‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الأسابيع الحاسمة .. إلى أي مدى يصمد قطاع الصحة المصري أمام  غزو «كورونا»؟
مصر - مارس 22, 2020

الأسابيع الحاسمة .. إلى أي مدى يصمد قطاع الصحة المصري أمام  غزو «كورونا»؟

أصابت تصريحات السفير الفرنسي بالقاهرة  “ستيفان روماتيه” الخميس 19 مارس 2020 الأوساط المصرية بحالة من الصدمة والذعر؛ حيث حذَّر الجالية الفرنسية المقيمة في مصر من تدهور الوضع الصحي بسبب انتشار فيروس «كوفيد ـ 19» المعروف بـ«كورونا»؛ وطالبهم  بضرورة الاستعداد لما هو أسوأ خلال الأيام والأسابيع المقبلة. السفير الفرنسي قال، في فيديو نُشر على الصفحة الرسمية لسفارة فرنسا بمصر على موقع تويتر، إنه لن يُخفي بأن الأوضاع بمصر مقلقة جداً في ظل ضعف النظام الصحي، مضيفا  أن مصر ستُعزل عن بقية العالم مثل العديد من الدول، مؤكداً أن الوضع بمصر سيكون صعباً جداً في الأسابيع القادمة».

تحذيرات السفير الفرنسي؛ تكتسب أهمية كبيرة؛ لأنها لا تعبر عن رأي  شخصي، بقدر ما تعتبر تقدير موقف فرنسي حول سيناريوهات الموقف في مصر خلال الأسابيع المقبلة. تصريحات السفير الفرنسي قوبلت من جانب نظام حكومة الانقلاب العسكر وعصابته ومؤيديه بإنكار تام؛ وراحوا عبر منصات التواصل الاجتماعي يسخرون من هذه التحذيرات ويعايرون السفير بأن حجم تفشي الفيروس في بلاده أعلى من مصر!.

ويتفق  مع هذه التحذيرات  ما كتبه الصحفي الإنجليزي ديفيد هيرست في صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية؛ حيث يرى أن قطاع الخدمات الصحية في مصر كان في حالة انهيار قبل تفشي الفيروس، وكذلك كان الحال بالنسبة للخدمات العامة الأخرى؛ وأشار ــ نقلا عن مصدر مطلع في أوساط المجتمع الطبي العربي في بريطانيا ــ  إلى وجود زيادة في عدد الأطباء القادمين من مصر، نقلاً عن معلومات هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا التي تبحث حالياً إمكانية اجتذاب المزيد منهم. وأنه بات من المعروف في الأوساط المهنية أنَّ الخبراء الطبيين المصريين داخل مصر يقضون معظم وقتهم في العمل بالمستشفيات الخاصة ولا يذهبون إلى أعمالهم الرسمية طيلة شهور متتالية، لذلك فقد كان واضحاً أنَّ الخدمات الصحية المصرية تنهار.

وفي محاولة لاستشراف المستقبل، طالب “هيرست” المجتمع الدولي بتوخي الحذر ومراقبة تطورات الأوضاع في مصر؛ متوقعا أن يفشل نظام العسكر في احتواء  فيروس “كورونا” وما يترتب عليه من آثار مدمرة؛ فالاقتصاد المصري معرَّض ــ بحسب هيرست ـ  للتدمير وستسحق السياحة التي درت على مصر “12.5” مليار دولار العام الماضي، لكنها تراجعت الآن إلى 10% فقط من طاقتها، وسيتعرض الاقتصاد العالمي للضعف، ومن ثَمَّ يتهدد المصدر الرئيس الآخر للعملة الصعبة في مصر: قناة السويس. وثالثاً، سيتعرَّض الاقتصاد الخليجي للضعف. ومصر تملك مليوني عامل في السعودية وحدها”؛ وأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى تداعيات خطيرة محليا وإقليميا.

وبناء عليه؛ يحذر هيرست من انتشار الفوضى على المستوى المحلي المصري إذا استمرت وتيرة الإصابات بكورونا في تزايد خلال الأيام والأسابيع المقبلة. ويدلل على ذلك بتصريحات منسوبة لــ”كريم شمس” وهو طبيب بمستشفى الأقصر العام الذي يؤكد على أن ([1]):

  • الطاقم الطبي بالمستشفى الذي يعمل فيه لم يتلقوا تدريباً للتعامل مع حالة مصابة بكورونا.
  • لا تملك المستشفى أي معدات ملائمة للعمليات والجراحات البسيطة فضلا عن أدوات ومعدات لمكافحة فيروس مميت ككورونا.
  • . أحياناً تأتي العشرات من الحالات لأناسٍ يشكون من أعراض البرد، فنصف لهم المضادات الحيوية أو أدوية الإنفلونزا ونتركهم يعودون للمنزل.
  • استقبال المستشفى يستوعب 100 حالة فقط لكن المستشفى تستقبل حاليا أكثر من 300 حالة لأمراض مختلفة؛ بما يفوق قدرتها على الاحتواء والتعامل

هذه شهادة حية لطبيب بأحد مستشفيات الأقصر التي شهدت خلال الأسابيع القليلة الماضية اهتماما عالميا بعد اكتشاف عشرات الإصابات لمصريين وأجانب، على متن باخرة نيلية، كانت تتخذ من الأقصر نقطة انطلاق في جولتها النيلية كل أسبوع نحو أسوان. وأمام هذه المعطيات؛ إلى أي مدى يمكن أن يصمد قطاع الصحة المصري أمام غزو فيروس “كورونا” المميت؟  وهل يمكن للوضع المتدهور الذي تشهده مستشفيات مصر ومؤسساتها الصحية أن تكافح بشكل فعال انتشار الفيروس القاتل وتنجح في تحقيق الحماية للشعب المسحوق بفعل الظلم والطغيان والفساد؟

 

الخوف من السيناريو الإيراني

ولا يتوقف التحذير عند حدود السفير الفرنسي والصحفي البريطاني البارز؛ بل وصل إلى حد اعتراف وزيرة الصحة بحكومة الانقلاب الدكتور هالة زايد، التي حذرت من انزلاق الأوضاع في مصر  نحو السيناريو الإيراني؛ واعتبرت الوصول إلى ألف إصابة في مصر مؤشر خطير يجعل من الصعوبة تدارك الأمر.  تحذيرات الوزيرة جاء في مداخلة هاتفية مع عمرو أديب في برنامج “الحكاية” الذي يقدمه على فضائية “أم سي مصر” مساء الاثنين 20 مارس2020م، حيث قالت الوزيرة إن الوصول لعدد ألف إصابة لن يمكن أي دولة من إجراء تقصي وحصر المخالطين للحالات. واعتبرت هذا العدد من الإصابات يمثل «نقطة الذروة» التي تستعصي على الاحتواء؛ وطالبت بضرورة التزام المواطنين بالإجراءات الوقائية، وحثتهم على العزل الاختياري لحماية صحتهم وأرواحهم ، ودعت إلى الحد من الأنشطة وتأجيل المناسبات الاجتماعية وتقليل الزيارات إلى المنازل وخاصة لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والسيدات الحوامل، معقبة: «إجراء شديد لكن يجب أن نستحمل لأن عواقبه كبيرة».([2])

بحسب الوزيرة فإن أصعب ما في الموقف هو عملية التقصي التي تسبق عملية العزل “الصحي” والتي تعتبر مرهقة للغاية للتوصل إلى جميع الأشخاص الذين خالطوا المصاب بشكل مباشر أو غير مباشر للتأكد من مدى إصابتهم أو وضعهم في عزل لمدة 14 يوما؛ و ضربت الوزيرة مثالا بأول حالتي إصابة تم الإعلان عنهما في مصر، الأولى كانت لشخص صيني وعملية التقصي توصلت إلى 308 أشخاص في 6 محافظات تم عمل عزل ذاتي لهم. والحالة الثانية، كانت “لمواطن كندي كان يعمل في شركة للبترول، حيث تم حصر نحو 3600 شخص منهم 2600 يعملون في الحفر، و1000 من شركات أخرى. فكل حالة إصابة وراءها آلاف ومئات القصص؛ الأمر الذي يجعل من عملية احتواء الفيروس إجراء يستعصي على الاحتواء.([3])

 

الوضع الصحي بالأرقام

يصل عدد المستشفيات بمصر وفق إحصائيات 2018 للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء “691” مستشفى، بسعة 95.600 سرير، ويصل عدد الأطباء في المستشفيات الحكومية إلى 113 ألفا، (بشري وأسنان) في 2018م، مقابل 124 ألف طبيب في 2017؛ وهو ما يعني تراجع عدد الأطباء في القطاع الحكومي بنسبة 9.3%. فيما بلغ إجمالي عدد مراكز الإسعاف 1464 مركزاً عام 2018 مقابل 1774 عام 2017 بانخفاض 17.5٪. وفيما يتعلق بالقطاع الخاص، أوضح الجهاز أن عدد المستشفيات بلغت 1157 مستشفى عام 2018 مقابل1094 مستشفى عام 2017 بزيادة 5.8٪، وبلغ إجمالي عدد الأسرة فيها 35.3 ألف سرير عام 2018 مقابل 35.9 ألف سرير عام 2017 بانخفاض 1.8٪، وبلغ إجمالي عدد الأطباء 30.7 ألف طبيباً (بشريين/ أسنان) عام 2018 مقابل 26.6 ألف طبيب (بشريين/ أسنان) عام 2017 بزيادة 15.3٪.([4])

ومع بدء الإعلان عن فيروس كورونا في منتصف يناير 2020م بالصين، خصصت وزارة الصحة بحكومة الانقلاب «26» مستشفى موزعة على عدد من المحافظات المختلفة؛ تحتوي هذه المستشفيات على 2471 سريرا، بخلاف 295 سرير عناية مركزة وفقا للقائمة التي نشرتها الوزارة.

وتنقسم الخدمة الصحية في مصر على أساس جغرافي،  على النحو الآتي:

  • القرى: توجد بها وحدات صحية ومراكز طب أسرة وتقدم خدمة طبية أساسية خفيفة، والغالبية الساحقة من القرى لا تتوافر بها هذه الوحدات كما لا يمكنها مطلقا التعامل مع حالات كورونا.
  • المدن والمراكز الأساسية، توجد بها مستشفيات مركزية وهي أيضا لا تملك الإمكانات التي تؤهلها للتعامل مع حالات الاشتباه أو الإصابة بكورنا.
  • عواصم المحافظات، توجد بكل محافظة مستشفى عام على الأقل، وهي المستشفيات الجامعية والعامة وتصل إلى 89 مستشفى على مستوى الجمهورية التي تملك إمكانات أعلى ويمكنها أن تتعامل مع حالات الإصابة والاشتباه بكورونا؛ لكنها تحتاج إلى أدوات ومعدات وأجهزة وقائية لحماية الأطقم الطبية التي تتعامل بشكل مباشر مع المرضى والمصابين.

وفي قراءة لهذه الأرقام؛ فإن خريطة توزيع المستشفيات في مصر تقوم على الطبقية والتمييز؛ فالمؤسسة العسكرية لها مستشفيات خاصة بها وبالمنتسبين لها يتلقون أعلى درجات الرعاية والاهتمام. وللداخلية أيضا مستشفياتها التي يتلقى فيها ضباطها وعناصرها أعلى درجات الرعاية والاهتمام. أما رجال الأعمال وكبار الموظفين في الدولة من القضاء والإعلام وباقي الوزارات فيتجهون إلى المستشفيات الخاصة التي تتوافر بها رعاية صحية فائقة، كما يمكن أن يعالج بعض هؤلاء في مستشفيات الجيش والشرطة بناء على توصيات من كبار القادة  والجنرالات والمسئولين. أما باقي الشعب فليس له إلا المستشفيات الحكومية التي تعاني من الإهمال الجسيم والتدهور الحاد وتردي الخدمات الصحية حتى تحولت إلى مقابر للفقراء سواء كانت مستشفيات جامعية أو مركزية.

 

صور من تدهور الخدمات الصحية

بحسب وزارة الصحة، فإنها تقوم بإجراء تحديثات لخطة مواجهة الفيروس، فهناك استعدادات تتم في كثير من المستشفيات منها تدريب الأطباء على التعرف على الحالة المصابة بـ “الكورونا” وكيفية التعامل معها واتخاذ الإجراءات اللازمة من سحب المسحات والعينات بطريقة سليمة لإرسالها إلى المعامل المركزية بوزارة الصحة. وتقوم الوزارة بتعميم هذه الدورات للأطباء بالتعاون مع إدارة الوبائيات والترصد وقطاع الطب الوقائى للتعريف بـ كورونا وكيفية التعامل مع حالات الاشتباه، وكيفية التعامل مع الإصابة، كلاً على حدة ومن المخطط تعميم تلك الدورات على كل الأطباء التابعين لمستشفيات الصدر والبالغ عددها 33مستشفى على مستوى الجمهورية.  كما  تحدثت الوزارة عن وجود خطة بديلة فى حالة إصابة أعداد كبيرة تتضمن إخلاء بعض الأماكن والمستشفيات. كما وفرت الحكومة 250 ألف كاشف يساعد في معرفة المصابين في وقت أقل، كما وفرت أجهزة تحليل “الي سي آر” الذي يحلل العينات ويكشف مدى وحجم الإصابة. وهي الأجهزة التي حصلت عليها مصر خلال زيارة وزير الصحة للصين في الأسبوع الأول من مارس 2020م.

ولكن هذه التصريحات الحكومية الوردية تصطدم باعترافات أطباء وممرضات ومشاهد وتجارب تؤكد أن ثمة ثقوب وثغرات واضحة في قدرات واستعدادات قطاع الصحة لمواجهة تفشي الفيروس. نرصدها في النقاط الآتية:

أولا، يعاني القطاع الصحي في مصر من  تدهور حاد في الإمكانات والخدمات والرعاية الصحية؛ وكانت وزيرة الصحة بحكومة الانقلاب قد أعلنت عن توافر 522 سريراً فائق الرعاية في مستشفيات الإحالة، يمكن زيادتها إلى 2644 عند ازدياد الحالات، وتصل الإجراءات إلى العزل بمُستشفى مخصص لذلك، في حالة ظهور أعراض شديدة. كما أعلنت عن  تخصيص 26 مستشفى بمختلف المحافظات تم إعدادها لاستقبال حالات الإصابة والاشتباه بالفيروس. لكن تصريحات لرئيس الحكومة مصطفى مدبولي في أواخر فبراير 2020م، نسفت تصريحات الوزيرة بالتأكيد على أن الحكومة بصدد إنشاء مستشفيات على غرار مستشفى النجيلة بجميع المحافظات المصرية كإجراء احترازي في حالة حدوث أي طارئ، ولم يوضح رئيس الوزراء متى وكيف وأين سيتم إنشاء مثل تلك المستشفيات! ([5])

ثانيا، تعاني مصر من قلة الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، حيث تحتاج نفقات الرعاية الصحية لتخصيص ما يوازي 5.64% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما الإنفاق الحكومي عليه يبلغ 2.15% فقط مما أدى إلى تراجع كبير في مقومات البنية التحتية لتقديم الخدمات الصحية.

ثالثا، تواجه مصر مشكلة كبيرة القطاع الصحي، وهي زيادة عدد الأطباء المستقيلين من وزارة الصحة في الأعوام الماضية الذي وصل عددهم إلى 3000 طبيب تحت سن 35 خلال عام 2018-2019، كما أن إجمالي من أحيل إلى التقاعد بالإضافة إلى عدد المسجلين طبيب حر أكبر من عدد من دخلوا الخدمة بحوالي 1500، أي أن عدد الأطباء بوزارة الصحة اليوم أقل من عدد الأطباء بها عام 2015 بـ1500 تقريباً. ويعد عام 2019 عام الفراغ، حيث سجل أدنى عدد أطباء مسجلين وأعلى معدل استقالات. وكان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهر تراجعاً في أعداد الأطباء البشريين بالمستشفيات الحكومية للمرة الأولى خلال السنوات الأخيرة، وذلك من 102.7 ألف طبيب بشري في عام 2017 إلى 91.3 ألف طبيب بشري في عام 2018. ([6])

رابعا،  ضعف بدل العدوى المقرر للأطباء؛ الأمر الذي دفع النقابة العام للأطباء إلى مخاطبة رئاسة الانقلاب من أجل رفع قيمة بدل العدوى الذي يحصل عليه الطبيب وهو «19» جنيها فقط! وفي خطابها بتاريخ 16 مارس 2020م؛ أوضحت النقابة أن الأطباء وباقي فئات الفريق الطبي يعملون في مجابهة الأمراض لحماية الشعب المصري من مخاطر العدوى، خاصة العدوى بفيروس كورونا الجديد؛ الذي اجتاح العديد من دول العالم، وبالطبع فإنهم الأكثر عرضة للعدوى؛ بسبب وجودهم الحتمي وسط المرضى لرعايتهم. ونوهت إلى أن الأطباء في هذه الظروف الاستثنائية معرضون هم وأسرهم لمخاطر العدوى المتكررة، والتي تصيب البعض منهم بإصابات خطيرة، ويلقى العديد منهم حتفه بسببها، مؤكدة أن جهد الأطباء لا يقدَّر بثمن ولا يمكن لأي مقابل مالي أن يعوضهم أو أسرهم عن الإصابة بمرض خطير أو فقدان الحياة، مطالبة الدولة بتقدير هذا الدور باعتبارهم الآن هم خط الدفاع الأول عن البلاد. وأشارت النقابة إلى أن قيمة “بدل العدوى” حاليًّا تتراوح بين 19 و30 جنيهًا شهريًّا فقط، وهذه القيمة المتدنية لم تطرأ عليها أي زيادة منذ خمسة وعشرين عامًا تضاعفت خلالها الأسعار عشرات المرات، فقد تم إقرار “بدل العدوى” بقرار رئيس الجمهورية رقم 2200 لسنة 1960، ثم صدرت قرارات رئيس مجلس الوزراء بزيادة هذا البدل، كان آخرها القرار رقم 2077 لسنة 1995. بل طالبت النقابة بالتعامل مع الضحايا الأطباء خلال مواجهة “كورونا” بالمثل مع ضحايا القوات المسلحة والشرطة ومعاملتهم وتكريمهم كشهداء ومصابي العمليات الحربية والأمنية وأسرهم.([7]) وكشف الدكتور محمد عبدالحميد أمين صندوق نقابة الأطباء، أن النقابة خاضت معارك كثيرة لرفع بدل العدوى حتى إن النقابة حصلت على حكم قضائي من مجلس الدولة بهذا الشأن؛ لكن الحكومة اعترضت وتقدمت بطعن، وبعد الحصول على حكم نهائي  وبات لم ينفذ، رغم أنّ أحكام القضاء الإداري واجبة النفاذ. ([8])

خامسا، تسود في أوساط الأطقم الطبية مخاوف كبيرة من انتقال العدوى إليهم لاعتبارات تتعلق بعدم وجود الأدوات والأجهزة والمعدات الوقائية من الإصابة بالمرض أثناء التعامل مع المشتبه بإصابتهم أو المصابين في الحجر الصحي؛ وبالفعل تسببت هذه المخاوف في اندلاع مظاهرة مساء 11 مارس 2020م، بين ممرضات مستشفى حميات إمبابة بمحافظة الجيزة مؤكدين إصابة زميلة لهم وسط مخاوف من انتقال العدوى إلى الباقيات منهن بعد استقبال المستشفى حوالي 40 حالة من المشتبه بإصابتهم؛ وبالفعل اعترف المكتب الإعلامي للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، في بيان له بإصابة ممرضة في مستشفى حميات إمبابة بفيروس كورونا المستجد، نتيجة مخالطتها لمريض في المستشفى. وأوضح البيان وجود حالة من التذمر بين أفراد هيئة التمريض بحميات إمبابة بسبب انتقادهم لإجراءات الوقاية في المستشفى.([9])  وهي الحالة التي تكتمت عليها وزارة الصحة بحكومة الانقلاب خوفا من إثارة الفزع بين الطواقم الطبية ودفعها للإضراب عن العمل في هذا التوقيت الحساس، وكشفت إحدى الممرضات أن المدير والأطباء يمتنعون فعليا عن التعامل المباشر مع المرضى المحولين إلى المستشفى بدعوى الاشتباه بكورونا وأنهم يتركون هذه المهمة للممرضات؛ الأمر الذي أثار مخاوف كبيرة لديهن وأنهن جميعا أصبن بالعدوى وتعاملن مع أزواجهن وأبنائهن وأقاربهن؛ الأمر الذي يهدد بتفشي المرض لا السيطرة عليه.([10])

سادسا، هذا التعامل البخس مع الطواقم الطبية يثير كثيرا من المخاوف حول تسبب الإهمال وعدم الدقة والإتقان من جانب بعض العاملين في القطاع الصحي في تبديد كل الجهود الرامية للاحتواء؛ حيث يتم التركيز على الصورة دون المحتوى والشكل دور الحقيقة؛ وهو ما أشارت إليه صحيفة نيويورك تايمز عندما تفجرت أزمة الباخرة النيلة التي كشف على متنها 45 حالة إصابة في الأسبوع الثاني من مارس؛ حيث اهتمت الحكومة بالأمر وأرسلت فرقا طبية لإجراء فحوصات على نزلاء الفنادق، ويؤكد التقرير أن الفريق الطبي اكتفى بفحص 10 حالات فقط من أصل 400 كانوا نزلاء بأحد الفنادق؛ وهو مؤشر خطير على مدى الإهمال وما يمكن أن يسببه من أزمات تعصف بكل الجهود.([11]) نفس الأمر تكرر مع سيدة مصرية اكتشفوا وجود حالة إيجابية في العمارة التي تقيم بها بمصر القديمة، ولكنهم لم يفحصوا سكان العمارة ولا حتى أقارب المصاب!.([12]) نفس الأمر تكرر مع سائحة كندية تدعى”ديبي رايان”، التي وصفت الفحوصات التي تقوم بها بعض الطواقم الطبية في مصر بالكارثة وروت ذلك للإعلام الكندي وأكدت أن الطواقم الطبية افتقدت إلى أدنى درجات الوقاية بل وصفتهم باعتبارها ممرضة متقاعدة بأنهم سبب انتشار المرض بين الأصحاء!.([13])

خلاصة الأمر، تحمل الأيام والأسابيع المقبلة اختبارا قاسيا وحاسما للقطاع الصحي في مصر، ومن قبله قدرة الدولة والنظام على إدارة الأزمة، وكذلك لوعي المصريين بخطورة الوضع ودور المجتمع في التغلب في الأزمة. وأمام ضعف القدرات الصحية في مصر وتدهورها؛ فإن الشعب لا يملك رفاهية التهوين والاستخفاف بالمرض؛ ولذلك يلزم توعية الجميع بضرورة التكاتف والتعاون والتزام البيوت والتعاطي بإيجابية مع القرارات الحكومية؛ درءا لكارثة متوقعة ــ نتمنى ألا تحدث ــ  وحماية لهذا الشعب الصبور من أزمة تنزلق بالوضع إلى السيناريو الإيراني أو الإيطالي مع تواجد بؤر للفيروس في الدقهلية بعد وضع 300 أسرة في الحجر الصحي أو في  المحافظات السياحية مثل الأقصر والبحر الأحمر.

تم الانتهاء منه مساء السبت 21 مارس 2020م

 

 

 

[1] ديفيد هيرست/ كارثة كورونا في مصر.. هل تستطيع القاهرة السيطرة على الفيروس الذي أنكرت وجوده لأسابيع؟/عربي بوست الجمعة 20 مارس 2020

 

[2] هديل هلال/هل تصل مصر إلى تسجيل 1000 حالة إصابة بكورونا؟ وزيرة الصحة تجيب/ بوابة الشروق الإثنين 16 مارس 2020

[3] وزيرة الصحة المصرية تحذر من تكرار سيناريو إيران بتفشي كورونا: الأخطر بعد أن تصل الإصابات لألف/عربي بوست السبت 21 مارس 2020

 

[4]  الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء// أميرة صالح/«الإحصاء»: 37.2٪ زيادة في تكاليف العلاج على نفقة الدولة خلال 2018/ المصري اليوم الأربعاء  18 ديسمبر 2019

 

[5] مستشفى بـ”40 سريراً” وخُطة غير واضحة المعالم.. تفاصيل استعداد الحكومة المصرية لمواجهة كورونا/عربي بوست 2 مارس 2020

[6] انخفاض أعداد أطباء مصر في المستشفيات بالتزامن مع كورونا/ العربي الجديد 10 مارس 2020

[7] مصر: نقابة الأطباء تخاطب الرئاسة لزيادة قيمة “بدل العدوى”/العربي الجديد 16 مارس 2020

[8] إسراء سليمان/كورونا يجدد أزمة “بدل العدوى”.. والأطباء: 19 جنيه يعملوا إيه؟/ بوابة الوطن  الإثنين 09 مارس 2020

[9] حاتم حسني/ إصابة ممرضة في حميات إمبابة بـ«فيروس كورونا»/ بوابة أخبار اليوم الجمعة، 13 مارس 2020

[10] مصر: وقفة احتجاجية بسبب إصابة ممرضة بحميات إمبابة بكورونا/ العربي الجديد 12 مارس 2020

[11] بلال ياسين/ NYT: فيروس كورونا يمثل مأزقا لمصر وهذا ما يعكسه/ “عربي 21”  الأربعاء، 11 مارس 2020

 

[12] «أستاذ حسن جاري عنده كورونا».. مواطنة تستغيث ببرنامج لميس الحديدي على الهواء (فيديو)/ المصري اليوم  الاثنين 9 مارس 2020

[13] خضعت للاختبار مع مجموعة سياح.. سيدة كندية تصف اختبار كورونا بمصر بالكارثة.. هكذا يفعلون/ “عربي 21” السبت، 14 مارس 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ترسيم الحدود البحرية مع اليونان.. لماذا يفرط السيسي في سيادة مصر وثرواتها؟

وقعت وزارة الخارجية بحكومة الانقلاب سامح شكري، مساء الخميس 6 أغسطس 2020م مع نظيره اليوناني…