‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر أبعاد ودلالات تقدم تصنيف الجيش المصري عالميا وعلاقته بصفقات السلاح المليارية
مصر - مارس 19, 2020

أبعاد ودلالات تقدم تصنيف الجيش المصري عالميا وعلاقته بصفقات السلاح المليارية

احتل الجيش المصري الترتيب التاسع عالميا وفق التقرير الحديث الذي أصدره موقع “جلوبال فاير باور” العالمي، في فبراير 2020م ويتعلق بتصنيف الجيوش على المستوى العالمي؛ وفي تقرير أصدره معهد ستوكهولم لأبحاث السلام “سيبري” في مارس الجاري، حول حجم صفقات السلاح على المستوى الدولي؛ احتلت مصر الترتيب الثالث عالميا كأكبر المشترين للسلاح.

وتقدم تصنيف الجيش المصري في صدارة الترتيب العالمي؛ ليدخل نادي العشرة جيوس الأقوى عالميا؛ وبحسب التصنيف السنوي لموقع «جلوبال فاير باور» الذي يتخذ من السويد مقرا له، قفز تصنيف الجيش المصري من المركز الـ 12 على المستوى العالمي إلى المركز التاسع، وعلى المستوى الإقليمي من المركز الثاني إلى المركز الأول. وبهذا يكون قد تفوق على جيوش كبيرة في العالم ومنها الجيش التركي الذي تراجع إلى المركز 11 بعدما كان يحتل المركز التاسع عالمياً والأول في منطقة الشرق الأوسط، بحسب الموقع. كما تفوق على الجيش الإيراني الذي جاء في المركز 14 والجيش (الإسرائيلي) الذي حل في المركز 18 للتصنيف السنوي لعام 2020.

ويعزو الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط «غونتر ماير» تقدم تصنيف الجيش المصري إلى المساعدات العسكرية الهائلة التي تلقاها الجيش من الإدارات الأمريكية المتعاقبة في أعقاب توقيع اتفاق السلام مع الكيان الصهيوني في 1979م؛ فلا يزال الجيش المصري يتلقى سنويا مساعدات أمريكية قدرها 1,3 مليار دولار. لكن هذا المعيار كان قائما في تصنيفات “جلوبال فاير باور” السابقة ولم يصل إلى هذا المستوى، فقد كان الجيش المصري يحتل الترتيب العاشر قبل عدة سنوات قبل أن يتراجع في ظل إبرام هذه الصفقات أيضا ولم يتقدم للتاسع مطلقا خلال السنوات الماضية. فعجيب حقا أن يتراجع ترتيب الجيش في السنوات التي حصل فيها على صفقات ضخمة وأسلحة متنوعة كما حدث في 2016 و2018م بينما يتقدم في التصنيف الدولي دون أن يحصل على سلاح متطور وقادر على تحقيق التفوق النوعي في 2019م. ([1])

وبرر تقرير موقع «جلوبال فاير باور» تقدم تصنيف الجيش المصري إلى عدة عوامل([2]):

  • أولا، «تركزت قوة الجيش المصري في القوات البرية التي بلغ مجمل تعدادها 920 ألف جندي من بينهم 440 ألف جندي فاعل». وهو معيار كان قائما من قبل في السنوات الماضية.
  • ثانيا، «قفز تصنيف سلاح الدبابات لدى الجيش المصري الى المرتبة 4 عالمياً بعدما كان في المرتبة 14 عالمياً خلال العام الماضي، ووفقاً للبيانات الجديدة يمتلك الجيش المصري قرابة 4300 دبابة في زيادة مضاعفة عن بيانات العام الماضي التي كانت تشير الى امتلاكه قرابة 2160 دبابة». وهو معيار متناقض لأن تقرير المعهد لسنة 2018 أشار إلى أن الجيش المصري يمتلك “4462” دبابة.
  • ثالثا، أصبح جيش مصر السادس عالميا في عدد العربات المدرعة، بعدما كان يحتل المرتبة 13 عالمياً العام الماضي، وبات في المرتبة السادسة عالميا في عدد قطع المدفعية الذاتية.
  • رابعا، أما من حيث القوة البحرية، فحصل الجيش المصري على تقييم مرتفع في قوة الألغام البحرية، وجاء بالمركز الثاني عالميا.
  • خامسا، على صعيد القوة الجوية، حل سلاح الجو المصري في المركز 5 عالميا من حيث عدد المقاتلات التدريبية، التي يمتلك منها 387 طائرة بينما حل في المرتبة 8 عالمياً من حيث عدد المروحيات الهجومية، في حين حل سلاح الجو المصري بالمركز 10 عالمياً في مجمل عدد الطائرات العسكرية.

 

«ثالث» مستورد للسلاح

ويمكن اعتبار التقرير الحديث الصادر في 9 مارس 2020 لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) هو التفسير الحقيقي والأكثر منطقية لتقدم الجيش في التصنيف العالمي لموقع «جلوبال فاير باور»؛ حيث احتلت مصر المرتبة الثالثة عالميا في استيراد الأسلحة في الفترة من 2015 إلى 2019، وارتفعت صفقات مصر من السلاح مقارنة بالفترة بين 2009 إلى 2014م بنسبة تصل إلى 212%، كما بلغت واردات مصر من السلاح نحو 5.58% من السوق العالمي، بعد السعودية التي جاءت بالمرتبة الأولى 12%، والهند 9.2%. وتربعت فرنسا وروسيا على رأس الدول الموردة للسلاح إلى مصر بواقع 35% لكل منهما، في حين تراجعت الولايات المتحدة إلى المركز الثالث بنسبة 15% للمرة الأولى منذ عام 1980، حيث كانت المصدر الرئيس للسلاح إلى مصر منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد في مارس 1979م.

وتضمن تقرير معهد ستوكهولم الذي يتخذ من السويد مقرا له، كذلك الملاحظات الآتية([3]):

أولا: حافظت الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الخمس الماضية على موقعها كأكبر بائع أسلحة في العالم، حيث صدّرت 36% من مبيعات الأسلحة إلى 96 دولة، وذهبت نصف مبيعاتها من الأسلحة إلى الشرق الأوسط، في حين تصدرت السعودية قائمة المستوردين عالميا بنسبة 12% كما حصلت وحدها على خمس واردات السلاح الأمريكي ما يجعلها السوق الأكثر أهمية لواشنطن التي كرست هيمنتها على سوق السلاح العالمي.

ثانيا: ارتفاع حجم عمليات نقل الأسلحة على مستوى العالم بنسبة 6% تقريبًا خلال الفترة بين عامي 2015 و2019، مقارنة مع الفترة بين 2010 و2014.

ثالثا: جاءت روسيا في المرتبة الثانية، حيث صدّرت ما يساوي خُمس شحنات الأسلحة العالمية، إلى 47 دولة، وذهب أكثر من نصف صادراتها إلى الهند والصين والجزائر. ومع ذلك، كانت صادرات الأسلحة الروسية أقل بنسبة 18% عن الفترة بين 2010 و2014.

رابعا: احتلت فرنسا المرتبة الثالثة كأكبر الدول الموردة للسلاح بنسبة 8%؛ حيث سجلت في السنوات الخمس الأخيرة أعلى مستوى تصدير لها منذ عام 1990 على خلفية صفقات كبيرة مع مصر وقطر والهند. ثم تأتي ألمانيا والصين من بين الدول الخمس المصدرة الرئيسية، لتشكل صادرات هذه الدول الخمس 76% من صادرات الأسلحة العالمية.

خامسا: حول أبرز الصفقات التي عقدتها مصر مؤخرا، يؤكد موقع «جلوبال فاير باور» تعاقد القوات الجوية المصرية على 32 طائرة صينية بدون طيار مسلحة طراز Wing Loong II وهي الجيل الأحدث من Wing Loong I والتي تملكها القوات الجوية بالفعل. كما تضمن تعاقد القوات الجوية المصرية على 24 مقاتلة تفوق جوي ضاربة طراز Su-35 Super Flanker من روسيا ويبدأ تسليمها العام الجاري. كما تعاقدت القوات البحرية المصرية على 4 فرقاطات شبحية متعددة المهام طراز MEKO-A200 من ألمانيا ومعها 4 محركات غاز توربيني طراز LM-2500 من شركة جنرال إلكتريك الأمريكية بقوة 33.6 ألف حصان لكل منها، وتعمل تلك المحركات على متن أكثر من 400 سفينة لدى 33 بحرية على مستوى العالم. يجري بناء أول فرقاطة في ألمانيا بالفعل، وذلك من أصل 3 ، وسيتم بناء الرابعة في مصر.([4])

 

لغز تقدم تصنيف الجيش

بنظرة راصدة على تصنيف الجيش المصري عالميا خلال السنوات العشرة الماضية؛ فقد احتل الجيش المصري وفق تقديرات معهد ستوكهولم الدولي المركز الــ(17) في 2010م وهو آخر سنوات حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وفي عهد ثورة يناير تقدم الجيش خطوة إلى المركز الــ(16) في عامي 2011م، و2012م. ثم تقدم خطوتين أخريين إلى المركز الــ(14) سنة 2013م.

وفي مرحلة ما بعد الانقلاب العسكري منتصف 2013م؛ فقد احتل الجيش المصري المركز الــ(13) عالميا سنة 2014م متقدما في التصنيف رغم أن الجيش لم يكن قد عقد أي صفقات سلاح؛ بل على العكس فقد خسر الجيش على الأقل نصف شعبيته بانقلاب 3 يوليو 2013م، ثم خسر أكثر بارتكاب العشرات من المذابح الدموية بعد الانقلاب حتى تمزق النسيج المجتمعي وبدأت حالات التمرد المسلح في سيناء تشهد تزايدا مضطردا؛ فكيف يتقدم جيش تسبب في تمزيق نسيج مجتمعه وشق صفوفه؟! إلا إذا كان هذا التقدم مكافأة للجيش من القائمين على تصنيف «جلوبال فاير باور» مقابل انقلابه ومذابحه الدموية!

وعلى وقع تزايد الانقسام المجتمعي الذي أحدثه الجيش بانقلابه وانغماسه بشكل تام في مستنقع السياسة واحتكار المشهد الاقتصادي والإعلامي والتحكم في كل مفاصل الدولة؛ تراجع في 2015 إلى المركز الــ(18). وفي 2016م عاد إلى المركز الــ(14)، وفي 2017 تقدم إلى المركز الــ(10)، ثم تراجع في 2018 إلى المركز الــ(12) ثم عاد ليتقدم إلى المركز الــ(9) في 2019م؛ فما هي إذا أسباب هذا التقدم في التصنيف؟

تقدم ترتيب الجيش المصري يثير الشكوك حول تصنيف «جلوبال فاير باور»؛ فالسيسي منذ اغتصب عرش مصر بانقلاب عسكري مدعوم إقليميا ودوليا منتصف 2013م؛ وأجهض المسار الديمقراطي الوليد؛ وهو يعقد صفقات سلاح مليارية؛ ولم يظهر على الجيش تطور لافت يدعو إلى تقدمه في التصنيف السنوي عما كان عليه في ترتيب الموقع سنة 2019م؛ بل على العكس فإن الجيش يتعرض لهزائم مذلة وضربات مؤلمة في سيناء على يد عدة مئات من المسلحين الذين لا يمتلكون أي مقومات أو إمكانات وأسلحة كتلك التي يمتلكها الجيش المصري.

وكانت دراسة أعدها مركز كارنيجي للشرق الأوسط تحت عنوان «الجيش المصري: العملاق المُستيقظ من سباته»، استعرضت أسباب الطفرة التي يشهدها الجيش المصري خلال سنوات حكم الطاغية عبدالفتاح السيسي؛ وتعزو ذلك إلى عدة أسباب منها التهديدات الأمنية المحلية والإقليمية، التي تواجهها البلاد. ورأت أنه “لا يمكن الجزم بوضوح ما إن كانت هذه المؤشرات على زيادة نشاط القوات المسلحة المصرية وتسليحها ومعداتها، قد تكون من عوامل النجاح في ساحة المعركة”؛ وانتهت إلى أن “هذه الطفرة في تسليح الجيش المصري لن تحدث فارقاً كبيراً، ولن يحدث أي اختلال في موازين القوى العسكرية في المنطقة”، لأن التفوق المصري في مجال التسليح يبقى في إطار «النمو النسبي». وبالطبع يبقى أيضا مرهونا بضمان الولايات المتحدة الأمريكية تفوق الجيش الإسرائيلي إقليميا على كافة الجيوش العربية.

ويمكن عزو هذه القفزة في ترتيب الجيش المصري إلى عدة عوامل:

الأول: صفقات التسليح المليارية والتي لا تتناسب مطلقا مع إمكانات مصر التي تعاني من الفقر والعجز المزمن في الموازنة والتضخم الهائل في حجم الديون؛ وعلى الأرجح فإن هذه الصفقات ممولة من قوى خليجية في إطار التحالف الإقليمي الواسع الذي يضم السعودية والإمارات ومصر والبحرين وهم الذين يمثلون “تحالف الثورات المضادة”؛ وكانت المملكة العربية السعودية قد دشنت في 6 يناير 2020 تحالف الدول المتشاطئة على البحر الأحمر ومقره الرياض وشاركت بفعالية واسعة في مناورات كبيرة مع الجيش المصري خلال افتتاح قاعدة برنيس العسكرية في منتصف يناير2020م.

الثاني: يتعلق بنفوذ شركات السلاح الكبرى على مستوى العالم على القائمين على تصنيف «جلوبال فاير باور»، وذلك في دعم صريح وواضح للديكتاتوريات المتطلعة نحو تكوين قوة تسليحية ونفوذ إقليمي أكبر؛ وذلك بالطبع يصب في صالح شركات السلاح الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا والصين وغيرها؛ وهو تصنيف يغري قوى إقليمية أخرى لعقد مزيد من الصفقات بما يعود بالنفع على شركات السلاح العالمية الكبرى من جهة وبما يثير كثيرا من الشكوك حول الأهداف السياسية و الاقتصادية من وراء تصنيف «جلوبال فاير باور». ولعل أكبر مثال على ذلك هو تقدم الجيش السعودي في تصنيف هذا العام من المركز 25 عالميا والخامس إقليميا لعام 2019 إلى المركز 17 عالميا والرابع إقليميا، متقدما على جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي تراجع من المركز 17 عالميا والرابع إقليميا عام 2019 إلى المركز 18 عالميا والخامس إقليميا وفق آخر إحصائية. رغم أن الجيش السعودي عاجز تماما عن حسم الحرب الدائرة منذ 5 سنوات في اليمن ضد مسلحي الحوثي، كما تعرضت مصافي النفط السعودية التابعة لشركة “أرامكو” لأكبر ضربة في تاريخ المملكة في سبتمبر 2019م والتي أدت إلى توقف نصف إنتاج النفط السعودي؛ ووقف الجيش السعودي بجميع قواته وأفرعه وقادته عاجزا دون رد؛ فكيف يتقدم تصنيف الجيش السعودي رغم كل هذه الهزائم المذلة؟!

ثالثا: يمكن عزو ذلك أيضا إلى رغبة القوى الدولية في تحريض السيسي وتحالف الثورات المضادة نحو القيام بدور إقليمي أوسع والوقوف ضد الأنشطة والتحركات التركية التي تسبب إزعاجا لقوى إقليمية على رأسها روسيا وأوروبا، خصوصا في عدة ملفات أهمها غاز شرق المتوسط وسوريا وليبيا. فتراجع ترتيب الجيش التركي من التاسع إلى الـ13 في ظل هذه التوترات الراهنة التي جرت بين أنقرة والقاهرة منذ ديسمبر 2019م فيما يتعلق بغاز شرق المتوسط والملف الليبي؛ يحمل دلالة غير خافية عن رغبة دفينة لدى قوى دولية في الحد من النفوذ التركي وإضعاف شوكة الرئيس رجب طيب أردوغان وإحراجه محليا وهي تحركات لم تتوقف منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو 2016م، إذ كيف يتفوق الجيش المصري على التركي رغم أن المصريين يعتمدون بشكل مطلق على شراء السلاح، بينما دخلت تركيا عصر صناعة السلاح وتصديره حتى بات أحد مصادر الدخل القومي لأنقرة، التي تمكنت من توفير أسلحة ثقيلة لقواتها المسلحة؟!

رابعا: رغم تفوق الجيش المصري في ميزانية التسليح بين الدول الأكثر إنفاقا علي القدرات العسكرية، وكذلك تفوقه في تنوع مصادر التسليح والتي تتنوع بين السلاح الأمريكي والروسي والفرنسي والصيني، وهو ما يمنحه حرية حركة في عدم الاعتماد علي مصدر واحد في السلاح؛ إلا أن الجيش المصري سقط في اختبار الكفاءة القتالية والفاعلية وهو معيار هام تعتمد عليه التصنيفات الدولية، نتيجة الحرب الدائرة في سيناء، والتي تمثل غموضا عسكريا وسياسيا للجيش المصري، حيث بدأت العملية العسكرية الشاملة التي ينفذها الجيش في سيناء في 9 فبراير 2018 بعد مهلة 3 أشهر انتهت دون حسم المعركة مع المسلحين، و ورغم أن المدة المقررة للعملية الشاملة كانت شهرين، إلا أنها امتدت لأكثر من سنتين وحتى اليوم دون حسم؛ بل تمكن المسلحون من توجيه ضربات مؤلمة للجيش في الذكرى الثانية لانطلاق العملية الشاملة وأسقط الكثير من ضباطه وجنوده بين قتيل وجريح وبعد هذه الهزائم المذلة كوفئ الجيش برفع تصنيفه الدولي من المركز الـ(12) إلى الــ(9)!.

 

هل تحتاج مصر هذه الصفقات؟

أولا، تأتي صفقات السيسي المليارية في سوق السلاح في وقت تعاني فيه مصر من تراكم الديون الداخلية والخارجية لمستويات تاريخية وارتفاع نسبة الفقر، وفق أرقام رسمية. وبحسب آخر تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، ارتفعت معدلات الفقر في البلاد لتصل إلى 32.5% من عدد السكان بنهاية العام المالي 2018/2017، مقابل 27.8% لعام 2016/2015، مما يعني وجود أكثر من 32 مليون فقير في مصر. ورغم ذلك يشكك كثيرون في هذه التقديرات الرسمية؛ إذ قدر البنك الدولي حجم الفقر في مصر بحوالي 60% ما يعني أن عدد فقراء مصر يصل إلى حوالي 60 مليونا. كما ارتفع الدين الخارجي لمصر نهاية سبتمبر 2019 إلى 109.4 مليارات دولار، مقابل 93.1 مليارا نهاية سبتمبر/أيلول 2018، في حين ارتفع الدين العام المحلي إلى 4.186 تريليونات جنيه (نحو 266 مليار دولار)، مقابل 3.887 تريليونات جنيه (نحو 247 مليار دولار) خلال نفس الفترة، بحسب البنك المركزي المصري. فلماذا هذه الصفقات المليارية رغم حالة الفقر المدقع التي تمر بها البلاد؟ ولماذا لا يتم توظيف هذه الأموال في إقامة مشروعات مدرة للدخل وتسهم في توفير الملايين من فرص العمل للشباب العاطل؟

ثانيا: تقرير معهد ستوكهولم أشار إلى أسباب هذه الصفقات المليارية للأسلحة من جانب نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي واعتبر أن السبب وراءها يتعلق بثلاثة أسباب:

الأول: تورط السيسي في حرب ليبيا.

الثاني: حرب اليمن.

الثالث: مواجهة التمرد المسلح الذي يقوده المسلحون في سيناء.

وجزء كبير من صفقات التسليح تقوم به مصر كوكيل عن الإمارات في إطار تحالفها الإقليمي مع السعودية والإمارات؛ بهدف تكريس الوجود الإسرائيلي في المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية مقابل ضمان الولايات المتحدة الأمريكية بقاء حكام هذا التحالف على عروشهم وغض الطرف عن استبدادهم وجرائمهم في حق شعوبهم. يتسق ذلك مع ما انتهت إليه دراسة أوروبية بأن مقاتلات فرنسية من طراز “رافال” باعتها فرنسا لمصر جرى استخدامها في الحرب في ليبيا لدعم قوات “خليفة حفتر”. كما خلصت الدراسة، التي نشر نتائجها موقع “ميديا بارت” الإلكتروني، إلى أن الصواريخ الموجودة في قاعدة تستخدمها قوات تابعة لـ”حفتر” جنوبي طرابلس تعود ملكيتها لفرنسا، وأن الأخيرة تقر بذلك. الدراسة أجرتها إذاعة “راديو فرانس” وموقعا “بلينغكات” و”ديسكلوس” الاستقصائيين الفرنسيين، وموقع “لايت هاوس ربورتس” الهولندي حول مقاتلات “رافال” المباعة لمصر. ووفقا للدراسة، فإن المقاتلات المذكورة استخدمت من أجل دعم قوات “حفتر” في الهجمات على مدينة درنة (شرق) وقاعدة جوية قرب مدينة هون (650 كم من العاصمة طرابلس) قبل عامين، موضحة أن هناك مقاطع مصورة لذلك.([5])

ثالثا: يستهدف السيسي بهذه الصفقات شراء الشرعية والدعم من النظام الدولي باعتباره جنرالا اغتصب الحكم عبر انقلاب عسكري؛ أو حتى شراء صمت حكومات غربية على بعض جرائمه أو محاولة جرها إلى مربع التوجهات التي يسوق لها تحالف الثورات المضادة؛ وبعد الانقلاب كان هاجس السيسي الأكبر هو شراء شرعيته الدولية وتأمينها كرئيس جاء بانقلاب عسكري؛ وهو ما دفعه لإبرام عدد كبير من الصفقات خلال وقت وجيز لإثبات حضوره الدولي. وفي محاولة لفتح أبواب أوروبا أمام رئيس الانقلاب، أبرم “السيسي” صفقات سلاح ضخمة بمليارات الدولارات مع القوى الأوروبية، رغم العجز الشديد في الموازنة وتضخم الديون الخارجية والداخلية للبلاد.

ووفق مراقبين، فإن المصالح العسكرية والاقتصادية تمثل العامل الأول في علاقة الغرب بمصر، حيث تبنى العلاقات الخارجية على المصالح، دون الالتفات إلى قضايا حقوق الإنسان أو قيم الديمقراطية. ولعل أبلغ مثال على ذلك، ما نشرته صحيفتا “Il Sole 24 Ore” الإيطالية و”La Tribune” الفرنسية في فبراير 2020م، أن مصر تعتزم إبرام صفقات أسلحة مع الحكومة الإيطالية، بقيمة تتجاوز 9 مليارات يورو، وأنها بانتظار موافقة إيطاليا بشأن الفرقاطتين، ليعلن عنهما “السيسي” رسميا في ذكرى تحرير سيناء يوم 25 أبريل 2020. وتشمل الصفقة شراء فرقاطتين حربيتين من نوع “FREMM Bergamini” متعددة الأغراض، بتكلفة تقدر بنحو 1.2 مليار يورو، بالإضافة للاتفاق على شراء 4 فرقاطات أخريات، و20 لنشا مسلحا من فئة “Falaj II”. ويستهدف السيسي بذلك أمرين:

الأول: شراء صمت الحكومة الإيطالية على أزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي قتلته أجهزة الأمن المصرية في ذكرى يناير2016م.

الثاني: محاولة جر الحكومة الإيطالية وشراء موقفها بشأن ليبيا بما يتسق مع توجهات وسياسات تحالف الثورات المضادة؛ حيث كانت إيطاليا من أبرز القوى الرافضة لأي دور بارز للواء الانقلابي خليفة حفتر وتنظر إليه كما تنظر تركيا باعتباره مشكلة وليس جزءا من الحل. نفس الأمر ينطبق على صفقات السلاح الروسي التي أعقبت تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء في أكتوبر 2015م؛ ومن أجل استرضاء موسكو أبرم السيسي صفقات سلاح ضخمة تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار، شملت “مقاتلات ميغ – 29 ودبابات تي 90، ومروحيات، وصواريخ كورنيت المضادة للدبابات، وطائرات التدريب القتالية باك 130، ومروحيات النقل العسكرية، وأخيرا المقاتلات من طراز سو-35”. وتقول تقديرات “معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام”، إن واردات مصر من السلاح الروسي، زادت بنسبة 150% بين عامي 2014 و2018.

رابعا: الملاحظة الأهم على صفقات السيسي المليارية من السلاح أنها لا تلبي الحاجة والضرورة التي يمكن أن تسهم في تحقيق أهداف مصر الاستراتيجية وضمان حماية أمنها القومي؛ لأن نوعية السلاح والصفقات التي أبرمها لا تحقق هدفين رئيسيين:

الأول: القدرة على لجم الاستعلاء الإثيوبي في ملف سد النهضة وضمان حماية حقوق مصر المائية التي لا تمثل ضرورة للأمن القومي فقط بل تتعدى ذلك إلى تهديد الوجود المصري من الأساس.

الثاني: عدم تلبية هذه الصفقات للحاجة الملحة لإنهاء التمرد المسلح في سيناء وفقا لاعتبارات الأمن القومي وفق تصورات النظام.

وعلى هذا الأساس فإن «صفقات السلاح التي أبرمها السيسي لا تصب بدرجة أساسية في مستهدفات تعزيز الأمن القومي للدولة المصرية والذي تم إهداره في جزيرتي تيران وصنافير ومياه نهر النيل وغاز شرق المتوسط، فهذا النظام لا يعنيه بأي حال من الأحوال حماية الأمن القومي بقدر ما يعنيه حماية أمنه، وبالتالي هذه الترسانة -وإن كانت مهمة- ليست مؤشرا على تعزيز القدرات العسكرية أو القتالية للجيش المصري»([6])، بقدر ما تمثل تكديسا للسلاح من أجل تحقيق مستهدفات تحالف الثورات المضادة على المستوى الإقليمي من خلال التصدي للمشروع التركي والإيراني والحركات الإسلامية والمقاومة الفلسطينية التي باتت هي العدو الأول لهذا التحالف بما يتسق تماما مع حماية أمن الكيان الصهيوني وخدمة المصالح الأمريكية.

تم الانتهاء منه في الأحد 15 مارس2020م

[1] تفوق الجيش المصري إقليمياً.. قوة تتزايد في وجه التهديدات؟/ دويتش ويللا 6 فبراير 2020م

[2] لهذه الأسباب تفوقت مصر عسكرياً على تركيا وإيران وإسرائيل/ سي إن إن عربي الأربعاء، 05 فبراير / شباط 2020

 

[3] تقرير عن سوق السلاح: أميركا أكبر المصدرين والسعودية أكبر المستهلكين/ الجزيرة نت 9 مارس 2020

 

[4] معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام يؤكد صفقة مقاتلات سو-35 لمصر/ موقع الدفاع العربي 10 مارس، 2020

 

[5] مصر الثالثة عالميا في واردات السلاح.. ما علاقة حفتر؟/ الخليج الجديد  الجمعة 13 مارس 2020

 

[6] انظر تصريحات عصام عبدالشافي/ مصر بقائمة الأكثر شراء للسلاح.. دور وظيفي أم أمن قومي؟/ الجزيرة نت  الجمعة 13 مارس 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بعد مفاجأة «جمعة الغضب» .. هل يتجه الحراك  في مصر نحو «عصيان مدني»؟

بعد مفاجأة «جمعة الغضب» .. هل يتجه الحراك  في مصر نحو «عصيان مدني»؟   باغتت جمعة الغض…