‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس الحملة السوداء على الغنوشي .. الأهداف والسيناريوهات
تونس - مايو 29, 2020

الحملة السوداء على الغنوشي .. الأهداف والسيناريوهات

شن تحالف الثورات المضادة في النصف الثاني من مايو 2020م حملة ضارية ضد  الشيخ راشد الغنوشي، رئيس البرلمان التونسي ورئيس حركة النهضة التونسية، وقادت هذه الحملة وسائل الإعلام الإماراتية والسعودية والمصرية، مثل فضائيات سكاي نيوز والعربية السعودية وكلتاهما تبثان من أبو ظبي إضافة لموقع “اليوم السابع” المحسوب على جهاز المخابرات العامة المصرية. وتردد صدى هذه الحملة السوداء على جميع الفضائيات التابعة لتحالف الثورات المضادة والتي بالغت في نشر الأكاذيب والافتراءات والزعم بأن الغنوشي  كون ثروة ضخمة منذ عودته إلى تونس عقب انتصار الثورة عام 2011، وصلت إلى 8 مليارات دولار، رغم أن موازنة البلاد لا تزيد عن 16.5 مليار دولار.

ونشر موقع قناة “العربية” تقريرا بعنوان “كيف تحوّل راشد الغنوشي من مدرّس إلى أبرز أثرياء تونس؟”. وذهب موقع “العين” الإماراتي لعنوان أكثر إثارة “سياسة الغنوشي.. ثروة غامضة لرئيس “إخوان تونس” على حساب الفقراء”، وكتب نفس الموقع تقريرًا أخر بعنوان “ثروة الغنوشي تحت مجهر التونسيين.. من أين لك هذا؟”. وفي الصفحة الأولى بصحيفة الأهرام «آلاف التونسيين يطالبون بالتحقيق في ثروة الغنوشي»، وجاء في الخبر أن آلاف التونسيين وقعوا على عريضة الكترونية تطالب بالتحقيق في مصادر ثروة راشد الغنوشي رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة،بعد أن تحول منرجل عادي، إلى أبرز أغنياء تونس،حيث تملك خلال 9 سنوات قصورا وعقارات وسيارات فخمة. وكتبت بوابة الأهرام «قيس سعيد لـ الغنوشي: الدولة التونسية واحدة ولها رئيس واحد».

المرجح أن ما جرى في ليبيا ليس سببا مباشرة  للحملة على الغنوشي والتجربة التونسية؛ لأنه فيما يبدو كان يتم الإعداد لها بغض النظر عن تطورات ليبيا،  لكن هزائم مشروع الثورة المضادة في ليبيا عجلت بالحملة على الغنوشي في تونس، في ظل تراجع إقليمي منذ عام لمحور الثورة المضادة على مستويات سياسية وعسكرية وحتى اقتصادية؛ وتغيّر المعادلة في ليبيا مؤخرا أضاف انتكاسة جديدة لأجندة هذا المحور الإقليمية”. ولا تمثل الحملة على الغنوشي في تونس مطلقا أي علامة من علامات القوة لمحور الثورة المضادة، بقدر ما تستهدف التغطية على فشل مشروع الثورة المضادة وتراجعه الإقليمي وخسائره في ساحات أخرى أكثر أهمية واستراتيجية”.

 

تحركات مشبوهة ومشهد مرتبك

وتزامن مع الحملة الخارجية  دعوات هدامة بالداخل تستهدف إثارة الفوضى وتقويض النجاحات والمكاسب التي حققتها الثورة التونسية على مدار السنوات الماضية.

أولا، حركت أبو ظبي عملاءها في تونس من أنصار النظام البائد، من إجل توظيف تداعيات أزمة “كورونا” من أجل إثارة الفوضى وإرباك المشهد السياسي؛ وفوجئ الرأي العام والطبقة السياسية بدعوات “فيسبوكية”  تحت لافتة “هيئة الإنقاذ  الوطني” يطالب أصحابها بانقلاب في ثياب “ثورة جديدة”، وبرحيل حكومة إلياس الفخفاخ التي لم يمرّ على تأسيسها سوى شهرين، وحلّ البرلمان. وأعلنت النيابة العامة في تونس، ، أنها فتحت تحقيقاً في “دعوات تحريضية”، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ضدّ بعض مؤسسات الدولة. طالب بحل البرلمان والأحزاب، والمطالبة بمحاسبتها، وتعليق العمل بالدستور، ومراجعة قوانين ما بعد الثورة، وإعادة صياغتها والمصادقة عليها باستفتاء شعبي”. كذلك، نشر نشطاء مقربون من الحزب “الدستوري الحر” المعارض بقيادة عبير موسى، دعوات مماثلة، والاعتصام في منطقة باردو، حيث مقر البرلمان، قبل أن تتبرأ رئيسة الحزب من تلك الدعوات. كما نشر نشطاء من أقصى اليسار دعوات إلى الثورة.  وبالتوازي أعلنت النائبة عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر، عن بدء اعتصام مفتوح داخل البرلمان بدءا من 19 مايو؛ دعما لهذه الحملة وللضغط على حركة النهضة والغنوشي والنظام السياسي كله.  ومعروف أن عبير موسى كانت تشغل منصب أمين عام مساعد لحزب التجمع المنحل (حزب بن علي) قبل الثورة، فهي ضد الثورة وضد كل مخرجاتها، حتى إن مشروعها السياسي هو   هدم كل مكاسب الثورة والعودة إلى معادلة الحكم أيام الدكتاتور بن علي. ثم أعلنت موسى الدخول في ما أسمته بإضراب جوع تدريجي رغم موافقة رئاسة البرلمان على أغلب مطالب كتلتها البرلمانية وإدانة كل صور العنف ضدها.

ثانيا، أطلقت أبواق محسوبة على الثورة المضادة بالداخل التونسي موجة من الفوضى تحت شعار “ثورة الجياع” استغلالا لأزمة كورونا وتراجع معدلات الإنتاج وزيادة مستويات البطالة لأسباب تعود إلى تعليق عمل المصانع والشركات. وهو سيناريو تكرر صيف 2013م حيث  جرى اعتصام أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي التونسي الذي كان أعلى سلطة منتخبة في البلاد، وفي عدة مدن تونسية أخرى أبرزها سوسة وصفاقس، عقب اغتيال السياسي اليساري محمد براهمي، وذلك لإسقاط مؤسسات الدولة الشرعية. أما الحملة الجارية فيقودها كل من نبيل الرابحي ووفاء الشاذلي وعماد بن حليمة وثامر بديدة، وجميعهم مدعومون من الإمارات، هدفهم القيام بمحاولة انقلابية جديدة وذلك بشحن المواطنين ضد الدولة والحكومة والبرلمان، على أن توفر لهم الإمارات الدعم الإعلامي والمالي.

ثالثا، يعمق الأزمة أن أن الائتلاف الحاكم في تونس يمر بمرحلة توتر بين مكونات البرلمان(النهضة وائتلاف الكرامة) من جهة  والرئيس قيس سعيد من جهة أخرى، وكذلك التوتر بين النهضة وحركة الشعب المشاركة في الائتلاف الحكومي من جهة ثانية، ذلك أن النهضة تسعى إلى ضم حزب “قلب تونس وائتلاف الكرامة” إلى تشكيلة حكومة “إلياس الفخاخ”؛ لتمثل حكومة وحدة وطنية وهو أحد أهداف حركة النهضة قبل تشكيل الحكومة. من جهة أخرى، حذّر آخرون من تعدد المناسبات التي جمعت رئيس الدولة قيس سعيد بالجيش، وعبروا عن تخوفهم من أن يكون وراء ذلك هدف سياسي. فما كان من قيس سعيد إلا أن رد على أصحاب هذا القول بقوله “هم يعلمون أننا وإياكم (في إشارة إلى العسكريين) أكثر حرصاً على احترام الشرعية من الحالمين الواهمين”؛ وهو ما دفع المدير السابق للأمن العسكري الجنرال محمد المؤدب قائلاً “كان الأحرى بالسيد قيس سعيد النأي بإطارات المؤسسة العسكرية وجنودها عن كل ما له علاقة بالسياسة التي لا دخل لهم فيها، ومخاطبتهم فيما يهمهم”. وإذا كان الثقة عالية في توجهات قيس سعيد الديمقراطية ورفضه للانقلابات إلا أن هجومه على خصومه أمام أبناء المؤسسة العسكرية أثار الالتباس، وفتح الباب أمام التأويل والتساؤل حول الأسباب التي دفعته إلى ذلك. وإزاء هذه المعطيات تكاد تونس تنزلق من جديد إلى أزمة سياسية، رغم محاولات رئيس الحكومة إرجاع الجميع إلى المربع الاقتصادي والاجتماعي الذي يضيق يوماً بعد يوم. وقد أصبح الفخفاخ يخشى من مواجهة فعلية مع النقابات التي وجهت له أكثر من إنذار تحسباً للقرارات التي سيعلن عنها قريباً. كذلك يخشى الفخفاخ انحياز رئيس الدولة إلى جانب قيادة الاتحاد العام التونسي، خاصة بعد اللقاء الذي جمع الطرفين أخيراً، وتم الإعلان فيه عن رفضهما المساس بحقوق الشغالين. وهو أمر إذا ما ترجم إلى مواقف عملية فمن شأنه أن يضع الحكومة في مأزق غير مسبوق.([1])

 

أهداف الحملة ومآربها

يرى مراقبون أن الحملة تهدف إلى إحداث وقيعة بين مجلس النواب والرئاسة بتونس، وإثارة معارك جانبية في المجلس بين الكتل، رغبةً في تفكيك مؤسسات الدولة عبر ضربها ببعضها البعض. كما أن حملة التشويه تستهدف الغنوشي دون غيره من السياسيين لأنه رئيس الحزب الأكبر في تونس وهو حزب مناهض للمنظومة القديمة وكان مقاوما للاستبداد ومن ضحاياه، ويمثل هو وحركة النهضة عائقا كبيرا أمام محاولات الانقلاب التي تحيك لها عواصم محور الثورات المضادة.

وللحملة أهداف سياسية ضمن مشروع الإمارات وتحالف الثورات المضادة ذلك أن الغنوشي نفسه سبق وأن عصف بمثل هذه الأكاذيب عبر تقديم إقرار الذمة المالية؛ لكن التجربة وخصوصا ما جرى في تجربة انقلاب العسكر في مصر، تخبرنا بأنه مهما كانت الاتهامات واهية ومفبركة ولا أساس لها إلا أن كثافة الضخ الإعلامي ودوران ماكينة الأكاذيب بأقصى سرعتها سيجعلها مؤثرة، خاصة إذا واكبتها تحركات للنخب السياسية والإعلامية التونسية الموالية للإمارات وتحالف الثورات المضادة” والخشية أن يكون هناك تحركات عسكرية في توقيت محسوب لا يعلم به أحد شيئا.

وسبق للغنوشي أن تقدم بإقرار الذمة المالية خلال السنة الماضية مرتين وليس مرة واحدة، المرة الأولى كانت يوم الثلاثاء بتاريخ 11 ديسمبر/ كانون الأول 2018 بمقر الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، أما الثانية فكانت يوم 12 ديسمبر/ كانون الأول 2019 لدى أعوان نفس الهيئة المنتصبين بمقر مجلس نواب الشعب وذلك إثر انتخابه نائبًا بالمجلس.

 

التغطية على هزيمة مشروع الثورة المضادة في ليبيا

أول أهداف الحملة هو التغطية على الفشل في ليبيا([2])؛ ذلك أن الحملة تزامنت مع بدء مؤشرات واضحة على  هزيمة مشروع الثورة المضادة في ليبيا ، بعد أن تكبدت مليشيا اللواء المتقاعد خلفة حفتر خسائر فادحة، عقب تلقيها ضربات قاسية في كافة مدن الساحل الغربي وصولا إلى الحدود مع تونس، إضافة إلى استعادة الجيش الليبي قاعدة “الوطية” الاستراتيجية، ومدن بدر وتيجي والأصابعة (شمال غرب).

ورغم أن الغنوشي كان حريصا على إبعاد حزب النهضة والتجربة التونسية عموما عن حالة الاستقطاب حتى لا تقع التجربة التونسية أسيرة لذات السيناريو الذي جرى في مصر والذي تم الإعداد له بدقة كبيرة وتكاليف باهظة، لكن ما يحدث في تونس حاليا يؤكد أن تحالف الثورات المضادة ة لا ينوي السماح لأي تجربة ديمقراطية بالتقدم إلى الإمام خاصة إذا كان الإسلاميون جزءا منها. وإذا كان لا يمكن استبعاد خسائر مشروع الثورة المضادة في ليبيا على ما يجري حاليا في تونس وأن الهزائم المدوية التي تلقتها مليشيات حفتر لها تأثير مباشر على استهداف الاستقرار السياسي في تونس والغنوشي بصورة شخصية، والذي أغضب اتصاله بالسراج القاهرة وأبوظبي”؛ حيث هنأ الغنوشي رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية فائز السراج، باستعادة السلطات الشرعية قاعدة “الوطية” العسكرية القريبة من حدود تونس.

 

إفشال التجربة الديمقراطية

الهدف الثاني من الحملة على الغنوشي والتشكيك في ذمتها المالية بالزور والأكاذيب هو إفشال التجربة الديمقراطية التي تشهدها تونس والتي تمثل حالة النجاح الوحيدة التي أفلتت من مؤامرات وفتن وانقلابات تحالف الثورات المضادة، فالاغتيال المعنوي للشخصية هي سياسة معروفة ومتداولة، ولكنها تصبح أكثر خطرا عندما تتبناها دول بمؤسساتها وأجهزتها ووسائل إعلامها، فيصبح صدى صوت التشويه والكذب والطعن أعلى وانتشاره على نطاق أوسع”.  وتونس هي آخر أعمدة التجارب الناجحة من ثورات الربيع العربي ما يعطي بصيص أمل لجيرانها في مصر وليبيا ودول الجوار الأخرى”. وتعتبر تونس نموذجا للنظام الديمقراطي المفتوح الذي لا تهيمن قوة بعينها على تحديد بوصلته، وهو ما لا يتناسب مع التصور الإماراتي للحكم، خاصة بعد أن فازت حركة النهضة بأول انتخابات عقب الثورة المندلعة نهاية 2010. كما أن فوز النهضة بالانتخابات البرلمانية، وصعود قيس سعيّد، المؤيد للثورة، إلى الرئاسة عام 2019 وبأغلبية ساحقة في الدور الثاني، أمام مرشح الثورات المضادة نبيل القروي، شكل إحدى هزائم الإمارات في مهد الربيع العربي.

 

ضرب الثورة

الهدف الثالث هو ضرب الثورة التونسية، فهذه الحملة ليست جديدة لكنها تمثل حلقة من حلقات التآمر الإقليمي الذي تقوده عواضم تحالف الثورة المضادة لضرب ثورة تونس وإجهاضها والزج بالبلاد في الصراعات، وربما حرب أهلية على غرار ما جرى في بعض بلدان الربيع العربي مثل ليبيا وسوريا واليمن ومصر. «فالمستهدف الحقيقي في هذه الحملة ليس راشد الغنوشي والنهضة بل تونس وثورتها ونظامها السياسي وسيادتها الوطنية وحقّ التونسيين في اختيار من يحكمهم وتقدّمهم ونهضتهم».([3]) كما تخشى عواصم الثورة المضادة من انتقال عدوى الثورة والديمقراطية إلى شعوبها التي تئن تحت حكم استبدادي قمعي لا صوت فيه للشعب بل تفرض السلطة تصوراتها وقراراتها بالحديد والنار.

الهدف هو ضرب الثورة التونسية وإرباك المشهد السياسي والحيلولة دون نجاحها في تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية” عبر الحملة الإعلامية التي تشنها الآلة الإعلامية لمحور الثورات المضادة بإسناد مشبوه من قوى الثورة المضادة بالداخل التونسي عبر بعض الأحزاب من رموز النظام السابق على غرار عبير موسي (رئيسة الحزب الدستوري الحرّ (ليبيرالي دستوري 16 نائبا))، واليسار الوظيفي المتطرّف الرافض للديمقراطية باعتباره يسار عميل مرتبط بالغرب المتصهين وكل القوى المعادية لنجاح التجربة التونسية”؛ وذلك عبر التوظيف السياسي للأزمة التي تعانيها تونس من تفشي وباء كورونا مثل كل دول العالم الأخرى. ولأن حركة النهضة والغنوشي من العومل الرئيسية لاستقرار الوضع السياسي في تونس فإن مشروع الثورة المضادة يستهدف ضرب الثورة التونسية في تشويه رموزها وقواها السياسية التي تملك شعبية وتأثيرا كبيرا على المشهد كله خصوصا وأن حركة النهضة تمكنت من هزيمة كل مشاريع الثورة المضادة في تونس في جميع الاستحقاقات الديمقراطية التي جرت بعد ثورة الياسمين وآخرها مشروع ترشح نبيل القروي للرئاسة وقبله مشروع نداء تونس الذي أسسه الرئيس السابق قايد السبسي والذي تفكك ولم يعد له وجود في الشارع التونسي.

 

سيناريوهات الأزمة

مستقبل الوضع في تونس يدور بين عدة سيناريوهات:

الأول أن يتمكن التونسيون من هزيمة تحالف الثورة المضادة وحماية ثورتهم وتجربتهم الديقمراطية وتكريس الحريات وأن يتمتع الجميع بالمساواة أمام القانون ويمارسون حريتهم وفق سياق يحمي الأمن القومي ويعزز من تجربتها الديمقراطية؛ يعزز من هذا السيناريو  أن القوى والأحزاب التونسية ذات الثقل الشعبي رفضت الانجرار في المؤامرة الإماراتية ولم تجد هذه الدعوات الهدامة صدى في الأوساط الشعبية؛ ذلك أن المعنيين بإنجاح الثورة المضادة هم المستفيدون من هذه الحملة  وهم جزء من المنظومة القديمة التي ثار عليها الشعب ممثلين في الحزب الدستوري الحرّ ورئيسته عبير موسي، واليسار الوظيفي المتطرّف الرافض للديمقراطية باعتباره يسار عميل مرتبط بالغرب المتصهين وكل القوى المعادية لنجاح التجربة التونسية”.

السناريو الثاني هو إثارة الفوضى والإرباك سياسيا وأمنيا عبر استغلال أزمة كورونا وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية لإثارة الفوضى وإرباك المشهد السياسي في محاولة لفرض أجندة سياسية جديدة تدعمها الإمارات وتحالف الثورة المضادة. ويظن هؤلاء أنّ أفضل أسلوب لتحقيق ذلك هو التوجه نحو البرلمان، والتحريض ضدّ حركة “النهضة” التي يتربع رئيسها راشد الغنوشي على أعلى هرم مجلس النواب، وبالتالي خلق “حركة احتجاجية” يمكن تحويلها إلى كتلة غاضبة من شأنها أن تدفع الفخفاخ إلى الاستسلام والاستقالة. وأمام الفراغ وتعطّل أعمال السلطة التشريعية، سيجد رئيس الجمهورية قيس سعيّد نفسه مضطراً لحلّ البرلمان والدعوة إلى تنظيم انتخابات سابقة لأوانها. كما يمكن أن يمتد سيناريو الفوضى إلى اللعب بورقة “تنظيم الدولة” والقيام بعمليات اغتيال قذرة ([4]) يصاحبها توجيه الاتهام لحزب النهضة والعمل على إدخال البلاد في دوامة من الفوضى التي تستهدف تقويض مكاسب الثورة والتجربة الديمقراطية؛ وقد جربت الإمارات ذلك من قبل في تونس في أعقاب الإطاحة بزين العابدين بن علي، عندما جرى اغتيال المحامي والناشط اليساري شكري بلعيد في فبراير/ شباط 2013م، وأدخلت البلاد وقتها في دوامة تمكنت تونس من التغلب عليها، يعزز من هذه الفرضية أمران: الأول أن رئيسة الحزب الدستوري الحر “عبير موسى” التي تقود الحملة ضد الغنونشي وحركة النهضة قالت إنها تلقت تهديدات من جهات مجهولة؛  كما أنّ ارتفاع نسق الحملة السياسية الموجهة ضدّ موسى من شأنه أن يوفر المناخ المناسب لاستهدافها. وهو ما دفع براشد الغنوشي بصفته رئيس البرلمان، إلى إصدار بيان “تضامن المجلس الكامل مع النائبة عبير موسى، ودعوة الجهات المختصة إلى فتح تحقيق وتوفير الحماية اللازمة لها والسهر على سلامتها”. فحركة “النهضة” ستكون الخاسر الأكبر لو تعرضت موسى لأي اعتداء جسدي، وذلك بحكم كونها الخصم الأقوى للإسلاميين؛ والإمارات يعنيها بالأساس إرباك المشهد حتى لو بتدبير اغتيال عبير موسى. الثاني أن اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، حليف أبو ظبي في ليبيا يضم بين قواته مليشيات تابعة لــ”داعش” كانت قد تمكنت قوات حكومة الوفاق وحلفائها من هزيمتهم، وهو ماهر في ممارسة لعبة الاغتيالات والتفجيرات في ليبيا، والخوف من أن ينقلها إلى تونس؛ من أجل إثارة الفوضى وإدخال البلاد في دوامة لا تنتهي من العنف لإفشال الثورة و التجربة الديمقراطية.

السيناريو الثالث، (الانقلاب العسكري) وهو الأكثر خطورة  أن تكون الحملة الإماراتية مقدمة لمخطط انقلابي جديد، يبدا بحملات التشويه والشيطنة للحركة الإسلامية ثم افتعال أزمات واغتيالات سياسية موجهة والمخاوف من أن ينتهي بانقلاب عسكري وسيطرة المؤسسسة العسكرية على الحكم والإطاحة بالثورة والتجربة الديمقرايطة وذلك بالطبع لن يتم إلا إذا تمكنت الإمارات من عقد صفقة مشبوهة خلف الكواليس مع قيادات عسكرية نافذة وقادرة على تنفيذ هذا السيناريو الإجرامي كما جرى في مصر تماما خصوصا وأن الإمارات وتحالف الثورة المضادة مشغوف بتدبير الانقلابات واستنساخ تجرية السيسي في كل من ليبيا واليمن والسودان وبالطبع تونس لو تمكنت. وهذا ما يفسر الدعم المطلق من حكام الإمارات كل طاغية جبار يحكم شعبه بالحديد والنار.

كل الاحتمالات مفتوحة على جميع السيناريوهات ذلك أن أي تحليل سياسي يقوم على قراءة المعطيات والشواهد القائمة بالفعل، لكن التجربة تعلمنا أن ما يبدو من المشهد السياسي أقل بكثير مما يختفي، وبكل تأكيد فإن حكام أبو ظبي لهم رصيد حافل في التآمر والخيانة وتوظيف الثروات الهائلة التي منحهم الله إياها في  الفساد والظلم وتدبير  الانقلابات العسكرية من أجل بسط النفوذ وخدمة المشروع الصهيوني في المنطقة بالإصرار على تغييب الشعوب وتكريس الحكومات العسكرية المستبدة.

ومن المؤكد أن وعي الشعب التونسي ونخبه، خصوصا في مجلس النواب والرئاسة، قادر على الصمود في وجه الثورة المضادة. ولكن هذا يتطلب تحرّكا لمواجهتها داخليا وخارجيا. داخليا، لا بد من مقاضاة من يمارسون الاغتيال المعنوي والتحريض على القتل والإرهاب، واليقظة الأمنية والعين المفتوحة على قيادات الجيش التي يمكن شراؤها بالمال وإقصاؤها فورا بلا تردد. وخارجيا، لا بد من التعاون مع حكومة الوفاق لمواجهة إرهاب حفتر، خصوصا أن الجزائر والمغرب أقرب إلى حكومة الوفاق، ولم تستقبلا حفتر حتى اليوم.

 

 

[1] صلاح الدين الجورشي/ تونس: انفجار السجالات السياسية دفعة واحدة/ العربي الجديد 19 مايو 2020

 

[2] أحمد يوسف/باستهداف الغنوشي.. الإمارات هُزمت في ليبيا وتنتقم في تونس(تحليل)/ وكالة الأناضول 21 مايو 2020

 

[3] انظر تصريحات رئيس كتلة النهضة بالبرلمان التونسي نور الدين البحيري//يامنة سالمي/التجربة التونسية ..هدف حملة التشويه الإماراتية (خبراء تونسيون)/ وكالة الأناضول 22 مايو 2020

 

[4] ياسر أبو هلالة/ الهزيمة في ليبيا والرد في تونس/ العربي الجديد 21 مايو 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

توسيع الحزام الحكومي ومستقبل المسار الديمقراطي بتونس بعد فشل حراك “14 يونيو”

  تواجه التجربة الديمقراطية التونسية، وفي القلب منها؛ حركة النهضة، بحملة منظمة شنتها وسائل…