‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر إجراءات حكومية بمصر .. هل تكفي لوقف انتشار «كورونا»؟
مصر - مارس 22, 2020

إجراءات حكومية بمصر .. هل تكفي لوقف انتشار «كورونا»؟

خلال شهر فبراير 2020م، بدأ فيروس «كوفيد ــ19» المعروف بكورونا  ينتشر في مصر في هدوء وسط تعتيم إعلامي من جانب النظام لم يفضحه سوى حالات الإصابات التي تم الكشف عنها لسائحين من جنسيات مختلفة ثبت أنهم كانوا عائدين من مصر؛ الأمر الذي وضع نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي في ورطة دولية؛ إذا كيف تعلن حكومته عن حالة إصابة واحدة طول شهر فبراير بينما تم اكتشاف عشرات الحالات لسائحين أجانب كانوا عائدين من مصر؟ وأمام الضغوط الشعبية من جهة وتقارير الإعلام الأجنبي من جهة ثانية، ثم استيراد أجهزة لرصد واكتشاف الإصابة بالفيروس من الصين خلال زيارة وزيرة الصحة من جهة ثالثة؛ كلها عوامل أسهمت في الكشف عن قدر من الحقيقة فيما يتعلق بحجم وعدد الإصابات بالفيروس في مصر. ومع بداية شهر مارس بدأ النظام يدرك أن سياسات التعتيم غير مجدية ومواقع التواصل الاجتماعي لا تترك شاردة ولا واردة إلا ورصدتها رغم الحصار الأمني والتكميم المفروض على الجميع، إضافة إلى التقارير التي رفعت إليه من الأجهزة الصحية والأمنية تؤكد انتشار الفيروس بين المصريين والسياح كالهشيم في النار. وأمام تزايد أعداد الإصابات والوفيات اتخذ النظام عدة تدابير احترازية على أمل أن تسهم في تحجيم انتشار الفيروس ومنع انتشاره منها:

  • السبت 14 مارس 2020م، تعليق الدراسة بالمدارس والجامعات لمدة أسبوعين بدءا من الأحد 15 مارس وحتى 31 مارس؛ وهو القرار الذي أعلن عنه وزير التعليم طارق شوقي صباح السبت 14 مارس 2020م، ثم قام بحذف تغريدته لتقوم رئاسة الانقلاب هي بالإعلان عنه مساء في ممارسة انتهازية وتوظيف سياسي للإعلان الذي كان الرأي العام يضغط باتجاهه وكانت الحكومة ترفض  وتماطل حتى أجبرت على الإعلان عنه. عن تعليق الدراسة بالمدارس والجامعات، وعلى خطاه قررت وزارة التضامن الاجتماعي وقف أنشطة دور الحضانة على مستوى الجمهورية في ذات الفترة. كما وجه الطاغية عبدالفتاح السيسي بتخصيص 100 مليار جنيه لتمويل خطط الحكومة لمكافحة تفشي الفيروس.
  • السبت 14 مارس، تعليق جميع الأنشطة الجماهيرية كبطولة الدوري العام المصري والأنشطة الرياضية عموما.
  • الاثنين 16مارس، تعليق حركة الطيران بكل المطارات المصرية على أن يبدأ من ظهر الخميس 19 مارس حتى 31 مارس بقرار أعلنته الحكومة يوم الاثنين 16 مارس 2020م. ولكن القرار لن يشمل غلق المجال الجوى المصرى خلال مدة التعليق وأن المطارات المصرية سوف تستمر فى استقبال الطيران العارض والدائم (بدون ركاب) وذلك للسماح للوفود السياحية المتواجدة حالياً بمصر باستكمال برامجهم السياحية ومغادرتهم والعودة إلى بلادهم فى مواعيد سفرهم المقررة على رحلاتهم وذلك دون استقدام أى وفود جديدة خلال فترة تعليق الطيران. وبحسب الحكومة فإن فترة تعليق الطيران لن تكون فترة سكون بل سيتم استغلالها لترتيب البيت من الداخل لتطبيق إجراءات الوقاية والسلامة الصحية، حيث تم الاتفاق مع شركة عالمية للقيام بتعقيم الفنادق الثابتة والعائمة والمنتجعات والمنشآت السياحية بالإضافة إلى الكشف على العاملين بالقطاع السياحى للاطمئنان على حالتهم الصحية وتدريبهم للنهوض بمستوى كفاءتهم. ووفقا للطيار محمد منار، فإن المجال الجوى المصرى غير مغلق وأن قرار تعليق حركة الطيران لا يشمل رحلات الطيران الداخلية ورحلات الشحن الجوى لعدم الإضرار بمصالح المواطنين، مؤكدا على أنه سوف يتم الاستمرار فى تطهير كافة المطارات المصرية خلال فترة التعليق والمنشآت الحيوية بقطاع الطيران المدني.([1])
  • الاثنين 16 مارس، تقليل عدد الموظفين الحكوميين في مقرات العمل ومنح إجازة استثنائية مدفوعة الأجر لـخمس فئات من الموظفين، والفئات هي: (أصحاب الأمراض المزمنة مثل السكر والضغط وأمراض الكلى والكبد والقلب والأورام ــ الموظف المُصاب بغير الأمراض المزمنة بموجب تقرير من أحد المستشفيات الحكومية ــ المخالط لمصاب بمرض معد ــ الحامل والتي ترعى طفلًا أو أكثر يقل عمره عن اثنتي عشرة سنة ميلادية ــ الموظف العائد من خارج البلاد).
  • الثلاثاء 17 مارس، قررت كذلك تعليق عروض السينما والمسرح وغلق جميع حدائق الحيوان في مصر ووقف إقامة الأسواق الشعبية الأسبوعية. وتشديد القبضة الأمنية على المقاهي ومراكز الدروس الخصوصية ومصادرة آلاف من الشيش والأدوات المعدية؛ والتنبيه على الناس بالتزام البيوت وتضييق الحركة والاكتفاء بالأنشطة الضرورية فقط. كما قررت وزارة الأوقاف حظر المناسبات الاجتماعية مثل الزواج والعزاء أو قصرها على نطاق ضيق للغاية، مع توجهات نحو حظر صلاة الجمعة والجماعة إذا زاد انتشار الفيروس على النحو القائم.
  • الأربعاء 18 مارس، وضع العاملين بقطاع السياحة وأطقم الفنادق والبواخر السياحية في الحجر الصحي لمدة 14 يوما وخاصة في محافظتي البحر الأحمر والأقصر، على أن يتم خلال هذه الفترة تعقيم وتطهير جميع المنتجعات والفنادق والبواخر وذلك بالتعاقد مع شركة ألمانية للإشراف على عمليات التطهير والتعقيم. وكذلك العزل لجميع القادمين من العمرة وهو الإجراء الذي تقول وزيرة الصحة إنه يتم من أول مارس. وكذلك فحص جميع القادمين من الخارج وأنه تم تسليم 27 ألف كاشف سريع وسيتم تسليم 75 آلفا أخرى خلال أيام.
  • الخميس 19 مارس، قررت الحكومة حظر التجوال ليلا، ويشمل إغلاق المراكز التجارية والمطاعم والمقاهي وجميع المحال والمنشآت التي تهدف إلى بيع السلع التجارية أو تقديم المأكولات أو الخدمات أو التسلية أو الترفيه، من السابعة مساءً إلى السادسة صباحاً، وذلك حتى نهاية مارس 2020، ضمن إجراءات مكافحة فيروس كورونا المسجد (كوفيد-19)، وهو الإجراء الذي سبقه انتشار جزئي لعدد من وحدات الجيش ومدرعاته في عدد من أحياء القاهرة ظهر الأربعاء 18 مارس.

 

ثغرات قاتلة

أولا:  الثغرة القاتلة أن هذه الإجراءات جاءت متأخرة، بل متأخرة للغاية؛  وكان يتعين أن يسبقها خطوات أكثر أهمية وفي وقت مبكر كبداية فبراير مثلا، وعلى رأسها تعليق استقبال السياح من البلاد التي تفشى فيها الفيروس مثل الصين وإيطاليا وفرنسا؛  وصولا إلى التعليق الكامل للسياحة إذا استمر معدل انتشار المرض في التزايد، لكن حكومة السيسي أبقت على المنافذ الجوية والبحرية والبرية مفتوحة على مصراعيها تستقبل الآلاف، بل إنها لا زالت تستقبل وفود سياحية من الصين وإيطاليا وغيرهما من بلاد العالم حتى بدء تعليق حركة الطيران الخميس 19 مارس، دون فحص أو تحليل؛  فبدأ الفيروس القادم معهم  يتفشي في خفاء وهدوء ويصيب العشرات ثم المئات وربما الآلاف حتى تحولت مصر إلى بؤرة لانتشار الوباء بحسب تقارير الصحافة العالمية التي رصدت أكثر من مائة إصابة من جنسيات مختلفة كانوا عائدين من مصر. وبناء على هذه الأرقام الموثقة؛ تذهب تقديرات فريق  بحثي من جامعة «تورنتو»  الكندية إلى أن أرقام الفيروس في مصر حتى منتصف مارس 2020م،  تصل إلى ما بين «6» آلاف إلى “19.310” في الوقت الذي أعلنت فيه حكومة الانقلاب وقتها أن العدد “110” حالة فقط، وهو التقرير الذي نشرته صحيفة الجارديان البريطانية وأصاب المجتمع المصري بصدمة واسعة فانتفضت حكومة السيسي مذعورة لترد على التقرير بحالة من الذعر والهيستريا وقررت تعليق عمل فريق الجارديان وغلق مكتبها بالقاهرة رغم أن الصحيفة أساسا ليس لها مكتب بالقاهرة  ليتم إغلاقه بحسب ما كشفت عنه صحيفة القبس الكويتية نقلا عن الجارديان”.([2])

ثانيا: تعليق المدارس والجامعات جاء أيضا متأخرا بعد مطالب شعبية ضاغطة وتواتر الأنباء حول تفشي الفيروس في عدد من المدارس، وفي اليوم الذي تم فيه إعلان تعليق الدراسة، تم الكشف عن 8 إصابات بينهم معلمة و7 تلاميذ، كم تم قبلها بيوم غلق مدرسة دولية في الزمالك بعد الكشف عن إصابات لم يتم  الإعلان عنها. وبالتزامن مع قرار تعليق الدراسة، تم إغلاق مدرستي بلقاس الإعدادية، والسماحة الابتدائية والإعدادية بقرية السماحة في محافظة الدقهلية، وعزل جميع طلاب المدرستين والمعلمين والإدارة المدرسية بهما لمدة 14 يوماً كإجراء احترازي، وهي ذات القرية بمركز بلقاس التي شهدت أول حالة وفاة لسيدة مصرية بالعدوى ثم الحالة الثانية لأحد أقاربها. لكن الأكثر خطورة في إجراء تعليق الدراسة أن الوزارة لم تحسم نهاية الموسم الدراسي؛ وقررت إجراء امتحانات نهاية العام للشهادتين الثانوية والإعدادية عبر اللجان، بينما الصفان الأول والثاني الثانوي عبر التابلت أون لاين في 5 إبريل المقبل، وباقي الصفوف من 3 ابتدائي حتى 2 إعدادي عبر عمل مشروعات أبحاث أون لاين في كافة المواد. وبذلك فإن طلاب الثانوية على الأرجح لن يلتزم كثيرون منهم بدعوات التزام البيوت وسوف يواصلون الدروس الخصوصية بما يهدد بتبديد الهدف من قرار تعليق الدراسة خوفا من الرسوب أو ضعف النتائج باعتبارها سنة فاصلة في حياه معظم الطلاب. هذه القرارات تضع الأسر أمام اختبار قاس ويضمن بقاء واستمرار الدروس الخصوصية مهما شددت الحكومة من إجراءاتها لملاحقة المراكز والمعلمين؛ الأمر الذي يهدر الجهود والإجراءات الرامية للحد من الفيروس لوجود مثل هذه الثغرات القاتلة.

ثالثا: قرار خفض الموظفين الحكوميين لن يحقق الهدف منه؛ لأن  القرار الحكومي ربما يشمل عشرات أو مئات الآلاف أو حتى مليونا على أقصى تقدير في الجهاز الإداري للدولة؛  ليبقى حوالي 4 ملايين موظف آخرين ملزمون بالانتظام في الحضور والانصراف؛ إضافة إلى ذلك، فإن القرار الحكومي لم يشمل موظفي القطاع الخاص وهم يمثلون 80% من جملة  الموظفين والعمال ؛ وحتى أن اجتماع وزارة القوى العاملة بممثلين عن قطاع الأعمال والقطاع الخاص مساء الأربعاء 18 مارس 2020 أوصى بأن يمتد قرار  الحكومة بتخفيض عدد العمالة والموظفين مؤقتا على القطاع الخاص مع الوضع في الاعتبار خصوصية القطاع الخاص؛ وهو بالطبع كلام إنشائي ليس فيه صفة الإلزام والوجوب مع العلم أن بمصر “28.5” مليون عامل وموظف منهم 5 مليونا بالقطاع الحكومي، و23.5 مليونا بالقطاع الخاص بحسب تصريحات وزير القوى العاملة بحكومة الانقلاب محمد سعفان.([3])

رابعا: من أكثر الثغرات التي تواجه خطط حكومة العسكر لمواجهة تفشي وباء كورونا، هو السيطرة على العمالة غير المنتظمة، وهؤلاء هم الذين لا يملكون إلا قدرتهم على العمل بشكل يومي لكي يتمكنوا من توفير حاجاتهم وحاجات أسرهم الأساسية من طعام وعلاج وكساء ومسكن؛ وإذا لم يخرجوا للعمل سيموتون جوعا؛ فكيف ستتعامل الحكومة مع هذا الجيش الجرار؟  من جانبه اكتفى  محمد سعفان وزير القوى العاملة  بالإعلان يوم الثلاثاء 17 مارس عن منحه استثنائية قدرها 500 ج للمقيدين في قوائم الوزارة كعمالة غير منتظمة وقدرهم بحوالي “400” ألف عامل فقط؛ فماذا يفعل هذا الرقم الهزيل أمام وحش الغلاء في عالم اليوم؟  وبحسب أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يمثل العاملون خارج المنشآت، وهم من لا يرتبطون بعلاقة تعاقدية مع صاحب عمل، الفئة الغالبة من المشتغلين في مصر، إذ تصل نسبتهم إلى إجمالي المشتغلين 46.1%، ما يعني 11.85 مليون عامل تقريبًا، من أًصل 25.7 مليون مشتغل، ما يعني أن من سيحصلون على منحة الوزارة يشكلون ما يقرب من 1.6% فقط من العمالة غير المنتظمة. لكن الأكثر خطورة  أن الحكومة لا تزال مصرة على ممارسة أعلى درجات التمييز والعنصرية لصالح الأثرياء ورجال الأعمال؛ ففي الوقت الذي أعلنت فيه عن تخصيص “200” مليون جنيه  كمنحة لــ400 ألف عامل فإنها كانت سخية للغاية في دعم المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب المصانع والشركات المتضررة من كورونا حيث قررت توفير مليار جنيه للمصدرين خلال مارس وأبريل 2020 لسداد جزء من مستحقاتهم، مع سداد دفعة إضافية بقيمة 10% نقدًا للمصدرين في يونيو المقبل. وتأجيل سداد الضريبة العقارية المستحقة على المصانع والمنشآت السياحية لمدة ثلاثة أشهر. ورفع الحجوزات الإدارية على جميع الممولين الذين لديهم ضريبة واجبة السداد مقابل سداد 10% من الضريبة المستحقة عليهم وإعادة تسوية ملفات هؤلاء الممولين من خلال لجان فض المنازعات. وخفض ضريبة الدمغة على غير المقيمين لتصبح 1.25 في الألف، للمقيمين لتصبح 0.5 في الألف بدلاً من 1.5 في الألف. وإعفاء غير المقيمين من ضريبة الأرباح الرأسمالية نهائيًا، وتأجيل هذه الضريبة على المقيمين حتى مطلع عام 2022. وخفض سعر ضريبة توزيع الأرباح الرأسمالية للشركات المقيدة بالبورصة بنسبة 50% لتصبح 5%، والإعفاء الكامل للعمليات الفورية على الأسهم من ضريبة الدمغة لتنشيط حجم التعامل. ([4])

خامسا: كيف ستتعامل الحكومة مع ملايين المصريين من الفقراء ومن يعيشون تحت خط الفقر ومن يعانون من الفقر المدقع؟ وكان جهاز الإحصاء قد قدر في منتصف 2019م نسبة الفقر بحوالي 32.5% ما يعني أن بمصر 32 مليون فقير على أقل تقدير؛ فهل وضعت حكومة الانقلاب سيناريوهات للتعامل مع هذا الجيش الجرار من الجوعي والمحرومين إذا توقفت الحياة وأصيبت بشلل تام مقرون بوقف الإنتاج في آلاف المصانع المهددة بالإفلاس؟

سادسا:  من الثغرات القاتلة في خطط الحكومة أيضا لمواجهة تفشي الفيروس وعدم تحوله إلى وباء، مئات  الآلاف من المعتقلين السياسيين والسجناء الجنائيين الذي تكتظ بهم سجون السيسي؛ وإذا ما تسلل الفيروس إلى  قطاع السجون ــ وهو حتما سيحدث ــ فإن كارثة مروعة سوف تقع؛ وسوف تنتقل مصر من دائرة الإعلان عن الإصابات بالعشرات إلا الإعلان عنها بالآلاف كل يوم. في سبيل وقف ذلك أعلنت إدارة السجون تعليق الزيارات لمدة أسبوعين، لكن ذلك لن يكون كفيلا بحماية السجون من تسلل الفيروس القاتل؛ وكشف موقع “الجزيرة نت” عن رصد مصلحة السجون المصرية، أول حالة إصابة بفيروس كورونا داخل سجن وادي النطرون في دلتا مصر، الثلاثاء 17 مارس 2020، في حين ترفض الأجهزة الأمنية كشف اسم السجين أو هويته أو القضية المحبوس فيها. ويأتي رصد أول حالة بكورونا، في الوقت الذي تعالت فيه أصوات نشطاء ومنظمات حقوقية مطالبة بضرورة الإفراج عن المعتقلين، تخوفاً من إصابتهم بالفيروس، وذلك مثلما أقدمت إيران والبحرين على الإفراج عن عشرات الآلاف من المعتقلين والسجناء لذات السبب؛ لكن دعوات أكثر أنصافا ترى ضرورة الإفراج عن جميع السجناء سياسيين وجنائيين لأن الحق في الحياة والعدالة تستلزم عدم العنصرية والتمييز بشكل عام وخصوصا في ظل هذه الأجواء القاسية. إضافة إلى ذلك فإن سجون السيسي عبارة عن مقابر تفتقد إلى أدنى معايير النظافة في كل شيء. وارتفع عدد السجون في عهد السيسي إلى 68 سجنا منها 26 تم بناؤها في سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م لتتوزع خريطة السجون بين جميع المحافظات والجهات.  هذا بخلاف (382) مقر احتجاز  داخل مراكز وأقسام الشرطة، إضافة إلى السجون السرية في المعسكرات، وذلك وفقا لتقرير صادر عن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.([5]) وربما يؤدي تفشي الفيروس بشكل أكبر إلى إجبار النظام الانقلابي الدموي إلى إعادة النظر في الدعوات التي تطالبه بالإفراج الفوري عن هؤلاء؛ وما يجبره أكثر أن الفيروس لا يفرق بين سجين وسجان؛ وتفشي الفيروس في السجون يعني ببساطة إصابة جميع عناصر الشرطة من ضباط وأمناء وعساكر وعلى رأسهم ضباط أمن الدولة. وقد أجبر انتشار الفيروس دولا عديدة على إطلاق سراح السجناء كما جرى في إيران والبحرين والبرازيل وغيرها.

سابعا: على المستوى المالي، وجَّه رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي في 15 مارس 2020م بتخصيص 100 مليار جنيه لتمويل ما وصفها بالخطة الشاملة التي وضعتها الحكومة لمواجهة تفشي الفيروس. وبحسب الدكتور محمد معيط، وزير المالية بحكومة الانقلاب فإن  الهدف من ذلك هو دعم وزارة الصحة بما يمكنها من توفير كل الأدوية والمستلزمات الطبية لجميع الوحدات والمراكز الصحية والمستشفيات بالقطاع الصحي على مستوى الجمهورية، وقد تمت إتاحة ١٨٧,٦ مليون جنيه فوراً بصفة مبدئية لوزارة الصحة من الاعتمادات المالية المقررة، منها ١٥٣,٥ مليون جنيه لشراء مواد خام ومستلزمات لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد، و34.1 مليون جنيه مكافآت تشجيعية للعاملين بالحجر الصحي ومستشفيات العزل، وستقوم وزارة المالية بالإتاحة الفورية لأية مبالغ تطلب من وزارة الصحة أو أي جهات أخرى ذات اختصاص لمواجهة هذا الفيروس. أزمة هذه التصريحات أنها غير محددة وتفتقد إلى التفاصيل الدقيقة، كما لم يجب الوزير عن تساؤلات المصريين: هل هذه المائة مليار جنيه موجودة بالفعل، أو حتى يمكن تدبيرها؟ الأمر الذي أثار مخاوف من أن يكون الأمر كله مجرد “تصريحات للاستهلاك الإعلامي” أو مغازلة الجهات الدولية المانحة. لكن ثمة تفسير لذلك، يرى أن هذا الإعلان عن توفير هذا المبلغ ليس إلا لمخاطبة الجهات الدولية المانحة مثل منظمة الصحة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين، فالحكومة تريد أن تحصل على جزء من كعكة المنح الدولية بسبب الفيروس، فهي تقول: إن لديها وباء، وتحتاج إلى إغاثة، وإنها تحتاج مثل هذا المبلغ الكبير لمواجهته، أما أن توفر 100 مليار جنيه من ميزانية الدولة أو أي جهة في الحكومة، فهذا مستحيل؛ لأن الميزانية يوجد بها بند ثابت للطوارئ والأزمات مثل حدوث زلزال أو كارثة طبيعية مثل عاصفة التنين وهذا البند لا يتعدى 6 مليارات جنيه فقط وهذا هو المبلغ المتاح فعليا لاستخدامه وهو ما يتم الصرف من خلاله حاليا على خطة مكافحة فيروس “كورونا”، والمبالغ التي تلقتها وزارة الصحة من المالية هي من هذا البند الثابت في الميزانية”.([6]) وبناء عليه كيف سيوفر السيسي هذه المخصصات المالية الضخمة؟ ومن أين له ذلك؟ وكيف يقرر هو ذلك دون موافقة البرلمان بما يخالف صراحة نصوص الدستور الذي وضعه؟

الخلاصة، الإجراءات التي اتخذها نظام الانقلاب من أجل الحد من انتشار فيروس كورونا في مصر اتسمت بالعشوائية على مستوى التوقيت والكيفية، ولم تكن على قدر المستوى أمام التحدي الكبير لمكافحة انتشار الفيروس المميت، وكان النظام حريصا على ضمان بقاء مصادر الدخل وعلى رأسها قطاع السياحة حتى لو كان ذلك على حساب صحة وحياة المواطنين. كما جاءت الإجراءات التي اتخذها  قاصرة عن تحقيق الأهداف التي وضعت لها ، ولا يزال عدم الوعي الذي يتسم به كثير من المواطنين هو العامل الأكثر خطورة في انتشار المرض وتفشيه وهو نتيجة لعمليات التجريف والإفساد التي مارسها حكم العسكر منذ عقود ، إضافة إلى حجم الفقر؛ إذ يقبع عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر فكيف يلزم هؤلاء بيوتهم ولو ركنوا إلى الراحة يوما ماتوا جوعا وفقرا؟!

وما يدلل على ذلك أنه رغم مرور أسبوع على هذه الإجراءات فإن معدلات الإعلان عن أعداد المصابين في تزايد؛ حيث بلغت حتى مساء الخميس 19 مارس 256 إصابة و7 حالات وفاة. بعد الإعلان عن حالة وفاة و46 إصابة وهي أعلى عدد من الإصابات يتم الإعلان عنه في يوم واحد وللأسف فالعدد مرشح للزيادة لأن النظام بجهله وفشله وغبائه أسهم في تفشي الفيروس ولا يزال يصر ويكابر ويرفض إطلاق مئات الآلاف من السجناء بما يسهم في مزيد من تفشي المرض وانتشاره؛ فغالبا  قراراته تكون  خاطئة وإذا أصابت تأتي متأخرة بعد فوات الأوان، وفي هذه الأثناء كان الفيروس قد تفشى وتمكن وبات احتواؤه عصيا ويحتاج إلى جهود أكبر وأعلى من قدرات حكومة عسكرية معدومة الضمير والكفاءة.

تم الانتهاء منه الخميس 19 مارس 2020م

 

 

 

 

 

[1] آمال رسلان ومحمود عبد الغنى/السياحة والطيران: قرار تعليق الطيران لن يشمل الرحلات الداخلية/ اليوم السابع الثلاثاء، 17 مارس 2020

[2] مفاجأة.. الجارديان ترد على مصر: لا يوجد مكتب لنا بالقاهرة كي تغلقوه/ الخليج الجديد الأربعاء 18 مارس 2020

[3] القوى العاملة: تخفيض عدد العاملين في القطاع الخاص بسبب كورونا/ مصراوي الأربعاء 18 مارس 202//القوى العاملة : غدا قرار بخصوص تخفيض تواجد الموظفين بالقطاع الخاص/ صحيفة المال الثلاثاء, 17 مارس 2020

 

[4] الحكومة تدعم المستثمرين بحزمة مساعدات.. والعمالة غير المنتظمة بـ500 جنيه/ مدى مصر 18 مارس 2020

[5] محمد سيف الدينمنه/ 26 في عهد السيسي.. ارتفاع عدد سجون مصر لـ 68/ الجزيرة نت  08 مايو 2019

[6] كيف سيوفر السيسي 100 مليار جنيه للتصدي لكورونا؟ الموازنة لا تتحمل، وعينه على صندوق النقد/ عربي بوست 16 مارس 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مذكرة تفاهم بين السيسي والجامعة الأمريكية.. قراءة في الأبعاد والمخاطر

  أقدم رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي في منتصف أكتوبر 2020م على خطوة مثيرة للجدل تكرس…