‫الرئيسية‬ العالم العربي ترسيخ الاستبداد وتصاعد الاحتجاجات .. هل تكون أبرز تداعيات أزمة كورونا في المنطقة العربية؟
العالم العربي - أبريل 19, 2020

ترسيخ الاستبداد وتصاعد الاحتجاجات .. هل تكون أبرز تداعيات أزمة كورونا في المنطقة العربية؟

لا تزال العديد من الكتابات والأبحاث في الفترة الأخيرة تنصب على محاولة استشراف التداعيات التي سيخلفها فيروس كورونا على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء كان ذلك على المستويات المحلية أو الإقليمية أو الدولية.

وقد نالت المنطقة العربية -باعتبارها إحدى المناطق الإقليمية- مساحة كبيرة من تلك الكتابات، وبالرغم من إشارة معظمها إلى صعوبة تعميم النتائج على كل الدول العربية؛ نظرًا لوجود مجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية والدولية الخاصة بكل دولة على حدة، والتي قد تجعل من التعميم أمرًا مشكوكًا فيه. إلا أنه ظهر ما يشبه الاتفاق بين أغلب تلك الكتابات على وجود مجموعة من التداعيات التي سيخلفها الفيروس على دول المنطقة العربية أو أغلبها، ولعل أبرزها: ترسيخ استبداد الدولة، وتصاعد احتجاجات الشعوب.

 

كورونا وترسيخ الاستبداد:

تستثمر الأنظمة العربية الاستبدادية في فيروس كورونا للانقضاض على السلطة، وتثبيت سيطرتها، وزيادة كفاءتها. فالإجراءات التي في ظاهرها اتخذت لحماية الصحة العامة، هي في جوهرها استيلاء على السلطة غير مسبوق، بما في ذلك أوقات الحروب، وقد بات الحديث عن النموذج الصيني الشمولي في الحكم، واسع الانتشار؛ حيث باتت قيم الديمقراطية والليبرالية والحريات الفردية في مقدمة ضحايا فيروس كورونا في العالم العربي[1].

فقد تضمنت الاستجابات الأخيرة للفيروس -حتى من قبل الدول الديمقراطية الغربية- إجراءات تعتبر علامة خاصة بالأنظمة الديكتاتورية، فقد تم منح الشرطة سلطات واسعة، ومنع الناس من التجمع، وفرضت مراقبة شاملة تتعقب تحركات أولئك المصابين بالفيروس ومعارفهم، مثلما فعلت الصين وإسرائيل[2]. وإذا كانت تلك الإجراءات هي إجراءات مؤقتة ستزول بانتهاء الفيروس، إلا أنه من المتوقع أن تستمر العديد من الدول السلطوية، خاصة العربية، في التمسك بها، وستعمل على تحويل حالة الاستثناء إلى قاعدة عامة.

أكثر من ذلك، فقد سعت معظم النظم العربية إلى استغلال الأزمة لتحسين الصورة الذهنية لحكمها المستبد، فمثلًا قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بنشر قوات الحرب الكيماوية في شوارع القاهرة ببدلهم الواقية والمطهرات[3]؛ في محاولة لإظهار الدور البطولي الذي يقوم به الجيش في محاربة التهديد الجديد “فيروس كورونا” بعد فشله في محاربة تهديد “الإرهاب”.

كما تمنح الأزمة الطغاة فرصة للتنكيل بمعارضيهم بدون خوف من رقابة الخارج، المنشغل بمواجهة الأزمة، والتي أجبرت حتى الديمقراطيات الغربية على تبني أقسى الإجراءات، مثل الرقابة على أنظمة الهواتف النقالة. ففي خطاب للسيسي وصف فيه نقادَ جهوده لمواجهة الفيروس بأنهم أذناب لحركة الإخوان المسلمين المحظورة، وطردت أجهزته الأمنية مراسلة لصحيفة “الغارديان”؛ لأنها نشرت تقريرًا شككت فيه بحصيلة الوفيات الرسمية[4].

وعلى الجانب الآخر، يرى البعض أن هذه الأزمة قد تحمل مخاطر كبيرة للديكتاتوريين، من قبيل أن كورونا يضع السلطة أمام رهان البقاء؛ لأن شرعية الحكم تمر عبر الحدود الدنيا لتوفير الخدمات الأساسية، خاصة الصحية، وفي ظل تقصير معظم الدول العربية في بناء المنظومة الصحية -منشآت وأجهزة، إضافة إلى الكادر البشري “أطباء وممرضين”- قد تجد هذه الدول نفسها أمام أزمة شرعية تهدد وجودها. وقد تتفاقم تلك الأزمة في حال تمكن المجتمع من اختراع أدوات بديلة، وبعيدة عن السلطة، تمكنه من التغلب على تلك الظروف القاسية التي تنتجها أزمة كورونا، ما سيؤدي إلى إرادة الابتعاد عن قبضة الحكومات، وهو ما يستدعي عقدًا اجتماعيًّا، يسجل ذلك التغيير، ويقره قانونًا، بصفة ضرورية[5].

كما أن هذا الفيروس -وما ينتج عنه من آثار اقتصادية واجتماعية وصحية- قد يتسبب في إحداث حالة من عدم الاستقرار داخل النظام أو من خارجه، فعندما أعلنت حكومة السيسي عن قتل الفيروس لجنرالين بارزين في الجيش، ثارت التكهنات حول انتشاره وسط القيادة العسكرية العليا، وحول غضب تلك القيادات وإمكانية انقلابهم على السيسي. كما أنه عندما أعلنت الحكومة المصرية أنها ستجعل المصريين العائدين من الخارج يتحملون نفقات حجرهم الصحي في الفنادق الراقية، ظهرت حملة على وسائل التواصل تطالب السيسي بتحويل قصوره الفارهة إلى مراكز حجر صحي، ما دفع السيسي للتراجع سريعًا، ووعد بتولي الحكومة تكاليف الحجر[6]. أكثر من ذلك، فإن المعارضة قد استغلت أزمة كورونا، لإعادة مطالبها بإطلاق سراح معتقليها؛ خوفًا من تفشي الفيروس بينهم، وربما يجد السيسي نفسه مضطرًّا للاستجابة لتلك المطالب.

 

 الفيروس وتصاعد الاحتجاجات:

على الرغم من تراجع أو توقف التظاهرات الشعبية في العراق ولبنان والجزائر؛ بسبب المخاوف الصحية من انتشار الفيروس بين التجمعات العامة، إلا أنه من المتوقع أن يتسبب فيروس كورونا في إحداث اضطرابات شعبية قوية وواسعة؛ وذلك على خلفية الأزمات الاقتصادية المتوقع حدوثها على أثر تلك الجائحة. فقد أثر انتشار الفيروس بالسلب على اقتصادات دول الشرق الأوسط؛ حيث تم إيقاف حركة الطيران والسياحة، وتتوقع المنظمة العربية للسياحة بأن هذا الفرع يمكن أن يخسر نحو 40 مليار دولار حتى نهاية أبريل، إذا لم يحدث أي تغيير في منحى الوباء، وهذا لا يشمل خسائر شركات الطيران، التي يمكن أن تبلغ أكثر من 14 مليار دولار، كما أن تلك الخسائر لا تشمل الأضرار غير المباشرة، مثل إقالة آلاف الموظفين، والتعويضات، ومنح المساعدات للمقالين.

ثمة تهديد آخر يحلق فوق الدول الفقيرة التي يعمل ملايين من سكانها في دول الخليج، مثل مصر والأردن وتونس. فقد أعلنت الكويت مثلًا عن نيتها إعادة 17 ألف معلم ومعلمة من مصر إلى بلادهم، الذين يعملون في جهاز التعليم، وأعلنت أيضًا عن عطلة طويلة للتعليم حتى شهر أغسطس. ومع التقلص في صناعة النفط، يمكن التقدير بأنه في المستقبل القريب، فإن المزيد من ملايين العمال الأجانب سيُطلب منهم العودة إلى دولهم؛ ليصبحوا عبئًا على حكوماتهم[7].

وبالتزامن مع قيام العديد من الدول الخليجية والغربية بفرض مزيد من القيود على العمالة الوافدة من دول المنطقة، وهو ما أفقد هذه الدول أحد أهم موارد إيراداتها المالية، فإن هذه الدول تجد نفسها مضطرة إلى اتباع إجراءات من قبيل إلزام الناس في بيوتهم، وتقليل عدد ساعات وأيام العمل، فضلًا عن قيام الدولة بتقديم رزمة من المساعدات، تشمل -بشكل عام- إعفاء أو تأجيل دفع الضرائب ورسوم التأمين الوطني، وكذلك تجميد أو تمديد دفعات سداد القروض للبنوك، وهو ما سيؤثر بالسلب على اقتصاد تلك الدول.

والأكثر خطورة من كل ذلك، ما ستنتجه الأزمة من تأثيرات اجتماعية سلبية، فالإجراءات التي تتخذها معظم الدول العربية لا تقدم حلولًا لمن فقدوا أماكن عملهم، أو أن دخلهم تقلص بشكل كبير، خاصة أن معظم مواطني تلك الدول من الطبقات الفقيرة، وأغلبهم ينخرطون في أعمال غير رسمية، أي أنهم سيواجهون صعوبة كبيرة في حالة توقف سبل عيشهم لفترة طويلة.

ولعل ذلك ما دفع مجموعات ضغط ونقابات مهنية لممارسة نوع من الضغط على وزارات المالية والتجارة في دول عربية. فمثلًا، سائقو السيارات العمومية في لبنان خرجوا للمطالبة بتعويضهم بعد قرار تقليص حجم المواصلات بصورة تمس بأكثر من 50 ألف عائلة. وفي العراق ومصر تطلب الطواقم الطبية التعويض على ساعات العمل الإضافية، إضافة إلى المطالبة الدائمة بتوفير الأدوية وأجهزة التنفس الاصطناعية التي تنقص الدولة بشكل كبير[8].

ولعل ما يفاقم الأزمة، صعوبة تقديم مساعدات أو إعانات غربية أو خليجية لتلك الدول؛ نظرًا لانتشار الفيروس بداخل الدول الغربية والخليجية بدرجة تفوق غيرها من الدول العربية، بجانب ما تعانيه دول الخليج من تراجع في عائداتها النفطية، في ظل الانهيار الكبير في أسعار النفط؛ نتيجة الخلاف بين السعودية وروسيا على كمية الإنتاج.

 

ختامًا؛ لم يبق في النهاية إلا أن نشير إلى أن الدول العربية -التي ستكون أكثر تضررًا من جراء انتشار فيروس كورونا- هي الدول ذات الكثافة السكانية العالية، وصاحبة الاقتصاد الضعيف، أو حتى المتوسط، مثل مصر والجزائر وتونس والعراق وغيرها، وبالطبع الدول التي تشهد حروبًا بداخلها، مثل سوريا وليبيا واليمن، أما الدول الغنية -مثل دول الخليج- فستكون أقل تضررًا من البقية؛ بسبب احتياطيها المالي الضخم، أو بسبب ضعف كتلتها الديمغرافية[9].

 

[1]               “الاستبدادية العربية والعزلة في زمن “كورونا””، عربي 21، 5/4/2020، الرابط: https://bit.ly/3aNhwRg

[2]               “خبراء مركز بروكنجز الدوحة يستعرضون تداعيات فيروس كورونا المستجد على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، مركز بروكنجز، 26/3/2020، الرابط: https://brook.gs/2XibeFl

[3]               “NYT: الديكتاتوريون يستخدمون القمع لمكافحة كورونا”، عربي 21، 7/4/2020، الرابط: https://bit.ly/2JOSQMg

[4]               المرجع السابق.

[5]               “كورونا والعقد الاجتماعي العربي الجديد”، العربي الجديد، 6/4/2020، الرابط: https://bit.ly/3aRSel5

[6]               “NYT: الديكتاتوريون يستخدمون القمع لمكافحة كورونا”، مرجع سابق.

[7]               “مقال: هل أصبحت الدول العربية أمام حرب بقاء مزدوجة؟”، عكا للشؤون الإسرائيلية، 5/4/2020، الرابط: https://bit.ly/3aOwre6

[8]               المرجع السابق.

[9]               “ماذا سيحدث بعد كورونا عربيًّا؟”، عربي 21، 9/4/2020، الرابط: https://bit.ly/2JSuC44

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …