‫الرئيسية‬ العالم العربي هل ينهار التحالف السعودي – الأمريكي؟
العالم العربي - مايو 28, 2020

هل ينهار التحالف السعودي – الأمريكي؟

على الرغم من أن عددًا من المؤرخين، يرجع نشأة العلاقات التاريخية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، إلى اكتشاف أول حقل للبترول بالمملكة في الثلاثينيات من القرن العشرين، إلا أن التاريخ الحقيقي والفعلي لهذه العلاقة، يرجع نشأة العلاقة تحديدًا إلى 15 فبراير 1945، عندما اجتمع المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، على متن البارجة الأمريكية «كوينزي» التي رست في منطقة البحيرات المرة في مصر[1]، ومنذ هذا اللقاء استمرت العلاقة بين الدولتين، والتي قامت بالأساس على مبدأ “النفط مقابل الأمن”.

إلا أنه وخلال الفترة الأخيرة قد شهدت العلاقة بين الطرفين بعض الخلافات، منها: تهديدات أعضاء الكونجرس بفرض حظر على صادرات الأسلحة الأمريكية للسعودية؛ اعتراضًا على حرب اليمن. وتهديدات أعضاء الكونجرس أيضًا بملاحقة مسؤولين سعوديين على خلفية مقتل الصحفي السعودي والعامل بصحيفة “الواشنطن بوست” الأمريكية جمال خاشقجي. وأخيرًا، التهديدات بفرض عقوبات اقتصادية وتعريفات جمركية مرتفعة على الواردات البترولية السعودية إثر الخلاف على أسعار البترول مؤخرًا[2]. فضلًا عن توجيه الرئيس ترامب إنذارًا لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، يطالبه فيه بـ “قطع إمدادات النفط السعودي أو وقف الدعم العسكري الأمريكي”، وليتم بالفعل سحب أربع بطاريات من الصواريخ الأمريكية أرض – جو من طراز “باتريوت” من المملكة، كما أن طائرات “F-15” التي كانت تحميها هناك قد عادت بالفعل إلى الولايات المتحدة[3].

وقد أثارت هذه الخلافات تساؤلًا رئيسًا، يتمثل في: هل ستؤدي هذه الخلافات إلى انهيار العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة؟ وهو ما سنحاول توضيحه خلال السطور القادمة من خلال الإجابة عن تساؤلين فرعيين، هما: ما هي محددات العلاقة بين الرياض وواشنطن؟، ثم كيف نفهم العلاقة بين الدولتين على ضوء تلك المحددات؟:

 

أولًا: محددات العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية:

تتمثل أهم محددات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج -وعلى رأسها السعودية- في:

1- ضمان تدفق البترول بأسعار معقولة وبلا عوائق إلى الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسين.

2- حماية أمن إسرائيل.

3- ضمان عدم تحكم أي قوى معادية، أو منافسة للولايات المتحدة وحلفائها، من خارج المنطقة أو من داخلها في نفط الخليج، ومنع هذه القوى من تهديد أمن المنطقة[4].

4- أن هذه الدول تعتبر زبونًا دائمًا لمبيعات السلاح؛ حيث تعد السعودية أكبر مشتر للأسلحة الأمريكية.

 

وفيما يتعلق بالسعودية، تتمثل أهم محددات سياستها الخارجية تجاه الولايات المتحدة في:

1- توفير الحماية ضد المنافسين الإقليميين؛ حيث كانت السعودية دائما تحت حماية واشنطن، سواء في مواجهة صدام حسين وتحركاته العسكرية في 1990، أو في السنوات الأخيرة في مواجهة تهديدات إيران[5].

2- الاعتماد على الدعم الأمريكي في مواجهة التحديات الداخلية، والتي تتمثل في نوعين: الأول: الحصول على الدعم الأمريكي في مجال مكافحة الإرهاب، خاصة بعد ظهور تنظيمات إرهابية مثل تنظيم القاعدة، الذي استهدف السعودية من خلال هجوم كبير في 2003[6]. النوع الثاني من التهديدات: هو اعتماد القيادة السعودية على الدعم الأمريكي في مواجهة أي محاولة داخلية للانقلاب عليها، وبعبارة أخرى، فإن ولي العهد السعودي الحالي محمد بن سلمان يعتمد على واشنطن داعمًا رئيسًا من أجل الوصول إلى الحكم، ومنع أي محاولة داخلية من الأسرة الحاكمة للانقلاب عليه، خاصة في ظل حالة السخط على سياساته الداخلية والخارجية.

 

ثانيًا: كيف نفهم العلاقة بين الدولتين على ضوء تلك المحددات؟:

المحدد الأول: أسعار النفط: بعد أن استخدمت السعودية سلاح النفط ضد الولايات المتحدة في حرب 1973، شعر الأمريكان بالخطر الإستراتيجي من إمكانية قيام السعودية مرة أخرى باستخدام هذا السلاح ضدها، ما دفعها نحو محاولة توفير هذا المنتج الإستراتيجي تارة بتنويع مصادر الاستيراد وتخزين كميات ضخمة من النفط، وتارة أخرى عبر التوجه لإنتاج النفط الصخري. ومع الطفرة الكبيرة التي حققتها واشنطن في إنتاج النفط الصخري، أصبحت واشنطن مع سبتمبر 2018 أكبر منتج للنفط الخام في العالم، وقد حدث ذلك بعد عامين ونصف من قيام الكونغرس الأمريكي، في يناير 2016، برفع حظر دام أربعة عقود على صادرات النفط الأمريكية[7].

إلا أنه وخلافًا لسنة 1973، عندما استخدمت السعودية سلاح النفط لرفع الأسعار وإيذاء الولايات المتحدة، قامت أسعار النفط المتهاوية نتيجة حربها النفطية مع روسيا هذه المرة بالمطلوب؛ حيث يحتاج منتجو النفط الصخري في الولايات المتحدة إلى أن تكون أسعار النفط أعلى من 40 دولارًا للبرميل لتحقيق سعر التعادل. ولكن حرب الأسعار الروسية السعودية تسببت في هبوط سعر النفط إلى 25 دولارًا، ثم إلى أرقام سلبية؛ مما تسبب في موجة من الإفلاس، وأضرار اقتصادية طالت الشركات من تكساس إلى داكوتا الشمالية.

وقد دفع ذلك المشرعين في الولايات المنتجة للنفط -مثل تكساس ولويزيانا ونورث داكوتا وألاسكا- لتوجيه اتهامات للسعودية بشن حرب اقتصادية، وقد قاموا بصياغة مسودة قرار لسحب القوات الأمريكية، وإلغاء المظلة الأمنية التي كانت الولايات المتحدة منذ عقود تحمي بها الدولة السعودية.

وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان إلى وقت قريب يدافع عن العلاقات مع السعودية، فإنه يتساءل الآن بشكل علني عما إذا كانت الولايات المتحدة تحتاج لحماية النفط السعودي؟؛ إذ إن أغلبه الآن يباع للصين وباقي المشترين الآسيويين، عوضًا عن أوروبا والولايات المتحدة كما في السنوات السابقة[8]. ومع انهيار قطاع الزيت الصخري الأمريكي الذي يوظف بشكل مباشر وغير مباشر ما يقرب من 1.7 مليون شخص، معظمهم في ولايات رئيسة يخوض فيها الجمهوريون معركة حاسمة؛ لأن ترامب بحاجة إلى الفوز فيها من جديد في انتخابات الرئاسة في نوفمبر[9]، فإن ترامب قد يستجيب هذه المرة لمطالب المشرعين الأمريكيين بفرض عقوبات على السعودية.

وبالفعل، فقد قامت الإدارة الأمريكية بسحب بطاريات أنظمة الدفاع الصاروخية “باتريوت” من السعودية؛ حيث ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” في (8 مايو 2020)، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين قولهم: إن “سربين من الطائرات المقاتلة الأمريكية غادرا المنطقة، إضافة إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس أيضًا خفض الوجود البحري الأمريكي في الخليج العربي قريبًا”. وأردفت أن القرار يشمل سحب بطاريات “باتريوت”، وعشرات الجنود الأمريكيين الذي أُرسلوا إلى المملكة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو النفطية في سبتمبر 2019.

وقد جاءت تلك الخطوة -وفقًا للعديد من المراقبين- كإنذار أمريكي برفع الحماية عن السعودية عبر سحب بطاريات الباتريوت، في حالة ما إذا أقدمت السعودية على إيذاء الاقتصاد الأمريكي من خلال الإضرار بالنفط الصخري. وقد وجدت واشنطن أن الوقت مناسب لاتخاذ هذه الخطوة لا سيما في ظل انشغال إيران بفيروس كورونا، ما يعني عدم تهديد مصالحها حاليًّا بالخليج، بجانب تخمة النفط وعدم الخوف من تدفقه عبر مضيق هرمز[10]. فضلًا عن رغبة ترامب في ترويج هذه الخطوة كنوع من الدعاية الانتخابية، عبر إظهار نفسه بمظهر الرئيس الملتزم بوعوده السابقة، والمتمثلة في تقليل الوجود العسكري الأمريكي في الخارج، وإرجاع الجنود الأمريكان إلى ديارهم.

بالإضافة إلى أن هناك رأيًا يشير إلى أن إقدام الولايات المتحدة على تلك الخطوة ربما يغري الحوثيين بمزيد من الأعمال العسكرية ضد أهداف سعودية، وهو ما يشعل الأجواء في المنطقة، الأمر الذي ينعكس على سوق النفط  -كعادة الأزمات والتصعيد-، فتعاود الأسعار ارتفاعها شيئًا فشيئًا، وهو ما حدث قبل ذلك في أثناء حرب الناقلات النفطية والتصعيد الدائر في مياه الخليج في الربع الأخير من العام الماضي[11].

وردًّا على تلك الخطوة، لم تجد الرياض بدًّا من تفعيل حملتها للتخفيض الإضافي لإنتاج النفط، فبعد اتفاق «أوبك +» في أبريل الماضي لخفض الإنتاج بواقع 9.7 ملايين برميل يوميًّا، والتي جاءت بضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد أعلنت السعودية، في 13 مايو الجاري، عن “تخفيض طوعي” للإنتاج، بقيمة مليون برميل يوميًّا، ابتداءً من يونيو القادم، داعية شركاءها المنتجين لاتخاذ خطوة مماثلة؛ طمعًا في رفع الأسعار، وهو ما استجابت له سريعًا كل من الإمارات والكويت[12].

وإجمالًا لما سبق، يمكن القول إن الولايات المتحدة، على الرغم من عدم حاجتها الحالية إلى النفط السعودي بعد تحولها لأكبر منتج للنفط، إلا أنها بحاجة ماسة إلى التنسيق معها بخصوص أسعار النفط، بغض النظر عن شكل هذا التنسيق، الذي قد يتخذ شكل تعاون وتنسيق أو ضغط وتهديد.

 

المحدد الثاني: أمن إسرائيل: فبعد أن شاركت السعودية في حرب 1973 ضد إسرائيل، من خلال قرار حظر تصدير النفط إلى الدول الداعمة للأخيرة، والمتمثلة في واشنطن وحلفائها في أوروبا الغربية.

إلا أنه وبعد اتجاه كل من مصر (عام 1979) والأردن (عام 1994) إلى عقد اتفاقيات سلام مع إسرائيل، فقد طرحت السعودية هي الأخرى رؤيتها لحل القضية الفلسطينية تحت مسمى مبادرة السلام العربية (عام 2002)، والتي أطلقها العاهل السعودي الراحل، الملك عبد الله بن عبد العزيز، بحيث تهدف المبادرة لإنشاء دولة فلسطينية على حدود عام 67 وعاصمتها القدس الشرقية، وانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان السورية المحتلة، وحل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين. ومقابل ذلك سوف يتم اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهيًا، وتتمكن إسرائيل من إنشاء علاقات طبيعية مع نحو 57 دولة عربية وإسلامية[13].

وعلى الرغم مما كان يبدو من تمسك سعودي بضرورة إنشاء الدولة الفلسطينية والانسحاب من الأراضي العربية التي تم احتلالها في عام 1967 قبل الدخول في أي علاقات طبيعية مع إسرائيل، إلا أن الأمور قد اختلفت كثيرًا، خاصة مع بداية ثورات الربيع العربي في عام 2011. فقد مثلت تلك الثورات تهديدًا جوهريًّا للمملكة وقيادتها السياسية، وزادت المخاوف السعودية مع تصدر التيارات الإسلامية المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين للحكم، والأهم من ذلك أن ذلك جاء بموافقة أمريكية.

ولذلك فقد عملت المملكة منذ الوهلة الأولى على إفشال حكم الإسلاميين، وذلك بالتعاون مع كل من إسرائيل والإمارات، وقد توثق هذا التعاون مع تولي محمد بن سلمان منصب ولي العهد في عام 2017. ولتظهر مجموعة من المؤشرات على تزايد هذا التعاون، سواء عبر التقارير التي تشير إلى عقد اتصالات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وكذلك زيارات بعض الإعلاميين السعوديين إلى تل أبيب، وتصديق وزير الداخلية الاسرائيلي على منح إسرائيليين تصاريح لزيارة السعودية.

ولا يخرج عن ذات السياق حملة الانتقادات السعودية للقضية الفلسطينية، في مقابل دعمها للمسلسلات الخليجية التي تحسن من صورة إسرائيل، فضلًا عن عمل السعودية على إدخال إسرائيل في التحالفات الإقليمية الجديدة بالمنطقة، والتي تمثلت في السعي لإنشاء ما يسمى بـ “الناتو العربي”. وأخيرًا، دفعها الدول العربية لإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، وهو ما كشفه موقع “أفريكا إنتلغنس” مؤخرًا، بأن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، طلب من رئيس موريتانيا التواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبحسب الموقع، فإن “السعودية تعمل على دفع الدول الموالية لها نحو التقارب مع إسرائيل ضمن جهودها للحفاظ على ود الرئيس ترامب”[14].

وإجمالًا لما سبق، يمكن القول إن الولايات المتحدة أصبحت ترى أن حاجة السعودية لإسرائيل حاليًّا قد تفوق حاجة الأخيرة للسعودية، فكلا الدولتين يتوافقان على أن إيران وجماعات الإسلام السياسي (خاصة جماعة الإخوان المسلمين) يمثلان التهديدان الرئيسان لكلا الدولتين، وأن كلًّا منهما في حاجة للآخر لمواجهة هذين التهديدين.

 

المحدد الثالث: منع أي قوة معادية من السيطرة على المنطقة: ويمكن تقسيم تلك القوى المعادية إلى نوعين:

النوع الأول: القوى المعادية الدولية: وهي القوى المتمثلة في الصين، ففي تصريح له مع “رويترز”، 7 مايو الجاري، حذر مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، أنه على دول الخليج العربية أن تأخذ علاقتها بالولايات المتحدة بعين الاعتبار عند التعامل مع الصين، مؤكدًا قوله: “على هذه الدول أن تفكر في قيمة شراكتها مع الولايات المتحدة”، مضيفًا “نريد أن تبذل الدول الشريكة لنا العناية الواجبة”.

ويعكس هذا التصريح حالة الخوف لدى الولايات المتحدة من توجه دول الخليج نحو تمتين علاقاتها مع الصين، خاصة أن العلاقات بينهما خلال الآونة الأخيرة قد تطورت بصورة كبيرة، في ظل ما تتبناه دول الخليج من إستراتيجيات تنويع مواردها الاقتصادية بعيدًا عن عائدات النفط.

كما تعد دول الخليج بالنسبة للصين مصدرًا أساسيًّا من مصادر الحصول على الطاقة. فالصين تستورد النفط والغاز من دول الخليج، بكميات ضخمة تغطي نحو 60% من احتياجاتها، في الوقت الذي ازدادت فيه قدرة الولايات المتحدة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من حاجتها لإمدادات الطاقة من قبل دول الخليج، وهو ما يعني إمكانية فك الارتباط بين دول الخليج وأمريكا في مجال الطاقة، في مقابل تصاعد الارتباط مع الصين.

يضاف إلى هذا، فإن جهود مكافحة كورونا عززت التعاون بين الطرفين، فقد أبرمت السعودية، 26 أبريل الماضي، عقدًا ضخمًا مع الصين لإجراء 9 ملايين فحص للفيروس على المواطنين. وبحسب وكالة الأنباء السعودية (واس)، فإن هذا العقد يعد من أكبر العقود التي توفر فحوصات تشخيصية لفيروس كورونا على مستوى العالم[15].

النوع الثاني: القوى المعادية الإقليمية: وهي القوى المتمثلة في إيران، ففي العام 1979 أطاحت الثورة الإيرانية بالشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان حليفًا لواشنطن في المنطقة، وخلقت حالة من العداء المستمر تجاه واشنطن، جعلت من السعودية الحليف الأهم لأمريكا في المنطقة، على الرغم من أزمة حظر تصدير النفط في عام 1973[16].

وبالرغم من التحسن المؤقت في العلاقات بين واشنطن وإيران على خلفية الاتفاق النووي الذي تم في عام 2015 من جانب إدارة الرئيس أوباما، إلا أن العلاقات سرعان ما عادت للتوتر مرة أخرى مع تولي ترامب لرئاسة البلاد، والذي قام بالانسحاب من هذا الاتّفاق في 8 مايو 2018، ثم أعلن إعادة فرض العقوبات الأمريكيّة المتعلّقة بالنشاط النووي، ليقوم بعدها بفرض مزيد من القيود العسكرية والاقتصادية، والتي كادت أن تتسبب في وقوع حرب شاملة بين الطرفين.

وعلى الرغم من حالة الهدوء بين الطرفين، وما يبدو من تراجع للضغوط الأمريكية بسبب أزمة كورونا الحالية، إلا أن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال مستمرة بينهما، والتي كان آخرها في 22 أبريل 2020، عندما أمر ترامب البحرية الأمريكية بقصف وتدمير الزوارق الحربية الإيرانية التي تضايق السفن الأمريكية، وقد حصل ذلك بعد لقاء استفزازي بين الجانبين في مياه الخليج.

وإجمالًا لما سبق، يمكن القول إنه من الدوافع الرئيسة التي تقف خلف تمسك الولايات المتحدة بالتحالف مع السعودية، هو موقعها ومكانتها؛ فهي دولة قائدة في العالم العربي والإسلامي والخليجي، وهي جزء من منطقة الشرق الأوسط، وجزء من القارة الآسيوية، وعلى مقربة من الصين، وهو ما يمثل أهمية إستراتيجية كبيرة لواشنطن لا ترغب في فقدانها، خاصة أن هناك دولًا معادية (الصين وروسيا) على أهبة الاستعداد لاستغلال أي خلاف ينشأ بين الدولتين.

 

المحدد الرابع: التعاون في القضايا الإقليمية: حيث تعتبر السعودية من أكثر الدول العربية تناغمًا في سياستها الخارجية مع الولايات المتحدة تجاه قضايا المنطقة؛ بل وليس من المبالغة القول إن السعودية تعتبر أداة واشنطن لتنفيذ سياستها في منطقة الشرق الأوسط.

فالسياسات والمواقف السعودية والأمريكية تكاد تكون متطابقة في معظم قضايا الشرق الأوسط، ففي ليبيا مثلًا، فإن كلًّا منهما يدعم قائد ما يسمى بالجيش الوطني الليبي في الشرق، الذي يقوده خليفة حفتر، وإن اختلفت سبل الدعم، بحيث تقوم السعودية بتقديم الدعم المالي، في حين تقوم واشنطن بتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي.

وفيما يتعلق بسوريا، فقد كشفت صحيفة تركية، عن الدور السعودي في مخطط أمريكي يسعى لتشكيل كيان كردي، يهدف لإضفاء الغطاء الدولي على الوحدات الكردية المسلحة. حيث يتمثل الدور السعودي في توفير الدعم المالي، فقد أرسلت الرياض 120 مليون دولار لحزب العمال الكردستاني الأسبوع الماضي، ومن المقرر -بحسب الصحيفة- أن يتم تخصيص 520 مليون دولار للهيكل العسكري الجديد على مدار ثلاث سنوات، مع 200 مليون دولار على شكل نفقات[17].

 

المحدد الخامس: صفقات السلاح: فقد نجح ترامب خلال ولايته الأولى في حلب السعوديين بصورة لم تشهدها أي دولة أخرى، فمع أول زيارة له للرياض بعد توليه مقاليد الأمور في يناير 2017، عاد بقيمة استثمارات تجاوزت نصف تريليون دولار، عززها بعد ذلك بعشرات المليارات في صورة صفقات سلاح واستثمارات سعودية داخل الولايات المتحدة.

وتعكس سياسة ترامب تجاه دول الخليج -وفي القلب منها السعودية- بأن الحماية الأمريكية لن تكون بدون مقابل، وأنه مع تراجع أهمية النفط بالنسبة لواشنطن، فقد تبدلت المعادلة القديمة “النفط مقابل الأمن”، ولتصبح المعادلة الجديدة هي “الحماية مقابل المال”.

وهو ما عبر عنه ترامب أكثر من مرة بأسلوب غير دبلوماسي ومهين، فقد أشار أنه “إذا أرادت دول العالم منا الدفاع عنها، فعليهم تحمل بعض التكاليف”، مع مرات عدة تحدث فيها عن السعودية تحديدًا، بأنها دولة ثرية للغاية، ووافقت على المساعدة في تحمل بعض التكاليف. وفي أكتوبر 2018، وأمام حشد جماهيري ضخم، قال الرئيس الأمريكي: “قلت للملك سلمان نحن نحميك، قد لا تكون هناك لمدة أسبوعين بدوننا، عليك أن تدفع مقابل ذلك”[18].

ولعل ذلك كان الدافع الرئيس خلف قيام ترامب بسحب “صواريخ الباتريوت”، فربما يرى الرئيس الأمريكي أن ما تدفعه السعودية قليل، ولا يكفي لاستمرار تلك القوات من أجل حمايتها، ولذلك فقد لجأ إلى سحب تلك الصواريخ؛ للضغط على السعودية من أجل دفع المزيد من الأموال، خاصة وأنه يعلم مدى قلق السعوديين من الإيرانيين.

بل وربما تكون تلك الخطوة مقصودة من قبل الإدارة الأمريكية؛ لإغراء إيران وحلفائها بتوجيه ضربات للسعودية، ومن ثم لن يجد السعوديون بدًّا من الأبواب الأمريكية لطرقها[19]، وهو ما حدث بالفعل، فقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون، 13 مايو الجاري، (أي بعد سحب بطاريات الباتريوت الأمريكية من السعودية) منح شركة بوينغ عقدين بأكثر من ملياري دولار لتسليم ما يزيد عن ألف صاروخ جو – أرض، وصواريخ مضادة للسفن إلى السعودية[20].

 

[1] إبراهيم بن عبد الله المطرف، “قراءة موضوعية في العلاقات السعودية الأمريكية”، الجزيرة السعودية، 7/2/2020، الرابط: https://bit.ly/3fGzF5Y

[2] سيد جبيل، “ماذا يعني سحب الصواريخ الامريكية من السعودية؟”، نعرف، 11/5/2020، الرابط: https://bit.ly/2WSpMcY

[3] سايمون هندرسون، “هل فقد ترامب الصبر أخيرًا مع السعوديين؟”، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 8/5/2020، الرابط: https://bit.ly/2WyIfMV

[4] إبراهيم بن عبد  الله المطرف، “قراءة موضوعية في العلاقات السعودية الأمريكية”، الجزيرة السعودية، مرجع سابق.

[5] كيث جونسون، “كيف انهار التحالف الأمريكي السعودي؟”، نون بوست (مترجم)، 25/4/2020، الرابط: https://bit.ly/3blG9Ei

[6] المرجع السابق.

[7] “فيروس كورونا المستجد، والانتخابات الرئاسية، والسياسة الخارجية الأمريكية”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 10/5/2020، الرابط: https://bit.ly/2AtCFCP

[8] كيث جونسون، مرجع سابق.

[9] جون برادلي، “نهاية حلف النفط السعودي الأمريكي”، نون بوست (مترجم)، 11/5/2020، الرابط: https://bit.ly/3btdLA9

[10] “شراكة يشوبها توتر .. إلى أين تسير العلاقات السعودية الأمريكية؟”، الخليج أونلاين، 10/5/2020، الرابط: https://bit.ly/3cnNpkf

[11] عماد عنان، “مناورة تقليص الوجود الأمريكي في المنطقة .. ثلاثية الاقتصاد والسياسة والأمن”، نون بوست، 9/5/2020، الرابط: https://bit.ly/360QVP9

[12] “حملة الرياض لتسريع تعافي النفط: موسكو ترحّب بالتخفيض الإضافي”، الأخبار، 14/5/2020، الرابط: https://bit.ly/2yUoSog

[13] “منذ 2002 .. هذه مبادرة السعودية لحل القضية الفلسطينية”، العربية نت، 21/2/2018، الرابط:

[14] “موقع: ابن سلمان عرض على رئيس موريتانيا التواصل مع نتنياهو”، عربي 21، 14/5/2020، الرابط: https://bit.ly/2WUFowB

[15] “دول الخليج بين أمريكا والصين .. كيف تتعزز مصالحها بعلاقتها مع البلدين؟”، الخليج أونلاين، 9/5/2020، الرابط: https://bit.ly/2X9PGt5

[16] كيث جونسون، مرجع سابق.

[17] “صحيفة: دور سعودي لمخطط أمريكي شمال سوريا .. تفاصيل”، مرجع سابق.

[18] “هل تحافظ صفقات السلاح على علاقات السعودية مع الولايات المتحدة؟”، القدس العربي، 12/5/2020، الرابط: https://bit.ly/2yNIavP

[19] عماد عنان، مرجع سابق.

[20] “صفقة سعودية بملياري دولار لشراء ألف صاروخ من الولايات المتحدة”، تي أر تي، 14/5/2020، الرابط: https://bit.ly/3dM8Qfa

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …