‫الرئيسية‬ العالم العربي دراسة: الحرب النفطية بين السعودية وموسكو والدور الأمريكي وأبرز التداعيات الإقليمية والدولية
العالم العربي - مارس 28, 2020

دراسة: الحرب النفطية بين السعودية وموسكو والدور الأمريكي وأبرز التداعيات الإقليمية والدولية

انهارت الشراكة النفطية ما بين منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)وعلى رأسها السعودية والدول المنتجة من خارجها وعلى رأسها روسيا.

 

وأصبح مصطلح “أوبك+” الذي يشير إلى التعاون ما بين هذه الأقطاب مجرد ذكرى، مع إطلاق روسيا حرباً نفطية قاسية تلقفتها الرياض سريعاً.

موسكو التي رفضت السير بخفض إضافي للإنتاج النفطي بمقدار 1.5 مليون برميل نفط يومياً، تضاف إلى 2.1 مليون برميل سارية حتى نهاية مارس الجاري، معلنة وقف اتفاق أوبك+ مع تحرير الإنتاج النفطي من القيود، أثارت غضب الرياض، التي ردت بإجراءات انتقامية قوامها رفع الإنتاج مليون برميل يومياً دفعة واحدة في أبريل ، لإغراق السوق ما يؤدي إلى خفض أسعار النفط، وزيادة أزمات الاقتصاد الروسي الغارق في المشكلات

 

وإثر ذلك خفض بنك باركليز الثلاثاء الماضي توقعاته لسعر النفط لعام 2020، مشيرا إلى ضغط نزولي كبير في السوق ناجم عن حرب الأسعار بين روسيا والسعودية واضطراب الطلب بسبب فيروس “كورونا” .

وقلص البنك توقعاته لسعر الخام في 2020 لكلٍ من برنت وغرب تكساس الوسيط الأمريكي بواقع 12 دولارا إلى 31 دولارا و28 دولارا للبرميل على الترتيب.

وبحسب باحثين بالبنك: “من المرجح أن تظل الأسعار تتعرض لضغط لحين تحسن الوضع فيما يتصل بالفيروس، وإذا استمر المسار المتوقع لتوازنات السوق، فلن تكون السعودية وروسيا بمنأى عن تداعيات السعر”.

 

وينضم باركليز إلى بنوك أخرى في خفض توقعاتها لسعر النفط استنادا إلى انهيار اتفاق لكبح الإنتاج بين أعضاء منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” وحلفاء أو ما يُعرف باسم “أوبك+”، وكذلك تضرر الطلب من الفيروس.

 

كما يتوقع باركيلز أن تبلغ قدرات التخزين العالمية المتاحة على الأرض نحو 1.5 مليار برميل ويُقدر أن الفائض في الإمدادات سيزيد على 5 ملايين برميل يوميا هذا العام، وأن يبلغ 10 ملايين برميل يوميا في المتوسط في الربع الثاني.

 

في غضون ذلك يقول البنك: إن “من المستبعد أن تخفف مشتريات الحكومة الأمريكية لاحتياطي البترول الإستراتيجي من مصاعب المنتجين“.

 

وأضاف أن طاقة التخزين المتاحة في الاحتياطي البترولي الاستراتيجي تقل عن 80 مليون برميل، وفقا لوزارة الطاقة الأمريكية، وسيعادل ذلك تدفقا يقل عن 0.5 مليون برميل يوميا حين يمتلئ على مدى 6 أشهر، مقارنة مع فائض في الإمدادات يبلغ قرابة 10 ملايين برميل يوميا خلال الربع الثاني.

 

أصل الأزمة

 

أسعار النفط الحالية لم تشهد هذا التراجع منذ حرب الخليج الأولى، لأنه من الصعب كبح زيادة الإنتاج قبل اجتماعات “أوبك +” في يونيو القادم، وحرب الأسعار وحصص النفط الدائرة حاليا ليست الأولى من نوعها منذ سبعينات القرن الماضي، لكن تفاقمها يرتبط باندلاعها على خلفية أزمة كورونا والتنافس الحاد بين الولايات المتحدة وروسيا والسعودية على صدارة الإنتاج وتسيير دفة العرض والطلب، ومما لا شك فيه أن مكاسب هذه الحرب وخسائرها سيكون لها أبعادها الجيوسياسية وأثرها على توازنات إعادة تشكيل النظام الدولي.

 

وتسبّبت جائحة “كوفيد-19” في تباطؤ الاقتصاد الصيني في بدايات هذا العام، لكن منذ أوائل مارس تأثر كل الاقتصاد العالمي إلى حد الخشية من كساد يشبه ما حصل في العام 2009 وطال السوق النفطية؛ لأن الصين التي يطلق عليها “مصنع العالم” تستهلك وحدها 14 مليون برميل من النفط الخام يوميا، فيما تشير الإحصاءات إلى استيعابها 13 % من إنتاج النفط العالمي.

وهكذا سرعت أزمة كورونا من معركة النفط الجديدة التي كانت مؤجلة بين عمالقة الإنتاج للحفاظ على حصصهم السوقية ودورهم الريادي.

 

بدأت الإرهاصات خلال اجتماعات أوبك و”أوبك +(توحيد الأسلوب إما رمز وإما كتابة)” في ديسمبر الماضي في فيينا، وحينها تمكنت بعض الدول بقيادة روسيا من انتزاع قرار بالاستمرار في تخفيض الإنتاج وفقا لاتفاق 2016 لمدة ثلاثة أشهر فقط، وبما أن الاجتماعات الدورية لا تعقد إلا كل ستة أشهر، فرض هذا الوضع المؤقت عقد اجتماع استثنائي في مارس 2020.

 

ومن المفارقات والمتغيرات، أنه بينما كان ينتظر الجانب السعودي هذا الاجتماع لتقييم وضع السوق واتخاذ القرارات الضامنة للسعر المناسب زيادة أو تخفيضا في الإنتاج، قلب دخول فيروس كورونا على الخط وتداعياته الاقتصادية الأمور رأسا على عقب.

لذا خرجت اللجنة الفنّية المشتركة التابعة لـ”أوبك+” بتوصيتين:

الأولى: تمديد اتّفاق ديسمبر 2019 إلى نهاية 2020.

 الثانية: خفض الإنتاج إلى يونيو بمقدار 600 ألف برميل يوميا، وتأتي التوصيات متطابقة مع الوقائع إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي في الربع الأول من عام 2020 يمكن أن ينخفض بمقدار 2.5 مليون برميل يوميا، ولأن ثمة تقرير مشترك لهذه الوكالة ومنظمة أوبك يشير إلى أن انخفاض سعر البرميل تحت سقف 30 دولارا لعدة أشهر سيؤدي إلى خسارة الدول النامية المنتجة للنفط بين 55 % و80% من عائداتها من النفط والغاز هذا العام.

 

مع كل العواقب الاقتصادية والاجتماعية التي ستتبع ذلك ومخاطر زعزعة استقرار عشرات البلدان، لكن كل هذه التقديرات لم يأخذها بالحسبان الجانب الروسي الذي رفض أي خطط جديدة لخفض الإنتاج خاصة ما تقرر في اجتماع 5 مارس، حول القيام بتخفيض جديد قدره مليون ونصف مليون برميل يوميا حتى نهاية يونيو، منها مليون برميل يوميا من أوبك، ونصف مليون برميل يوميا من دول خارج أوبك، وجرى استدعاء وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الكرملين على عجل.

 

ومن الواضح أن لوبي الصناعات النفطية الروسية بقيادة روسنفت عطل الاتفاق، ولأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجدها فرصة سانحة لتنفيذ وعيده بالانتقام من العقوبات الأميركية ضد خط “السيل الشمالي” الذي ينقل الغاز الروسي نحو أوروبا، وذلك باستهداف صناعة النفط الصخري الأميركي وزيادة المتاعب بين واشنطن والرياض، بالرغم من تحذير الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، من “اختراق البيت المشترك” بسبب عدم التوازن بين العرض والطلب في مرحلة التأزم الاقتصادي والتدهور المستمر في الطلب على النفط.

 

من جهته برر الجانب الروسي موقفه في الفارق بين نهج الوزير السعودي الحالي وسلفه عبدالعزيز الفالح الذي أبرم اتفاق 2016 مع موسكو.

لكن الموقف الروسي  الرافض للتقيد بالحصص السوقية، لاعتمادها كثيرا على مداخيل النفط والغاز في اقتصادها، ولأنها تعول على موقعها العالمي ولأن تزايد الإنتاج من خارج أوبك إلى أكثر من 40% أفقد الكارتل الأساسي للمصدرين بقيادة الرياض دوره الريادي التاريخي، خاصة مع تطور صناعة النفط الصخري الأميركي منذ العام 2010.

 

لقد فشلت المفاوضات بالرغم من أن كل الدول الأخرى في “أوبك +” كانت تدعم تخفيضا إضافيا، بينما روسيا لا تريد ذلك، والغريب أنها تمسكت بتمديد الاتفاق من ديسمبر إلى يونيو، ولم تترك الباب مفتوحا للمزيد من المفاوضات، وإعلان نوفاك أن الشركات الروسية ستنتج دون أي قيود ابتداء من أول أبريل، مما شكل أوّل شرارة رسمية لاندلاع حرب الأسعار.

وبحسب مراقبين، فإنه إزاء التصعيد الروسي أتى الرد السعودي بعد حوالي 15 ساعة؛ بتخفيض الأسعار الرسمية بين 4 و10 دولارات، وزيادة الإنتاج اعتبارا من أبريل إلى 12.8 مليون برميل يوميا.

بالطبع أدى ذلك إلى هزات شبيهة بما حصل خلال الصدمات السابقة وسرعان ما خسرت أسعار النفط حوالي ثلث قيمتها، رافقها انخفاض كبير في أسهم شركات النفط، وخسرت بعض شركات النفط الصخري حوالي 50% من قيمتها في يوم واحد.

وهذا التحول في الإستراتيجية النفطية السعودية من الصمت والرسائل الدبلوماسية إلى الفعل المعاكس، جاء نظرا للتنافس الحاد مع موسكو وواشنطن وتهديد موقع الرياض في سوق الطاقة والحصة السوقية، إذ حاولت واشنطن منذ عهد إدارة باراك أوباما الاعتماد على النفط الصخري للاستغناء عن النفط السعودي وتحجيم دور الرياض، أما عن موسكو حسب مصادر مستقلة فكانت منصبة على غزو الأسواق الآسيوية من خلال زيادة إنتاجها وتحطيم الصادرات السعودية إلى الصين والهند وغيرها.

وتبرز قوة السعودية في سياساتها التي يصفها البعض بالتهور،  في قدراتها الإنتاجية الفائضة وكلفة الاستخراج الرخيصة، لأن تكلفة النفط الخليجي هي الأقلّ في العالم، وإنه في حالة انهيار كامل للأسعار، فإن خبيرا بارزا في نيويورك يقول: “دول الخليج هي الوحيدة التي تستطيع تحمّل هذه الأسعار، وأنه في حالة هبوط كبير في الطلب على النفط، فإن دول الخليج هي الوحيدة التي ستبقى في السوق، وإنه في حالة نضوب النفط حول العالم، فإن النفط الخليجي سيكون آخرها نضوبا .

 

من خلال الوضع الجديد تهدف السعودية إلى إجبار روسيا وكل الدول الأخرى على تخفيض الإنتاج بالشكل المطلوب لتحقيق التوازن في الأسواق، لهذا من الواضح أن الهدف ليس العودة إلى طاولة المفاوضات حالا، وحسب مصدر في لندن: “تستهدف السعودية حاليا أسواق روسيا النفطية أينما كانت، خاصة سوقها الرئيسية في أوروبا.”

ومن المقرر أن تذهب أكثر الشحنات السعودية الإضافية إلى أوروبا أيضا بالرغم من أن التسويق الإعلامي يوحي بتنسيق سعودي – أميركي حول تخفيض الأسعار، لكن الضجة والغضب في قطاع النفط الصخري في تكساس يؤشران على العكس.

أما الرئيس دونالد ترامب الذي يرتاح لخفض سعر البنزين وأثره الإيجابي على حملته الانتخابية، لا يود استعداء لوبي النفط الداخلي ويحاول بناء موقف متوازن يسمح له بالاستفادة من خفض الأسعار لملء الاحتياطي الفدرالي من النفط بسعر منخفض واستمرار اختبار القوة الأساسي مع موسكو.

 

الملاءة المالية السعودية

 

ولعبت الملاءة المالية للسعودية، دورا في القرارات المتسارعة من الجانب السعودي، حيث تمتلك السعودية ملاءة مالية للحفاظ على مواجهتها الحالية، مع احتياطيات تقارب 502 مليار دولار، ولكن مع تحقيق التعادل المالي للرياض عند أكثر من 80 دولارًا للبرميل، ستبدأ أسعار النفط المنخفضة في استنزاف تلك الاحتياطيات بسرعة أكبر بكثير من احتياطيات روسيا.

واستندت ميزانية المملكة لعام 2020 إلى عجز بنسبة 6.4%، وأسعار “خام برنت” عند 65 دولارًا للبرميل.

وبالمقارنة مع روسيا، تجد السعودية احتمال تعافي أسعار “خام برنت” إلى نطاق 45 إلى 55 دولارًا أمريكيًا بحلول أواخر عام 2021 أقل راحة، بالطبع هذا النطاق ليس مثاليًا لموسكو أيضًا، ولكن موسكو أكثر تحملاً لأنها تستنزف الاحتياطيات بوتيرة أبطأ ويمكن أن تأمل في التعافي إلى نقطة موازنة ميزانيتها عام 2021، ولكن مع ارتفاع أسعار الريال السعودي قد تتراجع العقود الآجلة لخام برنت قريبًا في نطاق 20 إلى 30 دولارًا.

 

 

 

الموقف الروسي

 

أما الموقف الروسي فعبر عنه “أندريه بيلوسوف” النائب الأول لرئيس الوزراء الروسي، في تصريحات لوكالة “تاس” الروسية بقوله روسيا لم تسع قط إلى انخفاض حاد في أسعار النفط أو إنهاء التعاون مع منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، وإن دول الخليج هي المسؤولة عن الأزمة في أسواق الخام العالمية.

حيث لم تتوصل روسيا وأوبك إلى اتفاق بشأن تخفيض إنتاج النفط في أول مارس الجاري، إذ أرادت أوبك تعميق التخفيضات في حين اقترحت موسكو تمديد القيود، وجاء الخلاف في وقت كان فيه الطلب العالمي يتراجع بسبب تأثير جائحة فيروس كورونا.

 

مضيفا أن بلاده اقترحت تمديد القيود القائمة لثلاثة أشهر أخرى على الأقل وربما حتى نهاية 2020، ونقلت تاس عنه قوله: “لكن شركاءنا العرب اتخذوا موقفا مغايرا .

واعترض “إيجور سيتشن” المدير التنفيذي لعملاق النفط الروسي روسنفت مرارا على الاتفاق الذي ظل معمولا به لثلاثة أعوام، قائلا إنه يسمح لغير الأعضاء مثل الولايات المتحدة بزيادة حصتها في السوق على حساب الدول التي تخفض إمداداتها.

وقال في تصريحات نُشرت يوم الجمعة الماضية هي الأولى له منذ انهيار الاتفاق: “هل من جدوى لخفض أكبر إذا كان منتجون آخرون سيزيدون؟

وأبدى “سيتشن” اعتقاده أن أسعار النفط العالمية قد تعود إلى 60 دولارا للبرميل بنهاية 2020 إذا أزيح النفط الصخري عن السوق، ويعتقد “بيلوسوف” أن الأسعار ستتوازن عند حوالي 35 إلى 40 دولارا للبرميل.

 

تداعيات الحرب النفطية

 

وبحسب خبراء إذا بقيت الأسعار عند 30 دولارًا أو أقل لمعظم هذا العام، فستضطر السعودية إلى الحد من الإنفاق الاجتماعي، بالإضافة إلى تأخير المشاريع باهظة الثمن في إطار برنامج التنويع الاقتصادي لرؤية 2030 المضطربة بالفعل.

وبالنسبة للمنتجين الأصغر في أي مكان آخر، لن يؤدي هذا الانخفاض في الأسعار إلى تخفيض الربح فحسب، بل قد لا يغطي تكاليف التشغيل الحالية، مما يجبر بعض المعروض على الانقطاع.

ومع انخفاض الطلب على النفط، سينكمش العرض في نهاية المطاف، لكن المخزون المتراكم سيظل يمنع الأسعار من الارتفاع مرة أخرى إلى 60 دولارًا.

 

دور أمريكي

 

وبالنظر إلى كون الإمارات ترتبط بعلاقة متينة مع موسكو تعود إلى ما قبل التنسيق الروسي مع “أوبك”، فإن دخول أبوظبي على خط الحرب النفطية يؤشر إلى أن الأمر أكبر من التحالف مع السعودية، وأن أبوظبي ربما تعرضت لضغوط أمريكية في هذا الصدد، حسبما ترى “رولا جبريل”، الأستاذة الزائرة بجامعة ميامي الأمريكية ومحللة شؤون السياسة الخارجية، في مقال نشرته بمجلة “نيوزويك” الأمريكية.

 

وتشير “رولا” في هذا الصدد إلى أن العلاقة بين “ابن سلمان” وفريق الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وثيقة لدرجة أن أعداء الأخير هم أعداء ولي العهد السعودي والعكس بالعكس، بما يعني أن كلا من السعودية والإمارات تلعبان دور “الأداة الأمريكية” في حرب تخوضها واشنطن ضد موسكو من وراء الستار.

 

ووفق هذا التصور فإن قرار أبوظبي بالمشاركة في حرب النفط يأتي في إطار إدارة “خسارة إجبارية”، لكنها تبقى خسارة محدودة نظرا لأن الإمارات تمتلك واحداً من أكبر الصناديق السيادية في العالم، كما أن عدد سكانها أقل بكثير من السعودية وروسيا.

 

وتنسجم هذه الفرضية مع توجه الولايات المتحدة في ظل رئاسة “ترامب” لإدارة منطقة الشرق الأوسط عبر وكلائها وعدم التضحية بأية خسائر بشرية أو مادية، بما يعني أن الحرب النفطية ليست سوى جزء من إستراتيجية أمريكية واسعة لمحاربة روسيا اقتصاديا، وفقا لما نقله “الجزيرة نت” عن الخبير الاقتصادي “عبدالحافظ الصاوي.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الصورة الكاملة لإغراق سوق النفط لا يمكن النظر إليها بمعزل عن توجه واشنطن لفرض مزيد من التضييق الاقتصادي على موسكو بعدما أخفقت العقوبات التي فرضها الغرب على موسكو بشكل مباشر منذ عام 2014 في تحقيق أهدافها السياسية، وعلى رأسها ترويض الدب الروسي وكبح نفوذه في محيطه الإقليمي أو إيقاف خطوات موسكو التوسعية في الشرق الأوسط.

 

غير أن إعلان الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” أنّه يستطيع التّعايش مع انخِفاض الأسعار بمُعدّلاتها الحاليّة (30 دولارًا تقريبا) لعشر سنوات مُقبلة، يُوحي بأنّ قرار روسيا بفك الارتباط مع أوبك كان مدروسًا، وجرى التّحضير له بشكلٍ جيّد مُنذ أشهر، من خِلال تعزيز الاقتصاد الروسي، وتنويع مصادر دخله، وبيع سندات خزانة أمريكيّة وشِراء كميّات كبيرة من الذهب.

 

فالعوائد النفطيّة لا تشكل إلا نسبة محدودة من الدخل القومي الروسي (16% فقط)، على عكس السعوديّة التي تشكل العوائد النفطية حاليا حوالي 90% من ناتِجها القومي، بينما تمثل عوائد النفط نحو 30% من الناتج القومي الإماراتي، ما يعني أن الرياض لا يمكنها الصمود  في حرب النفط التي أشعلتها، وهو ما تدركه القرطبي جيدا، وعليه اتخذت قرارها بالمشاركة في حرب محدودة ضد موسكو تهدف في المقام الأول إلى إفادة المستهلك الأمريكي بأسعار نفط أرخص.

 

وعليه فإن الضحيّة الكبرى للحرب الجارية ستكون هي السعودية نفسها ودول “أوبك” التي تعتمد “غالب” ميزانيتها على النفط؛ لأنها ستواجه إجراءات تقشف صارمة حال تراجع أسعار الوقود وعوائده، تمامًا مِثلَما حدث عام 2014 حيث جرى رفع الدعم عن جميع السّلع الرئيسيّة، وزيادة أسعار الماء والكهرباء والخدمات الأخرى، وفرض ضرائب مِثل ضريبة المبيعات.

 

ورغم أن الإمارات من الدول التي لا تعتمد حصرا على النفط، فإن ذلك لا يعني أنها لن تتأثر بالمشاركة في حرب النفط، سواء من الناحية الاقتصادية، باعتبار أن أسعار نفط تمثل نصف ما هو مطلوب لتعادل الميزانية ستسبب خللا كبير في الوضع المالي للدولة، أو من الناحية السياسية باعتبار أن هذا الخلل المالي ربما يجبر أبوظبي على خفض تمويل أجندتها الإقليمية القائمة على دعم أطراف تقوض استقرار المنطقة كالجنرال الليبي المتقاعد “خليفة حفتر” والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، حسبما يرى “الصاوي .

 

 

 

تداعيات كارثية على الاقتصادات الخليجية

 

 

وفي هذا السياق، تقول وكالة “موديز” للتصنيفات الائتمانية: “إنه في حال استمرار حدوث صدمات إضافية في أسعار النفط أو الغاز، فإن ذلك يقوض النمو الاقتصادي والتمويل العام، وخاصة في الدول المعتمدة على هذه الموارد مثل الكويت والسعودية والدول الأضعف في الأسواق الناشئة وما دون الناشئة مثل عُمان.

 

وأوضحت أن انتشار كورونا وهبوط أسعار النفط يعرض الدول للمخاطر، كما أن هذه الظروف من شأنها أن تخفّض من نمو الناتج المحلي الإجمالي والقوة المالية للدول.

 

وأضافت: “إنه حال امتد الضرر الذي يلحق بالنمو بشكل أكثر شدة مع ارتفاع الدين بشكل أكبر وتوفر التمويل الميسّر بأقل من المتوقع، فإن الآثار الائتمانية على الدول ستكون أكثر عمقاً.

 

وأشارت إلى أن الانتشار السريع لكورونا والانخفاض الحاد في أسعار النفط والأصول سيؤدي إلى إضعاف التوقعات الاقتصادية العالمية بشكل كبير، ويخلق صدمة ائتمانية شديدة وواسعة النطاق في العديد من القطاعات والمناطق والأسواق.

 

وأوأضافت “إن التأثير الائتماني المشترك لهذه التطورات غير مسبوق”، متوقعة أن تستمر جودة الائتمان في جميع أنحاء العالم في التدهور، لا سيما بالنسبة للمصدّرين في القطاعات الأكثر تأثرا بانخفاض الإيرادات وسلاسل التوريد المتعطلة، إضافة إلى تجنب المستثمرين المتزايد للمخاطر.

 

السيناريوهات المحتملة

 

على الأرجح لن تتوصل “أوبك +” أبدًا إلى اتفاق لخفض الإنتاج وسيقوم السوق في نهاية المطاف بتصحيح نفسه كما تتوقع روسيا وسيصبح سلوك السعودية ضمن هذا السيناريو أكثر أهمية.

 

وحتى من دون صفقة رسمية مع روسيا يمكن للرياض أن تدفع “أوبك” أو مجموعة أصغر مع دول الخليج العربية الأخرى لإجراء تخفيض في الإنتاج، مما يعني ألمًا ماليًا أقل للجميع (وخاصة السعوديين) وعودة أسرع إلى التوازن.

يمكن إجراء مثل هذا التخفيض بشكل غير رسمي لتجنب الظهور بمظهر المستسلم، ويمكن أيضًا أن يسمح للرياض بخيار أخذ المزيد من حصة السوق تدريجيًا في وقت لاحق بالرغم أن ذلك يتطلب إبقاء الأسعار أقل من 60 دولارًا لمنع عودة الصخر الزيتي الأمريكي الذي يتطلب تكلفة أعلى في الإنتاج.

 

أما السيناريو البديل: فهو أن الألم المالي لانخفاض أسعار النفط سيعيد في النهاية كلا من السعودية وروسيا إلى طاولة المفاوضات، من غير المرجح حصول الاستسلام الروسي وقبول اقتراح “أوبك” الأصلي بقيادة السعودية، بالنظر إلى أن روسيا تريد بوضوح الحفاظ على حصتها في السوق.

 

ولا يعني هذا السيناريو التوصل لصفقة أصغر حيث يلتزم الروس بخفض متواضع ويتحمل السعوديون المزيد من العبء، أو حتى الاستسلام الروسي وقبول اقتراح أوبك الأصلي بقيادة السعودية.

 

بالنظر إلى القوة المالية النسبية لكل من موسكو والرياض، ربما تكون النتيجة الأكثر احتمالًا إذا أعادت السعودية وروسيا فتح المفاوضات أن يتم التوصل لصفقة تدفع السوق مرة أخرى إلى نطاق بين 45 و 55 دولارًا وهو الذي حدده “سوروكين”، والذي سيكون بمثابة تراجع للسعوديين وإحراج لـ”ابن سلمان”، لكنه سيقلل من معدل حرق احتياطيات الرياض.

 

خيارات صعبة أمام دول الخليج

 

ويضع انهيار أسعار النفط إلى متوسط 25 دولارا للبرميل وهو أدنى مستوى له منذ 18 عاما، دول الخليج في مأزق صعب وعجز كبير سيطال موازنات الأعوام المقبلة.

وعلى الرغم من انضمام الإمارات إلى السعودية في ما يعرف بـ”حرب النفط” ضد روسيا، فإن الأمور تتجه إلى إلحاق ضرر فادح بجميع الأطراف، حيث يقبع السعر العادل اللازم لتوازن موازنات تلك الدول فوق مستوى 70 دولارا لكل برميل من النفط.

 

لكن بعد انهيار اتفاق “أوبك+” مع روسيا، المعني بخفض إنتاج النفط، وقرار السعودية خفض أسعار منتجاتها النفطية، وزيادة إنتاجها إلى 12 مليون برميل يوميا، وقرار الإمارات برفع إنتاجها اليومي إلى 4 ملايين برميل، فإن النفط فقد قرابة نصف قيمته خلال 10 أيام فقط تقريبا.

 

ويعني ذلك أن دول الخليج التي تعتمد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات، سوف يكون عليها اتخاذ إجراءات صعبة وغير تقليدية للتعامل مع الصعوبات المالية.

ومنها:

 

  • خفض الإنفاق:

وكانت السعودية أسرع الدول استجابة للانهيار السريع للأسعار، وظهر ذلك في قرار الحكومة السعودية بخفض في الإنفاق بنحو 50 مليار ريال (13.3 مليارات دولار)، ما يمثل نحو 5% من إجمالي النفقات المعتمدة في ميزانية لعام 2020.

ويضغط الإجراء على الموازنة السعودية، وسط توقعات بمراجعة بنود النفقات، وربما اتخاذ قرارات تقشفية جديدة تمس المواطن السعودي.

وعلى الرغم من إعلان وزير المالية السعودي “محمد الجدعان”، أن القرار يأتي ضمن تدابير مالية تحوطية لمواجهة الآثار الناتجة عن تفشي “كورنا”، فإن تداعيات انهيار أسعار النفط تبدو هي الأساس وراء القرار.

 

مستقبلا، ربما تضطر المملكة إلى تأجيل بعض مشروعات البنية التحتية، وربما إلغاء بعضها، في ظل عجز متوقع في موازنتها لعام 2020 يصل إلى 16.1% على أساس متوسط أسعار للنفط يبلغ 40 دولارا للبرميل.

 

وفي حال استقرت أسعار النفط عند متوسط الأسعار 30 دولارا للبرميل، فإن العجز سيقفز إلى 22.1%، بواقع 170 مليار دولار، وفقا لتوقعات شركة “أرقام كابيتال .

 

وكان من المتوقع أن يصل إجمالي العجز في موازنات الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 158 مليار دولار في العام الحالي، وفق تقديرات كويتية صادرة عن مركز الكويت المالي، لكن الانهيار المستمر في أسعار النفط سيضاعف من هذا العجز.

 

  • الاتجاه للاقتراض:

 

 حيث تفيد تقديرات ائتمانية بأن الأوضاع المالية ستضعف في معظم دول مجلس التعاون الخليجي، ما يجعل اللجوء إلى الاقتراض أحد الخيارات البديلة، والتي بدأ تفعيلها على أرض الواقع.

 

وتعد السعودية أكثر دول الخليج لجوءا إلى أسواق الدين خلال الأعوام الخمسة الماضية، لسد العجز في ميزانياتها بسبب انهيار أسعار النفط.

ومنذ العام 2014 استدانت السعودية من الخارج بما يتجاوز 100 مليار دولار مستفيدة من انخفاض أسعار الفائدة العالمية، ليبلغ الدين العام للسعودية 25% من ناتجها المحلي الإجمالي.

 

وفي مطلع العام الحالي، طرحت سندات دولية بقيمة 5 مليارات دولار بهدف سد عجز الموازنة، ومن المتوقع أن نرى طروح ديون أخرى خلال الأشهر المقبلة حال استمرت أسعار النفط في الانخفاض.

فيما تقترب دبي من الحصول على قرض بقيمة 9 مليارات دولار بدعم من مجموعة تضم 10 بنوك من أجل السيطرة بالكامل على أسهم شركة موانئ دبي العالمية لتشغيل الموانئ.

 

وتجري البحرين محادثات مع بنوك للحصول على قرض بقيمة مليار دولار تقريباً بعد تعليق خطط البلاج لإصدار سندات دولية بسبب الأوضاع السيئة بالسوق وارتفاع قيم الفائدة وفق “رويترز“.

وتسعى مؤسسة البترول الكويتية(حكومية) لاقتراض 11 مليار دولار لتمويل مشاريع، على أن يكون 50% منها من البنوك المحلية و50% مـن مؤسسات مالية خارجية.

 

بينما لا تزال قطر تتمتع بفائض في الموازنة، مع الأخذ في الاعتبار أن اقتصادها يعتمد على صادرات الغاز الطبيعي المسال، الذي لم يشهد نفس الانخفاض الحاد الذي شهدته أسعار النفط.

 

وقد تصل حدود الاقتراض في دول الخليج الست وفق توقعات اقتصادية -غير رسمية- إلى حاجز 390 مليار دولار خلال 2020 لتمويل العجز في موازناتها في ظل الانخفاض الحاد في أسعار البترول.

 

  • استنزاف الاحتياطيات:

ووفق تقديرات مصرف “غولدمان ساكس”، فإن الفائض النفطي في السوق سيبلغ 6 ملايين برميل يوميا الشهر المقبل، وهو مستوى غير مسبوق قد يدفع ببرمل النفط إلى مستوى 20 دولارا وربما أقل من ذلك.

 

وتستطيع قطر والإمارات (تمتلكان صناديق سيادية ضخمة)، تحمل تراجع أسعار النفط لفترة أطول، نظرا لتمتعهما بوسائل حماية مالية أكبر من السعودية، بحسب الباحثة “مونيكا مالك” من بنك أبو ظبي التجاري.

 

وسيفرض خيار السحب من الاحتياطي نفسه على طاولة صانع القرار السعودي، مع تعرض اقتصاد البلاد لخسائر فادحة حال استمرت أسعار النفط على وتيرتها لعدة أشهر.

 

يؤكد ذلك وزير الطاقة والصناعة القطري السابق “عبدالله بن حمد العطية” قائلا في تصريح صحفي لـ”الجزيرة” إن حرب الأسعار الحالية في سوق النفط العالمية ستؤدي إلى تبخر احتياطيات الدول المنتجة للنفط من النقد الأجنبي.

 

ومن الأهمية الإشارة إلى أن تراجع أسعار النفط ما بين 2014 و2018 أفقد دول الخليج 300 مليار دولار من ثرواتها المالية، بحسب صنوق النقد الدولي.

 

وربما تجف الثروات المالية الحالية التي تتمتع بها دول الخليج (نحو 700 مليار دولار) خلال الـ 15 عاما المقبلة، إذا بقي النظام المالي فيها كما هو عليه الآن بحسب الصندوق.

 

  • خطط تقشفية:

 

ويتمثل الخيار الرابع المتاح خليجيا لاحتواء تداعيات انهيار أسعار النفط في زيادة الضرائب وخفض الدعم الحكومي ورفع أسعار الطاقة وغيرها من الإجراءات الجبائية.

 

كذلك قد تتجه دول الخليج إلى تقليص الوظائف العامة وخفض الرواتب في القطاع العام التي تعد عالية بالمعايير الدولية وتسريح العمالة الوافدة، وتحجيم طلبات التوظيف واتخاذ العديد من الإجراءات الانكماشية خلال الفترة المقبلة.

 

لكن تلك الإجراءات تواجه معضلة ثانية تتمثل في تفشي فيروس “كورونا” وتداعياته السلبية على قطاعات السفر والسياحة والضيافة والترفيه، ما اضطر حكومات الخليج إلى تقديم حزم دعم مالية لتنشيط اقتصاداتها.

 

  • تنويع الاقتصاد:

 

وبموازة ذلك تبدو الحاجة ملحة في دول الخليج إلى تسريع الإصلاحات المالية وتنويع الاقتصاد والتوسع في صناعة الأنشطة والخدمات كبديل اقتصادي، والانتقال سريعا إلى مرحلة ما بعد النفط.

 

وتنفذ العديد من دول الخليج فعليا حزمة إصلاحات اقتصادية، تتضمن بيع حصص في شركات حكومية كبرى، وفتح الباب أمام الاستثمارات لتطوير الأصول غير المستغلة مثل الأراضي والثروات المعدنية، فضلاً عن تحويل أجزاء من منظومة الرعاية الصحية الحكومية إلى شركات تجارية، وتطوير قطاعات الصناعة والسياحة والتجزئة والطيران.

 

لكن وفق خبراء اقتصاد فإن تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، وتطبيق مثل تلك الإصلاحات الصعبة يحتاج لمزيد من الوقت وقد يستغرق جني ثمارها عدة عقود.

 

وفي ضوء استمرار حرب النفط، واحتمال هبوط الأسعار إلى ما بين 15 و20 دولارا، يمكن القول إن تلك الأحلام والطموحات والمشروعات والخطط المستقبلية ستذهب أدراج الرياح.

 

ورغم ذلك سوف تستمر لعبة “عض الأصابع” بين كبار منتجي النفط في انتظار من يصرخ أولا، ومن يستطيع الصمود لأطول فترة ممكنة، ومن يملك الخيارات البديلة لتعويض انهيار الإيرادات النفطية، قبل أن تضطر كل الأطراف في النهاية إلى الاحتكام لطاولة التفاوض مجددا بحثا عن طوق نجاة للجميع.

 

خاتما

يبقى الصراع الدائر يؤثر سلباً على موازين القوى العالمية والإقليمية، وجاء رد السعودية على روسيا بزيادة الإنتاج وجه (حذف كلمة وجه) ضربة قوية للاقتصاد الأميركي وقلص قدرة شركات النفط الأميركية على التنافس بسوق الطاقة.

وتدلل المؤشرات على أن روسيا تتجه لتحقيق مكاسب على حساب كل من السعودية والولايات المتحدة، ما يضعف مكانة الولايات المتحدة الدولية والإقليمية…

 

كما  أن قرار روسيا بإنهاء الشراكة مع مجموعة الدول المصدرة للنفط “أوبك” مطلع مارس الجاري، جاء بهدف تغيير الوضع السائد في سوق الطاقة، على اعتبار أن هذا الوضع منح “شبكة أمان” لشركات النفط الأميركية تحديداً، في حين كانت شركات النفط الروسية تتعرض لعقوبات من جانب الولايات المتحدة.

فرأت روسيا في تقليص إنتاج النفط بهدف الحفاظ على الأسعار مساً بمصالحها وإسهاماً في تعزيز مكانة شركات النفط الأميركية، حيث إن تقليص إنتاج النفط يزيد من قدرة هذه الشركات على التنافس.

ومن ثم جاء القرار الروسي بزيادة الإنتاج بهدف إعادة صياغة قواعد اللعبة من جديد بغية إيذاء كل من الولايات المتحدة والسعودية، حيث أراد  الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من هذه الخطوة لفت أنظار العالم إلى دور روسيا الحاسم في الاقتصاد العالمي، وبعد ذلك يتجه للتوصل لتسوية الصراع مع السعوديين من منطلق قوة.

 

فيما وجه الرد السعودي على الخطوة الروسية بزيادة الإنتاج ضربة قوية للاقتصاد الأميركي، على اعتبار أنه قلص من قدرة شركات النفط الأميركية على التنافس في سوق الطاقة.

 

ونظرا للكلفة العالية لإنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة فإن الشركات الأميركية تتكبد خسائر كبيرة في حال انخفضت الأسعار بشكل كبير، إذ إنه عندما يصبح سعر البرميل أقل من 50 دولاراً، فإن هذا يعني أن الشركات الأميركية لن تحقق أرباحاً من إنتاجها.

فيما يتوقع خبراء الإستراتيجية، أن السعودية وروسيا يمكن أن تعودا للتوافق على مبادئ تحكم سوق الطاقة، بسب حالة انعدام اليقين التي تسود الاقتصاد العالمي في أعقاب انتشار فيروس كورونا؛ فالنظام السعودي قد يكون معنياً أكثر بوقف الصراع الدائر، على اعتبار أن هناك تحديات داخلية واستحقاقات سياسية أكثر جدية تتمثل بشكل خاص في مسألة الوراثة وانتقال الحكم لولي العهد محمد بن سلمان.

ورغم أن نظام الحكم السعودي يتصرف وكأن بإمكانه أن يتعايش مع انخفاض أسعار النفط، إلا أن حاجة المملكة لموازنة قادرة على تلبية التحديات التي تواجهها تفرض عليها أن تحرص على ألا يقل سعر البرميل عن 80 دولاراً للبرميل.

من جانب آخر، فبخلاف التصريحات الروسية التي تؤكد أن موسكو بإمكانها أن تتعايش مع انخفاض أسعار النفط، إلا أن الحاجة إلى مواصلة المشاريع الاقتصادية في أرجاء روسيا خاصة المتعلقة بالطاقة تتطلب من موسكو الحرص أيضا على رفع الأسعار مجدداً.

ويكاد يجمع مراقبون على هذا، وإن كانت للسعودية عدو واحد في هذه الحرب فإن لروسيا “أعداءً” تحاول من خلال انسحابها من اتفاق أوبك+ استهدافهم، إذ تقول التحليلات إن روسيا بميزانيتها قادرة على تحقيق أهدافها بأسعار أقل بكثير مما تسمح به ميزانية السعودية، الأولى لديها فائض بقيمة 13.6 مليار دولار، فيما ترزح الموازنة السعودية تحت عجز بقيمة 50 مليار دولار، وقد بنت هذا الرقم على تقدير سعر النفط بـ80 دولاراً، فيما تشير التوقعات إلى انخفاض سعر البرميل خلال الحرب الدائرة وصولاً إلى 20 دولاراً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …