‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر بعد سنوات من الحرب: داعش في سيناء باقية قراءتان حول عجز النظام عن إنهاء العنف في سيناء
مصر - مايو 28, 2020

بعد سنوات من الحرب: داعش في سيناء باقية قراءتان حول عجز النظام عن إنهاء العنف في سيناء

التاريخ: 15 مايو 2020

بدأت الحرب على الإرهاب في سيناء منذ تأسيس نظام الثالث من يوليو في 2013، وطوال 7 سنوات استمرت المعارك بين المسلحين والجيش والشرطة، ولم تنجح الدولة -رغم كل هذه السنوات- في القضاء على الإرهاب في سيناء؛ بل على العكس من ذلك ثمة العديد من المؤشرات التي تشهد بأن تنظيمات التطرف العنيف في سيناء باقية وتتمدد في مساحات جديدة، لعل من هذه المؤشرات حالة النشاط الأخيرة لتنظيم ولاية سيناء، مستفيدًا من انشغال الدولة بمواجهة أزمة كورونا وتداعياتها.

وثمة وجهتا نظر حول سبب استمرار الحرب في سيناء طوال هذه السنوات، رغم الفروق الواضحة في القدرات بين الجيش المصري المصنف التاسع عالميًّا، وبين التنظيمات المسلحة في سيناء المحدودة من حيث العدد، أو من حيث منظومات التسليح. وجهة النظر الأولى[1]: تدفع بأن فشل الدولة في القضاء على الإرهاب في سيناء يعود لأسباب عسكرية بحتة؛ حيث يواجه النظام كيانات عنيفة محترفة، تمتلك تسليحًا مميزًا ودعمًا لوجستيًّا مستمرًّا، وعناصر مدربة، وخبرات عسكرية كبيرة، خاصة مع انضمام عسكريين مصريين لهذه التنظيمات، ومنهم هشام عشماوي ضابط الصاعقة المصري. وجهة النظر الثانية[2]: ترى أن استمرار المعارك بين مسلحين والقوات المصرية في سيناء طوال هذه السنوات رغم الفروق في الأعداد والقوات، يعود لأسباب سياسية وليست عسكرية أو عملياتية، وأن النظام المصري حريص على إطالة أمد الصراع مع التنظيمات المسلحة في سيناء، وعلى أن لا يحقق الجيش نصرًا نهائيًّا وحاسمًا على مسلحي سيناء. سنحاول في هذه السطور طرح نموذجين لوجهتي النظر المتباينتين في تفسير سبب استمرار شلالات الدم في سيناء دون توقف، وسنحاول استشراف مستقبل الوضع في سيناء في ضوء وجهتي النظر هاتين.

تنظيمات العنف قادرة على البقاء رغم الحرب:

الحرب التي تخوضها الدولة (الجيش، والشرطة) في سيناء، هي معركة شديدة الخطورة، مع عدو قوي ومراوغ، ويمتلك من القدرات والكوادر ما يمكنه من الاستمرار، ويتلقى دعمًا يمكنه من تعويض خسائره الميدانية أولًا بأول. كما أن شراسة التنظيم وجاهزيته وقوة تسليحه وامتلاكه عناصر تمتلك خبرة واسعة، وتمتلك احترافية كبيرة تضمن له التمتع بقدرات عالية على البقاء، رغم التحدي الذي يمثله الجهود التي تبذلها القوات المسلحة المصرية في استهداف التنظيم وغيره من الكيانات المسلحة المتطرفة في سيناء. ومما يؤكد هذا التصور:

(1) أن سيناء تاريخيًّا بفعل اتفاقية كامب ديفيد كانت عليها قيود تسليح كبيرة، خاصة المنطقة (ج)، والتي فيها حظر كامل لقوات الجيش بموجب اتفاقية كامب ديفيد، ويشغلها فقط قوات الشرطة المدنية بتسليح خفيف، بالتالي تحولت تلك المنطقة عبر عقود إلى مكان آمن لمهربين وجنائيين وتكفيريين.

(2) أن التنظيمات المسلحة في سيناء ضمت عددًا كبيرًا من ضباط سابقين في الجيش وفي القوات الخاصة بجهاز الشرطة، منهم على سبيل المثال: هشام عشماوي، ضابط الصاعقة السابق، وعماد عبد الحميد، ضابط الصاعقة، ورفيق درب هشام عشماوي، والرائد وليد بدر، الذي نفذ عملية محاول اغتيال وزير الداخلية، وحنفي جمال، ضابط داخلية/ قوات خاصة، وهناك أيضًا ملازم أول إسلام وئام، وملازم أول محمد جمال الدين، وملازم أول خيرت سامي، والنقيب كريم حمدي، وغيرهم. وهو ما ينفي أن هذه التنظيمات -خاصة ولاية سيناء- هم مجرد هواة.

(3) أن الصعود الكبير لعمليات ولاية سيناء، حدث بالتزامن مع الصعود الكبير لتنظيم داعش في سوريا والعراق، وكان يستهدف تكرار التجربة في سيناء، وهو ما نجده في تنظيرات أبي بكر الناجي في كتابه “إدارة التوحش”، وبالتالي ما يحدث في سيناء هو جزء من مشهد التنظيمات التكفيرية العنيفة في المنطقة، وكان يلقى دعمًا حتى فترة قريبة من هذه التنظيمات في سوريا وليبيا.

(4) مع شعور أهالي سيناء بالمظلومية، من التهميش والتعامل الأمني العنيف، دفع ذلك كثيرين منهم للانضمام للتنظيمات العنيفة والتكفيرية هناك، سواء تعبيرًا عن الغضب، أو بحثًا عن المكانة، أو للرغبة في الانتقام؛ إلخ، خاصة قبل أن يتوسع تنيظم ولاية سيناء في استهداف الأهالي والمدنيين، كما حدث في السنوات الأخيرة.

 

النظام يرغب في إطالة أمد الصراع في سيناء:

هناك فروق كبيرة في القدرات بالضرورة بين الجيش المصري ومسلحي سيناء، مهما امتلك المسلحون من تسليح وكوادر وخبرات ودعم، ومما يزيد من فرص الجيش المصري في مواجهة مسلحي سيناء هو كون الكثير من السياقات المحيطة باتت في صالح الجيش المصري، أو على الأقل محايدة ولا تصب في صالح أي من الطرفين، ومما يؤكد ذلك:

(1) أن الموانع القانونية التي تحول دون تحرك الجيش بحرية في شمال سيناء وبالخصوص في المنطقة “ج”، تعتبر تحديًا أيضًا للتنظيمات العنيفة المسلحة هناك، مع خضوع المنطقة “ج” لرقابة مشددة ومستمرة من مصر ومن إسرائيل ومن القوات الدولية الموجودة هناك؛ فبالضرورة لن تُترك تلك المنطقة للتنظيمات العنيفة المسلحة التي تمثل خطورة على الدولتين والقوات الدولية الموجودة هناك، وخاصة في الأوقات التي تشهد حالة من الانسجام بين القاهرة وتل أبيب؛ حيث تصبح هناك مرونة كبيرة في مواقف البلدين وتنسيق واضح؛ بهدف حفظ الأمن والاستقرار على الحدود. وفي الفترة الأخيرة اتفقت القاهرة وتل أبيب على تعطيل بنود الملحق الأمني لاتفاقية كامب ديڤيد، والذي سمح بدخول أعداد تخطت الـ ٤٠ ألف عسكري وشرطي أثناء العملية الشاملة، وسلاح ثقيل وطيران داخل المنطقة “ج”[3].

(2) أن سيناء هي شبه جزيرة محاطة بالماء من ثلاث جهات، والحدود البرية الوحيدة هي مع قطاع غزة المحاصر، وقطاع غزة منطقة مستوردة وليست مصدرة للسلاح؛ هذه الجغرافيا تصب في صالح الجيش وليس في صالح التنظيم.

(3) أن مسرح العمليات في الجزء الشمالي من سيناء هو أراضٍ منبسطة في معظمها، إلا من بعض الكثبان الرملية، وخالية من أي جبال تصلح مناطق انحياز للتنظيم؛ حتى أن وسط سيناء التي فيها بعض الجبال، كجبل الحلال على سبيل المثال، يعيش فيه قبائل تمثل عائقًا أمام تمدد التنظيم في هذه المناطق، ولا يتحرك فيها التنظيم بسهولة إطلاقًا؛ كما أن أماكن تمركز التنظيم حاليًّا في رفح والشيخ زويد هي أماكن تم تهجير الأهالي منها تمامًا وليست فيها أي جبال؛ وهو ما يمثل عوائق طبيعية أمام الحركة.

(4) أن بعد مرور 9 سنوات على ثورة يناير، والتي يحملها النظام وزر تكدس السلاح قادمًا من ليبيا والسودان؛ بحجة الفراغ الأمني وقت الثورة، لم يعد من المنطقي القول إن هذا السلاح ما يزال متوفرًا لدى التنظيم رغم مرور هذه السنوات، ورغم استمرار المواجهات العسكرية بين الدولة وهذه التنظيمات المسلحة طوال هذه السنوات. ومع انحسار تنظيم داعش في العراق والشام انقطع الدعم اللوجيستي والبشري الذي كان يقدمه لولاية سيناء.

(5) أن هناك مبالغة في تقدير دور “عشماوي” و “المنسي” في صنع الفارق، وأن هناك مثلهم بالآلآف في الجيش تلقوا نفس التدريبات، ويتمتعون بالخبرة والكفاءة. لكن أحد الأخطاء الكارثية التي تضمن لتنظيم سيناء التفوق في الحقيقة -وليس الضباط المنشقون- هو تأخر وصول الدعم والإسناد، وإصرار الجيش على تهميش دور المجتمع السيناوي أو القبائل، والاعتماد على أشخاص أصحاب سوابق جنائية، وليس لهم وضع قبائلي معتبر.

 

سيناريوهات الحرب في سيناء:

يرى الطرح الأول أن استمرار الحرب في سيناء نتيجة تعقد المشهد وصعوبة المواجهة وعجز الجيش والشرطة عن القضاء على الإرهاب في سيناء، خاصة مع وجود مظلوميات لدى المجتمع السيناوي، وشعورهم بالتهميش والاستبعاد، ومع وقوعهم ضحايا لممارسات أمنية قمعية، وهو ما يدفع الكثيرين منهم للالتحاق بالتنظيمات العنيفة المسلحة هناك، وهو ما يمثل رافدًا بشريًّا لا ينتهي، يمد التنظيم دائما بعناصر جديدة تواصل نفس المسار، ومع التحاق عسكريين مصريين ذات احترافية عالية وخبرات كبيرة، كل ذلك يضاعف من قدرة داعش سيناء على البقاء، رغم التحدي الذي يمثله الهجوم المستمر من الجيش والشرطة على التنظيم.

بينما يرى الطرح الثاني أن لا وجه للمقارنة بين القدرات والإمكانات التي تتمتع بها أجهزة العنف الرسمية “الجيش، والشرطة”، وبين قدرات وإمكانات داعش سيناء، وغيرها من تنظيمات العنف، والتي مهما بدت كبيرة ومتطورة تبقى لا تقارن بقدرات دولة، وأن استمرار معارك سيناء وشلال الدم النازف هناك هو نتيجة مقصودة من النظام المصري، وأن النظام المصري يغذي بقاء الحرب في سيناء.

فالنظام المصري الحالي أسس شرعيته على “إعلان الحرب على الإرهاب”، وبدأ مشواره بطلب تفويض شعبي لمواجهة الإرهاب[4]. وأسس شرعيته الخارجية لدى القوى الإقليمية الداعمة له -خاصة في تل أبيب- على إعلان الحرب على التيار الإسلامي بكل تلويناته من أقصى اليسار وحتى أقصى اليمين.

وقد أصبحت الحرب على الإرهاب للنظام المصري بمثابة “عصا موسى”، فبحجة الاستثناء الذي يفرضه الحرب على الإرهاب، تمكن النظام من التنازل عن تيران وصنافير، ومن تعديل الدستور لتأبيد بقائه في السلطة، ومن التخلص من كل منافس محتمل، مثل أحمد شفيق وسامي عنان. ولكن هذه السياسات والممارسات القمعية جردت النظام من الشرعية الداخلية التي تتغذى على القبول الشعبي للسلطة القائمة والنخبة الحاكمة؛ ما دفع النظام للبحث عن مصادر شرعية بديلة في الخارج، فَقَبِلَ أن يصبح مجرد أداة بيد مشيخات الخليج في الرياض و(أبو ظبي) مقابل ما يقدمون من دعم، وأن يصبح أداة بيد تل أبيب وواشنطن لتمرير صفقة القرن المشبوهة، وكجزء من هذه الصفقة تمت عمليات التهجير وانتهاك حقوق السكان، وارتكاب أبشع الجرائم في سيناء بحق مواطنيها.

وفق ما سبق نصبح أمام أحد سيناريوهين:

السيناريو الأول: أن الحرب في سيناء ستستمر طالما عجز النظام عن القضاء على التنظيمات المسلحة هناك، وعجز عن تجفيف منابعها والمصادر التي تغذيها بالأفراد والموارد والأسلحة اللازمة. وفي هذا السياق فإن النظام نجح في الفترة الأخيرة في تقليص مناطق انتشار التنظيمات المسلحة وداعش سيناء، وفي الحد من فاعليتها، وأن الفترة القادمة قد تشهد تراجعًا كبيرًا في العنف في سيناء، وذلك بالرغم من التعتيم، ومن الأثمان الباهظة التي يدفعها مواطنو سيناء.

السيناريو الثاني: أن الحرب في سيناء لن تنتهي، ما دامت تقدم للنظام المبرر الذي يكمم به الأفواه، ويجرف الحياة السياسية، ويؤمم المجال العام، ويضمن من خلاله إسكات كل الأصوات المعارضة، وتصفية كل منافس محتمل. وما دامت تضمن للنظام تأييد تل أبيب ومن ورائها واشنطن، خاصة أن الحرب على الإرهاب في سيناء هي الجرافة التي تمهد الأرض لتنفيذ الصفقة المشبوهة. وبالتالي مهما خفت صوت التنظيمات العنيفة في سيناء وتراجعت فاعليتها، ومهما بدا النظام مسيطرًا على الوضع في سيناء، فلن ينتهي الصراع هناك، ما دام النظام ينفخ فيه، ويحول دون انطفائه.

[1] محمد أبو الغيط (فيس بوك)، عن أسطورة “الجيش بيحارب في سيناء عيال بشباشب”، 13 مايو 2020، الرابط: https://bit.ly/2yMzFBa (بتصرف طفيف).

[2] أحمد سالم (فيس بوك)، 15 مايو 2020، الرابط: https://bit.ly/2ZiHHfZ (بتصرف طفيف).

[3] يورو نيوز، إسرائيل توافق على زيادة عدد القوات المصرية في سيناء، 1 مارس 2018، الرابط: https://bit.ly/2Wz0iCl

[4] يوتيوب، السيسي يطلب تفويض الشعب لمحاربة الإرهاب، 26 يوليو 2013، الرابط: https://bit.ly/2zFyKT6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سيناريوهات الحرب الأهلية الإثيوبية وانعكاساتها على أزمة سد النهضة

هناك ثلاثة سيناريوهات حول مستقبل الصراع الأهلي في إثيوبيا والذي بدأ بإعلان رئيس الحكومة آب…