‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا .. هل تؤدي إلى سقوط نظام السيسي؟
مصر - أبريل 9, 2020

التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا .. هل تؤدي إلى سقوط نظام السيسي؟

هناك شبه إجماع بين الخبراء والمحللين والساسة أن النظام العالمي في طريقه للتغير بشدة في أعقاب تفشي وباء كورونا  “كوفيد ــ19” الذي بدأ في الظهور منتصف ديسمبر 2019م في منطقة ووهان بالصين، وهي تحولات عميقة وممتدة وذات تأثير قوي على خريطة النظم والتحالفات الدولية والإقليمية خصوصا في الدول التي توصف بالهشة والتي تعاني أساسا من ضعف عام في بنيتها السياسية والاجتماعية وتدهورا في منظومتها الاقتصادية والصحية.

ويتوقع موقع «ميدل إيست آي» البريطاني([1]) أن تفضي التأثيرات الصحية والاقتصادية إلى تحولات اجتماعية ضخمة في بلاد الربيع العربي التي شهدت انتكاسة على الحريات في أعقاب نجاح موجة الخريف العربي والثورات المضادة في إجهاض مكتسبات الربيع العربي في منتصف 2013م، هذه التوقعات تذهب إلى احتمال اندلاع موجة جديدة من الربيع العربي تأثرا بالتداعيات الناجمة عن تفشي وباء كورونا وتأثيراته العميقة على جملة الأوضاع الصحية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

جائحة كورونا تعتبر سيفا ذا حدين بالنسبة للحكومات الديكتاتورية العربية؛ فقد تزيد من فرص الاستقرار على المدى القصير، لكنها ستتسبب في تآكله على المدى المتوسط؛ فانتشار الوباء يجعل المواطنين يعتمدون قسرا على حكومات تلك الدول والإذعان لهم ــ ولو مؤقتا ــ تجنبا لمزيد من المشاكل في وقت يلاحق فيه الوباء الجميع دون تمييز، ويهدد بتدمير  مقومات هذه الدول البشرية والمادية على حد سواء.

ولعل ما جرى في العراق ولبنان والجزائر خير مثال على الفائدة التي عادت لتلك النظم الدكتاتورية من انتشار العدوى فقد حققت لها استقرارا نسبيا ولو بشكل مؤقت، وأسهمت في وقف المظاهرات والاحتجاجات المطالبة بالحريات والعدالة الاجتماعية، وفي مصر أجبرت الجائحة جماعة الإخوان المسلمين إلى الإعلان عن هدنة مؤقتة في صراعها المرير مع النظام العسكري وأكدت الجماعة أن الأولوية خلال المرحلة الراهنة هي لمواجهة الوباء رغم الجراحات العميقة والضربات المؤلمة التي تعرضت لها على يد نظام انقلاب 30 يونيو؛ فعشرات الآلاف من قادتها وعناصرها لا يزالون قابعين في سجون النظام العسكري لأسباب سياسية بحتة.

هذا الاستقرار النسبي المؤقت يحمل في ثناياه في ذات الوقت تهديدا مباشرا يهدد النظم القائمة بشكل أكثر عمقا وعنفا،  حيث تواجه هذه النظم صعوبات كبيرة في تلبية الاحتياجات الأساسية للشعوب مثل الغذاء والكهرباء والتعليم، وستتسبب الاستجابة المضطربة للجائحة في إثارة المزيد من السخط الشعبي، بخلاف الاتهامات التي تلاحق جيوش هذه الدول بالتربح من الأزمة واستثمارها اقتصاديا لتعزيز إمبراطورية العسكر الاقتصادية في الوقت الذي تعصف فيه الجائحة بعشرات الملايين وتدفعهم إلى البطالة والفقر، علاوة على ذلك، من المحتمل أن يكون الانخفاض الكبير في أسعار النفط مدمرًا على المدى المتوسط ​​للجزائر وليبيا، ومن المحتمل أن يشمل ذلك أيضًا مصر، حيث سيؤثر تدريجيًا على الاستثمار في مشروعات غاز شرق المتوسط والتحويلات من الخليج.

 

مؤشرات ضعف السيطرة

معضلة السيسي الكبرى أن أساليبه القمعية لن تجدي مع تفشي الوباء، فالحكام الدكتاتوريين لا يستطيعون القبض على كورونا؛ والفيروسات لا تحترم قوانين السيسي وأجهزته الرقابية؛ لذلك يجد المستبدون أنفسهم عاجزين أمام انتشار العدوى، وعندما أراد السيسي إظهار سيطرته واستخدام أساليبه المعروفة مع بدء تفشي الوباء رد بطريقته المعروفة بنشر قوات الحرب الكيماوية الذين نزلوا إلى شوارع القاهرة ببدلهم الواقية والمطهرات في “عرض مسرحي للعضلات العسكرية تم نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي”،([2])  واتضح أن هذا العرض المسرحي واستعراض القوة كان بهدف التغطية على حالة الضعف والرعب التي تنتاب النظام بعد أن كشفت تقارير قدمتها أجهزة السيسي الأمنية عن اختراق الفيروس لحصون الجيش وإصابته عددا من كبار قادته وجنرالاته؛ مادفع النظام إلى الإعلان عن وفاة جنرالين كبيرين بعد ذلك بأيام، كما خضع السيسي وعائلته وكذلك رئيس جهاز المخابرات عباس كامل وأسرته في الحجر الصحي بعد اختلاطهم بمصابين بالوباء.

المؤشر الثاني على تراخي قبضة النظام، اندلاع عدة مظاهرات في المشافي وبعض القرى التي فرض عليها الحجر، فأمام الضغوط الرهيبة التي يمارسها النظام للتعتيم على الحقائق اضطر أطباء وممرضون إلى التظاهر أو فضح المستور عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ مطالبين بتوفير المعدات والأجهزة الطبية التي تكفل حمايتهم ووقايتهم من العدوى، كما حدث في المعهد القومي للأورام وحميات إمبابة وغيرها، كما تظاهر مئات المواطنين في قرية الهياتم بمركز المحلة الكبرى رفضا  لفرض الحجر على جميع أهالي القرية، وهي مؤشرات يخشى النظام من أن تفضي إلى فقدان السيطرة إذا تزايدت معدلات الإصابة بالوباء وفرض العزل على مزيد من المدن والقرى والأحياء؛ بما يهدد انتقال السلع الغذائية بين المحافظات وسط مخاوف من شحها بالأسواق وهو ما يمكن أن يفضي إلى فوضى عارمة لا يمكن احتوائها.

ثالث المؤشرات، هو تراجع النظام عن عدة خطوات اتخذها كما حدث مع رفع أسعار تحاليل البي سي آر للراغبين في العودة إلى أعمالهم بدول الخليج، والذي طلبت عليه الحكومة ألفي جنيه؛ فقد أجبر الرأي العام الرافض لهذا الابتزاز حكومة العسكرعلى تخفيض قيمة إجراء التحاليل؛ وهو ما تكرر بصورة أكثر وضوحا مع المصريين العائدين من الخارج إذ أرادت حكومة الانقلاب ابتزازهم بتحميلهم تكاليف الحجر في فندق 5 نجوم بسعر ألفي جنيه لليلة الواحدة؛ وهو ما قوبل برفض عارم وطلب الرأي العام إقامتهم في فنادق الجيش وقصور السيسي الفارهة ما أجبر النظام على التراجع بشكل فوري وسريع والإعلان عن تحمل كافة نفقات الحجر الصحي لهم.

 

مؤشرات الانهيار الاقتصادي

أبرز مخاوف النظام هي ضعف المنظومة الاقتصادية التي أسسها نظام السيسي على مدار سنوات ما بعد الانقلاب  وهناك توقعات شديدة السلبية لأهم مصادر الدخل القومي خلال المرحلة الراهنة والمقبلة.([3])

أولا، توقعات بعدم قدرة النظام على تسديد مستحقات الدين العام في مواعيدها المقررة خلال العام الجاري؛ حيث يتعين على حكومة الانقلاب تسديد نحو 18,6 مليار دولار خلال 2020م، ([4]) فنظام السيسي يحصد ما زرع من توسع في الاستدانة حيث ارتفعت الديون الخارجية من 43 مليار دولار في 2013 إلى أكثر من 110 مليارات،  والديون المحلية من 1.4 تريليون جنيه، إلى 4.18 تريليونا بنهاية سبتمبر 2019م بحسب أرقام البنك المركزي.

ثانيا، توقعات بانهيار قطاع السياحة هذا العام وهو أحد مصادر الدخل القومي؛ حيث حقق العام الماضي 2019 نحو 12.6 مليار دولار بحسب البنك المركزي، وهناك توقعات بألا يحقق القطاع شيئا يذكر إذا استمرت جائحة كورونا حتى نهاية العام الجاري.

ثالثا، تتوقع مؤسسات مالية تراجع إيرادات مصر من تحويلات المصريين بالخارج والذين يبلغ عددهم نحو 10 ملايين مصري، وهؤلاء حولوا  ما بين 26 إلى 30 مليار دولار خلال 2019م، ومع الانكماش الحاد في الاقتصاد العالمي الذي يبلغ حد الانهيار مع تواصل الوباء فإن هذه الأرقام مرشحة للتراجع بشدة، نفس الأمر ينطبق على قناة السويس، فثمة توقعات لمؤسسات مالية ترجح تراجع إيراداتها بشدة والتي بلغت نحو 6 مليارات دولار العام الماضي؛ وذلك تأثرا بتراجع مستويات التجارة العالمية بسبب كورونا وغلق مدن صناعية بأكملها وعزل أكثر من 3 مليارا إنسان على مستوى العالم، ومن أبرز المشاكل التي تواجه النظام أيضا أن صادرات مصر لا تغطي سوى ثلث وارداتها، وأن الفشل الذريع لخطة صندوق النقد الدولي تمثل في عدم مساعدة مصر على زيادة حجم صادراتها، التي لم تتجاوز ستة مليارات دولار، مقابل واردات بقيمة 18 مليار دولار.

رابعا، عدم القدرة على تحقيق أي مستهدفات من الضرائب التي تسهم بنحو تريليون جنيه سنويا بنسبة تصل إلى أكثر من 80% من موارد الموازنة العامة للدولة؛ لأسباب تعود إلى غلق المصانع والشركات والحد من الحركة داخل المجتمع للعمال والفلاحين والموظفين وأرباب المهن الحرة، والتركيز على حث الناس على الانعزال داخل المنازل تجنبا للإصابة بالعدوى أو نقلها لآخرين، ومع غلق المحلات والمقاهي والمسارح ودور السينما ومخاوف الناس من الاختلاط بآخرين فإن معظم القوى العاملة داخل المجتمع سوف تتأثر دخولها بشدة وجميع التجار والصناع وأصحاب المهن الحرة، وحتى رجال الأعمال وحيتان النظام، وبذلك لن يتمكن النظام من جني الضرائب كما كان يفعل وهو ما يعني عدم قدرة النظام على توفير الضروريات اللازمة للمجتمع من طعام وشراب فضلا عن مخصصات مكافحة وباء كورونا؛  فهل يجرؤ النظام على مطالبة الناس بالضرائب وهم في ظل هذه الأوضاع ويتعرضون لخسائر حادة ما بقي الوباء قائما؟ فذلك كفيل بانفجار الأوضاع وخروجها عن السيطرة وهو ما يخشاه النظام بشدة.

خامسا، تخشى حكومة الانقلاب من السيناريو الكارثي وهو استمرار العدوى حتى نهاية العام، فحكومة الانقلاب عندما وضعت ثلاثة سيناريوهات وصفت الأول بالمتفائل والذي تتوقع معه انحسار الوباء في أول شهر مايو المقبل، والسيناريو الثاني وصفته بالواقعي وتتوقع أن يتم احتواء الوباء مع نهاية يونيو أو يوليو المقبل، أما السيناريو الثالث والكارثي بحسب وزيرة التخطيط هالة السعيد، هو استمرار الوباء حتى نهاية العام، يعزز هذه المخاوف أن المخزون الإستراتيجي من السلع الأساسية يكفي لمدة 3 شهور فقط، والاحتياطي النقدي “45” مليار لا يكفي سوى شهرين على أقصى تقدير  ما يعني أن النظام سوف يواجه الإفلاس إذا استمرت الأزمة حتى نهاية العام، إذ كيف يوفر مرتبات العمال والموظفين؟ ومن أين يوفها وجميع مصادر الدخل القومي أصابها شلل شبه تام؟

سادسا،  يفاقم من الأزمة أن دول الخليج التي يعتمد عليها النظام كعادته في كل ورطة باتت هي الأخرى تعاني بشدة، فبخلاف أزمة تفشي الوباء التي عطلت جميع مصادر الإنتاج لديها وأغلقت آلاف الشركات والمصانع والمؤسسات، فإن تراجع أسعار النفط بنسبة تصل إلى 70% من 67 دولارا إلى 22 دولار؛ يسهم في تراجع إيرادات هذه الدول بشكل حاد وغير مسبوق ما يجعل مساعدتها لنظام السيسي خلال هذه الأزمة العامة محل شك كبير.

سابعا، استحالة توفير النظام مظلة حماية اجتماعية شاملة لكل الفقراء البالغ عددهم نحو 35 مليونا بحسب تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أو 60 مليونا بحسب تقديرات البنك الدولي، هذا بخلاف المتضررين من أزمة كورونا وهؤلاء أيضا بعشرات الملايين فهناك قرابة 15 مليونا من العمالة غير المنتظمة وأرباب المهن الحرة و23.5 مليونا من العاملين بالقطاع الخاص وهؤلاء جميعا تأثروا بشدة من أزمة كورونا، وإذا وجد هؤلاء أنفسهم أمام الموت جوعا أو بكورونا سيفضلون الموت بكورونا، وبذلك يتم إجهاض جميع الإجراءات الاحترازية التي اتخذها النظام من أجل احتواء العدوى؛ وربما يسفر الأمر عن سيناريو كارثي يفوق ما تشهده إيطاليا وأمريكا؛ وبذلك تخرج الأمور تماما عن السيطرة عن قدرة النظام وهو السيناريو المرعب الذي يخشاه السيسي وحكومته.

ثامنا، يزداد الوضع صعوبة إذا علمنا أن مصر تستورد نحو 60% من غذائها وعلى رأسه القمح والفول والعدس والزيوت واللحوم والأسماك، وبحسب تصريحات حكومية فإن المخزون الإستراتيجي للسلع يكفي ما بين 3 إلى 4 شهور فقط؛ فماذا إذا استمرت الأزمة حتى نهاية العام أو تواصلت إلى العام المقبل أيضا؟ ويزداد الموقف بؤسا إذا علمنا أن معظم الدول المصدرة للسلع الغذائية أوقفت عمليات التصدير تجنبا لأزمة غذاء إذا استمر الوباء؛ خصوصا وأن كبرى مصانع الإنتاج توقفت أو باتت مهددة بالتوقف على خلفية تفشي الوباء بين العمال والموظفين والمزارعين، وبذلك يجد النظام في مصر نفسه أمام وضع شديد الصعوبة في كيفية تدبير احتياجات الناس من السلع الغذائية،  فإما يواجه صعوبة توفيرها لهذه الأسباب، أو يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعارها بشكل حاد يفوق قدرات المصريين؛ والنظام العسكري هو بالطبع المسئول عن هذه الكارثة لأنه تجاهل عمدا الأهمية القصوى لضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والدواء والسلاح، وحتى الرئيس المدني المنتخب ديمقراطيا الذي جاهر بأن أولويته هي تحقيق هذه الضروريات تم الانقلاب عليه وإيداعه بالسجن لسنوات بتهم ملفقة حتى مات كمدا وحزنا على ما آلت إليه أوضاع مصر تحت حكم العسكر.

 

مخاوف صهيونية

إزاء هذه المعطيات؛ تخشى دوائر صهيونية على مستقبل أنظمة تحالف الثورات المضادة من أن تفضي تطورات انتشار الوباء وعدم قدرة هذه النظم على تلبية ضرورات الحياة لشعوبها والتعامل بعشوائية مع تفشي الوباء إلى فوضى ربما تؤدي إلى سقوط نظم عربية عتيقة تؤدي أدار وظيفية شديدة الخطورة والأهمية للكيان الصهيوني. وبحسب «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» قد تجد (إسرائيل) نفسها مضطرة للتعامل مع انهيار الأنظمة الحاكمة في عدد من الدول. وستكون التطورات الأكثر تأثيرا، على الأقل في المدى القريب، في المناطق المتاخمة لـ(إسرائيل)، ولكن إلى جانب التحديات التي تفرضها آثار الفيروس المزعزعة للاستقرار، قد تظهر فرص للتعاون مع الدول التي تكافح بالمثل للتغلب على الوباء، وعلى هذا النحو، سيكون من الأهمية بمكان بالنسبة لـ(إسرائيل) أن تعزز التعاون مع السلطة الفلسطينية ومصر والأردن لتبادل المعلومات الصحية، وتوفير المعدات الطبية والعلاجات المتاحة، وإدارة الحدود.([5])

في ذات السياق، يتفق تحليل أعدته الباحثة كسنيا سبطلوف لمعهد دراسات السياسات الخارجية والعلاقات الإقليمية لإسرائيل (ميتفيم) في 18 مارس 2020م، ونشره موقع صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، مع تقدير الموقف الذي أعده «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي»، بالتحذير من سقوط أنظمة عربية وثيقة التحالف مع (إسرائيل) وأن انتشار فيروس كورونا يمكن أن يسهم في سقوط أنظمة حكم عربية، ويفضي إلى تدهور “البيئة الاستراتيجية” لإسرائيل، لكن هذا التحليل اختص بالتحذير النظم العربية المتأخمة لإسرائيل وعلى  رأسها نظام السيسي في مصر.

وبحسب سبطلوف التي كانت عضواً في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، فإن “انهيار النظم الصحية في الدول العربية التي تحيط بإسرائيل، سيجعل أنظمة الحكم فيها عاجزة عن مواجهة الفيروس؛ مما يزيد من فرص انفجار هبّات شعبية تؤثر على استقرار هذه الأنظمة، ويزيد من فرص تهديد بيئة إسرائيل الإقليمية”، وتشكك “سبطلوف” في قدرة نظام السيسي على الصمود أمام محنة كورونا كما شككت في قدرته على تجاوز تأثير الأزمة المالية التي تعصف بالعالم كله بسبب الوباء؛ وطالبت صناع القرار في تل أبيب بضرورة الحرص على متابعة الأوضاع في مصر والأردن؛ لأن نظامي الحكم بهما يرتبطان معها بعلاقات استراتيجية وتعاون أمني وثيق في “مواجهة الإرهاب”، مشيرة إلى أنّ أي تأثير على الأوضاع الداخلية في البلدين سيطاول حتماً أمن (إسرائيل) ومكانتها الاستراتيجية، كما دعت إلى ضرورة استنفار الغرب لمساعدة نظام العسكر في مصر تحديدا؛ محذرة من أن انهيار نظام السيسي سيمثل ضربة قوية لكل الجهود المبذولة لمواجهة ما أسمته بالإسلام المتطرف” وضرورة تقديم حزمة مساعدات مالية ضخمة لنظام السيسي قبل فوات الأوان؛ لأن ما يزيد الأمور تعقيدا في مصر أن سلوك نظام السيسي يفتقد إلى الشفافية بشأن أرقام انتشار الوباء، إضافة إلى ما تعانيه مصر من واقع بائس للمؤسسات الصحية؛ وتوقعت أن تتعرض مصر لأضعاف ما تتعرض له إيطاليا، بسبب قلة الإمكانيات وعجز الدولة عن فرض العزل الذي يمكن أن يقلص فرص الإصابة بالمرض.([6])

هذه المخاوف، انتقلت من دوائر البحث إلى صناع القرار؛ ودفعت جهات مسئولة في الكيان الصهيوني إلى دعوة حكومتها  إلى الإسهام بشكل فعال في تعزيز قدرات أنظمة تحالف الثورات المضادة والتعاون الوثيق معها في جهود مكافحة فيروس كورونا، ونشر صفحة وزارة الخارجية بحكومة الاحتلال الناطقة باللغة العربية تغريدة يوم 29 مارس 2020 قالت فيها «في أجواء الكورونا .. التعاون هو أفضل الحلول»، وأرفقت التغريدة بصورة تحمل أعلام دول تحالف الثورات المضادة وهي السعودية والإمارات ومصر.([7])

 

موقف الجيش

وحول موقف المؤسسة العسكرية، توقعت دراسة للباحث في الشأن العسكري محمود جمال نشرها المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية،([8]) حدوث ما وصفته بـ “انقلاب ناعم” على السيسي من قبل مناوئيه داخل الجيش، بشرط توافر مجموعة من الشروط في ظل معادلة سياسية واقتصادية واجتماعية، يكون البادئ فيها وصاحب المبادرة هو الشعب، عبر تحركات جماهيرية واسعة تطالب بالتغيير أو فوضى عارمة لأسباب تعود إلى تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد والمجتمع، ويكون دور المناوئين للسيسي داخل الجيش تلبية دعوات وتحركات الشعب على غرار ما حدث مع مبارك في فبراير2011م، وبحسب الدراسة فإن المناوئين للسيسي داخل المؤسسة العسكرية، ليسوا مؤهلين لتنفيذ انقلاب خلال الفترة الراهنة، لأسباب تعود إلى  الدعم الخارجي الواسع الذي يتمتع به نظام السيسي الذي يبدي تجاوبا واسعا مع ضمان حماية المصالح الإسرائيلية والأمريكية والغربية عموما في مصر والمنطقة، ولذلك فإن المناوئين للسيسي داخل الجيش يفضلون الإطاحة به على طريقة مبارك؛ بمعنى أنهم غير مؤهلين لصناعة الحدث لكن يمكنهم فقط الاشتباك مع حالة تغيير قادمة، وقدرة هذا الفريق ستكون مرهونة بمدى اشتعال حالة حراك مجتمعي يتوافر فيها التوجيه والحشد وإخراج وثائق وأدلة تسبب مزيدا من الإحراج للنظام.

المواجهة المقبلة بين السيسي والمناوئين لنظامه داخل الجيش وأجهزة الدولة ـ بحسب الدراسة ــ ستكون مختلفة عن المواجهات السابقة خصوصا ما جرى في يناير 2020 في إشارة إلى ما جرى من تفاهمات انتهت بهدنة وانفراجة محدودة لبعض الجنرالات المناوئين للسيسي وعلى رأسهم الفريق سامي عنان وغيره، وترى أن الصدام المقبل سيكون صفريا، وأن أي حراك قادم مهما كان شكله ستشتبك معه بالأساس تلك الأطراف الراغبة في التغيير داخل الجيش وداخل المؤسسات السيادية، ولن تتوقف في منتصف الطريق كما فعلت في يناير 2020، لأنها لن تدخل في حالة تفاوض مرة أخرى مع السيسي”.

وخلال المرحلة المقبلة، من المرجح أن نظام السيسي، سيواجه أزمتين، قد تسهمان في زيادة منسوب الغضب الشعبي  بشكل كبير، وهما الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، والتداعيات الكبرى لمواجهة وباء كورونا الذي ترتب عليه شلل القطاع الاقتصادي وتدهور الأوضاع بصورة كبيرة.

الأزمة الثانية التي سيواجهها نظام السيسي هي “احتمالات حدوث حالة غضب شعبي كبير في ظل أزمة سد النهضة، وعدم قدرة النظام، على إدارتها بشكل صحيح يحفظ لمصر حقوقها المائية، ويحد من آثارها الخطيرة التي ستلحق بالمصريين، فالمفاوضات التي تمت بين الجانبين المصري والإثيوبي أظهرت فشل الجانب المصري في فرض شروطه أو حتى أخذ ملاحظاته في الاعتبار عند تنفيذ المشروع”، وسوف تبدأ تداعيات  تخزين المياه خلال الصيف المقبل عندما تشرع أثيوبيا في ملء بحيرة السد دون اكتراث لمواقف نظام السيسي.

وربما يسهم في تعزيز موقف المناوئين للسيسي أن العلاقات الخارجية للجيش  مع الأطراف المختلفة هي علاقة مؤسسات لا أشخاص والرهان دائما يكون على المؤسسة وليس على شخص وبالتالي فهناك إمكانية لتعامل الولايات المتحدة مع شخص آخر غير السيسي إذا ساءت الأوضاع وخرجت عن السيطرة، مشكلة هؤلاء جميعا أنهم على قناعة تامة بأن مصر لا يصلح لها سوى الحكم العسكري والذي يمكن في أفضل أحواله أن يعود بالوضع إلى ما كان عليه في زمن مبارك؛ الأمر الذي يضع على دعاة الحرية والعدالة والديمقراطية قدرا  هائلا من المسئولية للتعامل مع هذه التوقعات بقدر من المسئولية  ووضع سيناريوهات  مختلفة لكل حالة بهدف توظيف الحدث بما يسمح بإخراج مصر من كبوتها وإنهاء الحكم العسكري بشكل نهائي وليس استبدال نظام عسكري بآخر أقل منه سوءا، وإن كان ذلك لن يتحقق دفعة واحدة وربما يحتاج إلى جولات متعددة ومع إصرار المدنيين على مواقفهم بالإنهاء التام للحكم العسكري فإن تحقيق ذلك ليس بعزيز عليهم إذا توافر التصميم والإيمان بقدرات الشعوب على فرض إرادتها.

الخاتمة:

بناء على ما سبق يمكن رصد مجموعة من التوقعات والنتائج:

أولا، أمام الضغوط الرهيبة التي تواجه نظام السيسي والتداعيات الحادة لتفشي وباء كورونا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وحالة الشلل شبه التام لمصادر الدخل القومي والقطاع الخاص، فمن المرجع أن يفشل النظام في معالجة الأمر بحكمة، لأنه يفتقد في صفوفه الأولى أي شخصيات تتسم بالكفاءة والاحترافية في مواجهة مثل هذه الأزمات الكبيرة، كما أن النظام فشل سابقا في جميع الأزمات التي واجهت البلاد وكانت أقل في حدتها كثيرا من جائحة كورونا.

ثانيا، كذلك من المرجح ألا يلجأ النظام إلى حظر التجوال الشامل لأنه غير قادر على دفع فاتورة هذا الإجراء في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية، بل على العكس  فإن النظام سيرضخ لضغوط رجال الأعمال من أمثال نجيب ساويرس وغبور بتخفيف القيود على الحركة دون الإعلان عن ذلك، بما يسمح بعجلة الإنتاج أن تدور وهو ما أكد عليه رئيس الحكومة مصطفى مدبولي يوم 28 مارس حيث طالب بضرورة استمرار عجلة الإنتاج لتوفير الاحتياجات الضرورية للمواطنين.([9]) كما حذر رجال أعمال من إفلاس البلاد، مفضلين موت الآلاف من الناس على سيناريو الإفلاس؛ وهو ما يتسق تماما مع توجهات النظام ومخاوفه.

ثالثاـ حتما سيلجأ النظام إلى الاستدانة مع جهات التمويل الدولية وقد شرع بالفعل في ذلك؛ حيث التقت وزيرة التعاون الدولي رانيا المشاط في الاجتماع بمائة من مسئولي جهات التمويل على رأسها صندوق النقد من أجل تمويل النظام خلال هذه المرحلة الحساسة لمواجهة وباء كورونا.([10])

رابعا، «العوامل الاقتصادية من شأنها أن تفضي إلى إضعاف قبضة السيسي على السلطة وحمل الشعب الذي يعاني من مشاعر الإحباط والضغوط الاقتصادية على الخروج للتعبير عن معارضته، مرجحا أن يساهم العدد المتزايد من الضباط المتقاعدين والحاليين المنخرطين في القطاع الخاص بمرور الوقت في تسريع هذا السيناريو، من خلال إثارة الخوف في صفوف المستهلكين والمستثمرين الأجانب من تأثير الدور المتنامي للجيش على فرص المنافسة بالقطاع الخاص» وفقا لما انتهى إليه مركز ستراتفور للدراسات.([11])

خامسا، إذا وصلت الأمور إلى مرحلة الفوضى وخرجت عن السيطرة فإن ذلك ربما يفضي إلى تدخل أجنحة داخل المؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة للإطاحة بالسيسي وتكوين نظام عسكري  جديد يكون أكثر احتواء ويسعى لتحقيق مصالحة اجتماعية مع وعد للقوى السياسية بتسليم البلاد بعد انتهاء أزمة كورونا، وكلها تنبؤات ربما تصيب وربما تخطئ لكن المعطيات تنبئ بالكثير؛ فمن كان يتصور أن تتدحرج مظاهرات 25 يناير 2011م إلى ثورة تطيح بنظام مبارك؟

 

[1] هل يتسبب كورونا في موجة جديدة من الربيع العربي؟/ الخليج الجديد مترجم عن ميدل إيست آي البريطاني   السبت 28 مارس 2020

 

[2] نيويورك تايمز: معضلة السيسي أنه لا يستطيع القبض على كورونا.. والجراثيم لا تحترم الرقابة/ القدس العربي الثلاثاء 7 إبريل 2020

[3] انظر أيضا موقع فرنسي يتساءل: هل سيتجاوز السيسي أزمة فيروس كورونا وهزات الاقتصاد؟/ الجزيرة نت 29 مارس 2020

[4] كورونا يهدد مصر بالتخلف عن سداد الديون/ العربي الجديد 12 مارس 2020

 

[5] معهد إسرائيلي: كورونا قد يطيح بأنظمة في الشرق الأوسط/ الخليج الجديد السبت 28 مارس 2020

[6] صالح النعامي/ باحثة إسرائيلية: كورونا يزيد فرص سقوط أنظمة حكم عربية/ العربي الجديد 18 مارس 2020

[7] إسرائيل تدعو السعودية والإمارات ومصر للتعاون ضد كورونا/الخليج الجديد الأحد 29 مارس 2020

[8] محمود جمال/عسكر مصر وثورة يناير: السياسات والتحولات/ المعهد المصري للدراسات 30 مارس، 2020

 

[9] رئيس الوزراء: ضرورة استمرار عجلة الإنتاج لتوفير احتياجات المواطنين/ بوابة أخبار اليوم السبت، 28 مارس 2020

[10] أماني رضوان/المشاط تلتقى 100 مؤسسة دولية بينها “صندوق النقد” لبحث تداعيات “كورونا”/ جريدة البورصة  الأحد

 

[11] ستراتفور: مصر.. تراجع اقتصادي بسبب كورونا ينذر بزعزعة نظام السيسي/ الجزيرة نت 2 إبريل 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

قانون التصالح على مخالفات البناء..اختبار صعب للسيسي وللشعب أيضا

  يأتي تصميم نظام عبد الفتاح السيسي على تطبيق بنود قانون التصالح على مخالفات البناء، …