‫الرئيسية‬ العالم العربي لبنان لبنان يواجه خطر ثورة الجياع
لبنان - يونيو 1, 2020

لبنان يواجه خطر ثورة الجياع

لم يكن يتخيل أكثر المتشائمين روحًا، أن لبنان -الذي كان يعرف بأنه سلة غذاء الشرق الأوسط- سيصبح في هذه الأيام مهددًا بثورة جياع تقضي على الأخضر واليابس، هذه ليس كلمات ناشط معارض، أو باحث اقتصادي يتبنى أيديولوجية معارضة للنظام، بل كانت تلك كلمات حسان دياب رئيس الوزراء اللبناني، محذرًا المجتمع الدولي، من كارثة بشرية في لبنان، قد تؤدي إلى انفجار الشرق الأوسط، وتعقد أزماته أكثر[1].

في البدء كان الاقتصاد:

عاشت لبنان في السنوات الماضية حالة مستقرة؛ نتيجة المنح والقروض والمساعدات التي تنهال عليها من الدول المتنافسة على الوضع هناك، فقد قدمت السعودية ودول الخليج مليارات، وكذلك الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا، ومعهم أمريكا، وقد ساعد هذا الوضع على استقرار سعر الصرف وثباته، وساهم وجود احتياطي نقدي وفير من الدولار في استيراد السلع الغذائية والمنتجات الأولية بأسعار أرخص من إنتاجها محليًّا؛ ولذلك عاشت لبنان تستورد معظم احتياجاتها من الغذاء والدواء ومواد الصناعة.

ولكن بعد أن زادت الديون الخارجية، وعجزت بيروت عن سداد أقساط الفوائد؛ نتيجة العقوبات المفروضة على لبنان؛ لإجبار حزب الله على الانسحاب من مناطق تمدده في سوريا واليمن، فقد انهارت العملة اللبنانية، وأخذت أسعار السلع الغذائية تزداد، لدرجة أن أسعار الغذاء قد تضاعفت بنسبة 100% خلال الشهور الماضية من 2020، ناهيك عن الزيادة التي سبقتها، نتيجة انهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار.

توازى هذا السياق مع تسريح عدد كبير من الموظفين اللبنانيين؛ نتيجة انهيار الإنتاج، وارتفعت معدلات البطالة بصورة غير مسبوقة، وبالتالي فأمام انتشار البطالة وانهيار سعر العملة[2]، ووقف المساعدات الخارجية، لن يجد المواطن اللبناني سوى الخروج للشارع للمطالبة بحقه، في ظل وضع استثنائي كارثي يعيشه العالم، ومن المتوقع أن تحدث فوضى كاملة في لبنان إذا استمر هذا الوضع، خاصة بعدما دخل القمح على خط النار الدائر في بيروت، فقد أصدرت روسيا قرارًا بوقف تصدير القمح للخارج، والتركيز على احتياجاتها الداخلية، وهو ما تفكر فيه أوكرانيا هي الأخرى، ونظرًا لأن لبنان تستورد 80% من احتياجاتها من القمح من موسكو وكييف، فهذا بعد جديد يعقد المشهد اللبناني أكثر، ويوضح حجم الكارثة، وذلك بعدما قرر أصحاب الأفران مضاعفة أسعار الخبز؛ لمواكبة الغلاء في أسعار الخضروات والفاكهة واللحوم، حيث أصبح سعر كيلو اللحم 35 ألف ليرة؛ وذلك لأن التجار يتعاملون بأسعار الدولار في السوق السوداء، وهو ما يضاعف من حجم الأزمة، وهو سعر يعجز عنه القطاع الواسع من اللبنانيين؛ بل وصرح رئيس الوزراء أن الأيام المقبلة قد تشهد عجز المواطنين عن شراء الخبز أيضًا، وهو ما يعني كارثة بكل المقاييس.

الحكومة تقدم خطة:

صدّقت الحكومة اللبنانية بالإجماع -مؤخرًا- على خطة إنقاذ تستغرق 5 سنوات، لانتشال الاقتصاد المحلي من مستويات تراجع حادّة، أفضت إلى عجز بيروت عن دفع ديون خارجية، ولكن الخطة تعتمد على موافقة صندوق النقد، والحصول على دعم دولي لنجاحها خارجيًّا، وتحتاج إلى حدوث تغيير جذري في طبيعة النظام الطائفي محليًّا.

تعاني لبنان بشدة منذ قدوم إدارة الرئيس اليميني دونالد ترامب؛ بسبب سياساته في محاصرة إيران، وأذرعها العسكرية الممتدة في المنطقة، وعلى رأسها لبنان، التي أصبح لحزب الله الكلمة العليا فيها، ولذلك توقفت كافة مشروعات الدعم والمنح التي كانت تقدم إلى لبنان؛ نتيجة إصرارها على انسحاب حزب الله من السيطرة على عدد من الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية في لبنان؛ تمهيدًا لإضعاف قوته. فنظرًا لسيطرة حزب الله على مفاصل الدولة، جاءت السياسات الأخيرة بهدف تركيع الحزب أولًا والدولة ثانيًا، حيث تربط الجهات الدولية اتخاذ مجموعة من الإجراءات لاستبدال حزب الله بجهات مدنية أخرى، غير متورطة بالعنف والإرهاب[3].

كما يشترط صندوق النقد الدولي،  مجموعة من الإجراءات التقشفية، التي يجب أن تفرضها الحكومة على المواطنين؛ كرفع الدعم، والتوقف عن تعيين موظفين في القطاع العام، وتحرير سعر الصرف؛ أي رفع يد الدولة تمامًا عن السوق، وتركه لقوى العرض والطلب؛ كشرط للموافقة على القرض، وهو أمر شديد الصعوبة في الوقت الحالي؛ نظرًا للأوضاع المعيشية الكارثية التي يعيشها المواطنون.

لبنان على جمر النار:

يعاني لبنان من عدة أزمات محورية في بنية الدولة، التي تشكلت وفقًا للطوائف المتنوعة التي تكون نسيج المجتمع، ومع مرور الوقت، أصبحت هناك تكتلات طائفية، قائمة على شبكة من المحسوبيات الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية؛ لذلك هناك عدد كبير من التجار يستغل الأزمة في مضاعفة الأسعار، وهو مطمئن؛ نتيجة علاقاته بقيادات طائفية، ستحافظ عليه من أي ضرر، وهو ما أكدته تقارير مراقبي الاقتصاد في بيروت، وهي جهة تشبه جهاز حماية المستهلك في مصر؛ حيث قاموا برفع مئات المحاضر على التجار، إلا أن ذلك لم يحدث أي تغيير؛ نتيجة وجود علاقات طائفية تخدم هؤلاء التجار.

والمحصلة، أن الشعب كله يعاني، ولن يقتصر على طائفة دون الأخرى؛ لذلك عادت التظاهرات بقوة في مدينة طرابلس، التي شهدت احتجاجات نددت بالأوضاع التي هدّت كاهل المواطن. كما شهدت مناطق أخرى في شرق وغرب العاصمة (بيروت) إغلاقًا لطرقات ووقفات احتجاجية، حمّل المحتجون خلالها الطبقة السياسية الحاكمة مسؤولية التدهور المعيشي، في ظل أسوأ أزمة اقتصادية بتاريخ لبنان.

في البحث عن مخرج:

وضع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري في كلمة له، بمناسبة عيد “المقاومة والتحرير” و”يوم القدس العالمي”، خريطة طريق ضرورية لإعادة إنتاج الحياة السياسية في لبنان، تنطلق من إقرار قانون انتخابي جديد خارج القيد الطائفي، واعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة، وإنشاء مجلس شيوخ، وتحرير القضاء.

ودعا بري إلى تحرير قطاع الكهرباء من عقلية المحاصصة المناطقية والطائفية والفيدرالية، من خلال تعيين مجلس إدارة جديد نظيف الكف، وهيئة ناظمة للقطاع، في رسالةٍ واضحة إلى “التيار الوطني الحرّ” برئاسة النائب جبران باسيل (صهر رئيس الجمهورية)، الذي يضع يده على وزارة الطاقة والمياه منذ أكثر من عشر سنوات، ودائمًا ما كان يشترط على الحكومات المتعاقبة الحصول على هذه الحقيبة الوزارية كشرطٍ لتشكيل الحكومة.

وحذر بري من “أصوات النشاز التي تعلو في لبنان وتنادي بالفيدرالية لحلّ الأزمات التي يرزح تحتها، فلا الجوع أو أي عنوان آخر سيجعلنا نستسلم لأي مشروع صهيوني. ودائمًا ما يطرح باسيل اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة، والتي تُعدّ بمثابة فيدرالية مقنعة، كما يدعو حزب القوات اللبنانية إلى فيدرالية مناطقية”[4].

ولكن هل سيكفي ذلك لإنقاذ الوضع في لبنان؟، وهل تُسمن البيانات والتصريحات من جوع اللبنانيين؟، هذا ما ننتظره في الأيام المقبلة.

[1]  “سنجد صعوبة بتوفير ثمن الخبز” .. رئيس الوزراء اللبناني يحذر من أزمة غذائية كبرى تضرب البلاد، عربي بوست، 21/5/2020

https://arabicpost.net/%d9%81%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%b3%d9%83%d9%88%d8%b1%d9%88%d9%86%d8%a7/2020/05/21/%d8%b3%d9%86%d8%ac%d8%af-%d8%b5%d8%b9%d9%88%d8%a8%d8%a9-%d8%a8%d8%aa%d9%88%d9%81%d9%8a%d8%b1-%d8%ab%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a8%d8%b2-%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b2/

 

[2]  رينا الجمال، ” فيديو  عيد العمال في لبنان: بطالة وتسريح موظفين وإقفال شركات، العربي الجديد، 1/5/2020

https://www.alaraby.co.uk/economy/2020/5/1/%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%AD-%D9%85%D9%88%D8%B8%D9%81%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A5%D9%82%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA

 

[3]  سهام معط الله، “لبنان وشح المساعدات الخارجية”، العربي الجديد، 1/5/2020

https://www.alaraby.co.uk/economy/2020/5/1/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%B4%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9-1

 

[4]  ريتا الجمال، “لبنان: رسائل مباشرة من بري إلى باسيل وحكومة دياب”، العربي الجديد، 22/5/2020

https://www.alaraby.co.uk/politics/2020/5/22/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%B4%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A8%D8%B1%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%84-%D9%88%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%A8

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الحراك اللبناني بين عوامل الداخل والخارج

خرج مئات الآلاف من المتظاهرين فى لبنان يطالبون بظروف معيشية أفضل، إلا أن العامل الخارجى سي…