‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا إعلان حفتر التفويض بين المشروع الإماراتي لتقسيم ليبيا ومبادرة عقيلة صالح للحل السياسي الشعبي
ليبيا - مايو 1, 2020

إعلان حفتر التفويض بين المشروع الإماراتي لتقسيم ليبيا ومبادرة عقيلة صالح للحل السياسي الشعبي

بعدما بات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر في موقف ميداني حرج، إثر خسارته الكثير من أوراق القوة بفشل مخططه للسيطرة على العاصمة طرابلس، الذي أطلقه قبل عام، بل تراجعه في كل الغرب الليبي ليصبح محاصراً في ترهونة وفي بعض أحياء جنوبي العاصمة، خرج باستعراض إعلامي مساء الاثنين الماضي، معلناً إسقاط الاتفاق السياسي الموقّع في الصخيرات المغربية عام 2015 وكل ما نتج عنه، والذي ينظم العملية السياسية في ليبيا، التي تشهد حربًا منذ 2014، معلنا توليه “إدارة البلاد” استجابة لما وصفه بـ”إرادة الليبيين، الذي قال إنه قبل تفويضهم له، دون أن يوضح كيف تم ذلك.

وسارعت حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تعترف بها الأمم المتحدة، للتنديد بما اعتبرته “انقلابا جديدا” على السلطة، ومنذ 2015 تتنازع الحكم في ليبيا سلطتان؛ حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السرّاج ومقرها طرابلس في الغرب، وحكومة موازية يدعمها حفتر وبعض أعضاء البرلمان المنتخب في شرقي البلاد.

من جهته، أعتبر وزير الداخلية في حكومة الوفاق “فتحي باشاغا” أن إعلان حفتر يؤكد ضرورة الاستمرار في محاربة “أرباب الاستبداد والدكتاتورية”، وقال في تغريدة على “تويتر” ليل الاثنين: “اليوم زالت وسقطت كل الأقنعة الزائفة التي يرددها ثلة من العسكر الذين لا يمتلكون إلا عقلية انقلابية متخلفة لا تؤمن بالديمقراطية، ولا يمكن أن تساهم إطلاقاً في بناء دولة مدنية متحضرة”.

بينما قال مبعوت المجلس الرئاسي لدول المغرب العربي جمعة القماطي، عبر “تويتر” إن انقلاب حفتر على الاتفاق السياسي اعتراف ضمني بهزيمته في غرب ليبيا، حيث كان يحلم بقراءة هذا البيان من طرابلس.

 

مواقف دولية

روسيا، وهي من أبرز الداعمين لحفتر، والتي دفعت بمجموعات من مرتزقة “فاغنر” للقتال إلى جانب مليشياته، فشددت على لسان المتحدث بإسم الكرملين ديمتري بيسكوف على أن الطريق الوحيد لتحقيق السلام في ليبيا هو من خلال الاتصالات السياسية والدبلوماسية بين جميع الأطراف، وأضاف بيسكوف: “روسيا ما زالت على اتصال مع جميع المشاركين في العملية الليبية، نعتقد أنه لا توجد وسائل أخرى لحل المشكلة الليبية.

لكن ما لم يقله بيسكوف كشف عنه مسؤول في الخارجية الروسية، قال إن بلاده “فوجئت” بإعلان حفتر، ونقلت وكالة “ريا نوفوستي” الحكومية عن المسؤول الروسي الذي لم تكشف عن هويته، قوله: “هذا أمر مفاجئ فهناك قرارات قمة برلين، والأهم من ذلك قرار مجلس الأمن الدولي 2510، والتي ينبغي الالتزام بها من قبل الليبيين أنفسهم بمساعدة المجتمع الدولي والأمين العام للأمم المتحدة”. وأضاف “ندعو إلى استمرار الحوار الشامل بين الليبيين في إطار العملية السياسية ولا يوجد حل عسكري للصراع.

بينما حاول وزير الخارجية “سيرغي لافروف” تبرير موقف بلاده بالقول إن “روسيا ليس لها سلطان على حفتر في الموقف الحالي”، كما نقلت وكالة “إنترفاكس” عنه كما نقل عنه موقع “روسيا اليوم” عنه قوله إن روسيا لا ترحب بتصريحات حفتر بشأن الحكم الفردي.

ومن جهتها، عبّرت السفارة الأميركية في ليبيا عن رفضها لإعلان حفتر توليه إدارة البلاد، واعتبرت في بيان على صفحتها الرسمية، أن إعلان حفتر يمس الهيكل السياسي في البلاد ولا يمكن تغييره بشكل أحادي، داعية حفتر وجميع الأطراف للدخول في حوار جاد حول كيفية حلحلة الأزمة وإحراز تقدّم في البلاد، وحثت حفتر على الإنضمام إلى حكومة الوفاق الوطني في إعلان وقف فوري للأعمال العدائية لدواعٍ إنسانية.

أما البعثة الأممية في ليبيا، فتجاهلت إعلان حفتر إسقاط الاتفاق السياسي، معربة عن ترحيبها بالمبادرة التي أطلقها عقيلة صالح لحل أزمة البلاد سياسياً، واعتبرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالوكالة “ستيفاني ويليامز” أن مبادرة صالح “إشارة إيجابية” مؤكدة أنها تواصلت هاتفياً معه لبحث آخر التطورات “والجهود المستمرة لإيقاف الحرب وإيجاد حل سياسي للأزمة الليبية” وقالت ويليامز، في تغريدة على “تويتر”، إن حديثها مع صالح “تطرق للمبادرة التي قدمها أخيراً”، مبدية ترحيبها بأي مبادرة تهدف لإنهاء حالة الاقتتال والانقسام والعودة إلى الحوار السياسي في إطار مخرجات مؤتمر برلين.

كما أعربت مفوضية الاتحاد الأوروبي عن رفضها لإعلان حفتر، وقال المتحدث الرسمي باسم المفوضية للشؤون الخارجية، بيتر ستانو: “نكرر دعوتنا لجميع الأطراف بالتوقف عن الصراع والانخراط في العملية السياسية” وتابع: “وفي ما يخص الإعلان الأخير لحفتر، أقول إن أي حل من خلال طرق أخرى، ومن ضمنها طريق القوة، لن يجلب الاستقرار للبلاد، وهذا غير مقبول” وأضاف: “نحن نشجع جميع الأطراف على العودة للحوار بأسرع طريقة بناء على نتائج مؤتمر برلين، وندعو باستمرار جميع اللاعبين المؤثرين للانخراط في العملية السياسية، لأن هذا ما تحتاج إليه البلاد.

 

دوافع لجوء حفتر للإعلان

تتعدد الدوافع الكامنة وراء إعلان حفتر الاستعراضي، ومنها:

1-التغطية على الخسائر العسكرية لقواته بالغرب:

فخلال الأسابيع الأخيرة، تكبد حفتر  خسائر كبيرة في المنطقة الغربية أمام القوات الموالية لحكومة الوفاق، التي سيطرت على مناطق كثيرة كانت تحت إمرة حفتر، فجنوبا تحاصر قوات الحكومة قاعدة الوطية التي كان ينطلق منها طيران حفتر، خصوصا الطيران الإماراتي المسير لتنفيذ هجماته، وأيضا تقوم  قوات حكومة الوفاق بمحاصرة مدينة ترهونة في الجنوب الشرقي لطرابلس، وهي مدينة استراتيجية فيها كل إمدادات الأسلحة والتموين وقوات المرتزقة، وينطلق منها القصف على مدينة طرابلس.

 فيما يحاول حفتر فاشلا في كسر الحصار بإطلاق صواريخ وقذائف عشوائية على أحياء مدنية كوسيلة للضغط على حكومة الوفاق وقواتها، حيث أعلنت عملية “بركان الغضب” التابعة للحكومة، عن استهداف مليشيات حفتر للأحياء السكنية في مدينة مسلاته (113 كيلومتراً شرق طرابلس)، بأكثر من 65 صاروخ “غراد” فجر الثلاثاء الماضي، كما أعلنت قوات حكومة الوفاق،  صد هجوم لمليشيات حفتر على منطقة أبو قرين شرق العاصمة، وتدمير مدرعتين وشاحنة تحمل منصة صواريخ “غراد” وتحييد من بداخلها.

ومؤخرا بدأت مؤشرات تراجع مليشيات حفتر تظهر في الأفق منذ نهاية العام الماضي (2019)، كانت الضربات الجوية لسلاح الطيران المؤيد له عاملا مهما لتقدم مليشياته في مناطق مختلفة في ليبيا، فقد ساعده الطيران المصري والإماراتي واستخدام الطائرات المسيّرة على الانتصار خلال معارك بنغازي (2014-2017) ومعارك درنة (2018)، ومع محاولة تمدّد مليشياته نحو العاصمة، ظل سلاح الجو اللاعب الرئيسي الذي استفاد منه خليفة حفتر في ظل القصف المستمر على طرابلس، واستهداف مطار معيتيقة ومطار الكلية الجوية في مصراتة، وما زاد في التفوق الجوي لمليشيات حفتر تزويد الإمارات لها بمنظومات الدفاع الجوي “بانتسر”، ودخول مرتزقة “فاغنر” الروس ميدان المعركة بخبراتهم العسكرية والميدانية، خصوصا التحكّم في الطائرات المسيّرة بداية من سبتمبر 2019، غير أن بداية انقلاب الصورة وتغيّر المشهد، تم مع حصول قوات حكومة الوفاق على منظومات دفاع جوي متطورة، وتنصيبها في كل من مصراتة وطرابلس، بداية من شهر نوفمبر 2019، وتمكّنت هذه المضادات من إسقاط طائرة ميغ 23 يوم 7 ديسمبر 2019، وفي 28 يناير 2020 أعلنت قوات “الوفاق” تمكّنها من إسقاط طائرة مسيّرة شرق مصراتة، ولتصبح أجواء المدينة محرّمة على طائرات حفتر العسكرية.

وفي المقابل، بدأ سلاح الجو التابع لقوات حكومة الوفاق يفرض سيطرة تدريجية على سماء  المنطقة الغربية، عبر سلسلة هجمات على قاعدة الوطية التي يدير منها حلفاء حفتر المعركة، ومنذ الإعلان عن بدء عملية “عاصفة السلام” في 25 مارس الماضي  تمكّنت قوات حكومة الوفاق من إدارة المعارك ضد قوات حفتر بكفاءة، كما استطاعت تحييد القوات الجوية التابعة لها، وهو ما مكّنها من إيجاد الظروف المناسبة لاستعادة السيطرة على المناطق الواقعة تحت هيمنة مليشيات خليفة حفتر وداعميه، ففي وقتٍ تم صد هجوم عسكري واسع في منطقة بوقرين (200 كلم شرق طرابلس)، وإلحاق خسائر واسعة بمليشيات حفتر ومؤيديه، تمكّنت قوات حكومة الوفاق من السيطرة على ست مدن ومنطقتين استراتيجيتين في أقل من سبع ساعات، ولتجد مليشيات حفتر نفسها ممزّقة، بعد أن فقدت التواصل مع مراكز القيادة، وليتحول المشهد نحو قاعدة الوطية التي أصبحت محاصرة عمليا من قوات حكومة الوفاق، وهو ما أثار حالة من الهلع في صفوف داعمي خليفة حفتر.

ويرى مراقبون أن الفشل العسكري على الأرض قاد حفتر إلى إعلان خطوته الجديدة عبر التلفزيون، والتي ربما ستكون مثل إعلانات سابقة عن انقلاب جديد أو ساعة الصفر، التي غالبا لا تأتي.

وبحسب  “المركز العربي لدراسات السياسات” يبدو أن حفتر بنى تقديراته العسكرية على التجارب التي خاضها في الشرق الليبي، حيث نجح في السيطرة على بنغازي ودرنة ومنطقة الهلال النفطي ذات الأهمية الاستراتيجية، من خلال استخدام الحصار وسيلةً لمعاقبة المجتمعات المحلية والضغط على المقاتلين عبرها، وباستفادته من الدعم العسكري والمالي والسياسي الإماراتي والسعودي والمصري الكبير، وأخيرًا من خلال بناء تحالفات قبلية – جهوية سهّلت سيطرته على بعض المناطق، مثل الهلال النفطي، ولكن المشهد العسكري في طرابلس كان مختلفًا عنه في شرق ليبيا وجنوبها، حيث استطاعت قوات حكومة الوفاق الوطني في العاصمة ومحيطها توحيد صفوفها، ومقاومة الهجوم العسكري، والانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

2- إحراج القبائل  المتململة من سياساته بشرق ليبيا

وتجلت أحد أهداف إعلان حفتر ، في إحراج القبائل التي تقع في مناطق سيطرته ووضعها أمام خيارات ضيقة لإحكام قبضته عليها مجدداً.

وفي هذا السياق، حذر رئيس المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية في المنطقة الجنوبية، علي مصباح أبوسبيحة، من إسقاط اتفاق الصخيرات، معتبراً أنه سيكون مدعاة لتقوية مجلس النواب المجتمع في طرابلس، وأكد أبوسبيحة، في بيان ليل الإثنين، رفضه لإسقاط الاتفاق، قائلاً “المجلس الرئاسي في طرابلس، وكذلك مقر ما يسمى بمجلس الدولة، ومجلس النواب الموازي في العاصمة سيلتحق به أعضاء منشقون، ما يجعله يمثل الأغلبية خلال الأيام المقبلة”، واصفاً قرار حفتر بـ”الارتجالي والنفعي”، ما يشير إلى تزايد هوة الخلاف بين حفتر وحلفائه القبليين والمحليين.

وفي السياق نفسه، قالت مصادر سياسية في معسكر شرق ليبيا، إن عدداً من أعضاء مجلس النواب عن مدن الشرق الليبي فوجئوا بظهور أسمائهم باعتبارهم فوّضوا حفتر لتولي زمام الأمور في البلاد، على قناة “الحدث” المملوكة لنجله، من دون قيامهم بذلك، وكشفت المصادر أن النواب تعرضوا لتهديدات من قِبل مليشيات حفتر ونجله لعدم تكذيب ذلك، مضيفة أن “النواب تلقوا مكالمات هاتفية حذرتهم من التكذيب، وأن من سيخالف سيتم اعتقاله على الفور باعتباره مهدداً للأمن العام وسيتم تقديمه لمحاكمة بتهمة الخيانة.

وأوضحت المصادر أن مكمن رفض خطوة حفتر الأخيرة من قِبل مجلس النواب ورئيسه عقيلة صالح، هو أن نتائجها المباشرة على وحدة ليبيا ستكون وخيمة، مشددة على أن “الخطوة ستعد الأولى على طريق الإعلان الرسمي لتقسيم ليبيا لدولتين، إحداهما في الشرق بقيادة حفتر وأبنائه، وبمباركة إماراتية، والأخرى في الغرب.

 

3-وأد مبادرة رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح:

ومنذ فترة يوجد انشقاقات عديدة وخلافات متنوعة بين القيادات القبائلية، التي باتت ترفض سياسات حفتر، وعلى رأسهم عقيلة صالح رئيس البرلمان في طبرق، والذي عقد جلسة غير رسمية ليلة الاثنين، في مقر إقامته في مدينة القبة شرق البلاد، وبحسب مصدر برلماني مقرب من حفتر، فإن الجلسة شارك فيها عدد من الرموز القبلية، الذين دعوه إلى ضرورة وأد الخلافات بينه وبين حفتر للحفاظ على وحدة الصف، مع تحذيره من دموية حفتر وعدم المخاطرة بالإعلان رسمياً عن رفض مشروعه.

 

بنود مبادرة عقيلة صالح للحل السياسي

وكان رئيس البرلمان الليبي المنعقد في مدينة طبرق قد أعلن الخميس الماضي خارطة طريق لإنهاء الأزمة في ليبيا، واقترح أن يقوم كل إقليم من أقاليم ليبيا الثلاثة باختيار من يمثلهم بالمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بالتوافق بينهم أو بطريقة الاختيار السري تحت إشراف الأمم المتحدة.

وأوضح صالح بأن المجلس الرئاسي سيقوم بتسمية رئيس الوزراء ونواب له يمثلون الأقاليم الثلاثة لتشكيل حكومة يتم عرضها على البرلمان لنيل الثقة ويكون رئيس الوزراء ونائباه شركاء في اعتماد قرارات مجلس الوزراء.

وأضاف صالح – في المقترح – أنه بعد تشكيل المجلس يتم تشكيل لجنة من الخبراء والمثقفين لوضع وصياغة دستور للبلاد بالتوافق، يتم بعدها تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية تنبثق عن الدستور المعتمد الذي سيحدد شكل الدولة ونظامها السياسي.

واقترح صالح وفقا للخارطة أن يتولى المجلس الرئاسي الجديد مجتمعا مهام القائد الأعلى للقوات المسلحة خلال هذه المرحلة، مبينا أن البرلمان سيستمر في ممارسة دوره كسلطة تشريعية منتخبة إلى حين انتخاب برلمان جديد.

وبحسب مقترح صالح فإن رئيس المجلس الرئاسي سيكون من أحد الأقاليم الليبية، بينما يكون رئيس الوزراء من أحد الإقليمين الآخرين، بالإضافة إلى أنه لا يحق لرئيس المجلس الرئاسي ونوابه الترشح لرئاسة الدولة في أول انتخابات رئاسية.

وعلى ما يبدو فإن إعلان حفتر الاستعراضي، الذي جاء عقب مبادرة عقيلة صالح بيومين، كان ردا على المبادرة التي قد تسحب من تحت قدمي حفتر أي سلطة متبقية له في شرق ليبيا، حيث ستعود السلطة للشعب، وهو ما تؤكد مصادر عديدة في أوقات سابقة أن سلطة وشعبية حفتر بين قبائل الشرق الليبي بات محدودة للغاية، وفاقمتها الهزائم العسكرية المتواصلة وفشله في دخول طرابلس لمدة عام.

وفي حواره مع فضائية “الحرة” كشف عقيلة صالح أنه لا وجود لأي خلافات بينه وبين خليفة حفتر، مشيرا إلى أن مبادرته الأخيرة لا تتعارض مع تصريحات حفتر الأخيرة.

وأوضح صالح أن مبادرته للحل السياسي في ليبيا تستند إلى الأعراف الليبية والاجتماعية، مشيرا إلى أن ليبيا مرتبطة بالمجتمع الدولي وليست معزولة عنه.

وأشار إلى أن هذه المبادرة ترمي إلى حل الأزمة الليبية سياسيا، وتستند إلى خلفيات تاريخية، منوها إلى أن فترة ما بعد استقلال ليبيا شهدت تشكيل لجنة الدستور بواقع عشرين ممثلا عن كل إقليم من أقاليم ليبيا الثلاثة، كما أن مجلس الشيوخ في تلك الفترة كان مشكلا من عدد متساو من الأعضاء الممثلين عن أقاليم ليبيا الثلاثة (برقة وفزان وطرابلس).

وقال صالح إن قضية ليبيا مرتبطة بشكل كبير بالمجتمع الدولي، وإن الأزمة الليبية في يد المجتمع الدولي، إلا أنه لا يستند في مبادرته إلى الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات برعاية أممية أو غيره، وإنما يستند إلى العادات والعرف الليبيين اللذين وضعا طريقة وتصورا مقبولا لتشكيل السلطة العليا في البلاد.

وأضاف أن الجديد في مبادرته السياسية هو أن أهالي الأقاليم هم من يختارون ممثليهم في هذه السلطة، مبينا أن الشعب هو صاحب السلطة العليا ويجب أن تتم العودة إليه.

وأوضح أنه يدفع باتجاه عقد اجتماع للمتخصصين وأصحاب الرأي والفكر والمثقفين في ليبيا لوضع الآلية المناسبة لتحقيق هذه المبادرة، مبينا أنه من الضروري أن تتم مناقشة آلية مدروسة لمعالجة الأمور العالقة في المستقبل، حتى يتم حل الخلافات بشكل مدروس، وأضاف صالح أنه يسعى لتحقيق هذا الأمر في وقت قريب على الرغم من الاحتقان والانقسامات، حتى تجتاز البلاد هذه المرحلة التي تمر بها بسلام.

 وبحسب مراقبين، فإن عقلية حفتر العسكرية لن تقبل أيا من بنود مبادرة عقيلة صالح، التي تصطدم بأحلام القذافي الجديدة، التي يمثلها حفتر وبقايا فلول نظام القذافي السابق.

 

تداعيات إعلان حفتر

وعلى صعيد تداعيات إعلان حفتر، تبرز الكثير من القضايا والتحديات، التي تثير كثير من التناقضات، وتختصر كثير من الخلافات الداخلية والاقليمية ومنها:

1-مجهول جديد:

فإعلان حفتر الذي جاء بلغة متشابه مع انقلاب عسكر مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي في 2013، يعتبره محللون انقلابا ثانيا من قبل حفتر، الذي يتواجه بتململ شعبي وقبلي في الشرق الليبي الذي يسيطر عليه، إثر فشله العسكري في حسم معركته مع حكومة الوفاق، وتصاعد أعداد القتلى من أبناء القبائل، ووقع الانقلاب الأول في العام 2014، حينما انقلب حفتر على مخرجات اتفاق الصخيرات، وبدأ هجومه العسكري على المدن الليبية في الغرب.

ويضع إعلان حفتر ليبيا أمام مجهول جديد، حيث تتجه من سيئ إلى أسوأ مع  تحويل شرق ليبيا إلى حكم عسكري وسحب بساط الغطاء الشرعي المتمثل في برلمان طبرق المنتخب، من تحت قدمه.

2-بين المشروعين المصري والإماراتي

وجاء موقف حفتر بلا ترتيب داخلي ، حتى مع رفقائه بالشرق الليبي، وقوبل برفض وتحفّظ من مختلف الأطراف، حتى من حلفائه في شرقي ليبيا الذين التزم معظمهم الصمت بلا تعبير عن تأييدهم لهذا الإعلان، بل إن بعضهم رأى أن ذلك سيكون في مصلحة النواب المجتمعين في طرابلس المؤيدين لحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، فيما كشفت مصادر سياسية لوسائل إعلام عربية، أن دوائر ومؤسسات في القاهرة غير مرحبة بخطوة حفتر الأخيرة، متهمة أبوظبي بسعيها لتقسيم ليبيا، ليضع كل ذلك حراك حفتر بإطار استعراضي بلا مفعول سياسي.

وعلى الرغم من بيان وزارة الخارجية المصرية الذي احتوى على تناقضات عدة، من تأييد الجيش الليبي وانجازاته العسكرية، وفي الوقت نفسه تأييد الحل السياسي بليبيا، إلا أنها في الوقت نفسه ترفض مشاركة أية تيارات تصفها بالإرهابية ، من حلفاء حكومة الوفاق في غربي ليبيا، في افتاءات غير مفهومها  ولا مبررها على إرادة الليبيين.

وعلى عكس الموقف السياسي المعلن، كشفت مصادر تربطها علاقة قوية بدوائر صناعة القرار في مصر، إن دوائر ومؤسسات في القاهرة غير مرحبة بخطوة حفتر الأخيرة، مؤكدة أن مسؤولين بمستويات عليا في مصر يتمسكون بوحدة ليبيا من منطلق أمنهم القومي، ووجهت المصادر التي كانت تدعم التدخل الإماراتي في فترة سابقة لانقلاب حفتر الأخير، اتهامات واضحة لأبوظبي بسعيها لتقسيم ليبيا، لخدمة أجندات إقليمية أوسع، وأن تدخلها من البداية لدعم حفتر لم يكن بهدف معركتها مع الإسلام السياسي وجماعة “الإخوان المسلمين” فقط، وإنما كان يحمل أهدافاً أخرى خبيثة، على حد تعبير المصادر، مؤكدة أنها تسعى لتكرار سيناريو اليمن، وبحسب المصادر فإن حفتر والإمارات استغلا انشغال القوى الدولية الكبرى في أزماتها الداخلية بسبب جائحة كورونا، لتمرير الانقلاب الجديد، مؤكدة أن المسار الوحيد والشرعي أمام القوى الدولية الآن هو مبادرة مجلس النواب التي سبق وأعلنها عقيلة صالح لحل الأزمة بما يحفظ وحدة الأراضي الليبية.

 

3-انقلاب جديد

ويرى الباحث الليبي حافظ الغويل، في تصريحات إعلامية، الخميس الماضي، أن إعلان حفتر بمثابة “انقلاب جديد على أساس الشرعية الدولية التي كانت أنتجت اتفاق الصخيرات في المغرب بوجود وشهادة الدول الكبرى” بما فيها الدول التي تؤيده مثل مصر والإمارات.

وأوضح أن إجراء “حفتر يعني أنه يعلن بشكل أحادي إسقاط حكومة الوفاق وكذلك برلمان طبرق الذي عينه قائدا للجيش، فهذا يعني أنه انقلب على من عينه، وهذا خطأ سياسي كبير.

وباعلان حفتر نفسه حاكما لليبيا بلا أي سند من قانون أو إجراءات سياسية، والإكتفاء بتظاهرات شعبية مدبرة وبشكل متلفز بشرق ليبيا، يهدر حفتر المؤسسات التي انتخبته أصلا، ودعمته كبرلمان طبرق .

وبحسب دوائر سياسية ليبية، فقد أصيب حفتر بفيروس التفويض كداعمه الأبرز عبد الفتاح السيسي بمصر،  واصابة حفتر الجديدة جاءت بعد فيروس آخر لازمه منذ عام 1969 حيث حاول الانقلاب على الملك إدريس السنوسي عام 1969 وحاول الانقلاب على معمر القذافي عام 1987، وبعد الثورة الليبية انقلب 3 مرات على الدولة الوليدة، أحدثها في إبريل من العام الماضي وآخرها انقلابه على اتفاق الصخيرات السياسي الذي ارتضاه الليبيون طريقا لإنهاء الخلافات والحوار السياسي وصولا الى بناء دولة ديمقراطية يتم فيها تداول السلطة بشكل سلمي، لكن الجنرال عاوده فيروس الانقلاب المتحول في شكل تفويض.

ولم يعترف حفتر طيلة الفترة الماضية بالاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات المغربية في ديسمبر 2016، رافضا سيطرة حكومة الوفاق الوطني على شرق ليبيا حيث معقله الرئيسي.

ويسعى حفتر إلى الحكم دون الاستناد إلى أي قاعدة تشريعية أو دستورية، تقليدا لما سار عليه حليفه في مصر عبد الفتاح السيسي عندما انقلب على الرئيس الراحل محمد مرسي، أول رئيس منتخب من الشعب المصري.

 

مستقبل ليبيا

وإزاء المعطيات السابقة، يكاد يتجه مستقبل ليبيا إلى سيناريوهين:

السيناريو الأول : التقارب الليبي – الليبي وإنهاء دور حفتر أو استبداله:

وهو ما بدا واضحا في دعوة حكومة الوفاق التي جاءت تعليقا على بيان حفتر بتفوض نفسه رئيسا لليبيا، كخطوة مهمة قد يبنى عليها مستقبلا، حيث وجّهت حكومة الوفاق، نداء لجميع أعضاء مجلس النواب للالتحاق بزملائهم في طرابلس، “لنبدأ الحوار الشامل وليستمر المسار الديمقراطي وصولاً إلى حل شامل ودائم عبر صناديق الاقتراع”، وأعلن مد اليد “لكل أبنائنا المغرر بهم وأهاليهم وبالأخص في المنطقة الشرقية والذين عرفوا حقيقة نوايا المعتدي بوضوح”، داعياً إياهم “لإلقاء السلاح وحقن الدماء”.

فيما طالب المجلس الأعلى للدولة، في بيان فجر الأربعاء الماضي، مجلس النواب بـ”الالتئام من أجل استئناف عملية الحوار السياسي مع تأكيد ضرورة القضاء على مشروع الانقلاب العسكري على الشرعية، وأن لا سبيل لحكم ليبيا إلا من خلال الانتخابات”، وأكد التمسك باتفاق الصخيرات كـ”إطار حاكم للمرحلة الانتقالية ومنظم للعملية السياسية فيها.

وهو ما يدعمه الفشل العسكري لحفتر في غرب ليبيا، وتململ القبائل الليبية من سياسات حفتر الاستبدادية والتي تقود البلاد نحو المجهول.

وكانت مصادر سياسية بالقاهرة، تحدثت عن تململ الاوساط الاستخباراتية المصرية من استمرار الرهان على حفتر، مقترحة استبداله، بانقلابيين اخرين بالطبع، لا لتحقيق مصالح الليبيين، بل لحسم مشروع السيسي الانقلابي بليبيا، لدحر الإسلاميين وحكومة الوفاق وفرض التغلغل العسكري بمستقبل ليبيا، لضمان أمن حدود مصر، التي يدعي انها مهددة بالإسلاميين المتعاضدين مع حكومة الوفاق.

 

السيناريو الثاني:تقسيم ليبيا

وأمام الغطاء السياسي الذي يعتمد عليه حفتر وهو مبدأ القوة، والذي توفره الإمارات والسعودية ومصر لحفتر، فإن حفتر قد يقود قواته العسكرية نحو مزيد من المغامرات العسكرية، في ظل دعم عسكري مفتوح من قبل الإمارات ومصر، خصوصا في ظل معلومات مؤكدة عن إعداد حفتر بإشراف مصري قوات عسكرية ضخمة ، بمثابة جيش جديد من اللليبيين والمرتزقة وقوات فاغنر والجنجويد يجري تجهيزهم وتدريبهم بإحترافية في بنغازي الليبية، بإشراف عسكري من مصر وأسلحة إماراتية.

فحفتر لا يهمه الغطاء السياسي لأن البرلمان لا ينعقد من الأساس، والبرلمانيون موجودون في مصر، ولن يستطيعوا أن يفعلوا شيئا وقد يتم اختطافهم إذا أعلنوا اعتراضهم.

وهو ما يتفق مع ما ذهب إليه محمد عماري، عضو المجلس الرئاسي الليبي، بأن إعلان حفتر يعتبر خطوة مؤجلة منذ 2015، حيث استخدم برلمان طبرق كواجهة سياسية لشرعنة مشروع الانقلاب، واليوم انتهى دوره فتم لفظه، وهو ما يؤكد أنه لا يوجد شريك سياسي، وأنه لا حل قبل القضاء على مشروع الانقلاب.

وهو ما يقود لسيناريو أبعد من الانقسام السياسي في ليبيا وصولا للتقسيم الذي تريده الإمارات، وتعترض على تفاصيله مصر، التي تريد تأمين حدودها وضمان عدم وصول الإسلاميين للسلطة ومنع التمدد التركي في ليبيا، دون الوصول لدويلتين على حدودها الغربية.

ولعل المشروع الاماراتي في المنطقة العربية، الداعم للانقلابات في مصر واليمن وهو ما تجلى مؤخرا في عدن، وتلاه انقلاب حفتر بيومين فقط بليبيا، يستهدف تقسيم ليبيا، فبعد أن يئست ابوظبي من السيطرة على كامل ليبيا واليمن، قررت تمزيقهما والتحكم في شطرهما فقرر المجلس الانتقالي في عدن الإدارة الذاتية وعزل الحكومة عن أداء وظيفتها ،وها جنرال ليبيا يجرب حظه بعدما فشل في السيطرة على كامل ليبيا، عبر دعم عسكري مفتوح سواء من روسيا، أو الإمارات، أو الأردن، والذي يعبر عن طريق مصر.

خاتمة

تبقى الهزائم العسكرية التي تلقاها حفتر أخيرا، قد أوجدت واقعا مختلفا من الناحية العسكرية، والتي ترجمت سياسيا بمقامرت حفتر بإعلان تفويض شعبي عبر وسائل إعلامه وبدعم إماراتي، استباقا لتحركات سياسية بشرق ليبيا من قبل القبائل والقيادات العسكرية، التي فقدت رهانها عليه.

فما تبقى الفرصة كبيرة أمام حكومة الوفاق التي عليها استثمارها سياسيا نحو استعادة وحدة ليبيا، وبناء نظام سياسي ديمقراطي تعدّدي في ظل السيادة الوطنية على كل الأراضي الليبية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …