‫الرئيسية‬ العالم العربي العراق العراق .. تاريخ من الصراعات وحلم الدولة الجامعة وآفاقها في زمن الكورونا
العراق - أبريل 6, 2020

العراق .. تاريخ من الصراعات وحلم الدولة الجامعة وآفاقها في زمن الكورونا

توطئة تاريخية:

تعاني العراق مذ لحظة تأسيسها التاريخية في عام 1921 على يد بريطانيا -في ضوء صراعها مع الدولة العثمانية- من حالة من التمزق والصراع الأهلي المستمر؛ نتيجة تشكيلها وفقًا لقطاعات بشرية متباينة، من عرب وأكراد من ناحية، وسنة وشيعة من ناحية أخرى؛ حيث شكلتها الحكومة البريطانية بصورة تسهل عليها عملية السيطرة على القبائل الاجتماعية، بما يحول بينها وبين توحدهم ضد الإحتلال، ويدخلهم في حالة حروب مستمرة بينهم وفقًا لمنطق فرق تسد[1].

استمرت حالة التطاحن الداخلي للدولة العراقية، وفشلت محاولات تشكيل دولة مركزية، حتى جاءت أنظمة ما بعد الكولونيالية التي حكمت عقب الاستعمار، وقاد النظام البعثي مرحلة ما بعد خروج بريطانيا؛ ليقوم بتشكيل نخبة طائفية، تجعل من السنة الحاكم المهيمن على المشهد العراقي، في حين تم اضطهاد الأكراد والشيعة، وأطاحتهم من المشهد السياسي، وهو المشهد الذي مثل لحظة صعود صدام حسين ذروته، حيث تمتع السنة بحالة من التميز والفوقية، لا سيما بعد حدوث الحرب الإيرانية العراقية، التي استمرت لثماني سنوات، شهدت فيها أوضاع الشيعة انخفاضًا أكبر.

رغم مساوئ الفترة البعثية، إلا أن الدولة المركزية تمكنت من إحكام السيطرة على المتناقضات داخلها؛ وذلك بفضل القبضة الأمنية المحكمة، ولكن نظرًا لأزمة الدولة العربية القومية التي تشكلت وفق سياق استعماري، وليس وفقًا لصيرورة اجتماعية واقتصادية وسياسية، فأزمة الدولة القومية في عالمنا العربي، أنها تنهار بسقوط رأسها، وبالتالي تدخل البلاد في حالة الفطرة الأولى التي وصفها توماس هوبز، بأنها حرب الكل ضد الكل، ولذلك ساهمت لحظة الغزو الأمريكي وسقوط بغداد في يدها مرحلة انهيار كامل للدولة العراقية؛ حيث قام الأمريكي بتفكيك شامل لكلّ مؤسسات وأجهزة الدولة، نتج عنه فراغ أمنيّ وإداريّ، تسبب في فوضى عارمة[2].

استعان الغزو الأمريكي بالشيعة للإطاحة بالنظام البعثي، وعندما قرر السنة الدخول في حرب مقاومة ضد الأمريكان، وهي المقاومة التي وصلت ذروتها بتعاون القبائل السنية مع تنظيم القاعدة، وتشكيل تنظيم دولة العراق الإسلامية، الذي سيتطور في النهاية لتنظيم داعش، قرر الأمريكان الاستعانة بفكرة الصحوات السنية لتفتيت التماسك السني، وبالفعل انقسمت السنة إلى نصفين أحدهما قاعدي بعثي مثل نواة داعش، والثاني من الإخوان المسلمين في العراق، وهؤلاء دخلوا في العملية السياسية، وتمكنت أمريكا من تدمير المقاومة بهذه الفكرة[3].

جاء نوري المالكي رئيس الوزراء بحكومة طائفية بامتياز أعادت للأذهان مرحلة صدام حسين، وتمت الإطاحة بالسنة وذبحهم، ووقفت واشنطن في موقف المتفرج، وتركت طهران تتمدد في العراق.

رحلة القبيلة في الحكم والإحكام:

لطالما كانت النزعة اللامركزية في نظام الخلافة الإسلامية طوال تاريخها، هو أحد أهم محددات قدرة الخليفة على الحكم، بمبدأ: أهل مكة أدرى بشعابها.

تمكن المسلمين بفضل تعزيز قوة الكيانات المحلية من ناحية، واختراع فكرة الأوقاف من ناحية أخرى، من تقوية الكيانات الصغيرة التي تسمى بالقبيلة، وتمكنت في بعض الأحيان من الوقوف في وجه الخليفة إذا تطلب الأمر؛ لحماية مصالح البلاد والعباد، واستمر هذا الحكم قائمًا، حتى جاءت الدولة العثمانية بأجندة يغلب عليها الطابع البيروقراطي السلطوي، الراغب في ربط كل شيء بالسلطان؛ ولذلك دخلت المؤسسات الدينية والقضائية تحت أمر السلطان، وأصبح الشيوخ والقضاة يعينون من البلاط الحاكم في إسنطبول، وهو أول مسمار يدق في الكيان اللامركزي للأمة، وهو ما تعزز بضرورة وجود حاكم لكل بلدة من أهالي إسطنبول؛ للمزيد من إحكام السيطرة.

أما في الوقت الحالي، فثمة تضخيم لدور القبيلة والعشيرة في عراق البعث وعراق ما بعد الاحتلال؛ كل ذلك نابع  من إسقاط مصطلحات الماضي التي حددت البنى الاجتماعيّة والسياسيّة قديمًا على ماهية الحاضر ببناها الاجتماعيّة والسياسيّة المغايرة. فالمصطلحات لازالت قائمة من قبيلة وعشيرة وشيوخ؛ ولكن تلك المصطلحات ما عادت تشتغل بصورتها القديمة؛ فثمة انزياح في المضامين البنيوية لتلك الكيانات، حوّلتها إلى “شبح هلامي”.

القبيلة بالأساس كانت تعني “دويلة متحركة” إلى حدود القرن التاسع عشر. ولكن ثمة انزياح خَطِر سيطرأ عليها مع بدايات الإصلاح الإداري والعسكري العثماني؛ حيث محاولة تفتيت الاتحادات الكبرى للقبائل، والدفع نحو الاستقرار الزراعي، وسيتحول الشيخ إلى متعهد جمع ضرائب زراعية ووكيل عن الدولة. فالشيخ سينزاح عن وظيفته ومهمته الكلاسيكية، بمثل تلك الإجراءات الإدارية الجديدة، من وضع محارب وزعيم مستقل إلى وكيل للدولة، وأداة لتدخلها وتواصلها تحت مظلة قانون “فضّ المنازعات العشائرية”[4].
ولكن مع سقوط الملكية، سيندثر كل ذلك، عبر تجريدهم من سلطتهم الاقتصادية (عبر قانون الإصلاح الزراعي عام 1959)، وتجريد سلطتهم السياسية (إلغاء مجلسي الأعيان والنواب)، وسلطتهم القانونية (إلغاء قانون فض المنازعات العشائرية)، وسلطتهم الاجتماعية (عبر التقسيم الإداري الجديد للمناطق، وما تبعه من موجات هجرة وتشتت للقبائل بين المحافظات)؛ كل تلك السلطات المُجرّدة ستعمل على تهميش دور القبيلة والعشيرة في دولة العراق ما بعد الاستقلال، وسيستمر إلى الآن.

سيزداد التعقيد أمام القبيلة والعشيرة في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003؛ نظرًا لحالة التشظي. فثمة “أيديولوجية القاعدة التكفيرية القطيعية (ومن بعدها داعش)، وثمة الحزب الإسلامي، وثمة حزب البعث الطامح إلى العودة، وثمة التنافس بين هذه القوى الأيديولوجية، وثمة القوى والمصالح المحلية الطامحة إلى الإفادة مما يمكن كسبه في الوضع الجديد (من عقود وتعويضات دنيوية ودخول في أجهزة الحكم)”[5].

هذا التشظي الذي سيطرح نفسه أمام القبلية والعشيرة في المجتمع السني، سيضع شيوخ القبائل والعشيرة في حيرة كبيرة، يعبر عنها الشيخ زيد المهدي الحسن -وهو شيخ عشيرة البو بالي (تكريت – بيجي)- بقوله: “نتوجه إلى الخدمة في الجيش والشرطة، يأتي حارث الضاري ويحرم المشاركة، ثم يأتينا التكفير من الزرقاوي و(أبو عمر) البغدادي، ويعود السياسيون في بغداد إلى النصح بالمشاركة في الجيش، فتغلق الحكومة الأبواب أمامنا، ثم يعود أبو بكر البغدادي للتكفير وقتل كل مشارك. نحن واقعون بين نارين”[6].

ولذلك فمن الخطأ القول إن القبائل العراقية قادرة على تغيير معادلات القوى في بغداد، وليس هذا تقليلًا منها، بقدر ما هو محاولة لفهم المشهد العراقي المعقد، ولكن هذا لا يعني -على الجهة الأخرى- أنه ليس ثمة تأثير للقبائل، فهذا خطأ أيضًا؛ لأنها تؤثر ولكن بقدر محدود، بقدر يسمح لأبناء القبائل بالتوظيف، ولتحقيق بعض مصالح لهم، تمكن شيخ القبيلة من الاستمرار في حكمها، لا سيما أنهم لا يحلمون بأكثر من ذلك، وهو ما أدركته جيدًا الإدارة الأمريكية، التي شعرت بأن النخبة الحاكمة أصبحت أضيق ما يكون، وأكثر ما يكون من التبعية لصالح طهران، ومن هنا لعبت على التناقضات، وعلى التهميش الكامل للقبائل الشيعية، فيما بعد بعض القبائل التي تم الاعتماد عليها في تشكيل قوات الحشد الشعبي وبعض المليشيات الإيرانية، ومن هنا حركت واشنطن بعض أوراق اللعبة، وحمست شيوخ القبائل على الدخول في تأجيج الاحتجاجات، وربما وعدتهم بحمايتهم .. لا توجد معلومة موثقة بخصوص هذا الاتفاق، إلا أن قراءة الأحداث وتحليلها يشير إلى هذا الاتجاه، لا سيما مع تكرار فشل الحكومات التي يتم اقتراحها مرة من جانب واشنطن، ومرة أخرى من جانب طهران.

 

هل تفعلها مجددًا؟:

لم يكن يتوقع أحد أن تقوم واشنطن بضرب القائد العسكري الأهم في المنظومة الحربية لدولة الفقيه الجنرال قاسم سليماني؛ ولكنها فعلت، وقتلت العنصر العراقي الأهم، وهو المهندس، قائد مليشيات الحشد الشعبي، ولم تكتف بذلك؛ بل حرمت أنصار إيران من القيام بجنازة عسكرية تليق به في بغداد، بعدما حلق الطيران الأمريكي فوق سماء بغداد طيلة أيام.

فالحكومة الأخيرة تم اقتراحها من جانب الرئيس العراقي برهم صالح، التابع شكليًّا لأمريكا، وتواجه خطر الفشل؛ وذلك نتيجة ضغط طهران -بكافة أوراقها التشريعية والتنفيذية- لإفشال هذه الحكومة، بعدما أفشلت واشنطن الحكومة السابقة، بإشعال الشارع ضدها.

وفي هذه الآونة، وسط أنباء عن احتمال قيام الولايات المتحدة الأمريكية بهجمات واسعة على حلفاء إيران في العراق خلال الأيام المقبلة، حذّر القائد العام للحرس الثوري الإيراني، الجنرال حسين سلامي، واشنطن قائلًا: إنني أنصح المسؤولين الأمريكيين بالتفكير في شأن مواطنيهم في نيويورك وبقية الولايات التي تعاني من كورونا، بدلا من التفكير بسيناريوهات هوليوودية في العراق وقتل شعبه[7].

تأتي تصريحات القائد العام للحرس الثوري الإيراني في وقت تزايدت فيه احتمالات توجيه الإدارة الأمريكية ضربات إلى “الحشد الشعبي” العراقي المتحالف مع إيران، بعد إخلاء التحالف الدولي قواعد له في العراق، وإخراج واشنطن موظفيها “غير الأساسيين” في سفارتها ببغداد وقنصليتها في أربيل؛ حيث رجحت تقارير صحافية أمريكية وقوع هذه الهجمات، منها تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، قالت فيه إن البنتاغون أصدر أمرًا لقادة الجيش بالتحضير لحملة “لتدمير المليشيات التابعة لإيران” في العراق.

 

الكورونا .. هل تعيد تشكيل النظام السياسي العراقي:

حاولت واشنطن القيام بضربة استباقية باقتراح الزرفي رئيسًا للوزراء؛ كي يتم تفويت الفرصة على طهران في تقديم مرشح تابع لها، لا سيما وأن أمريكا تعاني حاليًّا من انتشار الوباء داخلها، وتلعب حاليًّا بورقة كسب الوقت؛ كي تتمكن من تجاوز أزمة الكورونا، وهو ما تدركه جيدًا طهران، التي رغم اشتعال الوضع الإيراني واحتمالية انهيار الدولة بالكامل؛ نتيجة تفشي المرض، إلا أنها تحاول الاستفادة من انشغال واشنطن بتثبيت نفسها أكثر في بغداد، وطرد الزرفي، وتشكيل حكومة جديدة تابعة لها.

ومن هنا قد نجد الأوضاع تذهب لصالح طهران، خاصة وأن الشارع لن ينزل في مظاهرات حاليًّا؛ بسبب الوباء، ولكن السؤال: هل تورط طهران نفسها في تشكيل حكومة في ظل وباء عالمي يهدد الجميع؟

بمعني آخر أن العراقيين يشتكون من ارتفاع الأسعار بصورة جنونية، ناهيك عن نقص الاحتياجات الصحية وأدوات التعقيم والكمامات، فهل النظام العراقي المهترئ قادر على مواجهة الأزمة الحالية؟

وختامًا، الأوضاع حاليًّا في صالح طهران ظاهريًّا، إلا أنها قد تكون نهايتها بالفعل لعدة أسباب؛ أولها: أن إيران نفسها تعاني الأمرّين بسبب انتشار الفيروس، وبالتالي فخطر انفجار الأوضاع قائم وبقوة في طهران، وثانيًا: أن العراق نفسه مؤهل بقوة للانفجار في حالة فشل الحكومة المنتظرة في ملف الكورونا، وثالثًا: أن الأوضاع تؤهل بشدة عودة تنظيم داعش؛ نتيجة انشغال الجميع بأزماته، وحينها هل ستصمد طهران الجريحة أمام غضب الدواعش، لا سيما إذا تمكنوا من عقد تفاهمات مع بعض الأطراف السنية، أو على الأقل ضمنوا عدم خروج القبائل الشيعة ضدهم، إذا أعلنوا أن حربهم ضد المليشيات الإيرانية، وماذا إذا صممت واشنطن على عدم ترك ملف بغداد لإيران؟

كلها تساؤلات تعبر عن مدى تعقد المشهد العراقي، إلا أنه يوضح بجلاء أن الأمر لن يحسم بسهولة، وأن ما تظنه طهران منحة، قد يكون المحنة الأشد.

 

[1]  فالح عبد الجبار، “دولة الخلافة التقدم إلى الماضي”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، الطبعة الأولى، ص 43.

[2]  طوسون البديري، الإسلام العدمي وتشظي المجتمع السني: حالة العراق أنموذجًا، معهد العالم للدراسات، 9/9/2018، الرابط: https://bit.ly/2xvnAiz

[3]  فالح عبد الجبار، مصدر سابق، ص 85.

[4]  فالح عبد الجبار، مصدر سابق، ص 275.

[5] فالح عبد الجبار، مصدر سابق، ص 281.

[6] فالح عبد الجبار، مصدر سابق، ص 148.

[7]  تحذير إيراني لواشنطن بشأن العراق: لا سيناريوهات هوليوودية، العربي الجديد، 28/3/2020، الرابط: https://bit.ly/2UD5dA0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

العراق المرتبك : عودة داعش والتظاهرات

شن تنظيم داعش هجومًا على حاجز لميلشيا الحشد الشعبي في محافظة ديالي، والقتيل هو قائد المدفع…