‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تفشي كورونا  في صفوف الجيش المصري .. أبعاده وتأثيراته على مكافحة الوباء
مصر - مارس 30, 2020

تفشي كورونا  في صفوف الجيش المصري .. أبعاده وتأثيراته على مكافحة الوباء

يتسم موقف المؤسسة العسكرية المصرية منذ بدء الإعلان عن وجود إصابات بفيروس «كوفيد ــ19» المعروف إعلاميا “بكورنا” بعدة أبعاد.

البعد الأول، سياج السرية والتعتيم الذي تفرضه المؤسسة العسكرية على حجم تفشي الوباء بين قيادات الصف الأول والثاني بالمؤسسة بعد الإعلان رسميا عن حالتي وفاة بين اللواءات، بخلاف التعتيم المفروض على حجم الإصابات بين القادة والضباط  وضباط الصف والجنود.

والبعد الثاني، يتعلق بالدور الهامشي للجيش في إجراءات مكافحة العدوى حتى اليوم والجهود المبذولة للحد من انتشار الفيروس.

والبعد الثالث، توظيف تفشي الوباء سياسيا واقتصاديا لتعزيز الإمبراطورية الاقتصادية للجيش والتي تهمين بالفعل على غالبية مفاصل الدولة الاقتصادية وتسيطر على نحو 60% من حجم النشاط الاقتصادي في البلاد وأخذها النصيب الأكبر من مبلغ المائة مليار التي خصصها النظام لمكافحة العدوى.

والبعد الرابع يتعلق بتردد المؤسسة حتى اليوم في الإشراف على حظر تجوال شامل على غرار ما جرى من جانب جيوش عدة للحد من الفيروس وهو ما يمكن تفسيره بالخوف على المؤسسة وقادتها حتى لو أدى هذا التردد إلى تدمير المجتمع نفسه وتفشي الوباء إلى مستويات لا يمكن احتواؤها.

 

وخلال يومي الأحد والاثنين 22 و23 مارس 2020م، طال الموت بفيروس كورونا لواءين كبيرين تم الإعلان عن وفاتهما رسميا في بيانين مقتضبين للمؤسسة العسكرية يقول إنهما توفيا أثناء قيامها بعمليات التعقيم والتطهير التي تقوم بها المؤسسة العسكرية لمكافحة انتشار العدوى، الأول هو اللواء أركان حرب خالد شلتوت رئيس أركان إدارة المياه بالقوات المسلحة، والثاني اللواء أركان حرب شفيع عبد الحليم داود، مدير إدارة المشروعات الكبرى، بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

وهناك أنباء تتحدث عن  وفاة لواءين آخرين هما اللواء أركان حرب محمود أحمد شاهين رئيس أركان إدارة المهندسين العسكريين، ولواء أركان حرب حسن عبدالشافي مدير إدارة المهندسين العسكريين، وتتجه المؤسسة العسكرية نحو  تأجيل الإعلان عن وفاتهما حتى لا تثير مزيدا من الفزع بالجيش والمجتمع بعد الإعلان عن وفاة الجنرالين شلتوت وشفيع.([1])

وحول حجم الإصابات داخل المؤسسة العسكرية، تتواتر أخبار  في ظل إصرار المؤسسة  العسكرية على فرض سياج من السرية والتعتيم تؤكد أن الفيروس امتد وطال عددا من القيادات الكبرى بالجيش تصل إلى 30 قائدا بحسب شبكة الجزيرة نت([2])، من بينهم مساعد مدير إدارة المشروعات الكبرى اللواء محمد الزلاط.

كما تم تسريب أنباء عن خضوع اللواء إيهاب الفار، رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، للعزل وإجراءات الحجر الصحي هو وعدد من أفراد أسرته ومدير مكتبه؛ وهو ما أربك المؤسسة العسكرية وخلق أزمة كبرى بسبب الاشتباه بإصابة عدد ليس بالقليل من قادة الصف الأول بالفيروس.

ومن بين الضباط المشتبه في إصابتهم، كل من اللواء “خالد مبارك حسين” من المكتب الاستشاري للهيئة الهندسية، والعميد “أسامة محمد عبدالحميد” من إدارة المشروعات الكبرى، والعقيد “محمد جمال الدين محمد” من الهيئة الهندسية، كما تم فحص أكثر من 30 ضابطاً (بعضهم بدرجة لواء وعميد) و20 من المجندين والسائقين وضباط الصف الذين يتعاملون بشكل مستمر مع الضباط الكبار المتوفين والمصابين، وأكد الفحص سلبية عيناتهم جميعاً، لكن بعضهم ما زالوا معزولين ذاتياً في دار خاصة بالقوات المسلحة في شرق القاهرة لحين انتهاء فترة ال 14 يوماً على آخر احتكاك لهم بالمتوفين والمصابين.([3])

ومع انتشار الفيروس بين ضباط ومهندسي وعمال الهيئة الهندسية العاملين بالعاصمة الإدارية رفض الجيش وقف الأعمال بالعاصمة واكتفى بتحويل مقر الهيئة الهندسية هناك إلى مركز حجر صحي موجود فيه ما يقرب من 25 فردا. وكان الضابط السابق بالهيئة الهندسية خالد فريد سلام، قد أعلن عن قرار بتوقف العمل في العاصمة الإدارية لمدة 15 يوميا، بسبب ظهور حالات إصابة بفيروس كورونا بين العاملين هناك.

وتم إغلاق الكلية الحربية (شرقي القاهرة) لمدة 45 يوماً كإجراء احترازي، ومنع السماح للطلاب بالإجازات أو الزيارات العائلية، وذلك بعد ظهور 5 حالات مشتبه في إصابتها بفيروس “كورونا” بين طلاب الكلية، كما اتخذت المؤسسة العسكرية منذ اكتشاف إصابات بعض كبار القادة وتحديدا منذ 11 مارس إجراءات أكثر احترازية في جميع الوحدات والهيئات العسكرية لمنع انتشار الفيروس خصوصا بعد اكتشاف حالات إصابة بين عدد من الجنود وتتمثل هذه الإجراءات في الفحص المسبق لجميع الضباط والمجندين العائدين من العطلات للمعسكرات، والمترددين على مباني القيادة العامة ومنشآت الأندية والدور وقيادات الأسلحة، وإلغاء العطلات للموجودين بالفعل داخل المعسكرات، ومنع الشرطة العسكرية من التواجد خارج محيط وحداتها ووحدات تأمين المعسكرات، ومنع تسيير دورياتها في المناطق التي لها احتكاك بالمدنيين، بالإضافة إلى تطهير جميع المعسكرات بشكل مستمر.

 

السيسي وعباس كامل في الحجر الصحي

هذه التسريبات  والوفيات في صفوف قادة الجيش تفسر أسباب اختفاء زعيم عبدالفتاح السيسي  لحوالي 19 يوما خلال شهر مارس بعد لقاء جمعه بقادة الجيش والمخابرات في 3 مارس كان اللواءان المتوفيان بسبب كورونا “شلتوت وشفيع” مشاركين فيه، قبل وضعهما بالحجر الصحي؛ وتؤكد مصادر مطلعة أن السيسي نفسه  اشتبه بإصابته بالفيروس المميت وأجريت له التحليلات وخضع  وأسرته للحجر المنزلي طول المدة التي اختفى فيها دون إعلان عن ذلك كعادة النظام في الحرص الشديد على التكتم والتعتيم، وهو ما أكده موقع” Middle East Eye ” البريطاني، حول وضع السيسي وأسرته في الحجر، كما نقلت تقارير صحفية عن مصادر بوزارة الداخلية تأكيد نفس المعلومة.([4])

وتؤكد تسريبات أخرى خضوع اللواء عباس كامل مدير جهاز المخابرات العامة للحجر الصحي المنزلي على خلفية اجتماع حضره بمشاركة شلتوت وشفيع بشأن سد النهضة، ولم يباشر كامل مهامه من مقر المخابرات بكوبرى القبة منذ أيام وسط سياج من السرية والتكتم على مكان خضوعه للحجر الصحي، ويتردد أنه “تم توسيع دائرة الاشتباه، وإخضاع كافة التابعين للهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالعاصمة الإدارية الجديدة للفحوص الطبية؛ وذلك بسبب لقاءات جرت لمسؤولين مع وفد صيني من الشركة التي تنفذ الأبراج هناك في وقت مبكر قبل الإعلان الرسمي عن انتشار الفيروس”. وكذلك خضوع 12 ضابطا وعسكريا آخرين من مكتب اللواء شلتوت للحجر الصحي، كما تم وضع جميع أفراد أسرته بالحجر الصحي قبل 10 أيام من إعلان وفاته.([5])

 

ملاحظات وتحفظات

أولا، هذه الوفيات التي تم الإعلان عنها بشكل مفاجئ تكشف أبعاد التعتيم الذي تفرضه المؤسسة العسكرية على حجم تفشي الفيروس بين قادة المؤسسة وضباطها وعناصرها وجنودها؛ فلماذا لم يتم الإعلان عن إصابة هؤلاء الجنرالات عندما وقعت؟ ولماذا فضل الجيش والنظام التكتم والتعتيم على حجم الإصابات ؟ ولماذا تستمر المؤسسة  العسكرية حتى اليوم في التعتيم على ما يجري داخلها؟ فعدم الشفافية والوضوح في هذا الأمر يثير كثيرا من الشكوك  ولا يحقق الأمان داخل المجتمع الذي يرى كل يوم عشرات الأدلة تؤكد أن النظام العسكري يستخف بالشعب ويعصف بحقه في المعرفة والدراية بكل ما يتعلق بالشأن المصري.

ثانيا، سلوك السيسي في التعتيم يتسق مع طبيعة النظام الدكتاتورية بخلاف النظم الديمقراطية المتحضرة التي لا تخجل من التعامل مع شعوبها بشفافية كاملة وتعلن عن أدق التفاصيل التي تتعلق بالقادة والزعماء؛ فالمستشارة الألمانية إنجيلا ميركل خضت للحجر المنزلي بعد أن ثبت إصابة طبيبها الخاص بكورونا وثبت سلبية نتائجها والشعب الألماني عرف بكل هذه التفاصيل؛ ومن قبل خضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للفحوص والإختبارات التي كشفت سلبية النتائج بعد لقائه بوفد برازيلي ثبت أن أحدهم برتبة وزير مصاب بالفيروس، وخلال الأسابيع الماضية أعلنت السلطات النرويجية أن الملك هارالد الخامس والملكة وكامل أعضاء الحكومة وضعوا في الحجر الصحي بسبب الفيروس، وفي كندا قرر رئيس الوزراء جاستن ترودو العمل من منزله بعدما تبين أن زوجته صوفي غريغوار مصابة بالفيروس، وحتى النظام الإيراني كان أكثر شفافية من نظام العسكر؛ حيث أعلن عن إصابة عدد من مسئوليه دون خجل أو تعتيم حيث توفي عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام محمد مير محمدي،. كما أصيب أربعة وزراء في بوركينا فاسو التي وصلها الفيروس مؤخرا، على غرار معظم دول القارة السمراء.([6])

ثالثا، فشل المؤسسة العسكرية في فرض التعتيم في ظل هيمنة وسائل التواصل والإنترنت وقدرتها الفائقة على نقل أدق الأسرار والتفاصيل وهو فشل جديد يضاف إلى سجل المؤسسة في إدارة البلاد سياسيا واقتصاديا وفرض تصوراتها على المجتمع بالحديد والنار؛ يدلل على ذلك أن منصة «نحن نسجل» نشرت تسريبات في 13 مارس 2020م تؤكد إصابة اللواءين شلتوت وشفيع قبل وفاتهما ب10 أيام، في تأكيد على أن المنصة لها مصادر خاصة شديدة الإطلاع على مجريات وتفاصيل وأسرار الجيش.

رابعا،  الإصرار على فرض سياج من السرية والكتمان على المستويين العسكري والصحي من شأنه أن يعزز التكهنات ويسهم في نشر الشائعات التي يمكن أن تصيب أو تخطئ ؛ لأن غياب الشفافية والعصف بحق الشعب في المعرفة والهيمنة المطلقة على وسائل الإعلام من شأنه أن يسهم في خلق بيئة خصبة للشائعات كما يسهم أيضا في تعزيز الشكوك حول مصداقية المؤسسة العسكرية، ويفضي ثالثا إلى مزيد من تآكل شرعيتها وشعبيتها التي تآكلت بالفعل وبشكل حاد في أعقاب انقلابها على المسار الديمقراطي في 30 يونيو 2013م، كما يمثل ذلك إسهاما من المؤسسة ذاتها في تشويه صورتها وهو ما يتزامن مع تسريبات أخرى تشكف حجم الإجرام الذي يمارسه عناصرها بحق المصريين وخصوصا في شبه جزيرة سيناء وكان آخرها مقطع الفيديو الذي بثه الناشط عبدالله الشريف لضابط يمثل بجثة شاب سيناوي ويقوم بحرقها في مشهد إجرامي وحشي غير مسبوق.

خامسا، موقف المؤسسة العسكرية وإصرارها على إنعدام الشفافية يناقض ما تقوم به الجيوش الإحترافية  خلال الأزمة في معظم بلاد العالم؛ والتي لا تجد في الإعلان عن إصابة بعض قادتها خطرا على أمنها القومي؛ فقبل أسابيع أعلن الجيش الأميركي أن قائده في أوروبا الفريق كريستوفر كافولي إلى جانب عدد من الموظفين، ربما تعرضوا لفيروس كورونا خلال مؤتمر عقد في الآونة الأخيرة، بعدها أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن الوزير مارك إسبر ونائبه وضعا في الحجر الصحي، بعد تأكيد إصابة عشرات من طاقم الوزارة بفيروس كورونا، وفي أستراليا نُقل وزير الداخلية بيتر دوتون إلى المستشفى بعدما ثبتت إصابته بفيروس كورونا؛ فلماذا يخشى النظام العسكري في مصر وقواته المسلحة الإعلان بكل شفافية عن حجم الإصابات؟ ولماذا يصرون حتى اليوم على فرض سياج من السرية والتعتيم على ما يجري؟ ولماذا يحرمون الشعب المصري صاحب السيادة الحقيقية من حقه في المعرفة والمعلومات التي تهم أمنه القومي؟!

سادسا، استغلت المؤسسة العسكرية وفاة الجنرالين الكبيرين وقامت بتوظيف الحدث سياسيا من أجل ترميم شعبية الجيش التي تآكلت بالزعم أن اللواءين الراحلين شلتوت وشفيع توفيا أثناء قيامها بمهام التعقيم والتطهير لمؤسسات الدولة ضد الوباء؛ وهو ما يخالف العقل والمنطق والعلم وحتى الحقيقة؛ فقد نقلت مصادر قبل 10 أيام من إعلان وفاتهما أنهما خضعا للحجر الصحي في العناية المركزة بمستشفى ألماظة العسكري، فكيف كانا يقومان بعمليات التعقيم والتطهير وهما بالعناية المركزة؟ وإذا صدقنا رواية النظام الساقطة التي تعصف بها الأدلة والحقائق؛ فهل كانت الدولة تعرف أنهما مصابان أم لا تعرف؟ وإذا كانت لا تعرف فهذا برهان على الإهمال الجسيم بحق قادتها إذ كيف تتركهم مرضى بالوباء دون رعاية أو اهتمام؟! وإذا كانت الدولة تعرف بإصابتهما؛ فهل تركتهما يعملان ويتحركان بحرية بين الضباط والجنود وباقي الناس لنشر الفيروس وتوسيع مدى تفشيه وانتشاره؟  يدلل على اختلاق رواية المتحدث العسكري أن اللواءين الراحلين أصيبا قبل عمليات التعقيم بأسبوع على الأقل ونقلت تقارير إعلامية عن مصادر مطلعة بالجيش أن شلتوت كان أول جنرال أصيب في الأسبوع الأول من مارس وذلك بعد لقائه بعدد من المستثمرين ورجال أعمال صينيين يشاركون في بعض إنشاءات العاصمة الإدارية أواخر فبراير”2020″م.([7])

ارتباك داخل الجيش وبين الأجهزة

أفضت هذه التطورات إلى حالة من الارتباك تسود داخل الجيش وما تسمى بالأجهزة السيادية، وأدت إلى  تلاسن فيما بينها بشأن تحميل المسئولية عن الفشل في مكافحة الفيروس وتحميل كل منها المسئولية للأجهزة الأمنية الأخرى؛ إذا وجهت قيادات في المخابرات العامة انتقادات لآذعة إلى الشرطة خلال اجتماع  اللجنة التنسيقية لمكافحة “كورونا” بسبب ما وصفه بـ”تراخيها في تطبيق قرار إغلاق المقاهي وأماكن التجمع الأخرى من السابعة مساءً وحتى السادسة صباحاً، وعدم تنفيذ القرار بالمرة في بعض المناطق في صعيد مصر”، واللجنة المشتركة هي لجنة مخولة بإعداد القرارات النهائية ورفعها لرئاسة  تترأسها المخابرات العامة وعضوية ممثلين  للأمن القومي في المخابرات والأمن الوطني والأمن العام ومصلحة السجون في الداخلية، والبنك المركزي والبورصة المصرية، ووزارات الدفاع والصحة والمالية والتعليم والعدل والتنمية المحلية والنقل.

نفس الأمر ينطبق على الجيش؛ إذا تسود حالة من الخوف الشديد بين صفوف قادة الجيش من اتخاذ قرار بالإعتماد على الجيش في مواجهة انتشار الفيروس؛ وخلال اجتماع اللجنة التنسيقية الذي انعقد مساء الجمعة 20 مارس عبرت قيادات بالجيش خلال الاجتماع عن صعوبة إدارة الأزمة بمفردها، في ظل تراخي الشرطة، الأمر الذي تطلب تشكيل لجنة أخرى لتنسيق طريقة إدارة الحظر فور اتخاذ القرار، تحت إشراف من وزير الدفاع محمد زكي واللواء محسن عبد النبي، مدير مكتب رئيس عبد الفتاح السيسي، وهي التوجسات والمخاوف التي لا يمكن فصلها عن تساقط عدد من كبار القادة واللواءات وتفشي الفيروس في الصفوف الأولى لقادة المؤسسة العسكرية.

وحتى اليوم وبعد مرور حوالي شهرين على دخول الفيروس مصر لا يزال موقف المؤسسة العسكرية هشا وضعيفا في جهود مكافحة الوباء؛ إذ اكتفت المؤسسة العسكرية بالإعلان عما أسمتها بخطة الطوارئ يوم 15 مارس 2020م، وذلك  بنشر عدد من عناصر الحرب الكيميائية ببدلاتهم ومعداتهم وتسويق هذه الصور من أجل إقناع المواطنين بدورها الكبير في  مكافحة العدوى؛ لكن  هذا الدور حتى الآن اكتفى فقط بعمليات التعقيم والتطهير لعدد من مؤسسات الدولة الحكومية ولم تمتد أنشطة التعقيم إلى الشوارع والميادين والمؤسسات الشعبية ومنازل المواطنين؛ كما تتطلب مكافحة العدوى بطريقة صحيحة وعلمية.

 

مكافحة للعدوى أم بيزنس؟

البعد الآخر في موقف المؤسسة العسكرية هو انتهاز الفرصة لتعزيز مشروعاتها الاقتصادية وتعظيم إمبراطوريتها وهو ما يأتي اتساقا مع طبيعة المؤسسة العسكرية المصرية التي باتت خلال سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو أقرب إلى شركة استثمارية وليس جيشا بالمعنى الإحترافي للجيوش وذلك بعد احتكاره للمشهد السياسي والاقتصادي وتغول النشاط الاقتصادي للجيش إلى مستويات غير مسبوقة تقترب من حوالي 60% من النشاط الاقتصادي المصري.

فقد تعامل الجيش مع  انتشار الفيروس باعتباره فرصة استثمارية؛ حيث منح جنرال  السيسي  امتياز تعقيم المدارس والجامعات للجيش خلال فترة تعليق الدراسة ليس باعتباره تكليفا وطنيا ضمن خطة مكافحة الفيروس بل باعتباره عملا استثماريا، وكلف السيسي وزارتي التعليم والتعليم العالي بسداد تكلفة عمليات التعقيم من ميزانيتها الخاصة لإدارة الجيش.

في ذات السياق ، عهدت وزارة العدل للقوات المسلحة بتطهير كل مباني المحاكم على مستوى الجمهورية خلال فترة تعليق جميع المحاكم الابتدائية والجزئية والأسرة والاقتصادية ومجلس الدولة ومحكمة النقض، مع منع القضاة والإداريين من الحضور إلا للضرورة القصوى، كما امتد بيزنس الجيش في عمليات التعقيم إلى مقرات مجلسي النواب والوزراء بوسط القاهرة وما يحتويان عليه من منشآت وقاعات مؤتمرات مقابل مليون جنيه، رغم أن عملية التعقيم لم تستغرق سوى ساعتين فقط،([8]) وكانت وزارة المالية رفعت موازنة مجلس النواب إلى 1.55 مليار جنيه للسنة المالية 2019-2020، بزيادة 151 مليون جنيه عن السنة المالية السابقة عليها، وذلك بهدف زيادة بدلات ومكافآت النواب عن حضور الجلسات واللجان، فضلاً عن تحسين رواتب العاملين في البرلمان، مع العلم أن موازنة الأخير تضاعفت لأكثر من ثلاث مرات منذ انعقاد المجلس الحالي قبل 4 سنوات، وعلى  الدرب ذاته لجأت جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية والمحافظات إلى إدارة الحرب الكيميائية في عمليات التعقيم والتطهير من ميزانيتها الخاصة، الأمر الذي يعني توجيه الأموال المخصصة لمنع تفشي كورونا إلى الحسابات الخاصة لوزارة الدفاع، عوضاً عن توجيهها لصالح تطوير المستشفيات وتوفير المستلزمات الطبية،([9]) وهو ما يخالف نص الدستور الذي يستوجب موافقة البرلمان على تقرير الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة ويشمل كافة إيراداتها، ومصروفاتها، من دون استثناء، وعرض مشروعها على مجلس النواب قبل 90 يوماً على الأقل من بدء السنة المالية، ولا تكون نافذة إلا بموافقته عليها، وتجب موافقة المجلس (البرلمان) على نقل أي مبلغ من باب إلى آخر من أبواب الموازنة، وعلى كل مصروف غير وارد بها، أو زائد على تقديراتها، وتصدر الموافقة بقانون”.

كما استغلت إدارة الحرب الكيميائية التابعة للجيش الوضع وطرحت معقما للأيدي في جميع منافذ الجيش سواء في الميادين العامة بالمحافظات، أو في محطات تزويد المركبات بالوقود، استغلالاً لأزمة النقص الشديد في المنظفات والمطهرات في السوق المحلية والصيدليات، بسبب التهافت على شرائها من المصريين مع تفشي فيروس كورونا الجديد في البلاد، وزيادة عدد الحالات المؤكدة إصابتها بالعدوى، كما قامت مجموعة شركات ألفا المالكة لسلسلة صيدليات 19019 والتي يمتلك الجيش حصة فيها بسحب كميات كبيرة من المنظفات والمطهرات عبر شركات التوزيع من أجل “تعطيش السوق”، ومن ثم إعادة طرحها بأكثر من ثلاثة أضعاف أسعارها، في ضوء محاولاتها المستمرة للسيطرة على تجارة الأدوية في مصر.

 

التردد في تطبيق الحظر الشامل

انتشار الفيروس  بين عدد من الصف الأول لقادة الجيش بخلاف تحول طبيعة الجيش إلى نزعة استثمارية بعيدا عن الاحترافية العسكرية أفضى إلى تردد قادة الجيش في الموافقة على تصدر الجيش مع باقي الأجهزة الأمنية  لفرض حظر كامل وشامل بعد فشل الإجراءات الحكومية التي تم اتخاذها في إلزام الناس بالإقامة في بيوتهم.

وعبر ممثلو الجيش  داخل اجتماعات اللجنة التنسيقية المشتركة لإدارة أزمة انتشار فيروس كورونا عن عدد من المخاوف والاعتبارات تجعل من الصعوبة فرض حظر تجول كامل أو شامل لكل أنحاء البلاد رغم أهميته حاليا في تحجيم تفشي الفيروس والحد من انتشاره، أبرزها خشية قيادة القوات المسلحة من احتكاك أفراد الجيش بالشارع وبالتالي زيادة فرص تعرضهم للعدوى، خصوصاً بعد انتشار الفيروس بين عدد من قادة المؤسسة العسكرية وضباطها وعناصرها، الأمر الآخر أن فرض حظر التجوال الشامل تتولاه المؤسسة العسكرية يتناقض مع توجهات المؤسسة العسكرية التي فرضت خلال شهر مارس عزلة على جميع وحداتها خوفا من تفشي الفيروس بين قادتها وعناصرها،([10]) كما أن مخاوف المؤسسة العسكرية على ضباطها وعناصرها دفعها إلى سحب وحداتها من ليبيا والتي كانت  تقوم بدعم مليشيات اللواء خليفة حفتر ضد الحكومة الشرعية في ليبيا.

ولهذه الأسباب جاء إعلان مصطفى مدبولي رئيس الحكومة يوم الثلاثاء 24 مارس  بفرض الحظر ليلا لمدة 11 ساعة تبدأ من السابعة مساء وحتى السادسة صباحا بدءا من الأربعاء 25 مارس ولمدة 15 يوما وكذلك تعليق الدراسة والطيران لمدة 15 يوما إضافية، وهو قرار لا يحقق الهدف من احتواء الفيروس لكن الحكومة لا تستطيع فرض الحظر الشامل؛ لأنها غير قادرة على  رعاية ملايين الفقراء والعمالة غير المنتظمة خلال فترة الحظر وهم الذين لا يملكون من المال ما يمنحهم رفاهية الإقامة في المنازل طواعية.

خلاصة الأمر، أن موقف المؤسسة العسكرية يبدو مرتبكا حيال المشاركة بفعالية في أنشطة وجهود مكافحة وباء كورونا، لكنها للأسف تبني مواقفها استنادا على منح الأولوية لحماية نفسها وقادتها وضباطها وعناصرها قبل حماية الشعب نفسه التي أوجب الدستور قيامها بحمايته، لكنها عندما وضعت أمام  اختبار جاد؛ فشلت حتى اليوم، وركزت على حماية نفسها  وتعزيز اقتصادها، ولا يزال الطواقم الطبية في جميع مستشفيات الجمهورية  يتصدرون الحرب ضد تفشي الفيروس  رغم الإمكانات القليلة والشح الذي يمارسه النظام معهم وعدم توفير أدوات  الوقاية من العدوى، بعكس السخاء والبذخ  والامتيازات التي يحصل عليها الجيش بالملايين والمليارات في عمليات التعقيم والتطهير والتي يمكن أن تقوم بها أي مؤسسة مدنية لو حصلت على ذات الامتيازات أو أقل منها، ورغم ذلك فإن جهود الجيش في مكافحة العدوى حتى اليوم لا تزال هشة وضعيفة ولا ترقى لمستوى ما تقدمه جيوش الدول الأخرى التي تتولى مكافحة العدوى بكل تضحية وإخلاص للأسف افتقدتهما المؤسسة العسكرية المصرية ونتمنى أن تراجع نفسها  لتقوم بما يجب عليها القيام به قبل فوات الأوان.

تم الانتهاء منه في 24 مارس 2020م

 

[1] وفاة لواءين جديدين في الجيش المصري بكورونا.. العدد ارتفع إلى 4 والفيروس ينتقل للمجندين/عربي بوست 23 مارس 2020

[2] بعد وفاة اثنين من القادة.. مواقع التواصل تتساءل عن انتشار كورونا بالجيش المصري/الجزيرة نت الاثنين 23 مارس 2020

[3] كورونا يضع الجيش المصري في اختبار صعب بعد فتكه بلواءين/ الخليج الجديد الاثنين 23 مارس 2020

[4] ميدل إيست آي: إيداع السيسي وعائلته الحجر الصحي لأسبوعين بعد مخالطته قائداً عسكرياً مات بـ”كورونا”/عربي بوست الاثنين 23 مارس 2020

[5] وفاة قائد ثالث بالجيش المصري بكورونا.. وعزل صحي لعباس كامل والفار/العربي الجديد 23 مارس 2020

[6] ميركل سيدة أوروبا القوية تلتزم البيت.. قادة ومسؤولون عالميون تحت الحجر الصحي بسبب كورونا/الجزيرة نت الاثنين 23 مارس 2020

[7] كورونا يضرب الجيش المصري: تدابير لمنع التفشي بالمعسكرات/العربي الجديد 24 مارس 2020

[8] الجيش يطهر مجلسي النواب والوزراء مقابل مليون جنيه لمكافحة كورونا/العربي الجديد 19 مارس 2020

[9] السيسي يمنح أموال مواجهة كورونا للجيش بالمخالفة للدستور/العربي الجديد 18 مارس 2020

[10] كورونا يغلق الكلية الحربية في مصر.. وثيقة سرية تكشف عزل الجيش جميع وحداته لحماية أفراده من الوباء/ عربي بوست 20 مارس 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…