‫الرئيسية‬ العالم العربي صفقة تبادل الأسرى بين حماس والاحتلال.. الفرص والموانع والمسارات
العالم العربي - يونيو 5, 2020

صفقة تبادل الأسرى بين حماس والاحتلال.. الفرص والموانع والمسارات

على مدار السنوات الستة الماضية، ظلت صفقة تبادل الأسرى بين حركة المقاومة الإسلامية حماس والاحتلال الإسرائيلي تشهد جمودا لاعتبارات تتعلق بإصرار حماس على الإفراج عن قرابة 60 أسيراً من مُحرري “صفقة شاليط” (2011)، أعادت إسرائيل اعتقالهم عام 2014، كشرط مُسبق قبل الشروع في مفاوضات تبادل جديدة.

ولحماس الحق في ذلك؛ لأن تجاوز هذا الشرط يمنح الاحتلال فرصة نقض العهود والمواثيق دون اكتراث للعواقب؛ فما الذي يضمن تنفيذ حكومة الاحتلال لشروط الصفقة الجديدة المرتقبة ما لم يتم إجبارها على الالتزام بالصفقة القديمة التي ألزمت الاحتلال بعدم اعتقال المشمولين بالصفقة مجددا؟. والسكوت على هذه الجريمة يعني أن لإسرائيل القدرة على إبرام صفقة شكلية تحصل بمقتضاها على جنودها الأسرى ثم تقوم بإعادة اعتقال الأسرى المحررين مرة أخرى؛  بما يفرغ مفهوم الصفقة من محتواها وقيمتها.

وتواجه حكومة الاحتلال ضغوطا شعبية وإعلامية من أجل إبرام صفقة تبادل أسرى مع حماس، وفي نهاية 2017م، زارت زهافا شاؤول، والدة الجندي أورون، برلين، وطلبت تدخل الألمان في صفقة تبادل الأسرى، مثلما فعلوا في الماضي. وهو ما قوبل بحرك ألماني حيث زار وزير الخارجية هايكو ماس تل أبيب في مارس 2018م، واجتمع مع نتنياهو، واتفقا على أن يكون لألمانيا دور في المفاوضات حول الصفقة. وعقب ذلك، أوعزت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لرئيس الاستخبارات الألمانية BND، برونو كاهل، بتولي مهمة الوساطة، وكلّف بدوره اثنين من كبار المسؤولين في جهازه بالمهمة.

وتحتجز حماس أربعة إسرائيليين، بينهم جنديان هما أورون شاؤول وهادار غولدن؛ (تقول إسرائيل إنهما جثتان وقتلا في حرب 2014 ولا تعطي «حماس» أي معلومات حول وضعهما)،وأباراهام منغستو وهاشم بدوي السيد، ويحملان الجنسية الإسرائيلية، الأول إثيوبي والثاني عربي، دخلا إلى غزة بمحض إرادتيهما بعد حرب غزة في وقتين مختلفين.ويعتقل الاحتلال نحو خمسة آلاف أسير فلسطيني، بينهم 700 مريض و200 طفل و38 سيدة، وفق هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية.وفي عام 2011، أبرم الطرفان صفقة تبادل أسرى أفرجت المقاومة بمتقضاها سراح الجندي جلعاد شاليط الذي بقي أسيرا لدى المقاومة خمس سنوات، مقابل إطلاق سراح أكثر من ألف فلسطيني. وسبق تنفيذ الصفقة إفراج (إسرائيل) عن عشرين سيدة فلسطينية مقابل شريط فيديو أرسلته حماس عبر وسطاء، يؤكد أن شاليط كان على قيد الحياة.

 

مبادرة حماس الإنسانية

في إبريل 2020، أبدت حماس مرونة بشأن شرطها المسبق بإطلاق سراح 60 أسيرا من محرري صفقة شاليط أعاد الاحتلال اعتقالهم في 2014م، كشرط قبل  البدء في أي جولة مفاوضات جديدة؛ وأطلق يحيى السنوار، مسئول حماس بغزة مبادرة جديدة قال إن دوافعها إنسانية، تنطوي على استعداد حركته لتقديم “تنازل جزئي” في موضوع الجنود الإسرائيليين الأسرى لديها. وفي تصريحات متلفزة في 2 أبريل/ نيسان 2020م، قال السنوار:  “يمكننا أن نُقدم تنازلاً جزئياً في موضوع الجنود الأسرى لدينا، مقابل إفراج (إسرائيل) عن كبار السنّ والمرضى من الأسرى كمبادرة إنسانية في ظل أزمة كورونا”. وخلال مقابلة متلفزة بتاريخ 17 أبريل حدد السيد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة وهو أعلى سلطة بها، شروط الحركة للشروع في عملية تفاوضية جديدة وغير مباشرة بشأن تبادل الأسرى، تتمثل في في إفراج إسرائيل عن كبار السنّ من الأسرى، والمرضى، والأطفال، والنساء، إلى جانب الأشخاص الذين أعادت تل أبيب اعتقالهم، بعد تحريرهم خلال صفقة “شاليط” ( عام 2011).

وعلى خطى صفقة شاليط سنة 2011م، تسعى «حماس» إلى صفقة جزئية حاليا ومنفصلة تكون مقدمة لصفقة واحدة كبيرة شاملة. ووأبدت حماس استعدادها نحو تقديم معلومات عن أسرى الاحتلال الأربعة لديها، مقابل إطلاق سراح 180 طفلاً و40 امرأة و55 معتقلاً من الذين أعيد اعتقالهم بعد الإفراج عنهم في صفقة «شاليط»، إضافة إلى 700 مريض يعانون من أمراض مختلفة. على أن تكون الصفقة الكبرى والشاملة تتعلق بالجنديين الأسيرين لدى حماس والتي تستهدف بها إطلاق سراح قيادات وكوادر أسيرة لدى الاحتلال من مختلف الفصائل الفلسطينية.

 

ترحيب إسرائيلي ووساطة دولية

قوبلت مبادرة حماس بترحيب من جانب حكومة الاحتلال ودعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى “البدء بحوار فوري من خلال الوسطاء” مع حماس لاستعادة الجنود الإسرائيليين في غزة. وجاء في بيان (غير مسبوق) صدر عن مكتب نتنياهو بتاريخ 7 أبريل/نيسان 2020م، أن “منسق شؤون الأسرى والمفقودين، وطاقمه، مستعدون للعمل بشكل بنّاء من أجل استعادة القتلى والمفقودين، وإغلاق هذا الملف”. وخلصت تقديرات موقف إسرائيلية إلى أن تفشي جائحة كورونا عالميا مثلت «فرصة نادرة» لإتمام صفقة تبادل الأسرى، ونقلت قناة التلفزة الإسرائيلية الـ”13″ عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن هذه الفرصة “النادرة” تحققت بفضل انتشار فيروس كورونا الجديد، مطالبا باستغلال المرونة التي أبدتها حركة حماس في مبادرتها. ووفقا لــمعلّق الشؤون العسكرية في القناة، ألون بن دافيد، فإن التقديرات السائدة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحذر المستوى السياسي في تل أبيب من أنه إذا لم تُستغَل هذه الفرصة بأسرع وقت ممكن، فإنها “ستتبخر” في غضون أسابيع عدّة. وحسب بن دافيد، فإن الصفة الشاملة التي تبدي “حماس” استعداداً للتوصل إليها حالياً، لا تشمل فقط تبادل أسرى بين الطرفين، بل أيضاً التزام إسرائيل السماح بدخول المساعدات الطبية والإنسانية إلى القطاع في ظل أزمة كورونا.([1])

كما قوبلت مبادرة حماس بترحيب دولي مصحوب بتحركات إقليمية ودولية للتوسط في الوصول إلى صفقة مرضية لجميع الأطراف، ووفقا لتقرير نشرته صحيفة “دي تسايت” الألمانية في بداية مايو 2020م، فإن وساطة ألمانية، سويسرية، مصرية، بدأت، لتحريك صفقة تبادل أسرى بين (إسرائيل) و«حماس». وكشف التقرير الألماني أن دبلوماسياً سويسرياً على صلة بقائد «حماس» في قطاع غزة، يحيى السنوار، بالإضافة إلى مسؤولين رفيعين في المخابرات الألمانية، وجنرال مصري كان قد شارك في «صفقة شاليط»، سيشاركون في عملية المفاوضات بين حركة «حماس» و(إسرائيل) حول صفقة تبادل الأسرى بين الطرفين.وحسبما جاء في التقرير، فإن الدبلوماسية الألمانية ستقود محور الوساطة مع الأطراف المصرية المشاركة في المفاوضات.([2])

 

مسارات الصفقة

تتباين وجهات النظر حول التنبؤ بمستقبل الصفقة بين من يرون اقتراب عقدها ومن يستبعدون حدوثها في ظل المعطيات الراهنة.

المسار الأول، استبعاد حدوث الصفقة حاليا:  فهناك فريق من المحللين يستبعدون حدوث الصفة حاليا، مستدلين على ذلك بأن الشواهد والمؤشرات تكشف عن عدم حماسة حكومة الاحتلال للصفقة ، بالرغم من الموقف المُرحّب من قبل مكتب نتنياهو، على اعتبار أن الأخير “لا يريد منح صفقة ناجحة لحماس في هذا التوقيت”. ومن المبكر ــ  وفق أصحاب هذا الرأي ــ القول إن الصفقة باتت وشيكة؛ فالتفاصيل المطروحة كثيرة ومعقدة، وستستغرق وقتاً طويلاً، كما أن حماس لم تتنازل عن شرط الإفراج عن أسرى صفقة “شاليط”. من زاوية أخرى، فإن وعود حماس منذ سنوات لأسراها بتبييض سجون الاحتلال وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين خصوصا أصحاب المحكوميات العالية؛ تضع حكومة الاحتلال أمام اختبار شديدة القسوة وتحديات تفاقم من ورطتها ؛ وإذا كانت حكومة الاحتلال ترى ذلك مطلبا تعجيزيا؛ فإن ذلك من شأنه أن يباعد المسافة بين الطرفين؛ ما يعني أن الصفقة تحتاج مزيدا من الوقت لإنضاجها. ورغم هذه المعطيات إلا أنها لا تمنع أصحاب هذا الرأي من الإقرار بأن (إسرائيل) مجبرة على الصفقة ولا مفر امام نتنياهو من القبول بها.

المسار الثاني، يرجح حدوثها: ويرى  أصحاب هذا الرأي أن الطريق ممهدة حالياً لعقد صفقة تبادل، في أعقاب تشكيل حكومة طوارئ بالاتفاق بين الليكود وأزرق أبيض، والفيصل في ذلك هو مدى جدية نتنياهو وإرادته السياسية في الإقدام على خطوة كهذه، في حال اعتقد بأنها ستُعزز من مكانته السياسية. ويعزز من فرص إبرام الصفقة ــ  بحسب أصحاب هذا الرأي ــ وجود “جنرالات الجيش” من حزب أبيض أزرق كشركاء جدد لنتنياهو في الحكومة، والذين يعتبرون أكثر الجهات تعاطياً مع صفقات التبادل، وعدم ممانعتهم لها في حال عجزوا عن استعادة جنودهم بالقوة العسكرية. يضاف إلى ذلك أن عامل الوقت ربما لا يفيد سيناريوهات التأجيل وبات الطرفان مدركين ضرورة التفاوض وإنهاء الملف.

وقبل ترجيح مسار على آخر ، يتعين الإشارة إلى أن كلا الطرفين يخشى على أسراه من الإصابة بعدوى فيروس كورونا؛ فحكومة الاحتلال تدرك أن الظروف الصحية بغزة، في أدنى مستوياتها، مما يطرح إمكانية أن يصاب أسراها بالوباء، وقد تفقدهم نهائيا، فيما تبدي حماس خشيتها على الأسرى الفلسطينيين بالسجون الإسرائيلية، بعد الإعلان عن إصابة سجانين إسرائيليين، وإصابة أسرى فلسطينيين أفرجت عنهم إسرائيل من الضفة الغربية، مما يشكل خطرا جديا على الأسرى الذين شملتهم مبادرة حماس: كبار السن والمرضى والأطفال والنساء.

ليس ذلك فقط، ولكن حماس تخشى أيضا أن يفقد الجنديان الإسرائيليان حياتهما بالعدوى ما يقلل مكاسبها؛ ذلك أن وجودهما أحياء سوف يحرج حكومة الاحتلال ويجيرها على دفع أثمان باهظة للمقاومة، بخلاف لو كانا جثتين فإن الثمن سيكون أقل كلفة لحكومة الاحتلال. من جهة ثانية تريد إسرائيل التسريع في الصفقة خشية على  وفاة بعض الأسرى الفلسطينيين في سجونها بالعدوى بعد ظهور حالة إصابة بين السجانين؛ مايضع حكومة نتنياهو في ورطة أمام المجتمع الدولي وتوجيه سهام النقد من المنظمات الحقوقية الدولية والإعلام الدولي.

الأمر الآخر أن حماس دأبت باستمرار على تذكير الصهاينة بأسراهم لديها ما يشكل مصدر إحراج  دائم نتنياهو  وقيادة حكومته وجرحا ينزف باستمرار  يترجم في صورة تآكل لشعبية نتنياهو والليكود عموما. إضافة إلى ذلك  فإن نتنياهو ربما يرى صعوبة بإبرام صفقتي تبادل مع حماس في سنوات معدودة، ولا يريد أن يسجل على نفسه تنازلا مرتين أمامها بالإفراج عن كبار قادتها،  لكن وجود حكومة مستقرة موسعة يشجع اتخاذ قرار كبير كهذا، مع وجود توافق بين دوائر صنع القرار في مستوياته المختلفة: السياسية والأمنية والعسكرية، مما قد يسرع إخراج هذه الصفقة إلى حيز الوجود.

خلاصة الأمر، أن (إسرائيل) قد تضطر إلى التعجيل بصفقة تبادل الأسرى، إذا ثبت أن جندييها لدى حماس لا يزالان على قيد الحياة، وقد تتعمد التزامن مع خطوتها نحو ضم الضفة الغربية مع بداية يوليو المقبل، وهي الخطوة  المرفوضة دوليا باستثناء دعم الإدارة الأمريكية؛ فقد ترى حكومة الاحتلال أن إبرام الصفقة في هذا التوقيت بحيث تكون صفقة شاملة تتضمن تهدئة وهدنة طويلة الأمد مع حماس وحركات المقاومة ربما تكون كفيلة بالحد من ردود الفعل المرتقبة على خطوتها المثيرة للجدل بضم أجزاء من الضفة. خصوصا وأن  المجتمع الإسرائيلي قد لا يكون مهيئا لحرب جديدة واسعة في ظل تفشي عدوى فيروس كورونا وضعف مناعة المجتمع الإسرائيلي لمواجهة الأمرين في توقيت واحد؛ ولهذا السبب وجه السيد إسماعيل هنية ([3]) لحكومة الاحتلال تهديدا مباشرا بأن عواقب فشل إبرام الصفقة ستكون باهظة الثمن وأن على الاحتلال أن يدفع الثمن المطلوب من المقاومة وإلا فإن حركات المقاومة قادرة على ردع إسرائيل وزيادة غلتها من الأسرى بما يجبر حكومة الاحتلال في النهاية على الرضوخ لشروط المقاومة.  وفي إبريل الماضي، وضعت شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية-أمان، تقييما أمنيا على مكتب رئيس الوزراء فيما يتعلق بالأخطار التي قد تنشأ عن السيناريوهات المحتملة لانتشار كورونا في قطاع غزة، وقد يؤدي تدهور القضية لتغيير في الأنشطة المسلحة، بما في ذلك حماس، من أجل التصعيد ضد إسرائيل”. وانتهى تقدير الموقف إلى أن “كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين أوصوا باتباع نهج براغماتي تجاه حماس، التي تعاني جملة إشكاليات في إدارتها لقطاع غزة منذ وصولها للسلطة، وتسعى للتوصل إلى ترتيبات طويلة الأجل من خلال مشاركة دولية”.

حتى الآن، لا يعلم أحد مآلات مفاوضات الصفقة، بين النجاح والفشل، لكن الواضح  ــ بحسب المحلل السياسي عدنان أبو عامر([4])  ــ فإن عوامل إنجازها أكثر من كوابح إخفاقها، فحماس وإسرائيل معنيتان بإغلاق هذا الملف، كل لأسبابه الخاصة، رغم تباعد مواقفهما، خاصة فيما يتعلق بأعداد ونوعيات الأسرى الذين تطالب حماس بالإفراج عنهم، لكن المفاوضات قد تنجح في إحداث اختراق جدي بين الجانبين.

 

 

 

[1]صالح النعامي/ تقديرات إسرائيلية بوجود “فرصة نادرة” لصفقة تبادل أسرى مع “حماس”/ العربي الجديد16 أبريل 2020

[2]تقارير: تحرك ألماني سويسري مصري لإتمام صفقة «حماس» وإسرائيل/ الشرق الأوسطالأربعاء 06 مايو 2020 مـ

 

[3]يوسف أبو وطفة/ هنية: ذراعنا طويلة إن لم يستجب الاحتلال لتبادل الأسرى/ العربي الجديد14مايو 2020

[4]عدنان أبو عامر/المصلحة الإسرائيلية في إنجاز صفقة تبادل الأسرى 1-2// فلسطين الآن13 مايو 2020 // عدنان أبو عامر/المصلحة الإسرائيلية في إنجاز صفقة تبادل الأسرى 2-2/ فلسطين أون لاين14 مايو//عدنان أبو عامر/حماس و(إسرائيل) تحثان الخطى نحو إبرام صفقة تبادل 1-2/ فلسطين الآن 15 ابريل 2020// عدنان أبو عامر/ حماس و(إسرائيل) تحثان الخطى نحو إبرام صفقة تبادل 2-2/ فلسطين الآن16 ابريل 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …