‫الرئيسية‬ العالم العربي فلسطين خطاب عباس حول وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال .. قراءة في المضامين والتوجهات
فلسطين - يونيو 3, 2020

خطاب عباس حول وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال .. قراءة في المضامين والتوجهات

أثار إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في 19 مايو 2020م “أن منظمة التحرير الفلسطينية باتت في حِل من جميع الاتفاقيات والتفاهمات مع “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية” كثيرا من الجدل بين مثمن للقرار باعتباره ردا مؤلما للاحتلال يتضمن وقف التنسيق الأمني وبين مشكك في الإعلان؛ لأن هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها أبو مازن مثل هذا القرار ويتضح فيما بعد أنه كان مجرد مناورة انتهت إلى لا شيء وبقي التنسيق الأمني مع الاحتلال قائما رغم الانتهاكات المروعة والمستمرة. وشملت أبرز قرارات عباس، إنهاء العمل بالاتفاقيات والتفاهمات التي تمت مع (إسرائيل)، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في مواصلة كفاحه، وتحقيق الاستقلال لدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية في حدود 4 يونيو/ حزيران 1967.

القرار الفلسطيني يأتي ردا على إصرار حكومة بنيامين نتنياهو الذي اتفق مع زعيم حزب “أزرق أبيض” بيني غانتس، في نهاية إبريل الماضي على بدء عملية ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية أول يوليو/ تموز المقبل، تشمل غور الأردن وجميع المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية.

وحسب اتفاقية أوسلو الثانية(1995) فقد تم تقسيم الأراضي الفلسطينية (في الضفة الغربية المحتلة) إلى 3 مناطق “أ” و”ب” و “ج”.

  • تمثل المناطق “أ” 18% من مساحة الضفة، وتسيطر عليها السلطة الفلسطينية أمنيا وإدارياً.
  • أما المناطق “ب” فتمثل 21% من مساحة الضفة وتخضع لإدارة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية.
  • والمناطق “ج” 61% من مساحة الضفة تخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية، ما يستلزم موافقة السلطات الإسرائيلية على أي مشاريع أو إجراءات فلسطينية بها.

وتشابهت ردود الأفعال على خطاب عباس فلم يحظ بالاهتمام الذي كان يرجوه لا محليا ولا دوليا، ولم يتعامل معه الجميع بمأخذ الجد؛ إذ قللت أوساط صهيونية من قيمة الخطاب وما يترتب عليه واعتبرته تهديدا لا يملك عباس أدوات تنفيذه، واعتبرت الفصائل الفلسطينية خطاب عباس مناورة أخرى ([1]) وأن خطابه يفتقد إلى المصداقية المطلوبة؛ ذلك أن التكوين النفسي والعقلي لرئيس السلطة يقوم على ممارسة الإقصاء والهيمنة في الساحة الفلسطينية يقابله خنوع تام أمام الاحتلال  والإدارة الأمريكية. ولا يمارس سلوكا إلا ويؤدي إلى تعزيز قوة الاحتلال وتكريس وجوده وبقائه؛ أليس هو مهندس اتفاقية أوسلو التي يعلق العمل بها حاليا؟ وأليس هو مهندس تصميم السلطة على مقاس الاحتلال لتؤدي أدوارا وظيفية لا تؤدي إلا إلى ضمان أمن الاحتلال وتعزيز وجوده؟

وما يعزز من موقف الفصائل المتحفظ على خطاب عباس أنه لم يتضمن خطة بديلة لإنهاء الاحتلال تبدأ بإنهاء الانقسام الداخلي، ولا بإعادة القرار للشعب ليقرر بنفسه سبل نضاله، ولم يحتو الخطاب أي كلمة عن مقاومة سلمية أو مسلحة أو عصيان مدني، ولم يشر إلى غزة مطلقا أو إلى أهمية إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس سليمة دون تهميش أو إقصاء أي فصيل فلسطيني. فكيف يفسَّر عباس إصراره وإصرار قيادة فتح على الهيمنة على منظمة التحرير الفلسطينية، وإفراغها من محتواها النضالي، ومن عملها المؤسسي، وتحويلها إلى دائرة من دوائر السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى إفراغها من جوهرها التمثيلي الحقيقي للشعب الفلسطيني وقواه الحيَّة الفاعلة على الأرض؟ وكيف يفسر إصراره على استمرار العقوبات على قطاع غزة؟ وكيف يفسر إصراره على عدم دعوة الإطار القيادي الموحد للشعب الفلسطيني، وتعطيل قدرته على الانعقاد والعمل؟ وكيف يفسر حلّه للمجلس التشريعي للسلطة؟ وتشكيله حكومة فتحاوية لقيادة السلطة؟ وكيف يفسر استخدامه للمال السياسي في محاولة إخضاع الفصائل الفلسطينية، وحرمان فصائل رئيسية من مخصصاتها من الصندوق القومي الفلسطيني؟([2])

 

مضامين خطاب عباس

لم يلق إعلان أبو مازن الاهتمام الكافي من جانب جميع الأطراف، ولم يتردد صداه في وسائل الإعلام وتحليلات الصحف الأجنبية؛ ولم تأخذه الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية على محمل الجد؛ وذلك للأسباب الآتية:

أولا، تبخرت تهديدات عباس بوقف العمل بالاتفاقيات والتنسيق الأمني في اليوم التالي مباشرة؛ إذا تطوع مساعدوه السياسيون والأمنيون لتهدئة الرأس العام الإسرائيلي وحكومة الاحتلال بالتأكيد للصحافة الإسرائيلية على أن تصريحات عباس تهدف إلى ممارسة ضغط على الحكومتين “الإسرائيلية والأميركية” للعدول عن قرار ضم الأغوار ومناطق في الضفة الغربية، المتوقع إطلاق إجراءاته في يوليو المقبل. كما أراد أيضا دفع أطراف دولية أخرى، وتحديداً الاتحاد الأوروبي، إلى أخذ مواقف أشدّ حزماً من مجرّد التعبير عن الرفض والاستنكار، في محاولة لثني (إسرائيل) عن اتخاذ خطوات أحادية في الضفة الغربية. ونقل تقرير لصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، في اليوم التالي لتصريحات عباس، عن مسؤولين فلسطينيين هذا التفسير، وقالوا إن عباس لم يقصد الوصول إلى إلغاء الاتفاقات والتفاهمات القائمة. والأدهى تصريح مسؤول أمني فلسطيني، وصفته الصحيفة بـ”البارز”، يؤكد أنه ليس على علم بأي تعليمات من القيادة الفلسطينية لوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل.([3])

ثانيا، عباس نفسه لا يعطي معارضيه أو حتى مواليه سببا لتصديقه؛ ذلك أنه في ذات الخطاب الذي أعلن فيه عن حل جميع الاتفاقيات ووقف التنسيق الأمني يؤكد على التزام السلطة الثابت بما وصفه بمكافحة الإرهاب العالمي في إشارة إلى إصراره على القضاء على جميع أشكال المقاومة ضد الاحتلال قائلا: «التزامنا الثابت بمكافحة الإرهاب العالمي.. نحن ضد الإرهاب العالمي، أيّاً كان شكله أو مصدره”، وهو ما لا يتم مطلقا إلا ببقاء واستمرار التنسيق الأمني مع كل من الاحتلال والإدارة الأمريكية كما يؤكد ذلك عدم قدرة السلطة على الانفكاك من أسر الرعاية الأمريكية والإسرائيلية. كما أن المؤسسات التشريعية الرسمية الفلسطينية (المجلس المركزي والمجلس الوطني) التي يُهيمن عليها عباس وحركة فتح اتخذت في السنوات الخمسة الماضية قرارات بوقف التنسيق الأمني، وتعليق الاعتراف بـ”إسرائيل”، ووقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي. وهذه القرارات كانت تحال إلى قيادة المنظمة وعلى رأسها عباس الذي يقوم بوضعها في “الثلاجة”. وحتى عندما اتخذ قراراً في 25 يوليو 2019 بتشكيل لجنة لتنفيذ القرار، فإنها لم تفعل شيئاً، أما وقف التنسيق الأمني، فقد تكرر الإعلان عن وقفه نحو ستين مرة، بحسب بعض الباحثين([4])، بحيث أصبح شكلا بلا مضمون ولا جوهر وفقد قيمته بمقدار ما فقدت رئاسة السلطة ثقة الناس بها.

ثالثا، لم يضع عباس جدولا زمنيا لهذه التهديدات، ولم يبدأ في خطوات عملية جادة نحو لم الشمل الفلسطيني وإعادة صياغة برنامج سياسي جديد لكل الفلسطينيين يشارك فيه الجميع بلا إقصاء أو تهميش لكنه لا يزال مصرا على مواقفه وتصوراته حتى اليوم ولا يزال يناصب جميع حركات المقاومة العداء ولا يزال يصنفها كحركات إرهابية بما يتسق تماما مع التصورات الصهيونية والأمريكية. يؤيد ذلك أن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد إشتية، قد أعلن يوم 12 مايو، أن القيادة الفلسطينية بمشاركة حركتي «حماس والجهاد الإسلامي» ستلتقي يوم السبت 16 مايو وستتخذ قرارات حاسمة بشأن تعليق اتفاقات التنسيق مع إسرائيل، بما في ذلك التنسيق الأمني، بشأن الإعلان عن البدء في عملية الضم. لكن ذلك لم يحدث السبت، وجرى الثلاثاء دون مشاركة حركيتي حماس والجهاد وعدد من الفصائل الصغيرة. كما أن خطاب عباس جرى بشكل أحادي من لجنة مصغرة شكلها رئيس السلطة دون تشاور مع باقي الفصائل الفلسطينية في تأكيد على استبداده واحتكاره للشأن الفلسطيني رغم ثبوت فشله على كافة الأصعدة.

رابعا، رغم أن إعلان عباس يمثل شهادة وفاة لمسار أوسلو إلا أن عباس لا يزال متشبثا بذات التوجه الذي ثبت فشله؛ حيث يقول «نؤكد مجددا التزامنا بحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس حل الدولتين، تحت رعاية دولية متعددة» في إشارة إلى (الرباعية الدولية + وعبر مؤتمر دولي للسلام وفق الشرعية الدولية). وهي ذات الأسطوانة المشروخة التي لم تعد تجدي ولا تنطلي على أحد. والتعويل على المجتمع الدولي لن يحرر الأرض والمقدسات ولن يعيد حقوق الشعب الفلسطيني ولن ينهي احتلالا؛ فالمقاومة والمقاومة وحدها هي الكفيلة بتحقيق كل هذه الأهداف النبيلة والمشروعة. وتصريح عباس أن منظمة التحرير «في حل من جميع الاتفاقيات» يعني مباشرة الإلغاء التام لأي قيمة قانونية لهذه الاتفاقيات وبذلك لم تعد ذات قيمة؛ ولكن أليست السلطة نفسها تستمد شرعيتها من اتفاق أوسلو؟  فإذا كانت هذه الاتفاقية لاغيه ولا قيمة قانونية لها، فكيف تستمر المؤسسات التي بنيت عليها؟ وهل تشمل الاتفاقية الاقتصادية لعام 1995، التي ربطت الاقتصاد الفلسطيني كله بالاحتلال من مالية واقتصاد وتجارة وضرائب. فهل السلطة جاهزة أن تتحمل مسؤولية إلغاء هذه الاتفاقية؟ وهل لديها الجرأة بأن تلغي اتفاق أوسلو، الذي قسم الضفة الغربية إلى ألف وباء وجيم، ووضع مناطق جيم التي تصل إلى 60% من أرض الضفة تحت السيطرة الإسرائيلية بالكامل، إدارة وأمنا وموارد وطرقا ومنشآت؟ ثم هل التحلل من الاتفاقيات الأمنية يعني شيئا آخر غير وقف التنسيق الأمني؟ ([5])

خامسا، عبارة عباس «على سلطة الاحتلال الإسرائيلي ابتداء من الآن، أن تتحمل جميع المسؤوليات والالتزامات أمام المجتمع الدولي، كقوة احتلال في أرض دولة فلسطين المحتلة، وبكل ما يترتب على ذلك من آثار وتبعات وتداعيات، استنادا إلى القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949»، يفهم منها أن السلطة لن تمارس السلطة ، وستعود كل التبعات والمسؤوليات إلى السلطة القائمة بالاحتلال وهي (إسرائيل)، وحسب اتفاقية جنيف فالسكان الواقعون تحت الاحتلال يخضعون في حمايتهم ومسؤولياتهم وتلبية احتياجاتهم الأساسية للمحتل، لكن كأفراد وليس كدولة أوسلطة. فكيف يريد عباس أن يحتفظ بالسلطة وفي ذات الوقت يحيل المسئوليات إلى السلطة القائمة بالاحتلال؟ وبذلك يخلق عباس وضعا قانونيا متناقضا لا وجود له في القانون الدولي. ويؤكد ذلك العبارة التالية مباشرة في خطابه إذ يقول «نقرر اليوم استكمال التوقيع على طلبات انضمام فلسطين إلى المنظمات الدولية التي لم ننضم إليها حتى الآن»، وهو ما يعني ممارسة السلطة فعليا؛ وهو ما يعصف بتهديداته؛ ولذلك لم تأخذها الإدارة الأمريكية ولا حكومة الاحتلال مأخذ الجد واعتبرتها “لغوا. وستتابع السلطة الأمور كما هي الآن، سلطة تتصرف كدولة بعد الاعتراف بها عام 2012، دولة تتمتع بوضعية مراقب في الأمم المتحدة. لكن هذه الدولة تنقصها شروط الدولة الثلاثة: السيادة على الأرض المحددة جغرافيا، والسيادة على الشعب المنحصر في تلك الحدود، والاعتراف الدولي الناجز. فإذا كانت السلطة ستستمر في ممارساتها، بدون تغيير، فما المبرر لذكر اتفاقية جنيف الرابعة وتحميل القوة القائمة بالاحتلال تبعات الاحتلال؟

سادسا، والأكثر خطورة أن مسار أوسلو صمم المنظومة الأمنية والسياسية والاقتصادية للسلطة بحيث تبقى دائما تحت رحمة الاحتلال والإدارة الأمريكية وما يسمى بالمجتمع الدولي؛ فالسلطة فعليا غير قادرة على البقاء والاستمرار دون رعاية وكفالة من الاحتلال والإدارة الأمريكية؛ فهي لا تستطيع تحقيق أي اكتفاء ذاتي من جهة التمويل والغذاء والماء والكهرباء ولا حتى الحصول على المساعدات الدولية دون موافقة من حكومة الاحتلال، بل إن قيادات السلطة أنفسهم لا يملكون حرية الحركة داخل مناطق الضفة الغربية دون موافقة من أجهزة الاحتلال الأمنية. وعبر سنوات طويلة مضت تمكن الاحتلال من تكوين شبكة أو مافيا حاكمة  ترتبط  وجودا وعدما بالاحتلال تستمد منه القوة والنفوذ والسيطرة. وحتى لو أراد عباس الخروج على هذه القواعد التي شارك في تكريسها فسوف يجد من داخل السلطة وأجهزتها الأمنية من يتمردون عليه إمعانا في خدمة أجندة الاحتلال، كما فعل هو من قبل مع ياسر عرفات؛ حيث بات ولاء كثير من هذه الطبقة الحاكمة أولا وأخيرا للاحتلال وليس للسلطة ولا حركة فتح فضلا عن قضية فلسطين التي تعد بالنسبة لهؤلاء مجرد مصلحة شخصية يحققون من ورائها ثروات طائلة.

 

محطات التنسيق الأمني

الأولى هي محطة التأسيس؛ حيث بدأ التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي كأحد مخرجات اتفاق أوسلو الذي جرى توقيعه بين الطرفين في 13 من سبتمبر1993، والذي نص على اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل (على 78% من أراضي فلسطين، أي كل فلسطين ما عدا الضفة الغربية وغزة).  ومع مرور السنوات تآكلت بنود اتفاق أوسلو وفرغته حكومات الاحتلال المتعاقبة بانتهاكاتها المتواصلة من أي مضمون؛ ولم يتبق منه شيء سوى ملف التنسيق الأمني، وهو الملف الذي يمثل ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها السلطة ويمكن بها إيذاء الاحتلال والإضرار به بشكل كبير، إلا أنها ما زالت تخشى استخدامها بزعم أنها “مصلحة وطنية فلسطينية”، برغم جميع الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، وتقويض تل أبيب لأي شكل للدولة الفلسطينية التي تحلم السلطة ببنائها على الأراضي التي تم الاتفاق عليها خلال أوسلو.

ومن أبرز البنود الأمنية التي وقعت عليها منظمة التحرير الفلسطينية ضمن اتفاق أوسلو، التزام منظمة التحرير بحق (إسرائيل) والاعتراف بها كدولة لها الحق في العيش بسلام. وإدانة المنظمة لاستخدام “الإرهاب” وأعمال العنف الأخرى، في إشارة إلى المقاومة المشروعة، وأجرت بالفعل تعديلات على ميثاقها الوطني لتتماشى مع هذه التحولات الكبرى. بل إن المنظمة التزمت بإجبار جميع عناصرها على هذا التوجه وضبط المخالفين له ما يعني التزامها حرفيا بالقضاء على جميع أشكال المقاومة.  كما تضمن الاتفاق قيام المنظمة بالإعلان عن خطوات مؤدية إلى التطبيع مع الاحتلال ورفض ما يسمى بالعنف والإرهاب تحت دعاوى السلام والاستقرار وإعادة البناء والتعاون. وعليه تم تأسيس شرطة فلسطينية تابعة للسلطة الجديدة للقيام بهذه الأدوار الوظيفية القذرة. على أن تكون السيادة للاحتلال وهو من يتولى الدفاع عن السلطة ضد أي عدوان خارجي!

المحطة الثانية: مأسسة التنسيق الأمني مع الاحتلال، بعد اتفاق أوسلو، ألزم اتفاق طابا -أو ما يعرف باتفاق “أوسلو 2″، الذي وقعت بنوده عام 1995 السلطة بمزيد من التعاون الأمني مع الإسرائيليين، وكانت تلك المرحلة بداية مأسسة التعاون الأمني بين الطرفين. وتم التأكيد على التزام الطرفين بالإجراءات الضرورية لمنع “أعمال الإرهاب، الجريمة، والأعمال العدوانية” الموجهة ضد الطرف الآخر أو ضد أفراد واقعين تحت سلطة الطرف الآخر وضد ممتلكاتهم وسوف تؤخذ الإجراءات القانونية ضد مرتكبي هذه الأعمال. كما تم الاتفاق على فرض مزيد من الحصار والخناق على المقاومة الفلسطينية بالتأكيد على حصر حمل السلاح والعتاد على أجهزة الشرطة الفلسطينية والقوات الإسرائيلية وحظر أي منظمة أو مجموعة أو أفراد في الضفة الغربية وقطاع غزة من صناعة أو بيع أو حيازة أو تملك أو توريد أو تحضير سلاح أو عتاد أو متفجرات أو ملح البارود أو أي أجهزة مرتبطة بذلك.وعليه أصبحت السلطة الفلسطينية أكثر التزاماً بمحاربة  المقاومة بدعوى مكافحة “الإرهاب”، وجعلها الاتفاق مسؤولة عن اتخاذ الإجراءات المناسبة ضد المقاومين الذين اعتبروا “إرهابيين” من خلال التعاون أمنياً مع إسرائيل. وقد وظَّفت إسرائيل التعاون الأمني لخدمة مصالحها وتقليص فرص المس بأهدافها في الأراضي المحتلة. وما خلق دافعية لدى السلطة للالتزام حرفيا وبصرامة لهذه الاتفاقيات والوفاء بالتزاماتها بناء على اتفاق “أوسلو” وما أعقبه من اتفاقات فرعية، وعلى رأسها التعاون الأمني والقضاء على جميع أشكال المقاومة الفلسطينية، أن كلاً من (إسرائيل) والدول المانحة ربطت استمرار العملية التفاوضية وتواصل الدعم الدولي والمالي للسلطة بمدى قدرتها على وقف جميع أشكال وصور المقاومة، وضمن ذلك انخراط أجهزة السلطة الأمنية في أنشطة ضد حركات المقاومة بالتنسيق مع جيش الاحتلال وأجهزته المخابراتية والأمنية.

المحطة الثالثة: التنسيق الأمني في عهد عرفات؛ بعد مرحلة التأسيس والتوقيع على اتفاق أوسلو وملحقاته، مر التنسيق الأمني في عهد عرفات بمرحلتين:

  • التنسيق الكامل مع الاحتلال؛ حيث حرصت السلطة الفلسطينية في الأعوام التالية على التنسيق الأمني مع الاحتلال، وأدى ذلك إلى ضرب العمل المقاوم، وإفشال العديد من العمليات الفدائية، كما شنت السلطة حملات اعتقال واسعة طالت قادة حركات المقاومة على رأسها حركة حماس، حيث بلغت ذروتها في شتاء عام 1996، حيث تم اعتقال 2000 من قادة وعناصر الحركة، إلى جانب إغلاق مؤسساتها بالكامل في الضفة وغزة.
  • في أعقاب فشل مؤتمر كامب ديفيد في يوليو 2000، في إحراز أي تقدم على صعيد المفاوضات وفشل قيام دولة فلسطينية على حدود 1967م؛ أدرك الرئيس الراحل ياسر عرفات ضرورة تغيير نمط العلاقة مع الاحتلال،  وأن السلطة تكتسب مكانتها وأهميتها عند (إسرائيل) والمجتمع الدولي عموما بمقدار وحجم التنسيق الأمني مع الاحتلال وإجهاض أعمال المقاومة، وبالتالي فإن إضعاف شوكة المقاومة يترتب عليه إضعاف مكانة السلطة ذاتها وأهميتها ما يعني أن  وجود العمل المقاومة وقوته هو في حد ذاته تعزيز لمكانة السلطة ويمثل ورقة ضغط على الاحتلال من أجل مزيد من التعاون والتنسيق مع السلطة. وهذا ما يفسر التحولات التي جرت سنة 2000م،  حيث ساهمت السلطة برئاسة عرفات في توفير بيئة تساعد على تعزيز العمل المقاوم بشقيه، الشعبي والمسلح، في محاولة لإقناع حكومة الاحتلال  بضرورة إبداء مرونة في مواقفها من الصراع. وعليه أسهمت قيادة السلطة في إشعال انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر/أيلول 2000 -والتي استمرت حتى عام 2005- ما أفضى إلى وقف التعاون الأمني لسنوات، وحصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقر المقاطعة برام الله حتى وفاته المريبة في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2004، وانتخاب محمود عباس خلفاً له.

المحطة الرابعة: تحولات العقيدة الأمنية في عهد أبو مازن: أمام تحولات عرفات وإقراره بجدوى المقاومة بجميع أشكالها وإمساكه بكافة السلطات والصلاحيات في يده رغم حصاره من جانب الاحتلال في مقره برام الله؛ رفض كل من محمود عباس أبو مازن رئيس الحكومة الفلسطينية وقتها ومحمد دحلان وزير الأمن الداخلي هذه التوجهات وتقدما باستقالتهما وأعلنا دعمها لخارطة الطريق التي أعلنها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن لإعادة إصلاح التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل، ومواجهة المقاومة بدعوى مكافحة “الإرهاب والعنف” تحت إدارة رئيس الوزراء عباس، وليس الإدارة المباشرة لرئيس السلطة عرفات. وبعد وفاة عرفات وتصعيد محمود عباس أبو مازن رئيسا للسلطة استعاد التنسيق الأمني قوته؛ وفي عهده تم حل الجناح المسلح لحركة “فتح” “كتائب شهداء الأقصى” عام 2007، والعفو عن العشرات من مقاتليها ضمن اتفاق مع إسرائيل عرف باتفاق العفو، بعد كانت هذه الكتائب قد تشكلت خلال الانتفاضة بأمر من عرفات. ولم يسمح عباس لحركته “فتح” بلعب أي دور فعلي للإسهام في تبني المقاومة في مواجهة المشروع الاستيطاني وتحدي السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، كما عمدت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة إلى التصدي لكافة أشكال المقاومة وحتى الشعبية السلمية منها، وأحبطتها بالكامل.

 

التلاعب الأمريكي بالعقيدة الأمنية لأجهزة السلطة

الدور الأخطر في ملف التنسيق الأمني هو ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب انتفاضة الأقصى(2000 ــ 2005)، حيث اتجهت إلى التلاعب بالعقيدة الأمنية لقيادات وعناصر الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية من خلال مأسسة هذه الأجهزة وتغيير عقيدتها و شكَّلت واشنطن مجلساً لتنسيق التعاون الأمني بين السلطة وإسرائيل، بقيادة الجنرال الأمريكي “كيث دايتون” الذي تولى شخصياً مهمة الإشراف على إعداد وتدريب أجهزة السلطة الأمنية لتحسين قدرتها على إحباط العمليات المسلحة للمقاومة.

وإلى جانب مأسسة أجهزة السلطة الأمنية لتكون أكثر ولاء  لأفكار وتصورات أبو مازن المتطابقة مع أفكار الاحتلال والأمريكان؛ حرص دايتون على أن تسهم دورات التدريب التي أشرف عليها في فرض عقيدة أمنية جديدة على المؤسسة الأمنية في السلطة، بحيث يفضي تشرب منتسبي الأجهزة الأمنية الفلسطينية تلك العقيدة إلى “صناعة الفلسطيني الجديد”، الذي يرى في إحباط العمل المقاوم ضد الاحتلال مصلحة وطنية له. وقد أثنى جيش الاحتلال على دور هذا التحولات على النظام السياسي الفلسطيني وزيادة فعالية التعاون الأمني وإسهامها في تحسين ظروف المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.

حققت خطة دايتون في الضفة نجاحا مبهرا، في تفكيك تنظيمات المقاومة المسلحة واعتقال المئات من كوادرها وإجهاض أعمال المقاومة بشكل كامل، لكنها باءت بالفشل في غزة بعد فوز حركة حماس بالأغلبية  في انتخابات المجلس التشريعي 2006م ثم الحسم العسكري ضد أجهزة السلطة المتمردة بقيادة دحلان سنة 2007م وسيطرة الحركة على قطاع غزة؛ وهو ما تم توظيفه من جانب الاحتلال على مستويين:

الأول على المستوى العسكري شن الاحتلال ثلاثة حروب مدمرة على غزة وحركات المقاومة، أسفرت عن خسائر بصفوف المقاومة والقطاع عموما، كما فرض حصارا شاملا على القطاع حتى اليوم. ورغم ذلك لم تسفر هذه الإجراءات القاسية على إجبار المقاومة على الاستسلام أو الاعتراف بمسار أوسلو.

الثاني، على المستوى السياسي، وظف الاحتلال الحدث لتكريس الانقسام الداخلي الفلسطيني؛ عبر مساومة سلطة رام الله وابتزازها من أجل مزيد من التنسيق الأمني بحجة أن التعاون في مواجهة حركات المقاومة وعلى رأسها حماس هو ضرورة ليس للاحتلال فقط بل لضمان بقاء السلطة ذاتها وحكم حركة فتح  وعدم السماح لحماس وحركات  المقاومة في نقل وتكرار تجربتها بغزة إلى الضفة.

خلاصة الأمر

الاختبار الحاسم لقرارات عباس سيكون في حال أقدمت (إسرائيل) على ضم أجزاء من الضفة في يوليو المقبل، وعلى ما يبدو فإن الاحتلال لا يبالي بأي رد فعل فلسطيني بعد أن أسهم عباس في أمرين: الأول هو القضاء على أي مساحة مقاومة مسلحة في الضفة بالتنسيق الأمني وتغيير العقيدة الأمنية لأجهزة السلطة والتي أشرف عليها الجنرال الأمريكي كيث دايتون. والثاني هو تمكين (إسرائيل) من مفاصل السلطة الأمنية والسياسية والاقتصادية وبات لها رجالها القادرون على ردع عباس والتمرد عليه.

ومن المستبعد في المرحلة الحالية وقف التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، أيضا لأن ذلك ربما يطلق يد عشرات وربما المئات من العمليات المسلحة الفلسطينية ضد الاحتلال، وسيعني ذلك أن مصير رئيس السلطة محمود عباس سيكون مشابهاً لمصير الراحل عرفات، وبالتالي سيكون على إسرائيل إيجاد بديل له من داخل السلطة نفسها، يكون أكثر “انبطاحا وانصياعا”.

السيناريو المحتمل أنه بعد النجاحات الأمنية المبهرة التي حققها التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال وشل المقاومة بالضفة ثم نجاح الاحتلال في بناء الجدار العازل بات الاحتلال أكثر حصانة أمنية عما كان عليه الوضع قبل انتفاضة الأقصى سنة 2000م، ورغم الدور المهم للسلطة في التنسيق الأمني إلا أن الاحتلال ربما يشعل فوضى (غير خلاقة) بإشعال حرب بين قيادات السلطة على وراثة عباس بعد تدبير عملية اغتيال غامضة. يتزامن مع ذلك عدم السماح لــ120 ألف فلسطيني يعملون في مناطق الاحتلال، وتجميد المخصصات المالية للسلطة؛ وبذلك تتحول مناطق السلطة إلى ساحة قتال وفوضى تبرر بها (إسرائيل) ضم الضفة مستقبلا. وعندها لا يبقى إلا التعويل على المقاومة، أما أجهزة السلطة الأمنية فقد أفسدهم المال الأمريكي والإسرائيلي؛ فهم عقبة في طريق التحرير، ولن يكونوا أبدا دعما لقضية التحرير والمشروع الوطني الفلسطيني.

 

 

 

 

 

[1]يوسف أبو وطفة/ تشكيك في غزة بخطوات السلطة لمواجهة الضم: مناورة أخرى؟/ العربي الجديد20 مايو 2020//عدنان أبو عامر/عباس أمام اختبار حقيقي.. الفصائل الفلسطينية والشارع ينتظران تطبيق حل “التنسيق الأمني” مع إسرائيل/ عربي بوست 20 مايو 2020

 

 

[2]محسن محمد صالح/الرئيس عباس وأزمة المصداقية/ “عربي 21”الأحد، 24 مايو 2020

[3]أسامة أبو ارشيد/ حتى محمود عباس لا يُصَدِّقُ نفسه/ العربي الجديد22 مايو 2020

[4]محسن محمد صالح/الرئيس عباس وأزمة المصداقية/ “عربي 21”الأحد، 24 مايو 2020

[5]عبد الحميد صيام/المواقف الغامضة في خطاب الرئيس عباس «اليوم التالي للضم»/ القدس العربي21 – مايو – 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

عودة التنسيق الأمني بين سلطة عباس وإسرائيل …مخاطر أشد وطأة من التطبيع العربي على الفلسطينيين

    بعد نحو ستة أشهر من القطيعة، وعلى عكس عجلة الواقع الصعب الذي تعايشه القضية الفلسط…