام السوري، ولذلك يأتي التحرك الإغاثي والحقوقي وربما الدبلوماسي، بينما العسكري فهو خط آخر، فالأمريكان لن يدعموا أي تحركات تركية بصورة عسكرية.

على الجهة الأخرى، عاد ملف النازحين من المناطق المشتعلة إلى الحدود الأوروبية، ليتصدر المشهد العالمي مجددًا، فأنقرة تضغط حاليًّا على أوروبا بملف اللاجئين؛ نتيجة شعورها بالغدر تجاههم، وعدم تحركهم لحماية جنودها، حيث صرح وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، أنه لا يمكن لأي دولة أنّ تجبر تركيا على الاحتفاظ باللاجئين على أراضيها، مؤكدًا أن تركيا تحترم رغبة اللاجئين في الذهاب لدول أخرى في الغرب، ولفت أوغلو، إلى أنّ تركيا طلبت مرارًا من المجتمع الدولي التعاون في مسألة اللاجئين، إلا أنه تجاهل طلباتها، متهمًا أوروبا بعدم الالتزام بتعهداتها تجاه الاتفاقية؛ كرفع تأشيرة الدخول للمواطنين الأتراك، واتفاقية الاتحاد الجمركي. وشدّد على أنّ تركيا طلبت مرارًا من حلفائها في حلف شمال الأطلسي تزويدها بمنظومة دفاع جوي، قائلا: “نحن في تركيا معرضون في أي لحظة لتهديدات، لذلك نحن بحاجة ماسة لمنظمة دفاع جوي”[8].

سيناريوهات الشمال السوري:

على كل حال، ما يجعلنا نقول إن الوضع سيهدأ قليلا في الفترة المقبلة، أنه يبدو واضحًا أن العمليات العسكرية في إدلب، خلال هذه المرحلة على الأقل، قد بلغت غايتها، وحقق كل طرف منها أقصى ما يمكن، في حدود ما تسمح به موازين القوى على الأرض والظروف السياسية المحيطة، فالنظام السوري وحلفاؤه تمكّنوا من السيطرة على الطريق الدولية حماة – حلب والبلدات الكبرى على طولها. في المقابل، تمكّن الأتراك من استعادة مصداقيتهم التي تضرّرت كثيرًا لسنوات؛ بسبب ارتفاع مستوى الخطاب، وتواضع مستوى الأداء، كما تمكّنوا من رسم خطوط حمراء لما يمكن أن يقبلوا به في إدلب.

ما زالت الأوضاع في سوريا في طور التشكل، ولن تكون هذه الهدنة أكثر من فترة قصيرة لإعادة ترتيب الأوراق، وفقًا للوضع الميداني، ولذا فهناك ثلاثة سيناريوهات تلوح في الأفق القريب:

السيناريو الأول: هو اجتياح روسي إيراني كامل لمنطقة الشمال السوري، واستعادة السيطرة التامة على كامل الأراضي السورية، وحينها قد تضطر أنقرة للعب بكل أوراقها للضغط على روسيا بملف الغاز، وإيران بضرب حزب الله ومليشاتها، فضلا عن العلاقات الاقتصادية، وحاجة طهران للتعاون الاقتصادي مع أنقرة في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، كما ستضغط أنقرة على الغرب بملف فتح الحدود أمام اللاجئين وضرب استقرار أوروبا، وقد تغازل موسكو بالتعاون الكامل ضد أمريكا، وفي هذا التوقيت قد يتدخل الناتو لصالح أنقرة، وهو مشهد قد يغير كافة موازين القوى على الأرض، وهو سيناريو من الصعب حدوثه على الأقل في الأفق القريب.

السيناريو الثاني: هو استعادة نموذج غزة في إدلب، وهو أكثر ما تحلم به المعارضة السورية عامة، وهيئة تحرير الشام بصورة خاصة؛ حيث يتم بقاء النازحين في إدلب وتحويلها لدويلة صغيرة في ظل حكومة فيدرالية، وهذا السيناريو هو الأقرب للواقع وفقًا لمعادلات ميدانية قائمة.

السيناريو الثالث: أن يتم دعم المعارضة السورية من جانب الغرب، وتزويدهم بالصواريخ المضادة للطيران، وحينها قد ينقلب المشهد رأسًا على عقب، إلا أن هذا السيناريو مستبعد هو الآخر؛ لخشية الغرب من سقوط هذه الأسلحة في يد الجماعات المتطرفة، فضلا عن أن غياب ائتلاف بديل معارض قوي، يستطيع أن يحل محل نظام الأسد، كلها أسباب تدفع لعدم حدوث هذا السيناريو.

[1] جلال بكور، قوات تركية إضافية تدخل سورية .. والمسيَّرات تواصل ضرب النظام، العربي الجديد، 4/3/2020، الرابط: http://bit.ly/39zn9C6

[2]  الدفاع التركية: تحييد أكثر من 3 آلاف عنصر للنظام منذ انطلاق “درع الربيع، وكالة الأناضول، 4/3/2020، الرابط: http://bit.ly/38uFPBv

[3]  تمام أبو الخير،  قمة بوتين – أردوغان: 3 سيناريوهات لمعارك إدلب، نون بوست، 3/3/2020، الرابط: http://bit.ly/2IqwmR8

[4]  سعيد الحاج، قراءة أولية في درع الربيع التركية، عربي 21، 2/3/2020، الرابط: http://bit.ly/2TzrsHK

[5]  مروان قبلان، هل تنشئ قمة موسكو غزة سورية جديدة؟ العربي الجديد، 4/3/2020، الرابط: http://bit.ly/330TRK1

[6]  هدنة ثالثة بإدلب في أقل من عام .. ماذا جرى لسابقاتها؟، عربي 21، 6/3/2020، الرابط: http://bit.ly/2VVz8Ge

[7]  العربي الجديد، مرجع سابق.

[8]  تشاووش أوغلو: لا يمكن لأحد أن يجبرنا على الاحتفاظ باللاجئين، وكالة الأناضول، 3/3/2020، الرابط: http://bit.ly/330e8iL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

دراسة: الحرب النفطية بين السعودية وموسكو والدور الأمريكي وأبرز التداعيات الإقليمية والدولية

انهارت الشراكة النفطية ما بين منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)وعلى رأسها السعودية والدول ا…