‫الرئيسية‬ العالم العربي سحب جنودها من سيناء.. هل بدأت مرحلة الانكفاء الأمريكي؟
العالم العربي - مايو 18, 2020

سحب جنودها من سيناء.. هل بدأت مرحلة الانكفاء الأمريكي؟

الكشف عن توجهات الإدارة الأمريكية نحو سحب قواتها المشاركة في قوات حفظ السلام الدولية بسيناء في هذا التوقيت فجَّر كثيرا من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الخطوة؛ وهل تتعلق بتنفيذ «صفقة القرن» التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 28 يناير 2020م، خصوصا بعد الضوء الأخضر الأمريكي لحكومة الاحتلال الإسرائيلي بأن قرار ضم الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية مسألة داخلية، أم أن للقرار علاقة بانحسار النفوذ الأمريكي في ضوء التداعيات الطاغية لتفشي وباء كوفيد ــ19 المعروف بكورونا على الاقتصاد الأمريكي الذي يشهد انكماشا غير مسبوق حتى فقد عشرات الملايين من الأمريكيين وظائفهم خلال شهري مارس وإبريل فقط، واستمرار الوباء عدة شهور أخرى كفيل بتحولات أكثر كارثية على كافة المستويات.

في هذه الورقة نحاول معرفة أبعاد هذه التوجهات وقراءة الخلفيات التي تقف وراءها وما يمكن أن تنبئ به مستقبلا في ضوء اليقين التام بأن واشنطن وتل أبيب يسابقان الخطى نحو تكريس بنود صفقة القرن قبل الانتخابات الأمريكية المقبلة والتي يتوقع أن تفضي إلى إعادة تصميم هرم السلطة في الإدارة الأمريكية بناء على توقعات ترجح فشل الرئيس ترامب والدفع  بالديمقراطيين إلى صدارة الحكم من جديد. كما يمكن ربط هذه التطورات بالتوجهات الأمريكية الرامية لمواجهة تصاعد النفوذ الصيني في أعقاب تفشي وباء كورونا والحديث المتواصل حول نظام عالمي جديد تقوده بكين بعد تهاوي المكانة الأمريكية على المستوى الدولي.

وكان موقع The Middle East Eye”” البريطاني نقل عن مسئولين أمريكيين ــ لم تسمهم ــ في تقرير له الخميس 7 مايو 2020م، أنَّ وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر يقود توجهات أمريكية نحو سحب قواتها المشاركة في قوات حفظ السلام بسيناء، وأن الوزير يعتقد أنَّ جهود الجيش في شمال سيناء ليست أفضل استثمار لموارد الوزارة أو تستحق المخاطر التي يواجهها الجنود المتمركزين هناك.

وتأسست قوة حفظ السلام الدولية في سيناء (MFO) سنة 1982م في أعقاب اتفاق السلام بين (إسرائيل) ومصر، حيث تتكون من مراقبين من 12 دولة، بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وتغطي هذه القوات مساحة تزيد على عشرة آلاف كيلومتر مربع في سيناء. وتقول قوات حفظ السلام الدولية في سيناء على موقعها الإلكتروني إنه بحلول العام الجاري 2020 وصل عدد قواتها إلى 1156 شخصا، بينهم 454 أمريكيا موزعين على مقرين أحدهما بمنتجع شرم الشيخ جنوب سيناء والثاني في شمالها بالقرب من منطقة “الجورة” الحدودية.  وتدير القوة مكاتب اتصال في كل من القاهرة وتل أبيب، وشبكة تضم 35 برج مراقبة ونقطة تفتيش ومركز مراقبة على طول الشريط الحدودي الممتد شرقي سيناء. وتشمل قائمة الدول المشاركة في القوة إلى جانب الولايات المتحدة، كل من إيطاليا، وفرنسا، و‏أستراليا وكندا وكولومبيا‏ وفيجي وهولندا والمجر‏ ونيوزيلندا والنرويج وأوروجواي‏. وتضطلع تلك القوات بمهام مراقبة مدى التزام مصر و(إسرائيل) بمعاهدة السلام المبرمة بينهما، كما تقوم بهام اسخبارية ورصد لتحركات المسلحين والتنسيق مع الحكومتين المصرية والإسرائيلية.

وبينما قوبلت الخطوة الأمريكية باعتراض (إسرائيلي) التزمت حكومة رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي الصمت؛ وهو ما يفسره مراقبون بأن العلاقة بين القاهرة وواشنطن تقوم على الإملاء  وتنفيذ الأوامر والتوجهات الأمريكية دون نقاش. لكن على الأرجح فإن الخطوة الأمريكية تمت بتوافق مصري أمريكي في إطار صفقة أكبر؛ لأنه بالتزامن مع إعلان الانسحاب الأمريكي من سيناء، تم الإعلان أيضا في ذات اليوم الخميس 8 مايو عن موافقة الإدارة الأمريكية على صفقة تحديث 43 مروحية هجومية لنظام السيسي بقيمة 2,3 مليار دولار. وقال مسؤول الصفقات العسكرية في الخارجية الأمريكية ريني كلارك كوبر، إن الصفقة تهدف إلى دعم الحملة المصرية ضد المسلحين في شبه جزيرة سيناء، ولضمان قدرات التنسيق مع الجيش الإسرائيلي.([1]) وبناء عليه فإن الانسحاب الأمريكي من قوات حفظ السلام بسيناء لا يعكس توترات مصرية أمريكية بقدر ما يعكس ثقة الإدارة الأمريكية في حجم التعاون والتحالف الوثيق للغاية في عهد السيسي بين النظامين في القاهرة وتل أبيب؛ وهو التحالف الذي لم يعد في حاجة إلى رقابة ورعاية أمريكية لأنها بات أكثر قوة وصلابة وتشابكا في المصالح المشتركة والمآلات الواحدة.

 وحول هذه الخطوة ودلالتها في هذا التوقيت هناك عدة تفسيرات:

الانكفاء الأمريكي

التفسير الأول،  أن هذه الخطوات تمثل انكفاء أمريكيا يعود في معظم أسبابه إلى التداعيات الطاغية لفيروس كورونا على مجمل المشهد الأمريكي، ويفسر مسؤولون في البنتاغون لصحيفة “The Wall Street Journal” بأن التخطيط لسحب قوات هو جزء من مراجعة بهدف خفض التكاليف وإعادة تقييم شاملة للعمليات العسكرية الأمريكية في أنحاء العالم. وتنشر واشنطن نحو 80 ألف جندي في منطقة الشرق الأوسط،؛ وبالتالي فإن الخطوات الأمريكية تمثل انعكاسا مباشرا للتداعيات الطاغية لفتشي وباء كورونا والتي بدأت ترخي بظلالها على الانتشار العسكري الأمريكي ليس في المنطقة العربية وحدها بل على مستوى العالم. وحتى كتابة هذه السطور بلغ حجم الوفيات في أمريكا نحو 85 ألفا والإصابات تربو على 1,5 مليونا وهي البؤرة الأشد لتفشي الوباء على مستوى العالم. ويشهد الاقتصاد الأمريكي تدهورا حادا غير مسبوق منذ عقود طويلة، حيث ارتفعت نسبة البطالة إلى 14.7% في إبريل الماضي، في أعلى مستوى خلال 80 عاماً وبمعدل شبيه بركود حقبة الثلاثينيات. وخسر نحو 22 مليون أمريكي وظائفهم خلال شهري مارس وإبريل فقط. واستدانت الخزانة الأمريكية نحو 4 تريليون $ من أجل مواجهة هذه الأزمة المستعصية وخفض البنك المركزي الأمريكي سعر الفائدة إلى الصفر. وتأكيدا للدخول في مرحلة الانكفاء الأمريكي فإن خطوة سحب القوات الأمريكية من سيناء تزامنت مع انسحاب مماثل لأربع بطاريات لمنظومة صواريخ باتريوت الأمريكية من السعودية إلى جانب عشرات العسكريين الذين تم إرسالهم في الربع الأخيرة من العام الماضي “2019”م في أعقاب الاعتداءات الحوثية على مصافي النفط السعودية والتي أوقعت خسائر باهظة بقطاع النفظ السعودي. كما يتزامن ذلك مع مغادرة سربين من المقاتلات الأمريكية للمنطقة في ظل مناقشات قائمة لبحث خفض الوجود البحري الأمريكي في الخليج.([2]) وتعزيزا لتوجهات الانكفاء فإن إدارة ترامب أبدت توجهات مماثلة نحو سحب قواتها من سوريا وأفغانستان وخفضها بالعراق إلى جانب خفض التمويل الأمريكي لبعض مبادرات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية. وربما لهذه الأسباب عارضت الخارجية الأمريكية خطوة سحب قواتها من سيناء؛ لأنها ترى هذه القوة رمزا للقوة الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

الفوضى الأمنية

التفسير الثاني، أن التوجهات الأمريكية نحو سحب قواتها المشاركة في قوات حفظ السلام الدولية من سيناء تمثل تعبيرا عن المخاوف من استهداف المسلحين في سيناء لهذه القوات في ظل التصعيد الذي يجري مؤخرا والنشاط الملحوظ للتنظيمات المسلحة التي تستنزف الجيش المصري بشدة بعمليات انتقامية مؤلمة. ويعزز هذه الفرضية أن الخطوة الأمريكية تأتي في أعقاب وصف مركزين بحثيين، بواشنطن، جهود نظام عبدالفتاح السيسي  في محاربة ما يسمى بالإرهاب بأنها “غير فعالة”. ونقل مركزا (The Project on Middle East Democracy و The Center for International Policy) عن نائب الكونغرس توم مالينوسكي، أحد المنتقدين الرئيسيين لنظام السيسي، قوله إنَّ الجيش المصري “غير كفء تماماً ولدرجة كارثية”.([3]) ويعزز هذا التفسير تصريحات وزير الدفاع الأمريكي أن نشر هذه القوات لا يستحق التكلفة أو المخاطرة بحياة الجنود في ظل عودة نشاط تنظيم داعش الإرهابي إلى شمال سيناء. ويعزز ذلك أن هذه الخطوة الأمريكية قوبلت بمعارضة من جانب حكومة الاحتلال الإسرائيلي التي تخشى من أن يؤدي الانسحاب الأمريكي إلى انهيار مهمة حفظ السلام في وقت تتصاعد فيه أنشطة تنظيم “ولاية سيناء” الفرع المحلي لتنظيم داعش في المنطقة. ووفقاً لمتحدث باسم جيش الاحتلال، استهدفت سلسلة من التفجيرات المميتة القوات المصرية في الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك تفجير عربة للجيش المصري في بئر العبد؛ ما أسفر عن “مقتل 10 عناصر عسكرية مصرية  وجرح آخرين”. ووفقا لهذا التفسير فإن التوجهات الأمريكية بحسب قواتها من سيناء إنما تأتي ترجمة للمخاوف من استهداف تنظيم “ولاية سيناء” لهذه القوات كما جرى في 2015م؛ وهو ما أجبر الإدارة الأمريكية وقتها إلى تخفيض قواتها من 700 إلى 400 جندي فقط.

 

ترتيبات صفقة القرن

التفسير الثالث، يرى أن عملية الانسحاب الأمريكي لها علاقة وثيقة بترتيبات ما تسمى بصفقة القرن الأمريكية([4])، وأن حكومة الاحتلال بصدد اتخاذ  خطوات حدية أهمها الإعلان عن ضم مناطق واسعة بالضفة الغربية وجميع المستوطنات وغور الأردن للسيادة الإسرائيلية، وبالتالي فإن الخطوة الأمريكية هي جزء من هذه الترتيبات التي تسارع كل من واشنطن وتل أبيب إلى تكريسها قبل الانتخابات الأمريكية المرتقبة نهاية العام الجاري والتي يمكن أن تفضي إلى إعادة تصميم هرم السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية وتعيد الديمقراطيين إلى صدارة السلطة من جديد، وهم ليسوا على نفس القدر من الحماسة لهذه الصفقة؛ وبالتالي فإن عدم تمرير ما تبقى من بنودها خلال الشهور المقبلة من فترة حكم ترامب، فإنها على الأرجح لن تتحقق  خلال السنوات المقبلة ولن تحظى بذات الدعم والحماسة الذي تلقاه الآن من إدارة ترامب.

واستبقت الحكومة الأردنية زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى الكيان الصهيوني الأربعاء الماضي 13 مايو بشأن هذه الترتيبات وحذر أيمن الصفدي وزير الخارجية الأردني  في اتصال هاتفي مع مسئولين بالاتحاد الأوروبي من خطورة مخطط (إسرائيل) المثير للجدل بضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة قائلا: «“أي قرار إسرائيلي بضم المستوطنات وغور الأردن وشمال البحر الميت في فلسطين المحتلة سيكون خطوة كارثية ستقتل فرص تحقيق السلام العادل وستدفع المنطقة نحو المزيد من الصراع، وستجعل من خيار الدولة الواحدة حتمياً”. واللقاء الذي جمع بومبيو بنتنياهو وغانتس تطرق إلى التهديد الإيراني والتعاون في مكافحة وباء “كورونا” لكن ملف التقارب الصيني الإسرائيلي حظي بأولوية مطلقة في المباحثات حيث ترى واشنطن أن الاستثمارات الصينية في “إسرائيل” تمثل تهديدا وعلى هذا الأساس لم تبد واشنطن حماسا لمواقيت ضم الأراضي الفلسطينية التي أعلنت عنها حكومة الاحتلال الجديدة بدءا من يوليو المقبل؛ وهو ما يمكن تفسيره بأن واشنطن تمارس ابتزازا لحكومة نتنياهو بضرورة الابتعاد عن الصين إذا أرادت دعما أمريكيا لخطوات  ضم الضفقة والمستوطنات وغور الأردن للسيادة الإسرائيلية في ظل ظل معارضة دولية وأوروبية لمثل هذه الخطوة.([5])

 

توقعات ونتائج

يمكن القول إن سحب القوات الأمريكية من عدة مناطق في مصر والسعودية وسوريا وأفغانستان وقبلها في غرب إفريقيا  تمثل توجها أمريكيا تعهد به ترامب أثناء ترشحه للرئاسة والتي يمكن وصفها بإعادة انتشار لهذه القوات لمواجهة التهديدات الجديدة المتمثلة في الصعود الصيني وتمدد النفوذ الروسي. لكن التداعيات الكارثية الطاغية لتفشي وباء كورونا جعلت لسحب هذه القوات أبعادا أخرى وتفسيرات تذهب معظمها إلى أنها تمثل تعبيرا عن الانكفاء الأمريكي، وانحسار النفوذ؛ فالتداعيات الكارثية الطاغية لتفشي وباء كورونا في الولايات المتحدة  في شقيها الصحي والاقتصادي من شأنها أن تؤثر على انتشار أكبر منظومة عسكرية في العالم متمثلةً  بالقوات الأمريكية سواءً من ناحية النفقات الهائلة التي يتطلبها هذا الانتشار أو من ناحية وجود أعداد من المصابين في صفوفها، وكانت الخارجية الروسية أشارت قبل أسابيع أن واشنطن تخفي حقيقة تفشي فيروس كورونا بين القوات الأمريكية، لافتة إلى أن التقارير الروسية تشير إلى انتشار كبير في صفوفها، ما من شأنه أن يجبرها على تقليص أعداد قواتها حول العالم، لمنع انتشار الوباء الذي يفتك بالقوات الأمريكية. أما في شق النفقات المادية التي تحتاجها تلك القوات المنتشرة في كل العالم فيبدو أن الواقع الاقتصادي الحالي للولايات المتحدة لم يعد يسمح ببقاء هذا الانتشار على ما هي عليه.

أولا، الخطوة الأمريكية بسحب قواتها المشاركة في قوات حفظ السلام بسيناء ربما تفضي إلى زعزعة الوضع الأمني بسيناء  بصورة أكبر مما هي عليه الآن، كما أنها تمثل في بعدها الأمني تعزيزا لموقف الجماعات المسلحة في سيناء وإقرارا بقوتها؛ وهو أمر مفهوم من تصريحات وزير الدفاع الأمريكي، وهو ما سيدفع هذه التنظيمات إلى شن مزيد من الهجمات؛ لأن الانسحاب الأمريكي سيترك المنطقة مكشوفة؛  فهذه القوات رغم أنها تتمركز تحت لافتة قوات حفظ السلام لضبط الحدود والتحركات العسكرية بين مصر و(إسرائيل) إلا أنها في حقيقة الأمر كانت تقوك بأدوار تجسس ورصد على تحركات البدو والمسلحين في سيناء ولها تأثير قوي في ضبط الخط الحدودي، ورصد أماكن المسلحين، والمراقبة الدائمة وتسليم الإحداثيات للجيشين المصري والإسرائيلي؛ للضبط الأمني والتعامل مع أي تصعيد قائم، وفي حال انسحاب القوات الأمريكية فهذه القوة ربما تنهار وتبدأ الدول الأخرى بسحب عناصرها، مما سيخلق قلقاً وتخوفاً كبيرين لدى القاهرة وتل أبيب.

ثانيا، لهذه القوات أهمية كبيرة للكيان الصهيوني لدورها في رصد تحركات شبكات التهريب والتي تمثل جزءا مهما لمنع تدفق السلاح للمقاومة الفلسطينية في غزة. وهو ما يفسر أسباب الاعتراض الإسرائيلي على هذه الخطوة. لأنها سوف تؤدي إلى إضعاف الجهود والأنشطة الإسرائيلية في ملاحقة شبكات تهريب السلاح للمقاومة رغم الدور الكبير  الذي يمارسه نظام السيسي لمنع وصول أي سلاح للمقاومة لإجبارها على التسليم بصفقة القرن والمخططات الأمريكية الصهيونية في المنطقة.

ثالثا، بالنسبة لما يتعلق بحسب قوات أمريكية من السعودية، فإنها خطوة تعكس حالة الانكفاء الأمريكي وتراجع نفوذها انعكاسا للتداعيات الطاغية لتفشي وباء كورونا. ويمكن تفسيرها أيضا باعتبارها ابتزازا دأبت عليه إدارة ترامب اليمينية للنظام السعودي؛ وفي رد على سؤال عن سحب المنظومات الدفاعية من السعودية، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة كانت تحمي دولاً “لا تحترمنا، وفي بعض الحالات لا تحبنا”. وأضاف أن الدول الغنية مثل السعودية عليها أن تدفع مقابل حمايتها. كما يمكن تفسيره أيضا باعتباره عقابا للرياض على إغراق سوق النفط بملايين البراميل؛ ما أدى إلى هبوط أسعاره بشكل حاد، وهو ما دمر مئات الشركات الأمريكية وألحق بها خسائر فادحة، وكانت وكالة “رويترز” قد كشفت عن أن ترامب اتصل بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في 2 أبريل، وأخبره أنه إذا لم تخفض منظمة البلدان المصدرة للنفط “أوبك” إنتاجها، فسيكون عاجزاً عن منع المشرعين من تمرير قانون لسحب القوات الأمريكية من المملكة. وفي تقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، في إبريل الماضي، قال محللون أمريكيون إن التحالف التاريخي الذي أبرمه الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت مع مؤسس الدولة السعودية الملك عبد العزيز آل سعود عام 1945 بات على وشك الانهيار. وفقاً لمجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، قامت ركائز هذا التحالف على ضمان تدفق النفط إلى الولايات المتحدة، مقابل دفاع واشنطن عن المملكة. إلا أن هذه المعادلة تبدلت، فلم تعد واشنطن تعتمد، كما في الماضي، على النفط السعودي، بل أصبحت هي نفسها أكبر منتج للوقود، ومن أشد المنافسين للرياض، حتى أنها باتت تدرس منع دخول البترول السعودي موانئها أو فرض تعرفة عليه، كي تحافظ على شركاتها، إذ ليس هناك حاجة إلى التزام الدفاع عن المملكة.  ومن شأن هذه التوترات أن تخفض معدلات الثقة بين الإدارتين الأمريكية والسعودية ما يدفع الرياض نحو بناء تحالفات جديدة مع قوى عالمية صاعدة على رأسها الصين وروسيا؛ وكانت تقارير عدة أشارت إلى مساعي الرياض نحو شراء منظومة “أس 400” الروسية لحماية منشآتها النفطية في أعقاب الاعتداءات التي دمرت مصافي النفظ في سبتمبر 2019م.

رابعا، دخول الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة الانكفاء والانحسار في ظل التداعيات الطاغية للوباء على المستويين الصحي والاقتصادي يضع صعوبات بالغة أمام تمرير ما تسمى بصفقة القرن. كما أن هذا الانكفاء الأمريكي كفيل بأن تفقد (إسرائيل) أكبر داعم لها على المستوى الدولي؛ وعلى الأرجح فإن حكومة بنيامين نتنياهو سوف تمضي في خطوات ضم الضفة والمستوطنات وغور الأردن خلال الشهو المقبل قبل الانتخابات الأمريكية، دون اكتراث لردود الفعل الدولية الرافضة والمعارضة للقرار. لكن مزيدا من الانهيار الأمريكي سوف يفضي إلى تآكل التفوق السياسي والعسكري الصهيوني، وإعادة تصميم وهندسة المشهد الإقليمي والدولي بما ستفضي إليه نهاية وباء كورونا وإعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى وهو ما يمكن أن يفضي إلى تعزيز مكانة المقاومة الفلسطينية بناء على مستويات الارتباك والانهيار التي تعاني منها القوى المناوئة لها في واشنطن وتل أبيب والقاهرة والرياض وأبو ظبي.

خامسا، الانكفاء الأمريكي وتراجع نفوذها كنتيجة حتمية للتدهور الاقتصادي الحاد من جهة واحتمال دخول البلاد في أزمة سياسية عميقة تعزر من الانقسام الحاد إذا ما دفع الرئيس ترامب تحو تأجيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر المقبل وفقا تصريحات صهره جاريد كوشنر؛ وهو ما يمكن أن يؤدي إلى أزمة لا يمكن احتواؤها، بل يمكن أن تتدهور الأوضاع من مرحلة الانكفاء إلى الانحسار والانطواء على الذات والانشغال بالأزمات الأمريكية إلى مرحلة الانقسام الحاد؛ وهو ما ينذر بغروب شمس الإمبراطورية الأمريكية في خلال السنوات العشر المقبلة وربما أقل من ذلك، وإعادة تصميم نظام عالمي جديد وهو ما يتوقعه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والذي يكرر باستمرار توقعاته بميلاد نظام عالمي جديد وأن عالم ما قبل كورونا ليس هو عالم ما بعده. على الأرجح فإن الصين سوف تملأ الفراغ الأمريكي في الملف الاقتصادي باعتبارها القوة الاقتصادية الأعظم التي ستخلف الولايات المتحدة. لكن روسيا سوف يكون لها النفوذ الأكبر عسكريا في المنطقة العربية على الأقل بناء على المعطيات القائمة إلا إذا شهدت هي الأخرى مستويات عالية من تفشي الوباء كما يحدث في كل من أمريكا وإيطاليا.  وفي تحليل نشرته صحيفة (The Washington Post) للكاتب ديفيد أغناتيوس، فإن الدور الأمريكي يتراجع في الشرق الأوسط في الوقت الذي يتمدد فيه النفوذ الروسي الذي يحقق تقدما ليصبح قوة إقليمية مؤثرة. ويرى أن الولايات المتحدة، باتت قوة متلاشية، تقوم روسيا على ملء مكانها الفارغ كقوة إقليمية، حيث أظهرت الأخيرة مواقف انتهازية تجاه النزاعات في سوريا وليبيا واليمن. وينتهي إلى أن روسيا ستخرج من هذه النزاعات بعدد من القواعد العسكرية في البحر المتوسط، محققة حلم راودها لقرون، وهي اليوم تسيطر على قاعدة حميميم وقاعدة طرطوس بسوريا، وساعدت في السيطرة على قاعدة القرضابية في سرت الليبية بداية العام. وهي المكاسب التي تتحق بأقل الخسائر لاعتماد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العمليات القذرة على شركة “فاجنر” التي يديرها صديق حميم وهو ما يعني بناء إمبراطورية بدون كلفة.([6])

 

[1] صفقة تحديث مروحيات أمريكية حربية لمصر.. ما علاقة إسرائيل؟/ “عربي 21”  الجمعة، 08 مايو 2020

[2] أدهم محمد/ بعد السعودية.. هل تسحب واشنطن جنودها من سيناء؟/ مصر العربية  08 مايو 2020

[3] “جيشهم غير كفء لدرجة كارثية”.. صحيفة بريطانية: أمريكا تعتزم خفض جنودها بسيناء بعد انتقادها القوات المصرية/ عربي بوست 8 مايو 2020

[4] مهند العربي/هل يمهد الانسحاب الأمريكي من سيناء لـ “صفقة القرن”؟/ “عربي 21” الإثنين، 11 مايو 2020

[5] محمد محسن وتد/بومبيو في تل أبيب.. ماذا اشترطت واشنطن لدعم ضم الضفة؟/ الجزيرة نت الأربعاء 13 مايو 2020

[6] باسل درويش/” WP: قوة أمريكا تتلاشى بالشرق الأوسط وروسيا تحل مكانها/ “عربي 21”  الجمعة، 08 مايو 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

هل ينهار التحالف السعودي – الأمريكي؟

على الرغم من أن عددًا من المؤرخين، يرجع نشأة العلاقات التاريخية بين المملكة العربية السعود…