‫الرئيسية‬ العالم العربي صراع النفط واشنطن المستفيد الأكبر
العالم العربي - أبريل 3, 2020

صراع النفط واشنطن المستفيد الأكبر

ما زال النفط يلعب دورًا كبيرًا في شكل المجتمع الدولي، وتحالفاته الكبرى والصغرى، ففي الوقت الذي تنخفض أسعاره، تجد صراعات تندلع على أثره، في حين يجني آخرون مكاسب لا يمكن تحقيقها إلا من خلاله؛ ولذلك يقال إن النفط أحد أهم معادلات النظام العالمي الجديد، ولم لا؟! وهو المتحكم الأكبر في مسيرة الاقتصاد العالمي، ونجاح المنظومة الرأسمالية.

فقد عاد الجدل مجددًا حول تأثير انهيار النفط على شبكة التحالفات الدولية والإقليمية، وتداعيات ذلك على الاقتصاد العالمي، ولم يكن الانهيار الذي شهدته أسعار النفط، الأول في تاريخ الخام؛ بل سبقته حالات مشابهة خلال العقود الأخيرة، ارتبط بعضها بأزمات اقتصادية عالمية، بينما ارتبط بعضها الآخر بالتنافس وعدم التنسيق بين منتجي النفط، كما شهدت الأسعار ارتفاعات كبيرة؛ نتيجة أزمات عالمية أيضًا، أشهرها الحروب أو التوترات السياسية في منطقة الشرق الأوسط.

 

الصراع بين الروس وآل سعود:

منذ 6 أعوام، دارت حرب نفطية بين روسيا والسعودية، فقد أغلقت أسعار النفط الخام تعاملات يونيو 2014، عند 112 دولارًا للبرميل بالنسبة إلى خام برنت، وبدأ سباق بين موسكو والرياض في السيطرة على الحصص السوقية، وشكل يوليو 2014، بداية هبوط تدريجي في أسعار النفط، مع ظهور زيادة في معروض الخام؛ بفعل زيادة الإنتاج من جهة، وظهور بوادر تباطؤ اقتصادي، خفّض من الاستهلاك اليومي للدول من جهة ثانية، ومع تواصل هبوطه خلال الشهور اللاحقة، أغلق خام برنت عام 2014، عند سعر 53 دولارًا للبرميل، وهو أدنى مستوى حينها منذ أبريل 2009، وعلى الرغم من معاودة أسعار النفط صعودها في الربع الأول من 2015، إلى متوسط 65 دولارًا للبرميل، إلا أن الشهور اللاحقة ضغطت على أسعار برنت؛ بسبب زيادة المعروض، واستمرار الصراع الروسي السعودي[1].

هكذا، أغلق خام برنت القياسي في نهاية 2015، عند 30 دولارًا للبرميل، وواصل هبوطه مطلع 2016 إلى حدود 27 دولارًا، محققًا أدنى مستوى منذ 12 عامًا، في 2016 بلغ فائض معروض النفط أعلى مستوياته منذ أكثر من 10 سنوات، بمتوسط 5 ملايين برميل يوميًّا، فائضة عن حاجة المستهلكين، وبعد أكثر من 5 اجتماعات في 2016، اتفق الأعضاء في “أوبك” بقيادة السعودية، ومنتجين مستقلين تقودهم روسيا في ديسمبر 2016، على تنفيذ خفض إنتاج للخام بنحو 1.8 مليون برميل، اعتبارًا من مطلع 2017، ليصعد خام برنت إلى 55 دولارًا للبرميل، واستمرّ اتفاق الخفض بمعدلات متفاوتة حتى بدايات مارس الجاري، حين أعلنت روسيا سحب يدها من الاتفاق، معلنة التحرر من قيود الإنتاج[2].

 

معركة عض الأصابع: من سيصمد؟:

لم تبالِ السعودية -رغم ضعفها، ومعاناتها من أزمات اقتصادية وتبني سياسات تقشفية تستهدف تقليل النفقات-؛ حيث قررت بصورة غير متوقعة زيادة إنتاجها من النفط بصورة غير مبسوقة، أدت لانهيار أسعاره بنسبة 30% لتصل إلى 30 دولارًا للبرميل الواحد، ولا يمكن معرفة كيف سارت المفاوضات خلال لقاء السعودية وروسيا مطلع الشهر الحاليّ؛ حيث تقول إحدى الروايات، إن المشكلة قامت على خلاف في حصص السوق؛ حيث رأت السعودية أن روسيا تريد الاستئثار بحصة أكبر في السوق، وتخطي الاتفاق المبرم بينها وبين أوبك، فقررت جعل موسكو تندم على قرار فض التحالف، بينما هناك رواية أخرى تعتقد أن ثمة جانبًا سياسيًّا أعمق من مجرد خلاف على حصص وعائدات مالية، إلا أن المحصلة النهائية هي إعلان السعودية خفض أسعار نفطها، وعزمها زيادة غير محدودة في الإنتاج في أبريل المقبل؛ لتنخفض الأسعار اليوم بنسبة 30%، وليخسر النفط نحو 50% من قيمته منذ بداية العام[3].

وتعرضّت سوق المال السعودية “تداول” الأكبر في المنطقة لخسائر قاسية؛ حيث هبط المؤشر العام بأكثر من 9%، بينما تراجعت قيمة سهم شركة أرامكو عملاق النفط بنسبة 10% وهو مستوى قياسي لتبلغ 27 ريالًا.

وخسرت أرامكو أكثر من 320 مليار دولار من قيمتها، التي باتت تتراوح عند 1.4 تريليون دولار، ومن المتوقع بالفعل أن تنخفض أرباح أرامكو بنسبة 16٪ إلى 348 مليار ريال لعام 2019، بناءً على تقديرات المحللين؛ بسبب تخفيض الإنتاج الذي أمرت به وزارة الطاقة في المملكة؛ لمحاولة دعم أسعار النفط[4].

ويأتي الرفض الروسي، في سياق الضغط على منابع النفط الأمريكي؛ حيث وصل الإنتاج الأمريكي من النفط الصخري لتغطية 56% من احتياجات السوق الأمريكي، وذلك بعدما وصل الإنتاج إلى ما يزيد عن 13 مليون برميل يوميًّا، في حين يحتاج السوق الأمريكي لـ 22 مليون برميل يوميًّا لكي يصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي؛ إذ قال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، إنه أخبر نظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، أن روسيا لا ترغب في خفض إنتاج النفط أكثر، وشرح له أن “الكرملين قرر أن دعم الأسعار سيكون بمثابة هدية لصناعة الصخر الزيتي في الولايات المتحدة”، وترى روسيا أن الوقت قد حان للضغط على الأمريكيين، الذين زادوا من حجم إنتاج النفط الصخري، بينما أبقت الشركات الروسية على نفطها في الآبار؛ امتثالًا لاتفاق خفض الإنتاج، كما أن العقوبات التي فرضتها أمريكا على الشركات الروسية بعد أزمة الانتخابات الأمريكية، تجعل من رغبة موسكو في الانتقام أعلى.

ولكن حتى مع أكثر التفسيرات منطقية لما يجري، التي تقضي بأن السعودية زادت إنتاجها لتكون الخسارة “عليها وعلى أعدائها”؛ ما قد يجبر روسيا على التراجع، تبدو النتيجة عكس ذلك، فدول أوبك الأكثر تضررًا؛ نتيجة اعتماد موازناتها بشكل كبير على النفط، يُضاف لذلك أن روسيا استعدت جيدًا لهذا الاحتمال؛ إذ قضت خمسة أعوام تقلل من نفقاتها، وتبني احتياطيًّا بقيمة 550 مليار دولار، وهو ما يقول المسؤولون إنه سيسمح لها بتحمل أسعار ما بين 25 – 30 دولارًا للبرميل، حتى لو امتد ذلك عقدًا.

بدأت أولى الخطوات الروسية  مع إعلان وزارة المالية سحب 150 مليار دولار من صندوق الثروة الوطني لدعم الميزانية، وهكذا فحتى لو وصل سعر النفط الخام إلى 27 دولارًا للبرميل، فإنها لن تحتاج إلا لسحب 20 مليار دولار سنويًّا لموازنة الميزانية، ولذلك يبدو أن روسيا في وضع يسمح لها بعبور هذه الأزمة سالمة، وسيكون الأمر صعبًا، لكن لديها ما يكفي من الموارد لتجاوز الهبوط[5].

على الجانب الآخر، ورغم أن السعودية تنوي استخدام احتياطيها النقدي، لا يبدو الوضع مماثلًا للجانب الروسي، مع انحفاض الاحتياطيات المالية عما كانت عليه في 2014، واعتماد المملكة على النفط بـ 65% (قياسًا بـ 37% في روسيا) من موازنتها العامة، موازنة تعاني أساسًا من عجز بلغ 50 مليار دولار، ومع الانخفاض الجديد ستحتاج إلى 70 مليار دولار لتفادي عجز منتظر بقيمة 120 مليارًا؛ ما يعني أن الرياض بحاجة إلى سعر لا يقل عن 80 دولارًا للبرميل، مقابل 42 دولارًا تحتاجها روسيا عن كل برميل نفط تبيعه[6].

 

ترامب المستفيد الأكبر:

يستفيد ترامب من انهيار أسعار النفط؛ لأنها ستنعكس على مستوى رضاء المواطنين الأمريكان من سياساته، وكثيرًا منهم سيرون أن انخفاض الأسعار، كان بفضل حنكته، لا سيما وأن كثيرًا منهم يعاني من الجهل السياسي، وعدم إدراكه بالأوضاع العالمية، وما يحدث في الشرق الأوسط.

ويرى البعض أن تأثر شركات النفط الأمريكية بالسلب من انهيار أسعار النفط، قد يدفعهم إلى التعاون مع المرشحين ضد ترامب، إلا أن ذلك غير حقيقي، فرغم تأثر شركات النفط الصخري الأمريكية من انخفاض أسعار النفط؛ نتيجة ارتفاع أسعار استخراج النفط الصخري؛ حيث يسهم انخفاض سعر البرميل العادي إلى ارتفاع تكلفة إنتاج النفط الصخري، إلا أن البديل الآخر “بيرني ساندرز أو جو بايدن” وعدا بتنفيذ “الصفقة؛ التي تهدف لمعالجة التغير المناخي بتقليل الانبعاثات الغازية؛ ما يعني تهديدًا وجوديًّا لكل شركات النفط والغاز.

ولذلك ربما هناك ثمة صفقة بين ابن سلمان وترامب؛ لدعم ترشحه في الانتخابات المقبلة، لا سيما مع غياب الأسباب المنطقية لإغراق الاقتصاد السعودي بأزمة بهذا الشكل.

 

الخاتمة:

تبدو دول أوبك -وأغلبها ممن يعتمد موازنة ترتكز على الإنفاق الحكومي- في مأزق كبير؛ خاصة مع أزمة فيروس كورونا التي عطلت الحياة فيها، العراق كان أول من نادى بضرورة تعديل الأوضاع، مع دعوة وزير النفط ثامر الغضبان لعقد مؤتمر طارئ لأعضاء أوبك، واتخاذ قرار بشأن خفض الإنتاج، ويمكن القول إن الصرخة التي أطلقها العراق مكبوتة في الدول الأخرى، لذلك لا يتوقع أن تستمر الأوضاع على هذا الحال.

 

[1]  السعودية وروسيا .. تاريخ من الحروب النفطية، العربي الجديد، 9/3/2020، الرابط: https://bit.ly/33GIXtu

[2]  السعودية وروسيا .. تاريخ من الحروب النفطية، العربي الجديد، 9/3/2020، الرابط: https://bit.ly/33GIXtu

[3]   أبرز انهيارات أسعار النفط خلال 34 عامًا، العربي الجديد، 9/3/2020، الرابط: https://bit.ly/3dnpbYh

[4] “أرامكو” السعودية تخسر 320 مليار دولار في يومين، العربي الجديد، 9/3/2020، الرابط: https://bit.ly/3ahyCGI

[5]  عمار الحديثي،  حرب أسعار النفط .. من سيصرخ أولًا؟، نون بوست، 19/3/2020، الرابط: http://www.noonpost.com/content/36374

[6] عمار الحديثي،  حرب أسعار النفط .. من سيصرخ أولًا؟، نون بوست، 19/3/2020، الرابط: http://www.noonpost.com/content/36374

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…