‫الرئيسية‬ العالم العربي التصعيد الشيعي الأمريكي بالعراق وأفق الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد لإبعاد غير مرتقب لإيران
العالم العربي - أبريل 10, 2020

التصعيد الشيعي الأمريكي بالعراق وأفق الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد لإبعاد غير مرتقب لإيران

تعيش العراق حالة من الترقب، بين تصعيد أمريكي ضد المليشيات والقوى السياسية الشيعية المرتهنة بالقرار الإيراني، وبين دعوات أمريكية لحوار سياسي مع أركان الدولة العراقية، في اطار توجه أمريكي لفصل القرار العراقي عن إيران سياسيا في تلك المرحلة، وتجاوز معضلة تشكيل الحكومة العراقية، التي تتعثر بسبب الفيتو الطائفي على رئاستها وكافة تشكيلاتها التي طرحت مرارا خلال الفترة الماضية.

 

تصعيد عسكري شيعي

 

وبجانب ذلك، تشهد العراق تصعيدا عسكريا بين القوات الأمريكية وفصائل الحشد الشيعي، بعد سلسلة من الاستهدافات المتكررة للقواعد العسكرية والبعثات الدبلوماسية للولايات المتحدة في العراق، طالت هجمات صاروخية، الاثنين الماضي، شركات نفطية أمريكية في البصرة جنوب البلاد، الأمر الذي وصفه مراقبون بـ”التطور الخطير“.

فيما صدر، مساء السبت الماضي، إعلان مشترك لثماني فصائل عراقية مسلحة مدعومة من إيران بإعتبار القوات الأميركية البالغ عددها قرابة 6 آلاف عسكري -وتتركز وفقاً لخريطة إعادة التموضع الجديدة في مناطق شمال وغرب العراق، ضمن إقليم كردستان والأنبار- قوات احتلال، مهددة بمهاجمتها.

وعقب ساعات من البيان، وفي يوم الاثنين الماضي، سقطت 3 صواريخ قرب موقع شركة “هاليبرتون” النفطية الأمريكية في محافظة البصرة، جنوبي العراق.

وأصدرت خلية الإعلام الأمني العراقي، بيانا جاء فيه “إن القوات الأمنية في محافظة البصرة تلاحق عناصر خارجة عن القانون أقدمت على إطلاق ثلاثة صواريخ، نوع كاتيوشا، سقطت بالقرب من موقع شركة هاليبرتون النفطية في منطقة البرجسية”.

وهو ما يثير تكهنات حول جدية إعلان الفصائل ومدى إمكانية بدء تنفيذها هجمات مسلحة على القواعد والمعسكرات التي توجد فيها القوات الأميركية.

بجانب تساؤلات عن موقف السلطات الحكومية من هذا التهديد، هل الإعلان المشترك لتلك الفصائل يعني أنها خرجت من تحت عباءة “الحشد الشعبي”، التي حرصت بغداد في السنوات الماضية على محاولة إثبات أنها جزء من المنظومة الأمنية الرسمية وخاضعة لسيطرتها وتوجيهاتها.

ويعد بيان الفصائل العراقية الثمانية، الأول من نوعه، قد حمل اسم كل من مليشيا “العصائب”، و”الخراساني”، و”النجباء”، و”سيد الشهداء”، و”سرايا عاشوراء”، و”كتائب الإمام علي”، و”الأوفياء”، و”جند الإمام”، وهي من أبرز الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.

 

 

انقسام شيعي

كذلك خلق البيان انقساماً واضحاً داخل معسكر القوى السياسية الشيعية الرافضة تكليف عدنان الزرفي تشكيل الحكومة،  وكانت الفصائل الثمانية أكدت في البيان ذاته، رفضها  رئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفي الذي وصفته بأنه “مرشح الاستخبارات الأميركية”، مطالبةً نواب البرلمان بـ”إفشال المؤامرة الأميركية”.

ودخل المكون الشيعي في العراق مرحلة جديدة أخرى من الانشقاق واختلاف الرأي حول دعم حكومة رئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفي، أو إسقاطها في المهد عبر تعطيل انعقاد جلسة مجلس النواب التي سوف تصوّت على حقائب المرشحين إلى ما بعد انتهاء المهلة الدستورية، وهذه المناورة تقترن بتقارير عن اعتزام زعماء الفصائل المعترضة، هادي العامري عن «الفتح» ونوري المالكي عن «دولة القانون» وعمار الحكيم عن «الحكمة»، تقديم توصية إلى رئيس الجمهورية بتكليف مرشح آخر لتشكيل الحكومة، يتردد أنه مصطفى الكاظمي رئيس جهاز المخابرات.

وفي المقابل فإن كتلاً شيعية نافذة مثل «سائرون» بزعامة مقتدى الصدر و«النصر» التي يقودها رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي تواصل التمسك بترشيح الزرفي وتعمل على تأمين تمرير حكومته المقترحة المؤلفة من 24 وزيراً، حتى إذا اقتضى الأمر عقد جلسة للبرلمان عبر دائرة تلفزيونية، كذلك أخذت تظهر بوادر عصيان لدى بعض النواب التابعين للكتل المعترضة على الزرفي، حيث أعرب هؤلاء عن إصرارهم على التصويت لمشروع الحكومة رغم أن بعضهم تلقى بالفعل تهديدات مباشرة في حال الخروج عن تعليمات قيادات الكتل الرافضة.

وهذه الحالة بدأت تكتسب أبعاداً خطيرة بالنظر إلى أن إعاقة التشكيل طالت كثيراً في سياقات وطنية دقيقة وظروف أمنية حساسة، خاصة بعد تعطيل تكليف المرشح محمد توفيق علاوي واضطراره إلى الاعتذار، واستمرار عادل عبد المهدي على رأس حكومة تصريف الأعمال للشهر الخامس على التوالي، فمن جهة أولى جاء انتشار جائحة فيروس كورونا المستجدّ ليلقي هموماً كبرى إضافية على عاتق حكومة قاصرة أصلاً وعاجزة عن تلبية الحدّ الأدنى من مطالب الشارع الشعبي، المنتفض ضدّ الفساد والهدر وسوء الخدمات والمحاصصة الطائفية وغياب سلطة القانون.

يبقى أخيراً أن الزرفي يحظى بموافقة المكون السني والمكون الكردي وغالبية لا بأس بها من أطراف المكون الشيعي، وبالتالي فإن الاستمرار في عرقلة تشكيل الحكومة أو الإصرار على استقدام شخصية أمنية بديلاً عن الزرفي سوف يقود العراق إلى هاوية أخرى خطيرة، على كثرة ما واجهه هذا البلد ويواجهه من معضلات ومآزق.

 

 

هجمات متبادلة

 

ومنذ أشهر، تتكرر هجمات صاروخية يشنها في الأغلب مسلحون عراقيون موالون لإيران، على قواعد عسكرية تضم قوات التحالف الدولي، خاصة الأمريكية.

وازدادت وتيرة هذه الهجمات منذ اغتيال قائد “فيلق القدس” الإيراني “قاسم سليماني”، والقيادي بهيئة “الحشد الشعبي” العراقية “أبومهدي المهندس”، في غارة أمريكية ببغداد، في 3 يناير الماضي.

 

 

انسحاب تكتيكي أمريكي من القواعد العسكرية بالعراق

 

وكانت الولايات المتحدة بدأت نشر أنظمة باتريوت الدفاعية في قاعدتَي عين الأسد بمحافظة الأنبار في غرب العراق وحرير في أربيل في شمال البلاد، مؤخرا، وسط توقعات أمريكية بهجمات بصواريخ باليستية إيرانية محتملة، وتحسبا لمواجهة  صواريخ الكاتيوشا التي تطلقها جماعات مسلحة عراقية رافضة للوجود الأمريكي في العراق، وهو ما قد يتوقع معه، تصعيد عسكري أمريكي وشيك ضد الفصائل الموالية لإيران.

وتزايدت في الآونة الأخيرة احتمالات توجيه واشنطن ضربات إلى “الحشد الشعبي” العراقي، بعد إخلاء التحالف الدولي قواعد له في العراق، وإخراج واشنطن موظفيها “غير الأساسيين” من سفارتها في بغداد، وقنصليتها في أربيل.

وهو ما زاد من احتماليته نشر أمريكا منظومة صواريخ باتريوت للدفاع الجوي في قاعدة “عين الأسد”، التي ينتشر فيها جنود أمريكيون، وقاعدة “حرير” في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق.

وخلال الأسابيع الأخيرة، استهدف صواريخ يرجح أنها تابعة لـ”الحشد الشعبي” في العراق، أكثر من مرة، أهدافا تابعة للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بالعراق، ما أسفر عن قتلى وجرحى.

ومؤخرا، قصفت الولايات المتحدة، خمسة مواقع تابعة لمليشيات كتائب “حزب الله” في العراق، ردا على  استهداف قاعدة التاجي العسكري شمال بغداد بـ 10 صواريخ، أوقع قتيلين من الجيش الأمريكي ومتعاقدا بريطانيا، وإصابة 12 آخرين بجروح.

فيما تنفذ قوات التحالف منذ أسابيع، عمليات إخلاء لعدد من قواعدها في العراق، ويقول مسؤولون أمريكيون إنها تأتي على خلفية انتشار وباء “كورونا” في العراق والعالم، وإعادة نشر القوات في أقل عدد من القواعد، لتأمين حمايتها من هجمات “محتملة” من قوات حليفة لإيران.

والشهر الماضي، تسلمت القوات العراقية بشكل رسمي قاعدة القائم العسكرية على الحدود مع سوريا، بعد انسحاب قوات التحالف الدولي منها.

كذلك، أعلنت قوات التحالف الدولي في ذات الشهر سحب جنودها من قاعدة القيارة الجوية جنوبي الموصل وتسليمها إلى القوات العراقية.

كما كشف مصدر عسكري عراقي، الثلاثاء 7 أبريل الجاري، أن بعثة التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” انسحبت من “قاعدة أبوغريب” غربي بغداد، وسلمت ممتلكاتها لقوات الجيش العراقي.

وتعد القاعدة سادس موقع عسكري تنسحب منه قوات التحالف، وتسلمه للجيش العراقي خلال الأيام القليلة الماضية.

وبدأت قوات التحالف الدولي تقليص قواعدها في العراق، بتسليم أول قاعدة عسكرية لها، للجيش العراقي، بعد أيام من تقديم الحكومة العراقية شكوى دولية، ضد الانتهاكات الأمريكية التي تسببت بمقتل ستة وإصابة 12 من أفراد الأمن.

وقامت الولايات المتحدة بعملية إعادة تموضع بسحب قواتها من عدة قواعد عسكرية في العراق ونقلهم لأخرى، ولم تكتف بذلك بل عززت قاعدتَي عين الأسد في محافظة الأنبار (غرب) وحرير في أربيل (شمال) بمنظومة صواريخ باتريوت مما ينذر بعمليات تصعيد خلال الفترة المقبلة.

ويفتح التصعيد الجديد بين المليشيات المسلحة الموالية لإيران والولايات المتحدة في العراق، باب تساؤل واسع حول دلالات التوقيت وإلى أي مدى يمكن أن يصل الصراع بين الجانبين، ولاسيما أن طبيعة الرد لكلا الطرفين باتت غير متوقعة، بحسب مختصين.

وتعد كتائب “حزب الله” من أهم المجموعات الشيعية المسلحة المرتبطة بإيران، من حيث قدرتها على إنتاج وتطوير وتخزين الصواريخ الباليستية والقدرة على استخدامها.

وتعرّف الكتائب نفسها بأنها تشكيل جهادي إسلامي مقاوم، يرى أن الطريق الأمثل لتحقيق حاكمية الإسلام هو في إتباع ولاية الفقيه، أي منهج وسياسات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي.

وتعتقد الإدارة الأمريكية أن مسؤولية الهجمات التي تعرض لها محيط قنصليتها في البصرة (جنوب) وسفارتها في المنطقة الخضراء ببغداد، وقواعد عراقية تستضيف قواتها، تتحملها الفصائل المسلحة المدعومة من إيران.

لكن الإدارة الأمريكية والحكومة العراقية لم يحددا الجهة المسؤولة عن الهجمات على الأمريكيين قبل الهجوم الأخير على القاعدة العسكرية قرب كركوك، حيث اتهمت واشنطن كتائب “حزب الله” العراقي بالمسؤولية عن الهجوم.

 كما أعلن وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، مؤخرا، أن الضربات ضد قواعد لـ”حزب الله” في العراق وسوريا كانت ناجحة، ولم يستبعد اتخاذ “المزيد من الإجراءات إذا لزم الأمر للدفاع عن النفس، وردع الميليشيات أو إيران.

ونفت طهران أي دور لها في الهجمات التي تعرضت لها القواعد والمعسكرات التي تستضيف قوات أمريكية، أو المباني الدبلوماسية الأمريكية في العراق.

كما أجرى وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، سلسلة من الاتصالات مع مسؤولين من الدول الحليفة والشريكة في المنطقة، السعودية والإمارات وإسرائيل، لمناقشة الضربات الجوية الأخيرة والتهديدات الإيرانية وتهديدات القوات الحليفة لها.

فيما حذرت الحكومة العراقية في بيان لها ، من أن الضربات الأمريكية دون التنسيق معها أو الحصول على موافقتها، تعرض أمن العراق وسيادته للخطر، وأنها ستراجع علاقتها مع التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد “داعش.

وتصف معظم الكتل السياسية في مجلس النواب الضربات الجوية الأمريكية بأنها “انتهاك لسيادة العراق“.

وأدت الضربات إلى مزيد من الخلافات بين الإدارة الأمريكية وحكومة بغداد التي وصف رئيسها المستقيل عادل عبد المهدي تلك الضربات بأنها “غير مقبولة وستؤدي إلى عواقب وخيمة.

في مقابل ذلك، هناك شبه إجماع على تأييد قرار ترامب بشن الضربات بأوساط المسؤولين وأعضاء الكونغرس الذين يرون أن الحكومة العراقية لا تقول بما يكفي لممارسة الضغوط على المجموعات الشيعية المسلحة، لوقف تهديداتها للمصالح الأمريكية بالعراق.

وتناقش الإدارة الأمريكية خيارات أخرى متاحة وإجراءات إضافية، لمواجهة تداعيات الهجمات المتبادلة مع كتائب “حزب الله” قال عنها إسبر إنها لضمان “ردع المزيد من تصرفات إيران أو الميليشيات التابعة لها .

ويعتمد تصعيد التوترات واحتمالات الدخول في مواجهات مفتوحة على مواصلة كتائب “حزب الله” وفصائل أخرى حليفة لإيران باستهداف القواعد والجنود ومصالح واشنطن، والرد الأمريكي المتوقع أن يكون أكثر حزما وأوسع نطاقا.

وعلى ما يبدو، فإن المزيد من التصعيد بين واشنطن والفصائل المسلحة قد يؤدي إلى فوضى أمنية في ظل “شبه غياب لقوة الدولة العراقية”، أمام قوة ونفوذ الفصائل الحليفة لإيران، والتي “قد” تجد نفسها أمام خيار “فرض الأمر الواقع” باستخدام القوة للسيطرة على بغداد، في تكرار لحالة سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014.

 

مآلات مستقبلية للتصعيد

 

فيما يرى الخبير الأمني  العراقي أحمد الشريفي إنه “بعد انهيار الاتفاق النووي الإيراني الذي كان بمثابة نزع فتيل أزمة قد تنذر بحرب بين الولايات المتحدة وإيران، انطلق نشاط حلفاء طهران تجاه النفوذ والمصالح الأمريكية في العراق، إذ أنه بدأ إعلاميا وسياسيا ووصل إلى حد العمليات العسكرية المتبادلة.

و”مع استهداف الولايات المتحدة الأمريكية لتلك الفصائل المسلحة، هناك مسار سياسي لواشنطن يستهدف القوى السياسية التي تقدم دعما لوجستيا للفصائل.

موضحا أن “المسار السياسي الذي ستسير فيه الولايات المتحدة، هو إصدار قرارات أممية سواء كانت فيما يتعلق بقضية حقوق الإنسان والمتظاهرين وانتهاء بملفات فساد، فالأيام المقبلة سيكون فيها أحداث متسارعة“.

وسط ترجيحات بأن “الضربات التي تشنها فصائل موالية لإيران ضد الولايات المتحدة، هدفها الدفع للتفاوض مع طهران، وليس تسريع الانسحاب الأمريكي من العراق.

وذلك لأن كل الأطراف العراقية تعلم أن الولايات المتحدة لم تدخل العراق لتنسحب بسهولة، لذلك هناك ضغط على الأمريكان للتفاوض أما في قضية “5 + 1” بموضوع النووي، أو لرفع الحصار عن إيران، وهو ما يؤكد أن العراق بات مسرحا لتصفية الحسابات بين الطرفين.

وعلى ما يبدو أن التهديدات الأمريكية، والفعاليات العسكرية الأمريكية على الأرض، بدأت ترسم ملامح معادلة جديدة غير مسبوقة، أعطت الجرأة لبعض الفاعلين السياسيين للمناورة، للمرة الأولى أيضا، وإن لم يصل الأمر إلى قطيعة كاملة مع الفاعل الإيراني، لمعرفة الجميع بأن السياسة في العراق لا تحددها قواعد اللعبة السياسية فقط، بل يحددها السلاح الموازي المرتبط عضويا بالفاعل الإيراني الذي يتم التلويح به بشكل علني.

إلا أنه ما زال من المبكر الحكم على مخرجات الصراع الأمريكي الإيراني في سياقه العراقي، ومن السذاجة التفكير بأن هذا الصراع قد يحسم قريبا، خاصة وأن كلا الطرفين حريص تماما على عدم وصول المواجهة إلى حرب صريحة، والاكتفاء برسائل مسلحة بين حين وآخر، تشتدّ وتهدأ بإيقاع مسيطَر عليه! وهو ما يعني في النهاية أن بعض عناصر اللعبة المزدوجة، ستبقى حاضرة، اضطرارا، وإنْ بقواعد جديدة، بما لا يتيح لأي من الطرفين الإنفراد بإدارة اللعبة التي اسمها العراق كما يريد.

من جهة ثانية، يبقى الأخطر من تلك الانقسامات بالمواقف الشيعية، أن يتصاعد الانقسام والتشظي الشيعي المتنازعة حاليا، أن لا تكتفي بالخلاف السلمي حول تكليف الزرفي أو إسقاطه، وأن الأمور قد تتطور إلى مواجهات عسكرية لا تُحمد عقباها، والدليل على هذا أن ثمانية فصائل شيعية رافضة لرئيس الوزراء المكلف أقامت استعراضات عسكرية الطابع وسيّرت مركبات رفعت أعلامها وجابت شوارع بغداد، وتزامن ذلك مع ازدياد الضربات الصاروخية ضد منشآت أمريكية، رغم انسحاب القوات الأمريكية المنضوية ضمن التحالف الدولي من 6 قواعد.

ويقدّر العدد الرسمي للقوات الأمريكية في العراق بما يصل إلى 5200 جندي، ليس من الواضح عدد القوات التي سيتم إعادة نشرها بعد إغلاق القواعد ، حيث سيجري نقل بعضها إلى قواعد عمليات أخرى داخل البلاد.

مستقبل هذه القوات المتبقية ليس مضموناً، تأمل الولايات المتحدة أن لا تكون علاقتها بقوات الأمن العراقية قد انتهت بعد، لكن الكثيرين في العراق يعتقدون أن أمريكا بقيت أكثر من اللازم.

 

حوار استراتيجي بين واشنطن والعراق يستهدف إيران

 

وفي مواجهة تلك الاحتمالات المتعلقة بالتصعيد العسكري، يبرز أمرا أخر بالغ الأهمية، يتعلق بما جرة إعلانه في 8 أبريل الجاري، حيث  كشف وزير الخارجية مايك بومبيو عن أن الإدارة الأمريكية تريد فتح حوار استرتيجي مع العراق في منتصف يونيو القادم، ولعل تسميته لرئيس الوفد المفاوض دافيد هيل، تشير إلى انه قد تم الاتفاق مع بغداد حول الموضوع والموعد.

وجاء تصريح بومبيو في سياق الرد على سؤال حول تهديد “كتائب حزب الله” العراقية بوضع فيتو على اختيار أي مرشح لتولي رئاسة الحكومة العراقية لا ترضى عنه، في جوابه، حرص الوزير على تمرير تلميحات عن الخطوط العريضة لهذا الحوار من المنظور الأميركي الذي عبّر عنه من خلال تحديده للتوجهات المطلوب اعتمادها من جانب أي رئيس حكومة قادمة.

في هذا الاطار، تحدث عن “أهمية التزام الحكم في بغداد” بعملية الإصلاح “اللازمة لبناء عراق سيّد مستقل يبتعد عن النمط الطائفي الذي أدى إلى الفساد والإرهاب “، وأوضح أن الحوار يجب أن ينهض على أساس مثل هذه المعايير التي “تريدها واشنطن للدخول في حوار استراتيجي مع العراق لمواجهة العنف والتهديدات التي قد تأتي بها عودة الإرهاب”.

وفي غمز واضح إلى الدور الإيراني في العراق ورغبة واشنطن في التخلص منه، شدد الوزير على ما سمّاه “رسالة إدارة ترامب التي قامت من البداية على أساس ضمان مسار سياسي (للعراق) يسير قدماً إلى الأمام”، وكان الوزير قد سبق له أن رسم هذا المسار في خطاب له في مايو 2018 طالب فيه إيران بالعودة إلى “سلوك الدولة العادية” وتلبية 12 شرطاً قبل فك العقوبات عنها؛ وهي شروط رأى فيها المراقبون دعوة لتغيير النظام.

ومنذ ذلك الوقت، لم تتزحزح إدارة ترامب عن هذه السياسة، ولم يكن سراً أن الوزير بومبيو وقف وراءها من البداية.

ويأتي مشروع الحوار الاستراتيجي مع العراق كمفتاح لخلخلة نفوذ طهران في بغداد، والذي يهدد بمواجهة أميركية إيرانية فوق الأراضي العراقية؛ وهذا احتمال حمل البنتاغون على إعادة تمركز قواته هناك وسحب بعضها للحد من إمكانية استهدافها.

بينما يرى مراقبون أن مثل هذا الحوار قد يتعمد الإحراج لإيران وتابعيها بالعراق ، كتكتيك لتعزيز الفرز العراقي وبلورة المعارض لإيران في العراق، وهو ما قد تدعمه أو تقلصه التطورات الميدانية بالعراق والتصعيد العسكري المتبادل بين القوات الأمريكية والفصائل المؤيدة لإيران.

وبالتزامن مع هذه الاحتمالات، كانت ميليشيات “كتائب حزب الله” قد روجت لفكرة أن أميركا تسعى للقيام بانقلاب عسكري في العراق، مهددة بأنها سترد “بقوة على المنشآت العسكرية والأمنية والاقتصادية كافة التابعة للقوات الأميركية، فيما لو أقدمت تلك القوات على تنفيذ الانقلاب.

وتبقى كل تلك التكهنات والاحتمالات طي الاختبار على أرض الواقع العراقي، حتى منتصف يونيو المقبل..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …