‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا انتصارات “الوفاق” ومستقبل المشروعات الإقليمية والدولية بليبيا..دراسة استقصائية
ليبيا - أبريل 18, 2020

انتصارات “الوفاق” ومستقبل المشروعات الإقليمية والدولية بليبيا..دراسة استقصائية

في تطور لافت على الجبهة الليبية تمكنت قوات حكومة الوفاق الوطني من السيطرة على مدن الساحل الغربي في وقت قياسي، ونجحت في دحر قوات خليفة  حفتر وإجبارها على التراجع نحو قاعدة الوطية في اتجاه الجنوب، وسقطت أهم مدن الساحل الغربي “8 مدن” وصار الطريق مفتوحا بين العاصمة طرابلس والحدود التونسية في الجنوب الشرقي لتونس، بجانب مواقع عسكرية أجنبية في الغرب أصبحت محاصرة وأهمها قاعدة الوطية الجوية، حيث تسربت أخبار عن وجود عدد من الضباط السامين من دول أجنبية أوروبية وعربية يعملون لصالح حفتر، ومنهم نجل حفتر والفلسطيني محمد دخلان –مستشار محمد بن زايد- وعدد من الضباط المصريين والخبراء الإماراتيين -بحسب تقارير إعلامية-.

 

فزعة إماراتية تقتل المدنيين

بينما يحاول حفتر بدعم عسكري سريع من الإمارات ومصر وفرنسا، الانتقام عبر القصف العشوائي الذي طال مدنيين على ضواحي العاصمة طرابلس،  حتى صباح الجمعة 17 إبريل بعد استغاثات اطلقها حفتر وحليفه السيسي –الذي افلس ماليا وعسكريا عن الاستمرار في تقديم دعم لحفتر في ظل هزائم وفضائح متلاحقة للعسكرية المصرية في مغامرته بليبياـ بعد انهيار غرفة العمليات المصرية المشتركة في ليبيا وانتقالها للقاهرة، بعد هزائم استراتيجية نالتها، ادعت القاهرة أنه جرى نقلها تجنبا للاصابة بفيروس كورونا،رغم ذلك كله ما زالت تداعيات الانتصارات التي حققتها حكومة الوفاق الليبية تثير الكثير من التكهنات عن المستقبل الليبي، وسيناريوهات المستقبل الليبي.

وقصفت مليشيات حفتر منازل المواطنين بمنطقة الكريمية في جنوبي طرابلس بصواريخ غراد، ما أدى إلى اندلاع النيران في منزل أحد الليبيين، ووفاة جراح المخ والأعصاب الليبي “عبد المنعم بوغفّة الخميس” إثر سقوط قذيفة أطلقتها قوات حفتر استهدفته، وهو في طريقه لتفقد منزله في منطقة عين زارة، جنوبي العاصمة، قبل أن يتوجه إلى عمله بالمستشفى الجامعي في طرابلس.

 وقد جاء الدعم السريع من الإمارات، التي خصصت والسعودية نحو 500 مليون دولار لتسهيل دعم عسكري عبر مصر ، بالتنسيق مع السيسي -الذي يسعى للابتزاز المالي لأبوظبي والرياض، مدعيا عدم قدرته على الاستمرار في العمل العسكري بليبيا، في ظل ظروف مصر الحالية وتدهور اقتصادها، مع تفشي وباء كورونا- بوصول طائرتي شحن عسكريتين إماراتيتين إلى قوات حفتر، إحدهما طائرة شحن عسكرية “يوشن” تحمل الرقم “UP-I7654”، أقلعت من قاعدة عصب الجوية الإماراتية في إريتريا إلى قاعدة الخادم الجوية بالمرج، شرق ليبيا، فيما غادرت طائرة أخرى من الطراز ذاته وتحمل الرقم “UP-I7652” قاعدة الخادم متجهة إلى الإمارات، ويعتقد أنها أفرغت حمولتها من المعدات العسكرية في وقت سابق.

وتأتي الهجمات المسلحة على المدنيين، بطرابلس، رغم إعلان هدنة إنسانية ، في 21 مارس الماضي، للتركيز على جهود مكافحة فيروس كورونا، وتنتهك قوات حفتر بوتيرة يومية وقف إطلاق النار، عبر شن هجمات على طرابلس، ضمن عملية عسكرية مستمرة منذ 4 أبريل 2019.

 

مأزق محور الشر

 

وأسفرت العمليات العسكرية لحكومة الوفاق الليبيّة، المعترف بها دوليًا، بدعم جوي من مسيّرات تركية، إلى سيطرة على مناطق واسعة غربي البلاد، منها إخلاء الخطّ الساحلي بين طرابلس وتونس من قوات حفتر،

ولم تتبقَ لقوات حفتر-الذي التزم الصمت إثر الهزائم العسكرية المتتالية- إلا قاعدة عسكرية واحدة غربي البلاد، هي قاعد  الوطية، وأعلنت حكومة الوفاق أنها تتجهّز لاقتحامها قريبًا.

وقاعدة الوطية الجوية-140 كلم جنوب طرابلس- أكبر قاعدة عسكرية من حيث استيعابها 7000 عسكري، والوحيدة في ليبيا التي تقتصر على الطائرات العسكرية فقط، وكان الأمريكيون قد شيدوها عام 1942 إبان الحرب العالمية الثانية.

وتمكّن القاعدة القوات المسيطرة عليها من تنفيذ ضربات جوية على محاور القتال جنوب العاصمة وضرب أهداف عسكرية حتى على الحدود مع تونس والجزائر، إضافة إلى كونها تمتلك تحصينات جغرافية طبيعية بالمنطقة المحيطة.

 

انجازات عسكرية للوفاق

وقال المتحدث الرسمي بإسم الجيش الليبي التابع للحكومة المعترف بها دوليا “محمد قنونو” نتائج المرحلة الجديدة من عملية “عاصفة السلام”، إن حكومته تمكّنت من “بسط سلطان الدولة على مدنها المختطفة في المنطقة الغربية بمساحة إجمالية تقدر بأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر مربع في غضون ساعات”، مؤكدًا أن كامل منطقة غرب طرابلس باتت تحت سيطرة قوات حكومة الوفاق، والمدن التي سيطرت عليها قوّات حكومة الوفاق هي صرمان وصبراته والعجيلات ومليته وزليطن ورقدالين والجميل والعسّة.

من جانبها كشفت صفحة “عملية بركان الغضب” على فيسبوك، عن نجاح القوات الليبية في استعادة المختطفين المحتجزين في سجن صرمان، من بينهم أطفال قُصّر، وكتبت: “من ضمن المختطفين الذين وجدوا في سجن صرمان وتم تحريره “عبد الحفيظ سويسي التائب” الذي خطفته المليشيات الإرهابية منذ ثلاثة أشهر دون أن يعلم ذووه بمكانه ومصيره، ورغم معاناته من أمراض مزمنة وتدهور حالته الصحية بعد اختطافه؛ منعت مليشيات حفتر عنه الأدوية”، مشيرة إلى أن “المليشيات كانت تحاول مقايضة “التائب” بعناصرها المقبوض عليهم بعد مشاركتهم في العدوان على العاصمة طرابلس.

 

أسباب انتصار الوفاق

وكان هناك عدة عوامل وراء هذه الهزيمة السريعة لحفتر، بعضها راجع إلى أخطاء ارتكبها حفتر، وآخرى بسبب مواقف حلفائه، كما أن هناك عوامل بسبب تطور في أداء قوات حكومة الوفاق، التي تدعمها طائرات مسيرة تركية.

وقد بدت مؤشرات تراجع مليشيات حفتر تظهر في الأفق منذ نهاية العام الماضي (2019) وقد كانت الضربات الجوية لسلاح الطيران المؤيد له عاملا مهما لتقدم مليشياته في مناطق مختلفة في ليبيا، فقد ساعده الطيران المصري والإماراتي واستخدام الطائرات المسيّرة على الانتصار خلال معارك بنغازي (2014-2017) ومعارك درنة (2018) ومع محاولة تمدّد مليشياته نحو العاصمة، ظل سلاح الجو اللاعب الرئيسي الذي استفاد منه خليفة حفتر في ظل القصف المستمر على طرابلس، واستهداف مطار معيتيقة ومطار الكلية الجوية في مصراتة، وما زاد في التفوق الجوي لمليشيات حفتر تزويد الإمارات لها بمنظومات الدفاع الجوي “بانتسر”، ودخول مرتزقة “فاغنر” الروس ميدان المعركة، بخبراتهم العسكرية والميدانية، خصوصا التحكّم في الطائرات المسيّرة بداية من سبتمبر 2019، غير أن بداية انقلاب الصورة، وتغيّر المشهد، تم مع حصول قوات حكومة الوفاق على منظومات دفاع جوي متطورة، وتنصيبها في كل من مصراتة وطرابلس، بداية من شهر نوفمبر 2019، وتمكّنت هذه المضادات من إسقاط طائرة ميغ 23 يوم 7 ديسمبر 2019، وفي 28 يناير 2020 أعلنت قوات “الوفاق” تمكّنها من إسقاط طائرة مسيّرة شرق مصراتة، ولتصبح أجواء المدينة محرّمة على طائرات حفتر العسكرية.

وفي المقابل، بدأ سلاح الجو التابع لقوات حكومة الوفاق يفرض سيطرة تدريجية على سماء المنطقة الغربية، عبر سلسلة هجمات على قاعدة الوطية التي يدير منها حلفاء حفتر المعركة، ومنذ الإعلان عن بدء عملية “عاصفة السلام” في 25 امارس الماضي تمكّنت قوات حكومة الوفاق من إدارة المعارك ضد قوات حفتر بكفاءة، كما استطاعت تحييد القوات الجوية التابعة لها، وهو ما مكّنها من إيجاد الظروف المناسبة لاستعادة السيطرة على المناطق الواقعة تحت هيمنة مليشيات خليفة حفتر وداعميه، ففي وقتٍ تم صد هجوم عسكري واسع في منطقة بوقرين (200 كلم شرق طرابلس)، وإلحاق خسائر واسعة بمليشيات حفتر ومؤيديه، تمكّنت قوات حكومة الوفاق من السيطرة على ست مدن ومنطقتين استراتيجيتين في أقل من سبع ساعات، ولتجد مليشيات حفتر نفسها ممزّقة، بعد أن فقدت التواصل مع مراكز القيادة، وليتحول المشهد نحو قاعدة الوطية التي أصبحت محاصرة عمليا من قوات حكومة الوفاق، وهو ما أثار حالة من الهلع في صفوف داعمي خليفة حفتر.

 

 

دلالات هزائم حفتر وهل يمكن استبداله؟

وبقراءة متأنية لفشل حفتر على مدى عام من الحرب، في دخول طرابلس، نجد أن حفتر أمام انكفاء عسكري وهزائم متتالية -سيكون لها أثرها الميداني والسياسي- أفقدته المبادرة من جهتين:

أولا من حيث أنه الطرف الذي كان يبادر إلى الهجوم، فيما تكتفي حكومة الوفاق بالدفاع، ليجد نفسه في حالة انكفاء عسكري وهزائم متتالية، سيكون لها أثرها الميداني والسياسي.

ومن جهة أخرى، الخطاب المتعالي الذي كان يصدر عن حفتر وداعميه، في رفضهم أي تفاوض مع الحكومة الشرعية في طرابلس فقد معناه، وهو ما قد يمهد مستقبلا لفقدان حفتر ذاته أهميته لدى مموّليه وداعميه، من دون أن يعني هذا أن لا يحاول هؤلاء الرد بأي طريقة من أجل إثبات حضورهم الميداني في ليبيا، فالهزائم التي تحققت أخيرا أوجدت واقعا مختلفا من الناحية العسكرية، ويبقى استثمارها سياسيا رهينا بمواقف الأطراف الداخلية والاقليمية.

 

تبدل الموقف السياسي

سياسيا، وعلى عكس المشهد السابق، الذي كان يطالب فيه السراج وحكومة الوفاق التفاوض لإحلال السلام ووقف الاقتتال، قال فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني القائد الأعلى للجيش الليبي إنه لن يتفاوض مجددا مع حفتر، متهما إياه باستغلال الأزمة الناجمة عن تفشي فيروس كورونا لاستئناف الهجمات على العاصمة طرابلس، مشيرا إلى أن قوات الوفاق ردت بقوة على تلك الهجمات واستعادت كافة مدن الساحل الغربي حتى الحدود مع تونس.

وأضاف السراج في مقابلة مع صحيفة لاريبوبليكا الإيطالية “لن أجلس على طاولة الحوار مع حفتر بعد الكوارث والجرائم التي ارتكبها في حق كافة الليبيين، سعينا دائما لحل خلافاتنا عن طريق عملية سياسية لكن حفتر تنكر لكل اتفاقية تم التوصل لها، ليبيا لن تخضع مجددا لشخص واحد أو مجموعة من الأشخاص.

ووجه السراج رسالة لما سمّاها “العواصم المتآمرة” قال فيها: “أبناؤكم الذين بعثتم بهم ليموتوا في العدوان على أرضنا سنعيدهم لكم في توابيت برفقة وثائقهم الثبوتية، وسنصدر أوامرنا لوزارة الخارجية لتولي التنسيق في الأمر مع الجهات المعنية، مدرعاتكم التي بعثتم بها صارت رمادا، وما سلم منها صار في قبضتنا وسنحفظها في متحف الحرب لتظل شاهدا على غدركم وتلعنكم الأجيال مدى الدهر، ذخائركم التي قتلت أبناءنا، وطائراتكم التي دمرت مدننا، وغطرستكم أيضا، ستحاسبكم عليها شعوبكم قبلنا“.

 

انتكاسة للسيسي

وامام نجاحات حكومة الوفاق على ميدان المعارك، رغم الدعم المالي والعسكري الكبير لخليفة حفتر، عبر مصر والإمارات والسعودية والاردن، تزايدت ازمات نظام السيسي ، الذي يسعى لإبتزاز مالي من السعودية والخليج، لضمان استمرار قواته الذين حولهم إلى مرتزقة، توالى وصول جثامين مجندين وضباط مصريين قتلوا في صفوف ميليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، خلال المعارك الدائرة مع الحكومة الشرعية في ليبيا.

وتحدثت أنباء متداولة عن وجود تحركات غير عادية في المستشفى العسكري المعادي ، الأسبوع الماضي، الذي استقبل عددًا من طائرات الهليكوبتر التي تنقل جثامين جنود الجيش المصري من لبييا،فيما تتردد معلومات عن وقوع نحو 90 ضابطا مصريا من قوات  الصاعقة ومتخصصي الصواريخ ومدفعية الهاون المصريين العاملين في ليبيا بين أسير بيد “الوفاق” وقتيل، يجري التفاوض سرا مع اطراف وقبائل ليبية لعدم اعلان اسمائهم وصورهم، في محاولة تبريرية لقتلهم، بالادعاء أنهم قتلوا في سيناء.

ويدلل على ذلك، خروج إعلام السيسي ومنهم مصطفى بكري المقرب من المخابرات الحربية، ليقول “من حقنا أن نسأل أين المجتمع الدولي وأين الجامعة العربية من اختراق تركيا حظر توريد السلاح وشن حرب عسكرية ضد ليبيا وجيشها الوطني وحكومتها الشرعية، متناسيا أن الجيش الوطني الليبي –الذي يتحدث عنه- بات مجموعة مرتزقة من السودان وتشاد وروسيا ومصر والسعودية والإمارات!!!

وعلى مستوى رفيع، جرت اتصالات مصرية إماراتية سعودية رفيعة المستوى، انتهت بـ”مجلس حرب” ترأسه عبد الفتاح السيسي، بمشاركة وزير دفاعه محمد زكي، ورئيس أركان الجيش محمد حجازي، ورئيس هيئة العمليات أسامة عسكر، وقادة الأفرع الرئيسية في القوات المسلحة المصرية، بمشاركة مدير المخابرات العسكرية.

الاجتماع “بحث مطالبات الإمارات والسعودية، بتقديم الدعم العسكري العاجل لحفتر، فضلاً عن بحث طبيعة الموقف الحالي على الأرض في ليبيا، في ظلّ التشابكات الحاصلة، ولا سيما أن مناطق الاشتباك الرئيسية المطلوب من الجيش المصري تقديم الدعم فيها تقع أقصى الغرب الليبي، وهو ما يتطلَّب حسابات مختلفة”.

وكشفت المصادر عن أنّ الضغط المصري على الحليفين الخليجيين بدأ بجني ثماره، بعدما أكدت الدولتان في اتصالات رسمية، مدّ أجل ودائع دولارية في البنك المركزي المصري، اقتربت مواعيد استحقاقها، وتقدر بنحو 6 مليارات دولار، إضافةً إلى تقديم كل منهما وديعة عاجلة يُتَّفق بشأنها تقدَّر بنحو 500 مليون دولار بشكل مبدئي.

واستقبلت مصر عدداً من الجرحى الليبيين التابعين لمليشيات حفتر من مصابي العمليات العسكرية الأخيرة، ممن تطلبت حالاتهم تدخلاً جراحياً معقداً، لافتةً إلى أنّ هؤلاء نُقلوا إلى مستشفى عسكري خُصِّص في المنطقة الغربية العسكرية في مصر، وكشفت المصادر عن أنّ من بين المصابين 3 شخصيات عسكرية إماراتية، كانت ضمن غرفة عمليات مخصصة للتحكّم في الطائرات المسيرة، وأشارت إلى أنّ الدعم الذي قد تقدمه مصر خلال الفترة المقبلة سيتمثل أكثر بالدعم اللوجستي، ومعاودة عمليات الإسناد الجوي بالتنسيق مع الجانب الإماراتي، وكذلك إعادة فتح القواعد الجوية في المنطقة العسكرية الغربية أمام سلاح الجوي الإماراتي لتنفيذ هجمات في عمق الأراضي الليبية.

وأوضحت المصادر أنّ الاتصالات المصرية الخليجية توصّلت إلى اتفاق بشأن عملية التنسيق الخاصة بسرعة إيصال المساعدات العسكرية والذخائر المقدمة من أبوظبي والرياض إلى محاور القتال ومواقع الاشتباك، كما شهدت الأيام الماضية اتصالات متسارعة من الإمارات بتونس من اجل ضمان إخراج الخبراء الإماراتيين والمستشاريين العسكريين من السعودية والاردن ومصر، عبر الاراضي التونسية من قاعدة الوطية، وسط رفض من حكومة الوفاق، التي تصر على كشف الحقائق، بحسب تصريحات السراج.

 

محددات مستقبل الصراع

وتبرز في الأفق عدة محددات مؤثرة بشكل كبير على مسار الصراع في ليبيا، اغلبها مرتبط بالعوامل الإقليمية والدولية، وبعضها مرتبط بالداخل الليبي وتطورات الميدان..ومنها:

 

الدور الأمريكي

 وفي سياق الدور المشبوه لمصر في توفير الدعم الدولي لحفتر، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية تفاصيل ما قالت إنها محاولات قام بها كل من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد وعبدالفتاح السيسي، لاستقطاب البيت الأبيض لدعم حليفهما الليبي الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” على حساب حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، ومن قبل واشنطن.

ونقلت الصحيفة عن “أندرو ميللر” عضو مجلس الأمن القومي في بداية إدارة “ترامب”، والباحث في مشروع الديمقراطية بالشرق الأوسط في واشنطن قوله: “كان حفتر نقطة نقاش جوهرية في اللقاءات مع المصريين والإماراتيينولفتت إلى أنه رغم عدم اعتراف واشنطن منذ الإطاحة بالزعيم الليبي الراحل “معمر القذافي” في 2011 إلا بحكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة، لكن “السيسي”، و”محمد بن زايد” أخبرا “ترامب”، أن الحكومة الانتقالية ضعيفة ويسيطر عليها الإسلاميون.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين بارزين سابقين في الإدارة الأمريكية، أن الزعيمين العربيين ناقشا أن “حفتر” قادر على منع سيطرة الإسلاميين على السلطة في طرابلس، حيث قالا إن وصولهم إلى السلطة سيكون له أثر الدومينو في المنطقة، وذكرت الصحيفة أن “حفتر” من جانبه تعهد عام 2014 بسحق الإسلاميين ومحوهم وحكم ليبيا كزعيم عسكري، لكنه أقام تحالفا سريا مع حركة إسلامية متشددة تميل إلى التيار السلفي “المداخلة” وعقبت “نيويورك تايمز”، أن “السيسي” و”محمد بن زايد” تجاهلا هذا التناقض وهما يحاولان الضغط على الإدارة لدعم “حفتر”، وفي الوقت نفسه كانا يعملان مع روسيا، وفتحت مصر قاعدة عسكرية للروس لتأمين الإمدادات العسكرية إلى “حفتر.

وأشارت الصحيفة إلى أن “السيسي” و”بن زايد” وجدا أذنا مصغية وتعاطفا من مسؤول الأمن القومي السابق “جون بولتون”، الذي يعرف عنه مواقفه المتشددة ضد الإسلاميين، المكالمة التي أجراها “بولتون” و”حفتر” في الربيع الماضي جاءت في لحظة حرجة حيث كانت محادثات السلام تقترب، وقام “حفتر” بنقل قواته إلى بلدة في الصحراء قريبة من العاصمة محضرا لهجوم مفاجئ، وعندما طلب “حفتر” موافقة من “بولتون” على خطته كان الجواب “ضوءا أصفر” لا أخضر ولا أحمر، حسبما قال المسؤول السابق في الإدارة.

وذكرت الصحيفة أن 3 مسؤولين غربيين اطلعوا على فحوى المكالمة من “حفتر”، ومسؤولين أمريكيين بارزين، قالوا إن “بولتون” لم يكن موافقا بالمطلق: “لو أردت الهجوم فعليك العجلة، وذكرت أن “حفتر” اعتبر أن هذا الكلام موافقة، وشن هجوما مفاجئا وصاعقا على حكومة الوفاق حيث تزامن مع وصول الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جويتريش” إلى طرابلس، ولفتت الصحيفة إلى أنه مع استمرار الهجوم قام حلفاء “حفتر” بالضغط على الرئيس شخصيا لدعمه “السيسي” في 9 أبريل العام الماضي، و”محمد بن زايد” في 18 أبريل 2019.

وأضافت الصحيفة أنه في اليوم التالي نشر البيت الأبيض فحوى مكالمة بين الرئيس و”حفتر” أثنى فيها على الأخير “لدوره المهم في محاربة الإرهاب، وذكرت “نيويورك تايمز”، أنه بعد يوم واحد من مكالمة “ترامب” بدأت قوات “حفتر” في قصف المدنيين في العاصمة طرابلس، ويعلق “بيتر ميليت” السفير البريطاني في ليبيا حتى عام 2018: “كان الأمريكيون يغيرون مواقعهم بطريقة لا معنى لها”، مضيفا: “كان هناك ارتباك وصدمة عظيمة داخل المجتمع الدولي“.

ويتبقى الموقف الأمريكي المزدوج حاسما في عدم انجاز حكومة الوفاق نصرا حاسما، حيث رصدت مؤخرا دوائر استخبارية ان طائرات شحن امريكية وصلت لمطارات بشرق لييبية ثم عاودت الاقلاع إلى ألمانيا، في اشارة لدعم عسكري لحفتر، قد يكون ممولا من قبل ترامب او من خلال حلفائه في السعودية والإمارات.

 

الموقف الاوروبي

 ولعل التناقضات الاوربية والمصالح المتضاربة، والتنافس بين ايطاليا من جهة وفرنسا والمانيا من جهة أخرى ستبقي صراعات ليبيا مفتوحة، ولن تجدي مبادرة “ايريني” لوقف تدفق السلاح إلى ليبيا، إثر استرار تدفقها بريا وجويا عبر مصر، وهو ما يضمن فوضى خلاقة، تسمح لأوروبا بإستغلالها لمصالحها الاستراتيجية، إذ أن ليبيا دولة مفصلية لا فقط بحجم الجغرافيا والثروات والموارد الطبيعية بل بفضل موقعها الاستراتيجي بين تونس ومصر وفي قلب المتوسط قبالة الساحل الأوروبي وهي بوابة القارة الأفريقية، هذا الموقع الاستراتيجي يجعل منها رهانا هاما للدول الأوروبية التي تريد الهيمنة على طرق الطاقة من إفريقيا كما أن وقوعها بين القطب الشرقي للمنطقة العربية والقطب المغربي يجعل منها مكونا جغرافيا سياسيا ذا أهمية بالغة، إذ يمكن انطلاقا من ليبيا ذات الكثافة السكانية الضعيفة التأثير في المشهد المصري والمشهد التونسي أو بشكل عام التأثير في المشهدين المشرقي والمغربي على حد سواء.

 

اضطراب المواقف الدولية

ومن أبرز محددات المستقبل الليبي، اضطراب وإرتباك المواقف الدولية، فمُنذ سنوات وبعد فشل الأمم المتحدة في فرض اتفاق “الصخيرات” لعام 2015 ووضعه في حيز التنفيذ لوضع حد للحرب الأهلية التي تفجرت في 2014، ازدادت حدة الصراع الداخلي المسلح ضراوة، لتتخذ شكلا من أشكال الحروب بين جيشين نظاميين تابعين لدولتين اثنتين، ميليشيات خليفة حفتر التابعة للحكومة المؤقتة (غير معترف بها دوليا) ومقرها طبرق في الشرق الليبي، وقوات حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة، ومقرها العاصمة طرابلس غرب ليبيا.

ويؤكد مراقبون، أن الهجوم الواسع الذي شنّته قوات خليفة حفتر على العاصمة مُنذ 4 أبريل من العام الماضي، ساهم إلى حد كبير في تأجيج الحرب الأهلية وتراجع فرص التسوية السياسية، ويعيش المجتمع الدولي حالة من اليأس من إمكانية إحلال السلام في ليبيا بعد فشل مؤتمري موسكو وبرلين أوائل هذا العام.

وتبنّت ألمانيا المتضررة بشكل أكبر من الهجرة غير الشرعية، جمْع الأطراف الدولية الفاعلة في الحرب الليبية في برلين في محاولة منها للتوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار بين طرفي الحرب، وفي مؤتمر برلين الذي عُقد في 19 يناير الماضي، اتفقت أكثر من عشر دول فاعلة في الملف الليبي، على وقف التدخلات الخارجية في الحرب الأهلية، واحترام شروط وقف إطلاق النار الذي كان قد وُقع بين طرفي الحرب في 12 يناير، والالتزام بقرارات الأمم المتحدة التي تحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا.

وتكررت الدعوات لوقف إطلاق النار والالتزام بهدنة 12 يناير، وهي الهدنة التي خرقتها قوات خليفة حفتر وواصلت انتهاكها مستغلة الظروف المحلية والإقليمية، ما دفع رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج في تصريحات له، لرفض أيّ مفاوضات مع خليفة حفتر للوصول إلى حل سياسي.

وتحدثت الأمم المتحدة في يناير الماضي عن رصد العديد من طائرات نقل، وصلت بالفعل إلى مطارات ليبية في شرق البلاد وغربها، تحمل أسلحة ومعدات قتالية وكذلك مقاتلين، ترى الأمم المتحدة إنها تهدد بإغراق البلاد في موجات من العنف وجولات جديدة من القتال.

ووفقا لوسائل إعلام وخبراء تابعين للأمم المتحدة، تقوم الإمارات بتزويد قوات خليفة حفتر بالمعدات القتالية، وهو ما دفع حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليا، إلى طلب المساعدة من دول عدة، مثل تركيا التي وقعت اتفاقا مع الحكومة الشرعية، حكومة الوفاق الوطني، في 27 نوفمبر 2019.

وتتلقى قوات خليفة حفتر دعما مماثلا من كل من مصر وروسيا التي أرسلت دفعات من مرتزقة “فاغنر”، بالإضافة إلى مرتزقة سودانيين للقتال إلى جانب قوات خليفة حفتر، حسب تقارير دولية ومسؤولين في حكومة الوفاق الوطني، وبحكم الأمر الواقع فإن فرنسا تدعم بشكل أو بآخر قوات خليفة حفتر بعد انتخاب إيمانويل ماكرون في عام 2017 وفتح حوارات مكثفة مع خليفة حفتر في إطار التنافس على النفوذ مع إيطاليا.

وينقسم موقف الإدارة الأمريكية بين موقف داعم لحكومة الوفاق الوطني تتبناه وزارة الخارجية، والموقف الآخر الذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يدعم “ضمنا” قوات خليفة حفتر، ويمكن أن تؤدي الخسائر المتواصلة لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر إلى تراجع الدعم متعدد الأشكال التي تقدمه بالدرجة الأولى دولة الإمارات ومصر.

كما أن هذه الخسائر ستعزز الموقع التفاوضي لحكومة الوفاق الوطني لفرض التسوية السياسية في أي جهود دولية متوقعة بعد التغيرات التي أحدثتها التطورات العسكرية الأخيرة التي خلقت واقعا جديدا في ميزان القوى العسكرية على الأرض لصالح هذه الحكومة.

مقابل ذلك، تبقى بعض الاحتمالات لتكثيف كل من الإمارات ومصر دعمهما لقوات خليفة حفتر، لوقف حالة الإنهيار العسكري التي تعاني منها قواته في سياق الصراع التي تخوضه الدولتان لتصفية حساباتهما على الأراضي الليبية مع كل من تركيا وحكومة الوفاق الوطني “القريبة” من حركات الإسلام السياسي التي تحاربها الدولتان مُنذ ثورات الربيع العربي التي اندلعت في 2011.

 

دعم إسرائيل لحفتر

ففي مواجهة الهزائم المتلاحقة، نشطت دائرة حفتر عبر القاهرة، التواصل مع اسرائيل، لتقديم دعم عسكري وأخر سياسي، عبر ضغوط على امريكا لانقاذ مشروع حفتر، ووفقا لـ “وسي ميلمان” بـ”ميدل ايست آي” تقدم اسرائيل دعما لوجستيا لحفتر، حيث قامت الإمارات مؤخرا، بتمويل وتزويد قوات “حفتر” بأنظمة دفاع جوي متقدمة، تم تصنيعها من قبل شركة إسرائيلية ونقلها عبر مصر وتهدف هذه الأنظمة إلى مواجهة الطائرات بدون طيار التركية، فيما يدار “الملف” الليبي من قبل “الموساد” الذي ينسق عملياته وسياساته فيما يتعلق “بحفتر” مع عبد الفتاح السيسي ورئيس مخابراته “عباس كامل.

وتابعت “ميدل ايست”؛ التقى مبعوثو الموساد في مناسبات عديدة مع “حفتر” في القاهرة بين عامي 2017 و 2019، وسهلوا تدريب بعض ضباطه الرئيسيين على تكتيكات الحرب، وجمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها، إضافة إلى تدابير السيطرة والقيادة، إضافة إلى ذلك، ساعد “الموساد” قوات “حفتر” على شراء معدات الرؤية الليلية وبنادق القنص.

 

المشروع الاستعماري العربي المتصهين

كما أن ما يؤجل الحسم العسكري والسياسي لحكومة الوفاق، أن الجنرال الانقلابي ليس في الحقيقة إلا واجهة صغيرة لمشروع إقليمي ودولي كبير يستهدف ليبيا وكامل منطقة المغرب العربي من موريتانيا وصولا إلى مصر، لا يقتصر الأمر هنا على منع المسار الانتقالي في ليبيا من استكمال دورته حتى يسترجع شعب ليبيا سيادته على أرضه وثرواته، بل إن المشروع يتعدى ذلك إلى وضع البلاد تحت الوصاية الاستعمارية الجديدة بزرع نظام عسكري جديد يكون قاعدة لانطلاق مشاريع أخرى في كامل المنطقة.

 

سيناريوهات المستقبل

وتتجه مسارات الاحداث في ليبيا نحو مستقبل غامض ومضطرب، وأمام تلك المعطيات، يتضح إلى أي مدى تتصاعد رغبات إقليمية ودولية في الإبقاء على حالة الفوضى والتقاتل في ليبيا قائمة لا تنتهي عبر الدفع بالمليشيات والمرتزقة وعبر الصمت عن قوافل السلاح التي تصل إلى الشرق الليبي عند الحدود المصرية أو محمولة جوّا.

 لقد وضع المجتمع الدولي ليبيا بين خيارين فإما القبول بالمشروع الانقلابي أو الحرب الأهلية التي لا تنتهي رغم ما يُظهره من اعتراف بالشرعية ممثلة في حكومة الوفاق.

ولا تتحرك الدول الداعمة لحفتر بشكل سري بل هي تعمل هناك بوجه مفضوح إذ أكدت دول الإمارات ومصر والأردن والسعودية وروسيا ودول أخرى دعمها المطلق للمشروع الانقلابي، لكن لكي يصطبغ هذا الدعم العسكري والمالي بالشرعية والقبول كان لزاما على عرابي المغامرات العسكرية والفوضى أن يقدموا للعالم وللشعوب البسيطة حجة تلاءم السياق العالمي، وهنا جاءت فكرة الحرب على الإرهاب ومحاربة الدواعش والجماعات المسلحة وهي الحجة التي يقدمها المتورطون في مشاريع الفوضى والحرب الأهلية في ليبيا.

لكن الحقيقة الصادمة هي أن المرتزقة والمليشيات إنما تنتمي إلى المعسكر الانقلابي وإلى جيش حفتر أساسا، إذ تقاتل إلى جانب حفتر فرق من مرتزقة فاغنر الروسية وقوات الجنجويد والدعم السريع من السودان وهي تتبع العسكري السوداني حميدتي، كما تقاتل هناك فرق من داعش وهي متمركزة جنوب مدينة سرت إلى جانب مجموعات المداخلة المسلحة والتي تعرف بشراستها الكبيرة في القتال وفي التصفيات الميدانية، إلى جانب هؤلاء يتمركز ضباط وجنود من مصر ومن فرنسا ومن الأردن ومن الإمارات ومن جنسيات أخرى لا يُعلم عددها وتحيط بها سرية كبيرة خوفا من تسرب الأسماء إلى الإعلام.

كل هذه القوات لم تنجح في السيطرة على المدن التي احتلتها ولا في دخول العاصمة طرابلس كما وعد بذلك قائد الانقلاب حفتر أكثر من مرة، لكنها نجحت في تحويل ليبيا إلى دولة فاشلة بسكوت وتواطؤ المنظمات الدولية وعلى رأسها المبعوث الأممي إلى ليبيا والمنظمات الأممية هناك.

ومن ثم فلا تبدو الأزمة الليبية قد شارفت على النهاية رغم ترنح المشروع الانقلابي، لكنها قد تجد -بعد أزمة الوباء- الأخيرة طريقها إلى الحل أو خفض التصعيد، خاصة بسبب النزيف القوي الذي تعرفه خزائن الانقلابات، أما الإبقاء على الوضع الليبي كما هو عليه فإنه علاوة على قابليته إلى التمدد ونشر الفوضى في المنطقة فإنه يهدد بتحول ليبيا إلى بؤرة صراع لن يكون من السهل احتواؤها، فيما سيبقى الدور التركي المناوئ للمشاريع الغربية والعسكرية عاملا معرقلا للتحول الى سيناري الفوضى، وهو ما يتناغم مع السياسة التركية في المنطقة ومصالحها أيضا في شرق المتوسط، لوقف تهميشها من قبل اطراف دولية ، فيما يخصها بحقوقها في الغاز والحدود البحرية المتنازع عليها مع اليونان وقبرص اليونانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …