‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر هل تنجح مصر في تغيير الموقف السوداني من أزمة سد النهضة؟
مصر - أبريل 4, 2020

هل تنجح مصر في تغيير الموقف السوداني من أزمة سد النهضة؟

فشلت جولات التفاوض بين مصر وإثيوبيا التي كانت ترعاها الولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاق لحل أزمة سد النهضة، وذلك عقب رفض إثيوبيا التوقيع على الاتفاق التي توصلت له واشنطن لحل الأزمة، وقد أظهرت تلك المفاوضات أن الموقف السوداني أقرب للموقف الإثيوبي منه للموقف المصري في تلك الأزمة، ولعل أبرز المؤشرات على ذلك هو التحفظ السوداني على بيان مجلس وزراء الخارجية العرب الأخير في القاهرة، المتضامن مع مصر في مواجهة إثيوبيا، ما دفع القاهرة إلى محاولة تغيير الموقف السوداني لصالحها، فهل تنجح في تحقيق ذلك؟

 

مساعٍ مصرية لتغيير الموقف السوداني من أزمة سد النهضة:

تسعى مصر لإظهار إثيوبيا كطرف منقلب على المفاوضات؛ مما يمكنها من فتح خطوط اتصالات دولية مع الدول الفاعلة في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي؛ لاجتذاب تأييد دولي ومؤسسي لموقفها المطالب بعدم البدء في الملء الأول لخزان السد في يوليو المقبل، إلا بعد الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل[1].

ولذلك تعمل القاهرة على تغيير الموقف السوداني بعد موقفه الأخير الرافض للتوقيع على اتفاق سد النهضة مع إثيوبيا، وذلك عقب فشل الجولة الأخيرة لمفاوضات سد النهضة التي رعتها الإدارة الأمريكية والبنك الدولي في واشنطن، والتي أسفرت عن مسودة اتفاق حول القضايا العالقة فيما يخص ملء السد، وقد وقعت مصر على تلك المسودة، بينما رفضت إثيوبيا والسودان التوقيع، ولم يكن هذا الموقف السوداني هو الأول من نوعه؛ بل تكرر أيضًا في رفضه بيان وزراء الخارجية العرب، الذين اجتمعوا في القاهرة في 8 مارس، وأصدروا بيانًا داعمًا لمصر في تلك الأزمة؛ حيث رفضت مندوبة السودان التوقيع عليه، بل إن الخرطوم اعتبرت هذا البيان مفجرًا لأزمة عربية إثيوبية[2].

وقد تركزت المساعي المصرية لتغيير الموقف السوداني على فتح قنوات للتواصل مع العسكريين السودانيين، وهو ما تمثل في استضافة القاهرة، 15 مارس الجاري، النائب الأول لرئيس مجلس السيادة السوداني الفريق محمد حمدان دقلو (المعروف بحميدتي) في زيارةٍ استغرقت يومين، تضمنت لقاءات مع السيسي ومدير الاستخبارات العامة عباس كامل.

وتأتي الزيارة بعد أقل من أسبوع من زيارة أجراها عباس كامل إلى العاصمة السودانية، 9 مارس الجاري، التقى خلالها بكل من رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وحميدتي، فضلًا عن الاتصال الهاتفي بين السيسي والبرهان، في 7 مارس الحالي؛ لمنافشة الملفات المشتركة، على رأسها أزمة سد النهضة.

ويحاول نظام السيسي مغازلة السودان؛ من أجل دفعه للتوقيع على اتفاق ملء وتشغيل سد النهضة، والإنضمام إليها في مطالبتها إثيوبيا بالتوقيع؛ حتى لا تبقى في موقعها طرفًا وحيدًا مؤيدًا للاتفاق، الذي سبق أن أعلن السودان موافقته على 90% من بنوده، بينما رفضته إثيوبيا بالكامل، وذلك مقابل تعهدات مصرية بمساعدة مجلس السيادة السوداني، عبر التواصل مع عدد من الجهات الدولية المانحة في أوروبا ووزارة الخزانة الأمريكية، لدعم موقف السودان في المطالبة بالحصول على عدد من القروض التنموية، وإسقاط ديون قديمة[3].

وتأتي محاولات تغيير موقف السودان كجزء من المساعي المصرية الهادفة لحشد الدعم الدبلوماسي العربي والأوروبي والإفريقي لحل أزمة السد، وهو ما ظهر في جولة وزير الخارجية، سامح شكري، لسبع دول عربية (الأردن والعراق والكويت والإمارات وسلطنة عُمان والسعودية والبحرين)؛ من أجل تسليم رسائل خطية من السيسي لنظرائه العرب، ضمن التحرك الساعي إلى الحشد عربيًّا ودوليًّا لدعم مواقف القاهرة في ما يتعلق بأزمة سد النهضة، وهي الجولة التي تأتي بعد تبني الجامعة العربية الموقف المصري، أكثر من ذلك فقد شهد اجتماع الجامعة مفاجأة، تمثلت في دعم قطر للموقف المصري[4].

وهناك أيضًا جولة وزير الخارجية الأوروبية، التي شملت بلجيكا وفرنسا، وقد أجرى شكري خلال تلك الجولة عدة لقاءات مع مسؤولي مؤسسات الاتحاد الأوروبي؛ حيث طالب “الاتحاد الأوروبي بحث إثيوبيا على توقيع اتفاق الملء والتشغيل لسد النهضة”[5].

فضلًا عن جولة شكري لزيارة 7 دول إفريقية هي (بوروندي وجنوب أفريقيا وتنزانيا ورواندا والكونجو الديمقراطية وجنوب السودان والنيجر)، كما قام وفد من وزارة الخارجية برئاسة السفير ياسر عثمان، مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية، ومشاركة السفير ياسر سرور، نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون مياه النيل، بزيارة كل من (الجزائر وتونس وموريتانيا)[6].

 

هل تنجح مصر في تغيير الموقف السوداني؟:

يرى العديد من المراقبين أن هناك مجموعة من العوامل التي قد تؤدي إلى تغيير الموقف السوداني لصالح مصر، منها:

1- أن النظام الجديد في الخرطوم مشابه للنظام المصري، من حيث هيمنة العسكريين على الحكم انقلابًا على الإسلاميين، الذين حكموا السودان في الفترة الماضية؛ ولذلك كان هناك شعور عام بأن هذا التشابه بين النظامين سينتج دعمًا سودانيًّا للقاهرة، يتجاوز الدعم الذي قدمته حكومة عمر البشير من قبل[7].

2- أن النظام المصري والنظام السوداني الجديد هما جزء من المحور الإقليمي الذي يعلي من قيمة الاستقرار، ويحبذ تولي العسكريين للحكم، ويرفض قيمة التغيير والثورة، ويعارض وصول المدنيين -خاصة الإسلاميين- إلى الحكم.

أكثر من ذلك، فهناك تعاون بين البلدين؛ من أجل ضم مزيد من الدول العربية لهذا المحور، والذي كان آخرها اتقاق عباس كامل مع حميدتي، خلال زيارة كامل للسودان، على نقل نحو ألفين من المقاتلين المدربين إلى ليبيا، لمدةٍ محددة، تصل إلى أربعة أشهر؛ من أجل مساعدة حفتر لإنهاء معركة طرابلس قبل شهر رمضان المقبل.

ويعتبر تحرك عباس بشأن الأزمة في ليبيا، يحمل تحركًا غير مباشر أيضًا في ملف سد النهضة؛ إذ تلعب مصر هذا الدور في إدارة الملف الليبي، بشكلٍ كامل، وتُبرم هذه الاتفاقات بتمويلٍ خليجي، وذلك في محاولة لإلحاق أكبر قدر من الخسائر بتركيا، التي بات إسقاط نظام الحكم فيها هدفًا أساسيًّا لكل من الرياض وأبو ظبي، وذلك في مقابل حصول مصر على دعم أكبر من البلدين في أزمتها مع إثيوبيا بشأن سد النهضة[8].

3- أن السيسى يدرك حاجة السودان إلى الدعم الأمني المصري، خاصة بعد محاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك؛ ولذلك فقد أبقى ملف السودان بيد رئيس جهاز المخابرات العامة وليس بيد وزارة الخارجية، ومن هنا تعددت زيارات اللواء عباس كامل إلى السودان، والتي كان آخرها بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، والتي وجهت الحكومة السودانية أصابع الاتهام فيها لبقايا نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، وبعض العناصر الأجنبية المقيمة في البلاد، وكانت الإشارة هنا -حسب الإعلام السوداني- موجهة إلى بعض الإسلاميين المصريين المقيمين في السودان، والذين تم القبض عليهم مؤخرًا[9].

فضلًا عن إمكانية قيام مصر بتقديم المشورة والدعم حول إعادة هيكلة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، خاصة مع إعلان رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان في الأسبوع الأول من شهر مارس، عن مشروع لإعادة هيكلة الجيش وقوات الدعم السريع، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية[10].

إلا أن هناك مجموعة من العقبات التي قد تحول دون حدوث أى تغير حقيقي في الموقف السوداني، يمكن تقسيمها إلى جزأين أساسيين:

الأول: الفوائد الكبيرة التي يجنيها السودان من السد الإثيوبي، ويمكن إجمالها في الآتي:

1- السد سيمكن الخرطوم من استغلال حصتها كاملة من مياه النيل، فعندما تحجز إثيوبيا قرابة 17 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق، بهدف توليد الكهرباء، ستسمح بمرور قرابة التدفق المتبقي من إجمالي التدفقات السنوية (أي 48-17= 31 مليار متر مكعب)، وذلك على مدار 365 يومًا، بدلًا من مرور نفس الكمية خلال أشهر الفيضان الثلاث (يوليو، أغسطس، سبتمبر)، وهذا سيساعد المزارعين السودانيين على زراعة أراضيهم (ثلاث دورات زراعية)، بدلًا من دورة واحدة حاليًّا، ومضاعفة عدد الدورات الزراعية يعني بالطبع عودة السودان دولة منتجة ومصدرة للغذاء، بدلًا من وضعها الحالي تستجدي مساعدات الأصدقاء للحصول على القمح.

2- ستحجز إثيوبيا كل المياه الفائضة القادمة من مرتفعات الهضبة الإثيوبية في موسم الأمطار الغزيرة خلال فترة الصيف؛ مما يؤدي إلى وقف الفيضانات المدمرة التي كانت تؤرق السودانيين كل عام، وتتسبب في مصرع العشرات، وتدمير الممتلكات، وجرف الأراضي الزراعية.

3- حصول السودان على طاقة كهربائية بأسعار زهيدة، تقل عن تكلفة التوليد المحلي بالسودان وإنشاء السدود، فأديس أبابا تمد جارتها الغربية منذ العام 2013، بـ 300 ميغا واط، يتوقع أن ترتفع إلى أكثر من 1100 بعد اكتمال السد، وهذه أيضًا قضية ملحة للغاية؛ حيث يعاني السودانيون من نقصٍ هائلٍ في الإمداد الكهربائي، تسبب في توقف الكثير من المصانع، وأحال حياة المواطنين إلى جحيم لا يُطاق.

4- انتظام الملاحة على النيل الأزرق ونهر النيل طوال العام، ففي الوقت الحاليّ لا تكون الملاحة النهرية منتظمة في السودان إلا في شهور الصيف من يونيو إلى أكتوبر.

5- بعد اكتمال سد النهضة يُنتظر أن تقل كمية الطمي الضار الذي يأتي للسودان سنويًّا مصحوبًا بالنفايات وجثث الحيوانات النافقة، فكانت تكلف الدولة مبالغ كبيرة لصيانة سدود السودان، مثل سد الرصيرص وسنّار ومروي، وبعد اكتمال السد ستتدفق مياه النيل الأزرق، ومعها كمية جيّدة من الطمي المفيد للزراعة.

 

ثانيًا: عوامل مساعدة للموقف السوداني الداعم لإثيوبيا، تتمثل في النقاط الآتية:

1- موقف إثيوبيا من الثورة السودانية مقارنة بالموقف المصري؛ حيث لعبت الحكومة الإثيوبية -بقيادة رئيس الوزراء أبي أحمد- دورًا كبيرًا في التوصل للاتفاق الدستوري بين قوى الحرية والتغيير من جانب والمجلس العسكري المحلول من جانب آخر، وهو ما رفع شعبية أبي أحمد في السودان، بينما -على النقيض- لعب نظام السيسي دورًا مغايرًا في محاولة تثبيت الحكم العسكري، والقضاء على الثورة، وهو ما تسبب في مشاعر كراهيةً لحكومة السيسي عند الثوار السودانيين.

2- جانب متعلق بالإعلام المصري والسينما المصرية، فقد تحوّل الرأي العام السوداني بشكل عاطفيّ إلى الجانب المناوئ لمصر؛ بسبب الطريقة التي كان الإعلام المصري يتناول بها السودان والشخصية السودانية.

3- الإرتباط الشخصي الوثيق بين رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك والقادة الإثيوبيين، فحمدوك أقام بالعاصمة الإثيوبية طيلة الـ 20 عامًا الماضية، وكان مقربًا من حكام إثيوبيا، بدءًا من رئيس الوزراء الراحل مليس زناوي، والسابق هايلا مريام ديسالين، إلى رئيس الحكومة الحاليّ أبي أحمد.

4- أن الجانب المصري يراهن على عساكر السيادي، وهم الفئة المكروهة في الشارع السوداني؛ إذ يعتبرها المواطن السوداني العادي امتدادًا لنظام المخلوع عمر البشير، إلى جانب تورط العسكر في مجزرة القيادة العامة، وعلاقاتهما المريبة بدول الثورات المضادة “الإمارات والسعودية”، ولذلك فإن مجرد ظهور البرهان وحميدتي كداعمين للموقف المصري، يجعل القضية خاسرة شعبيًّا من البداية، والحاضنة الشعبية مهمة لأي قرار مصيري في السودان في الوقت الحاليّ؛ لكون أداء الحكومة مراقبًا من الشارع الذي لا يزال ثائرًا[11].

كما أن تركيز السيسي على التواصل مع المكون العسكري في المجلس السيادي، دون محاولة فتح قنوات للتواصل مع الجانب المدني، قد يفسره المكون المدني دعمًا للعسكر؛ من أجل السيطرة على الحكم، وهو ما قد يدفع ناحية التشدد ضد مصر في ملف سد النهضة، لا سيما أن ملف العلاقات الخارجية قد أحيل إلى الحكومة المدنية التي يقودها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

5- أن النظام المصري لا يستطيع فعل الكثير للسودان؛ فهو لا يستطيع تقديم دعم مادي ومالي للسودان، ورغم أنه وعد سابقًا بالتوسط لدى بعض الدول الأوروبية والخليجية الصديقة لتقديم المزيد من المساعدات والدعم للسودان، فإن ذلك لم يحدث[12].

6- أنه حتى في ظل حاجة السودان لمصر في المجال الأمني؛ من أجل حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، أو في المجال العسكري؛ لإعادة هيكلة الجيش السوداني، فإن حاجتها لإثيوبيا لا تقل أهمية عن حاجتها لمصر في هذه المجالات، وهو ما ظهر في قيام وفد عسكري إثيوبي، بقيادة نائب رئيس هيئة أركان الجيش، الجنرال برهانو جولان، بزيارة للخرطوم عقب محاولة اغتيال حمدوك، التقى خلالها بوزير الدفاع السوداني، الفريق أول جمال الدين عمر، واتفق فيها الجانبان على تنسيق العمل المشترك على كافة المستويات في مجال التعاون العسكري؛ لضمان الاستقرار والأمن، ومكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود[13].

7- أن هناك ما يشبه توجه سوداني جديد، يسعى إلى فك ارتِباط الخرطوم تدريجيًّا بالهوية العربية، ولمصلحة نظيرتها الإفريقية، وهو ما ظهر في رفض السودان التوقيع على بيان جامعة الدول العربية الداعم لمصر في أزمة سد النهضة، وقبلها الموقف السوداني المنقلب على القضية الفلسطينية، والذي ظهر في لقاء البرهان بنتنياهو في أوغندا.

وفي مقابل ذلك، فإن السودان تدعم الموقف الإثيوبي في أزمة سد النهضة ضد مصر، كما يوجه الكثير من السودانيين انتقادات عديدة لمصر، تتمحور حول سيطرة القوات المصرية على مثلث حلايب وشلاتين المتنازع عليه بين البلدين[14].

 

 

وإذا حدث تغير في الموقف السوداني .. فهل تستفيد مصر؟

وعلى افتراض نجاح مصر في تغيير الموقف السوداني لصالحها، فمن المتوقع ألا يكون لذلك تأثير كبير، فالمشكلة الرئيسة تتعلق بالموقف الإثيوبي الرافض، والمتمسك بالسيادة الذاتية على السد، والمحتمي بمواقف الدول التي يشارك مستثمروها في إنشائه، أما في حال انضم السودان لمصر، فإن هذا لن يضعف الموقف الإثيوبي؛ بل قد يؤدي إلى معادلة صفرية، تعود بالمفاوضات إلى المربع الأول من جديد، منذ ما قبل توقيع اتفاق المبادئ في مارس 2015[15].

كما أنه بموازاة التحركات المصرية لحشد موقف عربي وإفريقي ودولي داعم لها، فهناك تحركات إثيوبية على مستوى العواصم الغربية؛ لإقناعها بسلامة الموقف المعارض لاتفاق ملء وتشغيل سد النهضة الذي وقعته مصر منفردة، وصاغته وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، وتلقى قبولًا واسعًا، خصوصًا في أوساط الوفود الدائمة في الاتحاد الأوروبي، والدوائر السياسية ذات الأصول والاتجاهات الإفريقية واللاتينية في الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة.

ويرجع هذا القبول الأوروبي للسردية الإثيوبية إلى الانطباعات التقليدية لدى الأوروبيين بوقوع مظلومية تاريخية على دول شرق ووسط وغرب أفريقيا؛ نتيجة آثار العصر الاستعماري الأوروبي، واستحواذ شمال أفريقيا، خصوصًا مصر، على اهتمام الغرب لعهود طويلة، فضلًا عن أفضليتها الاقتصادية والتنموية، وتمتعها بوجود نظام ري راسخ، وعدد من السدود، على رأسها السد العالي، الذي يمنع عنها مخاطر الفيضان، ويضمن استدامة الزراعة، وهناك أيضًا سبب آخر للتعاطف، يتمثل في وجود نظرة عامة للدولة المصرية؛ باعتبارها “فاشلة في إدارة مواردها”، وأنه كان يمكن لها الاستفادة من القروض والإعانات الغربية بتوسيع استفادتها من مياه البحرين الأبيض والأحمر، فضلًا عن تحسين جودة استخدام المياه؛ الأمر الذي لا تتمتع إثيوبيا بإمكانية تحقيقه من الأساس.

وتبدو الأمور في الولايات المتحدة متشابهة؛ إذ استطاعت التحركات الإثيوبية استمالة عددٍ إضافي من النواب الديمقراطيين والجمهوريين، الذين أصدر بعضهم بيانات ضد وزارة الخزانة الأمريكية، ومن أبرز السياسيين الذين يقودون الحشد في الأوساط الأمريكية لصالح إثيوبيا وضد مصر ووزارة الخزانة، النائبان عن الحزب الديمقراطي، جون غاراميندي وستيفن هورسفورد، واللذان عقدا بعض الاجتماعات مع أفراد من الشخصيات ذات الأصول الإفريقية والجاليات الإثيوبية في واشنطن ونيفادا وكاليفورنيا، تضمنت طمأنتهم لوجود رأي عام قوي مساند لأديس أبابا داخل الحزب الديمقراطي تحديدًا[16].

ختامًا، يبدو أن هناك العديد من التحديات أمام إمكانية نجاح مصر في تغيير الموقف السوداني من أزمة سد النهضة لصالحها، وربما يكون أقصى النجاحات التي قد تصل إليها المساعي المصرية هي قيام السودان بالتوسط لدى إثيوبيا؛ من أجل العودة مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات، دون ضمان أن تسفر تلك المفاوضات عن اتفاق حقيقي لحل أزمة سد النهضة.

[1] “سد النهضة: تعهدات مصرية لتبديل الموقف السوداني”، العربي الجديد، 11/3/2020، الرابط: https://bit.ly/3da4v5N

[2] قطب العربي، “حميدتي في القاهرة .. “فات المعاد””، عربي 21، 15/3/2020، الرابط: https://bit.ly/2Uf2oF7

[3] “سد النهضة: مصر تبحث عن دعم دولي وتغازل السودان”، العربي الجديد، https://bit.ly/3cSm0Y6

[4] “السيسي يعدّ العدّة لمواجهة بشأن «النهضة»: الدبلوماسية أولًا”، الأخبار، 10/3/2020، الرابط: https://bit.ly/2TWI6jJ

[5] “مصر تناشد {الأوروبي} حث إثيوبيا على توقيع اتفاق «سد النهضة»”، الشرق الأوسط، 13/3/2020، الرابط: https://bit.ly/3dcFE1n

[6] “وزير الخارجية يغادر القاهرة في مستهل جولة إفريقية تشمل 7 دول”، اليوم السابع، 17/3/2020، الرابط: https://bit.ly/2QvGBrX

[7] قطب العربي، مرجع سابق.

[8] “اتفاقات جديدة بين عباس كامل وحميدتي لدعم حفتر بالمقاتلين”، العربي الجديد، 15/3/2020، الرابط: https://bit.ly/3b46W8d

[9] قطب العربي، مرجع سابق.

[10] “مراقبون: هذه الملفات التي يمكن طرحها بزيارة حميدتي للقاهرة”، عربي 21، 15/3/2020، الرابط: https://bit.ly/2IQcOWJ

[11] “فوائد كبيرة للسودان من سد النهضة .. لهذا يصعب على حميدتي تغيير الموقف لصالح مصر”، نون بوست، 15/3/2020، الرابط: https://bit.ly/2xGZ5Pr

[12] قطب العربي، مرجع سابق.

[13] “وفد عسكري إثيوبي في الخرطوم: ملفات أمنية والأوضاع في الحدود”، العربي الجديد، 12/3/2020، الرابط: https://bit.ly/3b5VSY2

[14] “الحُكم العسكريّ السوداني يفك ارتباط بلاده العربيّ ويُجاهر علنًا بدعم إثيوبيا ضِد مِصر وفي قلبِ الجامعة العربيّة .. لمصلحة من هذا التّواطؤ لتجويع ملايين المِصريين؟ ومن يَقِف خلف هذا التحوّل السوداني الرسميّ الخطير؟ وما هي المُفاجآة القادمة؟”، رأي اليوم، 3/3/2020، الرابط: https://bit.ly/2Ue64XR

[15] “هل توقف إغراءات السيسي للسودان عطش المصريين؟”، وراء الأحداث، 11/3/2020، الرابط: https://bit.ly/2Qn5A0s

[16] “سد النهضة: تقدّم إثيوبي في الصراع الدبلوماسي مع مصر”، العربي الجديد، 15/3/2020، الرابط: https://bit.ly/2ITJJJV

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بعد مفاجأة «جمعة الغضب» .. هل يتجه الحراك  في مصر نحو «عصيان مدني»؟

بعد مفاجأة «جمعة الغضب» .. هل يتجه الحراك  في مصر نحو «عصيان مدني»؟   باغتت جمعة الغض…