‫الرئيسية‬ العالم العربي دراسة : قرار إسرائيل ضم أجزاء من الضفة الغربية يوليو المقبل الخلفيات والتداعيات والمخاطر
العالم العربي - مايو 7, 2020

دراسة : قرار إسرائيل ضم أجزاء من الضفة الغربية يوليو المقبل الخلفيات والتداعيات والمخاطر

أولا: سياق قرار الضم

مؤخرا، اتفق بنيامين نتنياهو وبيني غانتس على تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، بعد أن لجأ كلاهما إلى سياسة حافّة الهاوية، للحصول على مكاسب إضافية. في النهاية، انفصل غانتس عن رفاقه في تكتل أزرق أبيض، ورضخ لمطالب نتنياهو الرئيسية، وفي مقدمتها الاتفاق على ضمّ غور الأردن والمستوطنات في الضفة الغربية، في شهر يوليو المقبل، وعدم السماح بالمسّ بقانون يهودية الدولة، ومنح نتنياهو الحصانة اللازمة للإفلات من محاكمته بتهم الفساد. وفي ذلك، نجح نتنياهو، مرة أخرى، في تعزيز قوة اليمين الصهيوني بقيادته، ولن يكون مصير غانتس أفضل من مصير حزب العمل، حين دخل في حكومة ائتلافية مع “الليكود” الذي تمكّن لاحقاً من تقليص حجم “العمل” على الساحة السياسية الإسرائيلية، بعد أن حكم إسرائيل عقوداً طويلة، ولم يفُز في الانتخابات الأخيرة إلا بمقعدين، ضمن تحالف لبقايا “اليسار” الصهيوني الذي حاز ستة مقاعد، وبات يلهث الآن للالتحاق بحكومة اليمين.

 

ثانيا: أهداف  إسرائيلية

  • يهودية الدولة

ويرى الخبير الجغرافي والباحث الإسرائيلي “الدكتور شاؤول أريئيلي” وهو ضابط سابق برتبة عقيد، أن إقدام إسرائيل على ضم المنطقة ج، التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية، “سيعبر عن تغيير جوهري لسياسة الحكومات الإسرائيلية الأخيرة، التي دأبت على تنفيذ “ضم زاحف” من خلال سلسلة خطوات، مثل توسيع المستوطنات، وضمها فعليا بواسطة “الجدار الأمني”، والبناء في الأحياء اليهودية (المستوطنات) في شرقي القدس، شق طرق التفافية، تقييد التطوير الفلسطيني في المنطقة ج  وهدم بيوت (بحجة أنها) غير مرخصة، ومؤخرا تعميق التفريق بين السكان اليهود والفلسطينيين بواسطة سلسلة خطوات تشريعية.

وأضاف أريئيلي، في مقال في صحيفة “هآرتس”، الجمعة الماضية، أن حكومة نتنياهو لم تعد تميّز بين الكتل الاستيطانية والمستوطنات القريبة من “الخط الأخضر”، التي كانت ضمن بند “تبادل الأراضي”، وبين المستوطنات “المعزولة”، الواقعة في عمق الضفة. وعلى سبيل المثال، صادق نتنياهو الأسبوع الماضي، كوزير للأمن، على شق شارع التفافي حوارة، في منطقة نابلس، بتكلفة 260 مليون شيكل، لصالح أربع مستوطنات “معزولة”، يسكنها 7500 مستوطن، وذلك في إطار مخطط بتكلفة 5 مليارات شيكل. كما صادق مجلس التعليم العالي الإسرائيلي على تأسيس كلية طب في جامعة مستوطنة “أريئيل.

وأشار أريئيلي إلى أن “الغايات المركزية” للحركة الصهيونية من إقامة إسرائيل، هي أن تكون “دولة يهودية”، أي ذات أغلبية يهودية؛ دولة ديمقراطية؛ ودولة في كل فلسطيني التاريخية “أرض إسرائيل الكاملة”. وأضاف أنه “بسبب حقيقة أنه طوال سنوات الصراع كانت هناك أغلبية غير يهودية في إسرائيل، اضطرت القيادة الصهيونية أن تختار اثنتين بين ثلاث إمكانيات: أولا، دولة يهودية في كل منطقة إسرائيل ولكن ليست ديمقراطية؛ ثانيا، دولة ديمقراطية في كل إسرائيل ولكن ليست يهودية؛ ثالثا، دولة يهودية وديمقراطية في جزء من أرض إسرائيل. واختيار الإمكانية الثالثة كانت الخيار الإستراتيجي للقيادة الصهيونية وحكومات إسرائيل حتى الحكومة الحالية.

 

  • إلغاء حل الدولتين

وأيضا يستهدف نتنياهو وعدد من الوزراء وأعضاء الكنيست ،عبر قرار الضم،  إلغاء حل الدولتين، “ولكنهم سيمتنعون عن التهديد بضم المنطقتين A وB أو إعادة الحكم العسكري إليهما. وهم مقتنعون أن بإمكانهم إدارة الضم وفقا لمشيئتهم.

 

ثالثا: محفزات قرار الضم

  • تأييد أمريكي على بياض

وفور اطلاق نتنياهو قراره، الذي جاء من أرضية “صفقة القرن” المعلن من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،  في 28  يناير الماضي، وعلى الفور، رحّب وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، باتفاق نتنياهو وغانتس على تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وقال إنّ “إجراءات ضمّ الضفة قرار يعود اتخاذه إلى إسرائيل”، فهي “قراراتٌ سيتخذها في نهاية المطاف الإسرائيليون”، أما الحكومة الإسرائيلية فـ “سنعمل معها بشكل وثيق لإبلاغها بموقفنا في أجواء خاصة”.

ولعل الأخطر في هذا التصريح ليس ترحيب بومبيو، ولا الأجواء الخاصة التي من ضمنها لجنة أميركية – إسرائيلية كُلّفت منذ فبراير 2020، بمهمة وضع خرائط الضم، ولا المباركة الأميركية المسبقة لهذه الخطوات التي أعلنها الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” في الاحتفال الكبير الذي أقامه في البيت الأبيض، بحضور نتنياهو وغانتس، وبعض السفراء العرب. الخطير في هذا التصريح، أنه لم يتحدّث عن ضمّ الأغوار والمستوطنات، بل تحدّث، عن ضمّ الضفة الغربية، وأنّ قرار ضمها يعود إلى الإسرائيليين، وكأنه يقول إنها مسألة وقت لتُضَمّ الضفة كلها، بعد إتمام ضمّ المستوطنات والأغوار، بعد نحو شهرين، وفي يوليو المقبل.

 

  • ضعف الدول العربية وتضعضع مواقفها

حيث تتسارع خطوات التطبيع العربي المجاني مع إسرائيل، عبر فتح أبواب السياحة امام الوفود العربية للمسجد الأقصى، والعكس من زيارات ووفود سياحية إسرائيلية في مصر والبحرين والإمارات، ونشطاء ورسميين يدخلون السعودية ويعلنون ذلك، بجانب التطبيع الرياضي والسياحي والاقتصادي، والذي تتصدره السعودية ، والذي وصل الأمر لتوجيه انتقادات علنية للفلسطينيين عبر الاعلام السعودي والاماراتي، مضافًا إليها الحالة العربية المنهكة، بالنزاعات، والاضطرابات الناجمة عن تأجيل طويل لاستحقاقات التغيير.

 

  • انشغال دولي:

ومن الناحية الدولية شهد النظام الدولي حالةً أشبه بالغياب، حيث كانت أخر مشاهد الحضور الدولي ؛ “اللجنة الرباعية الدولية”، والتي أُنشئت عام 2002 بإقتراح أوروبي، وهي المكوّنة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة، ولم تنجح تلك الرباعية في تحقيق تسوية سياسية، وليس هذا فقط، بل إن تحقُّقها العملي كان محلَّ شكوك؛ لافتقاد التجانُس بين أعضائها، ولتفاوت التأثير لصالح الولايات المتحدة؛ فآلت الأمور إلى إنفراد الأخيرة الفعلي بالجهود الساعية إلى التسوية بين الفلسطينيين ودولة الاحتلال.

ثم في المرحلة الراهنة حيث انشغالات أكبر للاتحاد الأوروبي وروسيا، بأولويات أكثر مساسا بمصالحهما الحيوية، أو تهديدا لتلك المصالح، فزاد الاستفراد الأميركي بملف الصراع، وزاد الطين بلّة، وصولُ دونالد ترامب للحكم، وهو لم يتشبّع بمنطلقات “المؤسسة” السياسية في الولايات المتحدة، وكان بنزعته الانعزالية والاستعلائية، أكثر تحلُّلا من متطلَّبات الدولة  القائدة عالميًّا، أو الدولة الراعية لعملية السلام، عربيًّا وفلسطينيًّا.

وكان هذا التحوُّل الدولي، بالإضافة إلى التحوُّلات الأكثر يمينية وتطرُّفًا في إسرائيل، أما الموقف الأوروبي فهو أكثر إجماعًا على رفض الضمّ، وأشدّ تحذيرا من خطورته، ومن جديد مؤشِّرات ذلك ما قدّمه سفراء عشر دول أوروبية لدى تل أبيب، من احتجاج مشترك، حذّر المقرِّر الخاص المَعني بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة مايكل لينك، من أنّ خطط إسرائيل الجديدة ستسبب “سلسلة من العواقب الوخيمة لحقوق الإنسان” لإسرائيل، بشأن نواياها بتنفيذ خطَّة لضمِّ أجزاء من أراض فلسطينية لسيادتها. وقالت قناة 13 الإسرائيلية إن الدول المحتجَّة، (إضافة إلى بريطانيا: ألمانيا، وفرنسا، وأيرلندا، وهولندا، وإيطاليا، وإسبانيا، والسويد، وبلجيكا، والدنمارك وفنلندا) حذّرت في رسالتها، من أن “الضمَّ سيضرُّ بمكانة إسرائيل الدولية وسيقوِّض الاستقرار الإقليمي.

كان ذلك كله ما أغرى دولة الاحتلال بالاستخفاف بالضم وفرض السيادة، وهي خطوة أحادية خطيرة، سواء في افتقادها السَّند القانوني، أو في التداعيات المتوقعة على حياة الفلسطينيين، وآمالهم الوطنية والسياسية.

وإسرائيل بهذا لا تستند إلا على وعود ترامب، وإدارته، علمًا أن في الكونغرس الأميركي، سيما من الديمقراطيين، معارضة لهذه الخطوة، ولذلك أعلن مستشار جو بايدن لشؤون السياسة الخارجية، أنتوني بلنكن، أنه لو فاز بايدن المرشَّح عن الحزب الديمقراطي بالرئاسة، فإنه سيعارض ضمَّ إسرائيل لمستوطنات إسرائيلية ومناطق من الضفة الغربية، وأنه مع حلِّ الدولتين.

 

  • حدود الفعل الفلسطيني

وفي مقابل خطوات نتانياهو وحكومة الوحدة المرتقبة مع غالتيس،  جاء رد السلطة الفلسطينية باهتا ولا يتناسب مع خطورة الطرح الصهيوني، وتكراراً للمكرّر سابقاً عشرات المرات، من دون أي إجراءات عملية، أو سعي إلى تهيئة الشعب الفلسطيني لمواجهة هذه الخطوة، وعاد الرئيس محمود عباس إلى استخدام كلمة “سوف” المحبّبة لديه، والتي لا يخلو منها تصريح له أو خطاب، متوعداً بقرارات يعجز عن اتخاذها.

وذهب محمود عباس للتهديد بالتحلل من كافة الاتفاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع إسرائيل وأمريكا، وهو تهديد  غير قابل للتفيذ بشكل فعال على أرض الواقع، بحسب خبراء، إذ أن اقتصاد الفلسطينيين في الضفة والقدس قائم على الجانب الإسرائيلي.

وكعادته، شدد عباس خلال مداخلات في القمم التي عقدت عن بعد خلال الأيام الماضية، سواء في الجامعة العربية أو منظمة دول عد الانحياز، على أن تنفيذ المخطط سيقود فورا لإعلان التحلل الكامل من الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل والإدارة الأمريكية، التي تقدم لها الدعم الكبير لتطبيق المخطط.

ومن أبرز الاتفاقات ؛ سحب الاعتراف بإسرائيل، اتساقا مع قرارات المجلس الوطني الفلسطيني، التي جرى التأكيد عليها في اجتماع عقد في أكتوبر من العام 2018، والتي اشتملت على تعليق الاعتراف بدولة إسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين، ووقف التنسيق الأمني بأشكاله كافة والانفكاك الاقتصادي.

وفي السياق ذاته، أعلن الدكتور صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أنه نقل رسائل رسمية من عباس إلى عدد كبير من دول العالم، دعاهم فيها الى عدم السماح للحكومة الإسرائيلية بتنفيذ مخطط “الابرتهايد” والضم، وضرورة عقد مؤتمر دولي للسلام على أساس القانون الدولي والشرعية الدولية، بهدف إنهاء الاحتلال، وتجسيد استقلال دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية لتعيش بأمن وسلام الى جانب دولة اسرائيل على حدود 1967، وحل قضايا الوضع النهائي كافة، وعلى رأسها قضية اللاجئين والأسرى، استنادا لقرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة، وهي مطالبات تتكرر بين الحين والآخر، ووقت الأزمات التي تؤرق الشارع الفلسطيني .

وهذا الكلام ذاته قاله عباس في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة عقب مهرجان نتنياهو وترامب الاحتفالي بإعلان صفقة القرن، وقاله قبل ذلك في اجتماع القمة الإسلامية في إسطنبول، بعد اعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وقبلها وبعدها في اجتماعات المجلسين، الوطني والمركزي، وأُضيفت إليه في حينه عشرات القرارات التي بقيت حبراً على ورق، بسحب الاعتراف بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني معها، ووقف تسلّم أموال المقاصّة التي حسمت منها إسرائيل مخصّصات الأسرى والشهداء. كذلك شُكِّلَت لجان متعدّدة للبحث في آليات تنفيذ هذه القرارات التي أصبحت لأزمة للبيان الختامي لكل اجتماع يجري في أروقة السلطة الفلسطينية.

أما حركات المقاومة الفلسطينية، التي تكبلها الضغوط المصرية، التي تستخدم أوراق الضغط الصهيونية، في وقف التصعيد العسكري من قبلهم، عبر التهديد بالاجتياحات الصهيونية والقصف الجوي الصهيوني، فيما يتلكأ فريق محمود عباس وسلطاته في الاقدان نحو مصالحة فلسطينية مع قطاع غزة، مشترطا تسليم سلاح المقاومة، الذي بمثابة وأد لكيان فلسطين في ظل مخططات صهيونية لا تحترم قواعد قانونية أو اتفاق أو أي شيء غير لغة القوة التي تتمسك بها حركات المقاومة الفلسطينية.

 

رابعا: منطلقات خطة الضم

  • ماذا تعني خطة الضم ؟

وتعد خظة الضم؛ إلغاء إسرائيل لكافة الاتفاقات والتفاهمات حتى اتفاق أوسلو، والذي يمثل سقفه الأعلى حكم ذاتي محدود، حتى لو أطلق عليه من الأسماء الجميلة ما شاء المفاوضون، من سلطة، إلى دولة، إلى رئاسة وحكومة.

ويعد إعلان نتنياهو بتنفيذ خطته، التي سبق وأن  تعهد  بها، بضم غور الأردن، وجميع المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية، بعد الانتخابات الإسرائيلية، ولكن الإدارة الأمريكية سبق أن ألمحت إلى انتظارها تشكيل حكومة في “إسرائيل”، التي قد تبصر النور بعد اتفاق الأول مع زعيم حزب “أزرق أبيض”، بيني غانتس.

كما تعمل لجنة أمريكية-إسرائيلية مشتركة حالياً على رسم خرائط الضم الإسرائيلي بالضفة توطئة للاعتراف الأمريكي بهذا الضم، ويقول مسؤولون فلسطينيون، إنه بموجب الخطة الأمريكية فإن “إسرائيل” ستضم 30-40% من مساحة الضفة، ومن ضمنها كامل القدس الشرقية.

 

  • صفقة القرن ..خطوة خطوة

وفي 28 يناير المنصرم، طرحت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، صفقتها السياسية الخاصة بتسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وتضمنت شروطاً مجحفة بحق الفلسطينيين.

وتتضمن الخطة إقامة دولة فلسطينية في صورة “أرخبيل” تربطه جسور وأنفاق، وعاصمتها “في أجزاء من القدس الشرقية”، مع جعل مدينة القدس المحتلة عاصمة موحدة لـ”إسرائيل.

كما تنص على دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وإجبار الفلسطينيين على الاعتراف بـ”يهودية إسرائيل”؛ ما يعني ضمنياً رفض حق عودة اللاجئين إلى أراضيهم وديارهم التي هجروا منها عام 1948، مقابل منح الفلسطينيين عاصمة في أجزاء من “القدس الشرقية”، على غرار بلدة أبو ديس ومخيم شعفاط.

 

  • خطوات اسرائيلية تمهيدية

يشار إلى أنه في يناير الماضي، شرع وزير الدفاع الصهيوني “نفتالي بينيت” في حملة لتكريس الضم الفعلي لمنطقة “ج” التي تشكِّل أكثر من 60% من الضفة الغربية لصالح الكيان الصهيوني.

وقام “بينيت” بتشكيل جهاز أطلق عليه “المنتدى المسئول عن الحرب على مستقبل منطقة ج”، والذي سيكون مسئولًا عن منح المستوطنين تراخيص لشراء أراض في المنطقة بشكل خاص، وربط النقاط الاستيطانية التي دشنت من دون إذن الحكومة بشبكتي الكهرباء والمياه، وعدم السماح بإخلاء المستوطنين من الأراضي الفلسطينية الخاصة التي سيطروا عليها.

والسماح للمستوطنين بشراء أراضٍ في مناطق “ج” بشكل خاص ودون وساطة شركات تحولاً في المكانة القانونية لهذه الأراضي، يساعد على السيطرة على أكبر مساحة من الأراضي الفلسطينية.

وعمل المنتدى الجديد على إضفاء شرعية على وجود 30 مزرعة ماشية يملكها المستوطنون في مناطق “ج”، ودشنوها على أراض فلسطينية خاصة من دون الحصول على إذن جيش الاحتلال.

وأكدت القرارات التي اتخذها المنتدى الجديد أن إسرائيل شرعت عمليًّا في ضم مناطق “ج” لإسرائيل.

 

خامسا: معوقات التطبيق

  • رفض اسرائيلي داخلي:

يشار إلى أنه في مايو الماضي، وقع 200 مسئول أمني إسرائيلي سابق على عريضة موجهة إلى رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، طالبوه فيها بالالتزام بإجراء استفتاء شعبي قبل أن يتخذ قرارا بفرض القانون الإسرائيلي على مناطق في الضفة الغربية المحتلة.

جاءت الخطوة في أعقاب التصريحات المكثفة التي أطلقها نتنياهو وقادة أحزاب مرشحة للانضمام إلى حكومته الجديدة حول ضم المنطقة ج التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة، عشية الانتخابات العامة للكنيست، التي جرت أبريل 2019، واحتمال شمل هذا الأمر في الاتفاقيات الائتلافية.

وحذَّر الموقعون على العريضة، وهم مسئولون سابقون في الجيش الإسرائيلي والشاباك والموساد والشرطة، من أن ضم مناطق في الضفة لإسرائيل سيؤدي إلى وقف السلطة الفلسطينية للتنسيق الأمني مع إسرائيل، وسينشئ فراغًا أمنيًا تدخل إليه حركة حماس وفصائل فلسطينية مسلحة أخرى.

وقالت العريضة إن “فرض القانون الإسرائيلي على مناطق يهودا والسامرة “الضفة الغربية” وليس في إطار اتفاق سياسي، سيقود إلى ردات فعل متسلسلة ستمس كثيرا بأمن الدولة واقتصادها ومكانتها الإقليمية والدولية”، وشددت على أن “ضمًّا من دون اتفاق سيشكل خطرًا على أمن إسرائيل وحياة سكانها”.

وأضافت العريضة أن خطوة إسرائيلية كهذه ستضطر الجيش الإسرائيلي والشاباك إلى السيطرة على الضفة الغربية، وأن تدير وتمول إسرائيل حياة ملايين الفلسطينيين من استراتيجية للخروج من وضع كهذا.

وأكدت العريضة أن ضم الضفة يعني القضاء على احتمال التسوية السياسية، وأنه “لن يكون بإمكان قرار تتخذه الكنيست بتمرير تشريع ضم، مهما كان جزئيا، أن يفسر من جانب السلطة الفلسطينية ودول المنطقة والعالم، إلا أن يفسر بأنه سدّ الباب أمام تسوية سياسية مستقبلية”.

كذلك حذرت العريضة من الأضرار الاقتصادية البالغة من خطوة كهذه، “منذ بدء تدهور خطوة الضم الجزئي إلى سيطرة كاملة على المنطقة كلها، ستضطر دولة إسرائيل إلى إدارة حياة 2.6 مليون فلسطيني”، وأن تكلفة هذه الخطوة ستبلغ 52 مليار شيكل سنويا.

وختم المسئولون الأمنيون عريضتهم بأن “هذه خطوة غير مسبوقة من حيث تبعاتها الهدامة على أمن إسرائيل”.

 

  • حاجة اسرائيل لحكومة عباس:

وعلى الرغم من هشاشة الوضع الفلسطيني، فلن تُحَلّ السلطة الفلسطينية، فقد نشأ واقع من الصعب تجاهله؛ مئات الآلاف من الموظفين يقومون بشؤون الإدارة الحياتية اليومية، بإشراف مباشر من إدارة الحكم العسكري الصهيوني، لم ينقطع يوماً واحداً، والأجهزة الأمنية، الشرطية منها والاستخبارية، تعدّ بعشرات الآلاف، وتقدّم معلومات استخباراتية حيوية للأمن الإسرائيلي، وتكفيه مؤونة الحفاظ على الأمن الداخلي، أو قمع التظاهرات والحراكات الجماهيرية. وثمّة مصلحة إسرائيلية واضحة في الإبقاء على السلطة الفلسطينية ودورها الوظيفي، سواء في المجال الأمني، أو في مجال إدارة المسائل اليومية، وسيطاً محلياً يشكّل هيئة عليا لإدارة البانتوستنات والمعازل الفلسطينية في مدن الضفة الغربية وضواحيها، لتكون بديلاً من روابط القرى التي حاول إقامتها في السبعينيات. وتدريجاً، سيسعى أكثر إلى عزل بعضها عن بعض، وإلى قضم المزيد منها، وستتكثف محاولاته لتهجير سكانها إلى خارج فلسطين.

كما أن الاحتلال الصهيوني ما زال بحاجة إلى قيادة فلسطينية مدربة على السمع والانصياع، كما عباس، الذي جرى صناعته في اروقة المخابرات الاسرائيلية والأجهزة الأمنية التي تعتمد عليه بشكل كبير في ادارة صراعها مع حركات المقاومة الفسليطينية المسلحة، كحماس والجهاد وغيرهم..

 

سادسا: مخاطر ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها

 وكانت قد تصاعدت أصوات صهيونية مطالبة بتطبيق القانون “الإسرائيلي” على الضفة الغربية المحتلة، وبلغت ذروتها بتصويت مركز حزب الليكود على عريضة تطالب الحكومة بإصدار قانون لفرض السيادة، تبعا قرار المدعي العام بتطبيق القانون “الإسرائيلي” على المستوطنات في الضفة وإلزام الوزارات بتطبيق قراراتها على هذه المستوطنات، بشكل طبيعي والأصوات الصهيونية تراوحت بين ضم كامل للضفة وضم بعض الأجزاء وذلك في يناير الماضي.

وذهب تقرير أصدره مركز الأمن القومي الصهيوني ، للتحذير من خطورة خطوات الضم على الكيان الصهيوني، على الرغم من أن السياسات الصهيونية، ترتكز على شراهة لا تنقطع للأرض والاستيلاء عليها ولكن يبقى الهاجس الديمغرافي والفلسطينيين الذين يسكنون هذه الأرض موضع الجدل الرئيسي، فكل ما تريده اسرائيل هو “أرض أكثر وعرب أقل”.

والصراع أيضا ذا طابع سياسي – أيدلوجي، حيث ترتكز المعارضة على السياسة والديمغرافيا ورد الفعل الدولي، بينما جوهر القوى والأصوات المؤيدة ينصب على الدفع بالأيدلوجيا وترسيخ طموحاتها لذلك يبدو واضحا أن هذه المشاريع حتى وإن تعارضت مع السياسة الحصيفة التي من الواضح أن الكيان الصهيوني غير آبه بها إلا أنها جزء من تحقيق الرؤية الأيدلوجية التي يقودها ويرفع راياتها حاليا عتاة اليمين المتطرف من المستوطنين الذين أحكموا قبضتهم على الإطار السياسي وخصوصا حزبي الليكود وإسرائيل بيتنا، والائتلاف ككل الذي لايستطيع التمرد على رغباتهم.

منذ احتلال الكيان الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة، و القدس والجولان لم يطبق قانونه على الضفة الغربية وغزة (قبل الجلاء) ولكنه فعل بالنسبة للقدس والجولان المحتلين، ومايزال المجتمع الدولي رغم ذلك يتعامل مع كل هذه الأراضي كمناطق محتلة، ويرفض المجتمع الدولي أي خطوات “إسرائيلية” لتطبيق سيادتها على هذه الأراضي، بما فيها الجولان والقدس، وفي الواقع استخدم الكيان الصهيوني قوانين الاحتلال العسكري ونظام الأوامر العسكرية في إدارة الضفة الغربية، وقد نشأ ذلك بسبب الحاجة إلى نظام قانوني لتنظيم سلطة الاحتلال وتمكينها من التمترس في الأرض المحتلة بما لايخلق صداما مع المجتمع الدولي.

غير أن المحتل الصهيوني وجد دائما وسائل للتسلل عبر هذا النظام، فلم يتردد القادة العسكريون بإصدار أوامر “البلدية: للمستوطنات الصهيونية وهي أوامر اعتمدت بالكامل على القانون “الإسرائيلي” سواء فيما يتعلق بالتعليم أو الرعاية الاجتماعية، وكذلك الحكم المحلي، ومؤخرا أصدرت وزيرة العدل الصهيونية توجيهات لتحسين وتقصير عملية تكييف القوانين المطبقة على المستوطنات مع التعديلات على القانون “الإسرائيلي”. وهذا يعني أن الذريعة المتعلقة بالثغرات القانونية المتعلقة بالكيان ورغبته بمساواة المستوطينين من ناحية القانون مع سكان الكيان، إنما هي ذرائع فارغة من المضمون، إذ يمكن فعل ذلك كما اتضح دون فرض الولاية القضائية على الأراضي المحتلة، ما يثبت صحة الذريعة الأيدلوجية المرتبطة بطموحات الاستيلاء على الأرض حتى بالتعارض مع أبسط قواعد القانون الدولي.

ورغم إدراك الكيان الصهيوني لتداعيات هذا القرار في مستويات مختلفة أبرزها على الفلسطينيين ومصير السلطة الفلسطيني وكذلك محليا ودوليا إلا أنها تغمض عينيها على هذه الحقائق، وليس من الواضح بعد كيف تنوي دولة الاحتلال التعامل مع هذه المشكلات الاستراتيجية بدون أدنى شك.

فما هو مصير 2.3 مليون فلسطيني يعيشون في المنطقة (ج) إذا ضمتها دولة الاحتلال، هل سيصبحون مقيمين داخل “دولة إسرائيل” كما هو حال سكان القري، وبالتالي يبقى مصيرهم مفتوحا على التطهير العرقي، مع تكلفة ذلك الإضافية على الاحتلال التي لايستطيع التهرب منها كما القدس،بما في ذلك حرية التنقل والحق في التأمين الوطني. ولكن الضم سيؤثر أيضا على الفلسطينيين الذين يعيشون خارج هذه المنطقة (في المنطقتين ألف وباء). أولا، هناك أراض، وبنية تحتية، وغيرها من الممتلكات في المنطقة ج التي تعود إلى هؤلاء المواطنين الفلسطينيين مع العلم أن مساحتها أكثر من 60% من الضفة، دون أن نتطرق للقضية الأخطر وهي تقطيع الأواصر بين المنطقتين اللتين تفصل بينهما المنطقة ج، وتقطع أوالهما أصلا،  فنظرة بسيطة إلى الخريطة تظهر كيف ستصبح الحياة والعيش مستيحلة للفلسطينيين، ناهيك عن إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في الحد الأدنى، فلا شيء يمكن أن يعمل بشكل صحيح في هذه الدولة الممزقة، ولا حتى الأمن الفلسطيني الذي تعتمد عليه دولة الإحتلال بشكل كبير في تنسيق التعاوني ضد المقاومة.

وغير ذلك باضطرار الكيان لمنح سكان المناطق المضمومة نوعا من الحقوق سيخلق التناقض لصعوبة مواءمة هذه الحقوق القليلة بحدها الأدنى مع الحقوق الأساسية المنصوص عليها بالقانون الصهيوني، ما يحيلها بالضرورة إلى نوع من نظام الفصل العنصري.

إن الاتجاه الواقعي لمثل هذا المسار وهو ما لايريد الساسة الصهاينة وأتباعهم الأيدلوجيين استيعابه، إن حرمان الفلسطينيين من الأمل لتحقيق الحد الأدنى من تطلعاتهم الوطنية سيوصل إلى صدام من المشكوك فيه أن يكون الكيان قادرا على تفاديه أو التصدي لتبعاته ، فقطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية نتيجة لهذا التصرف، آخذين بعين الاعتبار الإمكانية الواقعية لانهيار السلطة أو الإقدام على حلها سيضع جيش العدو من جديد أمام حالته الأصلية كجيش محتل ما قبل إتفاقيات أوسلو التي أعفته من الكثير من الأعباء وجملت وجهه القبيح،  وسيجد الكيان نفسه مسؤولا عن شعب تحت الاحتلال مع ما يترافق معه من أعباء أمنية واستراتيجية واقتصادية، وسيفرض عبئا ثقيلا على الدولة الصهيونية وتضعها وجها لوجه أمام حقيقة قيمها العارية المزيفة،  ويجدر الذكر أيضا أن اكتفاء الكيان بتطبيق قوانينه على المستوطنات لن يعفيه من مواجهة حقيقته كنظام فصل عنصري يفرض نوعين من الأنظمة والقوانين على فئتين من السكان في أرض محتلة، إضافة إلى التبعات الأخرى التي لن تقل عن تبعات الضم الكامل وإن كانت مختلفة.

 

 

سابعا: نتائج متوقعة

  • عزلة لاسرائيل

ولاشك أن المجتمع الدولي (دون توقع الكثير منه) سينظر إلى خطة من هذا النوع كمحاولة التفافية على حل الدولتين ومسعى صهيوني لإحباط هذا الحل الذي ما يزال معظم المجتمع الدولي يراهن عليه.

وقد ذكرت محكمة العدل العليا في لاهاي في فتواها القانونية عام 2004 أثناء مناقشتها لقضية سياج الفصل العنصري  أن ضم جزء من الأراضي المحتلة يشكل انتهاكا للقانون الدولي ولحق الفلسطينيين في تقرير المصير . وينص قرار مجلس الأمن 2334 الصادر في ديسمبر 2016 صراحة على أن مجلس الأمن لن يعترف بأي تغييرات تطرأ على خطوط عام 1967 التي وافق عليها الطرفان من خلال المفاوضات. وبرغم حالة الانحدار العربي تجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني، إلا أن الأنظمة العربية ومن باب مصالحها الخاصة بالذات قد تجد صعوبة في هضم القرار الصهيوني، مما يوتر العلاقات مع مصر والأردن ويعرقل الخطوات الأخرى لترسيخ هذه العلاقات بين الكيان الصهيوني وأنظمة عربية أخرى.

ورغم اصطفاف الولايات المتحدة مع الكيان وحتمية عرقلتها لأي قرار من مجلس الأمن بهذا الخصوص إلا أن خبراء صهاينة يعملون في مجال الأمن يحذرون من أن الاتحاد الأوربي قد لايتردد في إصدار عقوبات صارمة ضد “إسرئيل” وكذلك يحذر هؤلاء من إدارة ديمقراطية قد تخلف ترامب ولا تجد نفسها ملزمة بمساره ويحذر هؤلاء أيضا من فداحة الأضرار التي قد تلحق بمشاريع التعاون الدولي  التي ترفق نصوص اتفاقياتها بعد تطبيقها على الأراضي المحتلة وفق القانون الدولي، ويعتبر هؤلاء الخبراء أن على الكيان إذا ما أراد المضي في هذه الخطوات أن يتوقع مغادرة منظمات دولية مهمة مع ما يعنيه هذا من الإضرار بمصالحه، ومن المرجح أيضا أن يؤدي قرار ضم الأراضي إلى زيادة إمكانيات الإجراءات الجنائية الدولية. حيث يعرف قانون المحكمة الجنائية المستوطنات بأنها جريمة حرب وثمة ملف حاليا على مكتب المدعي العام للمحكمة. يرى خبراء الأمن الصهيوني أن قرار تطبيق السيادة “الإسرائيلية” على الأراضي له آثار خطيرة على الصعيدين المحلي والدولي.

 

  • خلافات مع الأردن وشركاء اسرائيل الاقليميين

وكانت مجلة “فورين بوليسي” قد نشرت مقالا لعميد كلية الدراسات الدولية في الجامعة الأمريكية في دهوك في العراق، ألبرت بي وولف، يقول فيه إن نتنياهو وعد في الانتخابات السابقة، التي جرت في أبريل، بضم المستوطنات في الضفة الغربية رسميا، وجعلها جزءا من إسرائيل. مشيرا إلى أن ضم أي جزء من الضفة الغربية سيكون مضرا بالأمن القومي الإسرائيلي؛ لأنه قد يؤدي إلى مرحلة من العزلة للدولة اليهودية لم تشهدها منذ إقامتها عام 1948.

ويلفت وولف إلى أن “التداعيين الواضحين لضم الضفة الغربية أو أي جزء منها، هما نهاية عملية السلام ونهاية إسرائيل بصفتها دولة ذات أكثرية يهودية، إلا أن هناك للضم أيضا مخاطر أخرى تم التغاضي عنها، أو أهملت دراستها بشكل جيد، ابتداء من زعزعة الاستقرار في الأردن”.

ويقول الكاتب: “عدا عن التغييرات الحدودية الطفيفة التي كانت جزءا من اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل عام 1994، فإن كل تغيير لحدود الأركان يهدد بزعزعة الاستقرار في جارة إسرائيل الشرقية”.

 

  • انفجار فلسطيني

وإسرائيليا، تبرز تقديرات وتوقعات مسؤولين كبار سابقين في جهاز الأمن والسياسة الخارجية والاقتصاد باسرائيل بأن ضم المنطقة ج أو جزءا منها سيؤدي إلى موت رسمي لاتفاقيات أوسلو، تفكيك السلطة الفلسطينية، وقف التنسيق الأمني وموجة عنف شديدة للغاية. وهذه كلها ستضطر إسرائيل إلى إعادة السيطرة على منطقتي A وB، وإعادة إنشاء الإدارة المدنية من أجل إدارة حياة 2.6 مليون فلسطيني، وحتى فرض القانون الإسرائيلي عليها لاحقا. في البداية وفقا لنموذج (مكانة) الإقامة في القدس الشرقية، وبعد ذلك المواطنة بشكل كامل”.

وضعا كهذا يعني تغيير سلم الأولويات لغايات الصهيونية، بتفضيل أرض إسرائيل الانتدابية على حساب أغلبية يهودية صلبة ونظام ديمقراطي في دولة إسرائيل. وهذا سيكون انهيار جليدي، تحدد حجمه وسرعته جهات إقليمية وعالمية. لكن إذا اختارت إسرائيل المبادرة إليه، فإنها ستدفن الحلم الصهيوني في نهاية المطاف.

ووفقا لأريئيلي، فإن مخططات ومقترحات كهذه التي تطرحها حكومة اليمين الجديدة ليست مدروسة بشكل إستراتيجي، وهدفها “دفع أيديولوجيات خلاصية وقومية ممزوجة بمصالح سياسية شخصية على حساب الرؤية الرسمية الشاملة. وازدياد قوة القوميين – الخلاصيين في الحكومة المستقبلية سيزيد من عدد أولئك الذين يستخفون بقوة التهديدات المحتملة المتوقعة لإسرائيل جراء خطوات الضم، ولذلك فإن ثمة احتمال أنهم لن يرتدعوا من تغيير الوضع الحالي من أجل تحقيق حلمهم.

وتوقع أن “إسرائيل ستجد نفسها في مكان عميق داخل واقع قاتم، خالٍ من سلطة فلسطينية، وفي أزمة شديدة مع مصر والأردن وفي مواجهة سياسية مع الأوروبيين.

ولعل ابرز ما ينتظره الفلسطينيون ، في حال قيام حكومة نتانياهو- غالتيس ، تطبيق مقررات صفقة القرن التي تواجه رفضا دوليا وشعبيا، المستوطنات، والتي ستخضع غالبيتها في الضفة الغربية والتي تشكل حوالي 11.5% من مساحة الضفة الغربية، وغور الاردن وشمال البحر الميت (28% من مساحة الضفة الغربية الكلية) إلى السيادة الإسرائيلية، مع بعض التعديلات الطفيفة في حدود بعض المستوطنات التي ستباشر لجنة أميركية – إسرائيلية مشتركة البت فيها ، بغض النظر عن الموقف الفلسطيني من ناحية القبول أو الرفض، وبفرض السيادة الإسرائيلية كما هو مخطط له على حوالي 40% من مساحة الضفة الغربية ستسيطر إسرائيل عملياً على المياه الفلسطينية بالاستئثار بأحواض المياه الثلاثة الرئيسية، وستستحوذ على سلة الغذاء الفلسطينية التي تتركز في غور الأردن.

 

وتهدد خطط نتانياهو غالتيس الدولة الفلسطينية، التي ستكون حدودها هلامية، يتمدد فيها جدار الفصل، والجيوب الاستيطانية، والطرق الالتفافية محولاً الضفة الغربية إلى كانتونات أو جيوب منعزلة أقرب إلى الجزر المتناثرة في البحر.

وهو ما نصت عليه في وقت سابق صفقة القرن:

  • إقامة الدولة الفلسطينية على 30% من مساحة الضفة الغربية؛ وهي المناطق المصنفة أ وب حسب اتفاق أوسلو، وقطاع غزة، ومنطقتان في صحراء النقب واحدة صناعية والأخرى زراعية وسكنية.

 

  • يضاف إلى حدود الدولة منطقة المثلث داخل أراضي الـ48، المتاخمة لقرى ومدن شمال غرب الضفة الغربية، وتضم بلدات كفر قاسم وأم الفحم وقلنسوة والطيرة والطيبة وباقة الغربية وكفر قرع وكفر برا وجلجولية، والتي يبلغ تعداد سكانها حوالي 300 ألف.

 

  • الضفة الغربية حسب المخطط تنقسم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية: مدينة نابلس والمدن والبلدات المحيطة بها، ومدينة رام الله والبيرة ومعظم قرى وبلدات القدس الشرقية (التي تقع خارج الجدار) والتي يفصلها عن منطقة نابلس تجمع أرئيل الاستيطاني، والخليل وبيت لحم والتي يفصلها عن رام الله مستوطنات مدينة القدس، وهذه التجمعات السكنية تنقسم إلى أكثر من 60 كانتونا ومعزلا، بحيث تتحول مناطق الضفة الغربية إلى ما يشبه السجون والمعتقلات بمساحات مختلفة.

 

  • في الوقت الذي تتمتع به المستوطنات في الضفة الغربية والقدس بتواصل جغرافي، تمتَّع الدولة الفلسطينية بتواصل “مواصلاتي” بشبكة من الطرق والجسور والأنفاق التي تمر عبر بوابات وممرات يسيطر عليها الاحتلال، أما قطاع غزة فيتم ربطه بالضفة الغربية من خلال جسر بارتفاع 30 مترا فوق سطح البحر خاضع للسيطرة الإسرائيلية، حتى المنطقة الصناعية والزراعية في صحراء النقب التي ستضاف إلى الدولة الفلسطينية من جهة قطاع غزة والتي ستبلغ مساحتها مجتمعة ما بين 400 و500 كلم2، لن تتصل مباشرة بقطاع غزة، بل سترتبط بطريق بري ضيق خاضع لسيطرة إسرائيل يمر بالتجمع الصناعي المُفترض ومن ثم طريق بري آخر يمر بالتجمع الزراعي السكني الآخر.

 

  • سيشكل قطاع غزة المركز للدولة الفلسطينية، كونه كتلة جغرافية واحدة رغم محدودية مساحته (360 كلم2)، ولكن لن يتم التقدم في مخطط التسوية دون إنهاء الحالة المسلحة، ونزع كل العوامل التي تهدد الأمن الإسرائيلي.

 

هذه الدولة الفلسطينية وحسب المخطط ستأتي في نهاية المرحلة الانتقالية بعد أربع سنوات من الشروع في تطبيقها، وستأتي بعد سلسلة طويلة من الشروط والمتطلبات والإجراءات التي يجب على الفلسطينيين تحقيقها وبالكامل، ومن أهم هذه الشروط:

  • الاعتراف بـ”إسرائيل” كدولة “للشعب اليهودي”، والاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة “أبدية لإسرائيل”.

 

  • نزع سلاح فصائل المقاومة، وتفكيك البنية التحتية للمقاومة بالكامل في قطاع غزة، بعد أن تفرض السلطة الفلسطينية سيطرتها على غزة.

 

  • وقف “التحريض ضد إسرائيل”، بما يشمل المنهاج الدراسي في كتب التدريس وجميع مؤسسات السلطة الفلسطينية.
  • التنازل كلياً عن حق العودة.

 

  • إجراء انتخابات حرة في مناطق السلطة الفلسطينية، واحترام حقوق الإنسان وضمان حرية الصحافة والحفاظ على حرية العبادة، ومنح مساواة في الحقوق للأقليات الدينية.

 

  • الاعتراف بسيطرة أمنية إسرائيلية على كل المنطقة الواقعة غرب نهر الأردن بالجو والبحر والبر، مع حرية العمل الأمني في كافة مناطق الضفة الغربية.

 

وبعد تنفيذ هذه الشروط “التعجيزية” تجتمع لجنة أميركية – إسرائيلية للنظر في مدى امتثال السلطة الفلسطينية للشروط السابقة، والتي سينبني عليها إعلان الدولة الفلسطينية من عدمه، ووجود إدارة أميركية متماهية مع نزعة إسرائيل الاستيطانية العُنصرية، لتمضي في مشاريعها إلى أبعد مدى ممكن، وعلى سلّم أولوياتها في هذه المرحلة إحكامُ سيطرتها على الضفة الغربية والقدس، وفرْض سيادتها الاحتلالية على الأغوار، وشمالي البحر الميت، بالإضافة إلى المستوطنات والبؤر الاستيطانية، لتقضم ما يزيد عن 40% من الأراضي المحتلة عام 1967، ولتفرض واقعًا يجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية، بحرمانها من التواصُل الجغرافي؛ إذ ما يتبقَّى هو أشبه بأرخبيل من الجُزر المتناثرة، وبحرمانها من أيّ سيادة في حدّها الأساسي، فهذا الوجود الفلسطيني حينها لا يملك أيّ مقومات بقاء حقيقية، وذاتيّة، وذلك في تطبيق فج لصفقة القرن ، التي تسابق اسرائيل الزمن لانجازها، قبل نوفمبر المقبل، موعد الانتخابات الأمريكية المقبلة.

 

خاتمة

 

ولعل ابرز ما يمكن توقعه في تلك الأحوال التي تعيشها القضية الفلسطينية، هو اندلاع موجة مقاومة مسلحة مجددا في الضفة الغربية، بدعم من حركات المقاومة الفلسطينية في وجه اسرائيل، وفي وجه سلطة عباس، التي تراهن على الحلول الدبلوماسية المجربة منذ عقود وفشلت مع الصهاينة.

فمن غير المتوقع السكوت عنه، هو ابتلاع الكيان الصهيوني للاراضي والسكان الفلسطينيين وتحقيق الأمن والاستقرار. بل أن ما يتخوف منه الإسرائيليين أنفسهم، هو هوية الدولة الصهيونية التي سيكون أكثريتها من العرب الفلسطينيين في حال الضم.

ولعل ذلك ما يقود الى الشق الثاني من صفقة القرن، بطرد ملايين الفلسطينيين من داخل الاراضي المحتلة إلى قطاع غزة او مناطق النقب التي تتنازل عنها إسرائيل، أو إلى سيناء، وهو ما يجري الإعداد له في سرية، عبر وسائل بديلة وغير فجة، قد تنفجر في وجه السيسي بمصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …