‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر منخفض التنين بين المجتمع والدولة
مصر - أبريل 3, 2020

منخفض التنين بين المجتمع والدولة

اجتاحت مصر الخميس 12 مارس 2020 موجة من الطقس السيئ، استمرت ثلاثة أيام شملت أمطارًا رعدية وعواصف رملية[1]، وقد أسفر الطقس السيئ عن مصرع 24 شخصًا، وإصابة 45 آخرين، في محافظات القاهرة والجيزة والمنوفية والدقهلية وبني سويف وأسيوط وسوهاج[2]، وكان لقرية “الزرايب” بمنطقة حلوان، جنوبي القاهرة، نصيب الأسد في عدد الضحايا؛ حيث تسبب انهيار المجرى الذي يُستخدم في حفظ مياه السيول والأمطار خلال تشغيله، إلى انجراف المياه في اتجاه “العشش” القريبة منه، وأسفر عن انهيار عدد منها، وهو ما أدى إلى مصرع 8 أشخاص بينهم امرأتان وثلاثة أطفال[3].

وقد تسببت الأمطار في تعرض عشرة طرق صحراوية، وتحويلات رئيسة، تربط بين المحافظات لشروخ أسفلتية، وانهيارات في طبقات الرصف، ما دفع الحكومة لإغلاق هذه الطرق، والتي شملت (طريق شرم الشيخ – النفق الجديد، القاهرة – السويس الصحراوي، القاهرة – العين السخنة في الاتجاهين، محور الضبعة – مطروح، الكريمات الصحراوي، طريق المنيا – القاهرة الصحراوي، الجيش الشرقي في الاتجاهين (القاهرة – أسيوط)، تحويلة الطريق الدائري أعلى الجولف، تحويلة الطريق الدائري (أبراج سما)، وتحويلة طريق الفيوم من الرماية للفيوم).

الملفت أن بعض هذه الطرق تم تدشينه حديثًا، وبعضها جرى تجديده مؤخرًا، مثل (طريق شرم الشيخ – النفق الجديد)، والذي نفذته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وافتتحه الرئيس السيسي في 5 نوفمبر الماضي، بتكلفة بلغت 3 مليارات و500 مليون جنيه، وكذلك طريق (القاهرة – السويس)، والذي تعرض للغرق في الاتجاهين؛ نتيجة تجمع مياه الأمطار، رغم أنه لم تمر سوى أيام قليلة على تجديد الطريق بالكامل من قبل الجيش[4].

كما أسفرت موجة الطقس السيئ عن سقوط 27 برجًا كهربائيًّا، وقطع التيار الكهربائي عن 3 مناطق متفرقة بمحافظة الوادي الجديد، كما تسببت في نشوب نحو 25 حريقًا بمراكز أبو تشت وفرشوط ونجع حمادي، كذلك تسببت في انهيار أسقف جاهزة بمنطقة لوران بالإسكندرية، علاوة على أعمدة كهربائية عديدة ولوحات إعلانية على طريق الكورنيش[5]، كما تسبب الطقس السيئ في تصادم قطارين على خط الصعيد بين محطتي إمبابة ورمسيس، وهو ما أدى إلى إصابة 17 شخصًا بدون وقوع وفيات؛ وذلك يأتي نتيجة مباشرة لتأخر وزارة النقل في وقف حركة القطارات تحسبًا لوقوع حوادث[6]. كما تسببت الأمطار في غرق الكثير من المناطق، وانهيار الكثير من العقارات والأسقف.

ومع عدم جاهزية البنية التحتية في البلاد لهذه التغيرات المناخية، فقد لجأت الحكومة إلى قطع المياه عن مناطق واسعة من القاهرة الكبرى؛ بحجة عدم استيعاب شبكة الصرف الصحي للكم الهائل من مياه الأمطار[7]، كما لجأت كذلك إلى قطع الكهرباء لساعات طويلة وصلت لـ 48 ساعة متواصلة في بعض المناطق، ما دفع 17 ألف مواطن للتقدم بشكاوى على الخط الساخن لوزارة الكهرباء[8] خلال يوم واحد فقط، وقد استمر قطع المياه عن عدد من المناطق داخل القاهرة الكبرى لمدة 7 أيام.

ورغم هذه الهشاشة الواضحة في البنية التحتية في مصر، والفساد الذي كشف عنه انهيار طرق مدشنة حديثًا، أو تم تجديدها قريبًا، ورغم كثرة الضحايا الذين سقطوا نتيجة الطقس السيئ، ورغم الغياب الواضح للدولة، إلا أن السيسي حرص على شكر الحكومة؛ لجهودها في مواجهة الظروف المناخية غير المسبوقة في بلادنا[9]، كذلك حرص رئيس الوزراء على توجيه الشكر لأجهزة الدولة المختلفة؛ للتنسيق والتعاون البناء فيما بينهم لمواجهة الحالة الجوية غير المسبوقة في مصر، كما وجه الشكر لأفراد الشرطة على وجودهم في الشوارع ومجهوداتهم، وأجهزة القوات المسلحة؛ لمساهمتها في مواجهة الآثار السلبية للطقس السيئ[10].

 

كيف تعاملت الدولة مع العاصفة؟:

بدت الحكومة المصرية جادة في عدد من الإجراءات، منها:

(1) تعليق الدراسة بالمدارس والجامعات، ودعوة المواطنين للبقاء في بيوتهم خلال يومي العاصفة، ونشر تحذيرات الأرصادر الجوية عبر كل وسائل الإعلام.

(2) ما نفذته الحكومة من إجراءات احترازية، متعلقة بإخلاء مواطنين قاطنين بمناطق منخفضة، مثل: إجلاء ٨٠٠ مواطن في وادي النطرون.

(3) وجود عدد من المسئولين؛ إما في غرف عمليات، وإما موجودين في الشوارع وعلى الأرض، مثل متابعتهم عمليات شفط المياه من الشوارع.

(4) الدفع بعربات شفط المياه للشوارع، وإن كانت غير كافية؛ وهو ما أدى إلى تراكم المياه في المدن والطرق؛ مما تسبب في إعاقة حركة السير، وتسبب في سقوط ضحايا كثيرين[11].

لكن مع ذلك بدت الدولة غائبة بصورة كبيرة، ولم تغطِّ الإيجابيات المذكورة على هذا الغياب؛ فالجيش والشرطة لم يكن لهما وجود ذو بال في الشوارع وبين الناس، هذا الغياب ظهر في كثرة المبادرات الفردية التي لجأ إليها الناس لتجنب الآثار السلبية للطقس السيئ، كذلك كشفت الأمطار عن مدى تدهور البنية التحتية، خاصة ما يتعلق منها بتصريف مياه الأمطار، وكذلك التدهور في منظومة الصرف الصحي؛ ما جعلها عاجزة عن استيعاب كمية المياه الناجمة عن الأمطار.

لكن هذه الإخفاقات كما كانت دليلًا على العجز والفشل، كانت أيضًا دليلًا على ضعف اهتمام النظام بأمان المجتمع واحتياجاته، كما كانت كاشفًا عن اختلاف أولويات الإنفاق لدى الحكومة؛ فبينما ينفق النظام مبالغ طائلة على العاصمة الإدارية الجديدة، تبقى إنفاقاته على مشروعات البنية التحتية قليلة جدًّا؛ وهو ما ظهر في الضعف الشديد في البنية التحتية الذي كشفته موجة الطقس السيئ. كما كشفت موجة الطقس السيئ وتداعياتها عن الفساد المستشري في جسد الدولة؛ فكثير من الطرق المنهارة والتي أغرقتها الأمطار؛ إما تم افتتاحها مؤخرًا، وإما تم تجديدها في وقت قريب، كما أنها كلفت الدولة -بحسب المسؤولين- مبالغ طائلة.

النقطة الأخيرة في مسألة سليبات الدولة في التعاطي مع موجة الطقس السيئ، هو استغلال الحكومة ورموز النظام وأجهزته الإعلامية للأزمة في الترويج للعاصمة الإدارية الجديدة، عبر المقارنة بينها وبين محافظات الجمهورية، وبينها وبين القاهرة؛ وكيف أغرقت الأمطار البلاد، وكشفت عن ضعف وهشاشة بنيتها التحتية، هذه الهشاشة التي لا يبدو أنها قاصرة على المدن القديمة، إنما ضربت بأطنابها في المدن الجديدة كذلك، وبالتالي يصعب اتهام المجالس المحلية وحدها بالإهمال والفساد، في حين ظهرت العاصمة الإدارية الجديدة براقة منتصبة القامة في وجه العاصفة، وكأن الرئيس ونخبته مسؤولون فقط عن العاصمة، وكأن النظام والحكومة غير مسؤولين عن ضعف البنية التحتية، وعن الخسائر الكبيرة التي سببتها موجة الأمطار، هذه الإخفاقات الواضحة في تعاطي الدولة مع العاصفة وتداعياتها، دفعت باحثًا مرموقًا لوصف الدولة في مصر بأنها دولة في طور التحلل؛ لكنه حذر بأن هذا التحلل يتمدد إلى المجتمع أيضًا، ولا يكتفي بالدولة وأجهزتها ومؤسساتها.

الغريب أن هذا الضعف والتآكل في البنية التحتية -والذي كشفته الأمطار- يأتي بعد تصريحات للرئيس السيسي خلال جلسة المائدة المستديرة حول فرص الاستثمار في أفريقيا في مؤتمر “أفريقيا 2019″، الذي أقيم في العاصمة الإدارية، قال فيها إن قيمة ما تم إنفاقه على البنية التحتية في مصر بلغ 4 تريليونات جنيه خلال السنوات الخمس الماضية، وهو تصريح يعني إنفاق 800 مليار سنويًّا، بمعدل 66 مليار شهريًّا، و2.2 مليار جنيه كل يوم[12].

 

الخاتمة:

قراءة في تعامل المجتمع مع العاصفة:

تعامل المصريين مع تداعيات الأمطار كان هو الأبرز في مشهد الطقس السيئ: حالة واسعة من التضامن المجتمعي؛ فقد شاهدنا إحدى مناطق الصعيد تقدم الطعام والمأوى لركاب قطار اضطر للتوقف، ورأينا عديد المطاعم والكافيتريات تفتح أبوابها، وتعلن عن تقديم الطعام والشراب مجانًا للعالقين الذين لم يستطيعوا العودة لمنازلهم، ورأينا بعض الكنائس والمساجد تفعل الشيء نفسه، ورأينا من وضع سيارته في خدمة الآخرين، وأعلنوا عن أرقام هواتفهم لمن احتاج إليهم في أمر عاجل ليلا أو نهارًا، ومن الأطباء والجراحين من أعلنوا عن استقبال حالات لمرضى فقراء، وغير ذلك كثير[13].

هذا عن الجانب الإيجابي في تعامل الناس مع الأزمة، أما الجوانب السلبية التي كشف عنها تعامل المواطنين مع الأمطار؛ فمنها:

(1) أنه كشف عن غياب الدولة، فقد قام المواطنون بتأدية الأدوار التي كانت الدولة مخولة بتأديتها، فمساعدة المنكوبين، ومد يد العون لمن يحتاج، ووجود أجهزتها ومسؤوليها بين الناس هو مسؤولية الدولة، ومع غياب الدولة لعب المجتمع هذا الدور؛ فقد ظهر دور الأفراد في المساحات التي خلفها غياب الدولة وانسحابها.

(2) لكن ظل حضور المواطن كبديل للدولة، حضورًا فرديًّا، ومبادرة شخصية، ولم يشهد وجود كيانات ممثلة للمجتمع المدني، وسبب ذلك هي سياسة التأميم والعسكرة والقمع التي يتبعها النظام مع المجتمع المدني؛ بهدف تفكيك مؤسساته وكياناته، عبر اتهامها بالإرهاب، أو دعم كيانات إرهابية؛ وذلك بهدف السطو على أصولها من جهة، وبهدف إبقاء المجتمع في حالة ضعف لا تسمح له بالاحتجاج ضد استبداد السلطة وقمعها من جهة أخرى.

(3) كشفت هذه الأحداث عن الدور الكبير والإيجابي الذي كان يلعبه التيار الإسلامي وكياناته في مثل هذه الظروف، وكيف كانت الأدوار التي تلعبها هذه المجموعات تعوض غياب الدولة، وتغطي على ضعفها وهشاشة قدرتها في التعامل مع الأزمات.

(4) كشفت الأزمة عن وجود ميول إيجابية ومتعاونة في المجتمع لا زالت باقية، حتى وإن كانت كامنة وصامتة، في ظل انتشار العنف والتردي الأخلاقي والانهيار الاجتماعي، في ظل عنف الدولة، وانتشار الفقر والبطالة.

[1] مدى مصر، وفيات وإغلاق طرق بسبب الطقس السيئ .. والإفتاء تُجيز الغياب عن «الجمعة والجماعة» في حالة الوباء، 12 مارس 2020، الرابط: http://bit.ly/2U6hGfl

[2] صدى البلد، ضحايا الأمطار وسوء الطقس .. مصرع 24 وإصابة 45 .. سقوط 31 شجرة و39 عمودًا وإغلاق 7 طرق، 13 مارس 2020، الرابط: http://bit.ly/2U4WJ4t

[3] العربي الجديد، 25 قتيلًا في مصر بسبب الأمطار الغزيرة، 13 مارس 2020، الرابط: http://bit.ly/2QfbTDi

[4] العربي الجديد، مصر: انهيار طرق شرم الشيخ والسويس والكريمات المنفذة بواسطة الجيش، 14 مارس 2020، الرابط: http://bit.ly/3d1x31d

[5] العربي الجديد، مصر: خسائر في الأرواح والممتلكات بسبب الطقس السيئ، 13 مارس 2020، الرابط: http://bit.ly/33hQVJf

[6] الجزيرة نت، مصر .. أكثر من عشرين مصابًا باصطدام قطارين بمنطقة إمبابة، 12 مارس 2020، الرابط: https://bit.ly/2wk344q

[7] العربي الجديد، 25 قتيلًا في مصر بسبب الأمطار الغزيرة، 13 مارس 2020، الرابط: http://bit.ly/2QfbTDi

[8] اليوم السابع، غرفة عمليات الكهرباء: تلقينا 17 ألف شكوى على الخط الساخن 121 اليوم، 12 مارس 2020، الرابط: http://bit.ly/2wVyvlu

[9] بوابة فيتو، رسائل السيسي للشعب والحكومة خلال التعامل مع موجة الطقس السيئ، 13 مارس 2020، الرابط: http://bit.ly/38O4Wj2

[10] الوطن، رئيس الوزراء يشكر أجهزة الدولة: عشنا ظرفًا استثنائيًّا صعبًا، 13 مارس 2020، الرابط: http://bit.ly/2xBQNs9

[11] الموقف المصري (فيس بوك)، **تعامل الحكومة مع الطقس السيئ .. تقييم موضوعي**، 14 مارس 2020، الرابط: https://bit.ly/2xiAyQt

 

[12] محمد عبد الشكور، البنية التحتية والدولة المهلبية، 14 مارس 2020، الرابط: https://bit.ly/398irKr

[13] فيس بوك، الرابط: https://bit.ly/2J2PFjO

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…