‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تسليع الخدمة الصحية بمصر في زمن الوباء .. أبعاد الجريمة ومراميها
مصر - يونيو 11, 2020

تسليع الخدمة الصحية بمصر في زمن الوباء .. أبعاد الجريمة ومراميها

شهدت أسعار الخدمة والرعاية الصحية في المستشفيات الخاصة بمصر قفزات خيالية بالغة الشذوذ والغرابة، مع تزايد معدلات الإصابة بفيروس كورونا بشكل يفوق احتمال المستشفيات الحكومية، وبالغت هذه المستشفيات في أسعار الخدمات والرعاية الصحية، وارتفعت أسعار الخدمات الصحية بها عشرة أضعاف عما كانت عليه قبل تفشي العدوى؛ ويبلغ الـ “deposit” المبلغ المقدم تحت الحساب قبل البدء في رعاية الحالة 30 أو 50 ألفاً” في مستشفيات شبه مغمورة، وقد تصل التكلفة إلى مئات الآلاف لمن يحتاجون جهاز تنفس صناعي لمدة من 4 إلى 5 ليال فقط في العناية المركزة بأحد المستشفيات الاستثمارية الكبيرة،([1]) وبلغ سعر الرعاية الصحية في بعض المستشفيات الاستثمارية الخاصة نحو 90 ألف جنيه في اليوم الواحد بحسب أحد نواب البرلمان،([2]) بل يؤكد أحد الأطباء العاملين بأحد المستشفيات الاستثمارية أن بعض فواتير الرعاية الصحية لبعض المصابين بكورونا بلغت نصف مليون جنيه! ([3])

الحكومة من جانبها اعترفت بهذه الأزمة، على لسان متحدثها الرسمي الذي أكد في مداخلة هاتفية مع أحد برامج فضائيات السلطة في 31 مايو الماضي أن رئيس مجلس الوزراء، تلقى صورًا لفواتير تكلفة علاج كورونا في المستشفيات الخاصة و أقر أن أسعار الرعاية الصحية بهذه المستشفيات الخاصة مبالغ فيها بشدة، وأنها ضرب من الجنون؛ ولذلك كلف رئيس الحكومة الوزراء المعنيين بوضع سقف لتكاليف المستشفيات الخاصة الراغبة في تقديم خدمات علاج «كوفيد- 19».([4])

 

جدل حول التسعيرة الحكومية

ومع بداية شهر يونيو2020م، وضعت وزارة الصحة والسكان تسعيرة لخدمة العلاج بكورونا لكي تلتزم بها المستشفيات الخاصة؛ وبحسب هذه التسعيرة الحكومية، فإن تكلفة اليوم الواحد في غرفة عزل داخلي ما بين (1500 إلى 3000ج). وتكلفة اليوم الواحد في العناية المركزة بجهاز تنفس صناعي ما بين (7500 إلى 10000).  واليوم الواحد بالعناية المركزة بدون جهاز تنفس صناعي ما بين (5000 إلى 7000ج). وهي التسعيرة التي قوبلت بالرفض من جانب الفقراء وغرفة مقدمي الرعاية الصحية بالقطاع الخاص ممثلة من ملاك وأصحاب المستشفيات الاستثمارية والخاصة على حد سواء.

هذه التسعيرة رآها كثيرون تفوق قدرات عشرات الملايين من أبناء الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، فهؤلاء لن يذهبوا على الأرجح إلى المستشفيات إلا إذا كانت حالتهم خطيرة وتحتاج إلى رعاية مركزة ما يعني أن اليوم الواحد سيكلفهم  نحو 10 آلاف جنيه؛ وجملة العلاج لمدة 14 يوما سوف تصل إلى “140” ألف جنيه، وهو مبلغ يفوق قدراتهم وباتوا معرضين للموت بسبب الفقر الذي أسهم فيه النظام؛ فوفقا للجهاز المركزي للإحصاء فإن نسبة الفقر في مصر ارتفعت إلى 32.5% ما يعني أن هناك 35 مليون مواطن لا تزيد دخولهم الشهرية عن 750 جنيها، بينما ترتفع النسبة وفق تقديرات البنك الدولي إلى 60% ما يعني أن عدد فقراء مصر حوالي 60مليونا.

ورفضتها أيضا غرفة مقدمي الرعاية الصحية بالقطاع الخاص؛ واعتبرت وضع حد أقصى للعلاج في اليوم الواحد لا يتجاوز 10 آلاف جنيه غير عادل، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك واعتبرتها غير قانونية وتخالف قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.

وبحسب غرفة مقدمي الرعاية الصحية باتحاد الصناعات، فإن هناك عدة مشاكل بين الوزارة والقطاع الطبي الخاص ممثلة في الغرفة منها: عدم السماح لمستشفيات القطاع الخاص بإجراء تحليل  الـ “بي سي آر”، وعدم توفير الوزارة العلاج المعتمد في بروتوكول وزارة الصحة للمستشفيات الخاصة. كما لم تحدد الوزارة حتى اليوم معايير للمستشفيات الخاصة التي تصلح لاستقبال مرضى كورونا من عدمه وضرورة مطابقة هذه المواصفات لمعايير تضمن حماية المرضى وعدم نقل العدوى للآخرين كاحتواء المستشفي على مبنى منعزل وكذلك مدخل منفصل وأسانسير خاص بحركة الحالات داخل المستشفي وغيره من المعايير التي لم تتحدد حتى الآن. وهناك أيضا أزمة في التنسيق مع الوزارة والقطاع الطبي الخاص فالوزارة  ــ بحسب غرفة تقديم الخدمات الصحية ــ  لم تستدع الغرفة أو أي من القطاع الطبي الخاص أثناء إقرار تسعيرة علاج المرضي في مستشفيات القطاع الخاص، وأنهم فوجئوا بالتسعيرة دون مشاركة منهم في صناعة القرار.

وتعزو الغرفة أسباب زيادة أسعار التكلفة في المستشفيات الخاصة إلى عدة أسباب، منها أن لهذه المستشفيات بنود تكلفة مرتفعة؛ فالطبيب يحصل على ثلاثة أضعاف راتبه في الشيفت بسبب أنه معرض للإصابة بالعدوى وإذا أصيب تكفلت المستشفى بتعويضه، كما أن مستلزمات الوقاية مكلفة ماديًا بسبب قلة توافرها في الأسواق ليصبح السبيل الوحيد لتوفيرها هو السوق السوداء بأسعار مكلفة جدا؛ إضافة إلي ذلك أجور العاملين بالمستشفي والذين لا يقل عددهم عن 500 شخص إضافة إلي توقف جميع الخدمات الطبية في المستشفي وتسخيرها فقط لعلاج مرضي فيروس كورونا وهو ما يمثل عبئًا ماديًا على المستشفيات الخاصة. وإزاء هذه المعطيات اقترحت  غرفة تقديم الخدمات الصحية تسعيرة جديدة ترتفع كثيرا عن التسعيرة الحكومية، وتقوم على أساس تقسيم المستشفيات الخاصة إلى ثلاثة فئات بحسب مستوى تقديم الخدمة والرعاية الصحية. فـ«التسعير العادل» من وجهة نظر المستشفيات الخاصة([5]):

  • اليوم الواحد في العزل بالقسم الداخلي قدرته الحكومة ما بين (1500 إلى 3000ج) ويطالب القطاع الطبي الخاص أن يكون (18,000 للفئة الأولى ــ 11.000 للفئة الثانية ــ 7.000 للفئة الثالثة).
  • اليوم الواحد في الرعاية المركزة شاملة جهاز تنفس صناعي قدرته الحكومة ما بين (7.000 إلى 10.000ج) ويطالب القطاع الطبي الخاص أن يكون (25.000 ج للفئة الأولى ــ 18.000ج للفئة الثانية ــ 10.000ج للفئة الثالثة).

وأعلنت الغرفة انسحابها من استقبال المصابين بالعدوى بنسبة 100% وأن جميع المستشفيات الخاصة والاستثمارية ترفض تسعيرة الحكومة.([6]) وبحسب أستاذ بإحدى كليات الطب ويعمل بأحد هذه المستشفيات الاستثمارية الكبرى، فإن التسعيرة التي وضعها الوزارة عادلة وتوفر لهذه المستشفيات هامش ربح “مريح”؛ موضحا أنه يتقاضى عن الإشراف على كل حالة كورونا بتلك المستشفى 5 آلاف جنيه خلال الفترة الكاملة التي يقضيها المصاب في المستشفى، يضاف إليها تكلفة الإقامة والتحاليل وخدمات التمريض والأشعة والأدوية والمستلزمات… إلخ.([7])

 

موقف الحكومة

التجارب السابقة للحكومة وتدليلها للقطاع الخاص والمستثمرين الأجانب على وجه الخصوص، ترجح انصياع الحكومة لضغوط الشركات المالكة لكبرى المستشفيات الاستثمارية والخاصة في مصر على حساب المواطنين المصابين بالعدوى لعدة أسباب:

السبب الأول والأهم أن كبرى المستشفيات الاستثمارية والخاصة، مملوكة لشركات إماراتية وسعودية، باتت تحتكر حوالي نصف خدمات القطاع الطبي الخاص بمصر؛ حتى إن شركة «أبراج كابيتال» الإماراتية تحتكر نحو 35% من القطاع الطبي الخاص بمصر، وتمكنت الشركة الإماراتية منذ سنة 2008م من الاستحواذ على أكبر معملي تحاليل في مصر وهما سلاسل البرج والمختبر بجميع فروعهما في جميع المحافظات. ويتبع الشركة حاليا 13 مستشفى استثماري منها مستشفى القاهرة التخصصي، ومستشفى شركة كليوباترا، واتجهت نحو شراء شركة آمون للأدوية.([8]) كما استحوذت على مستشفى الكاتب الخاصة بالدقي، مع توقيع اتفاقية تأجير طويلة المدى لمستشفى كوينز للنساء والولادة في منطقة مصر الجديدة. وتتجه للسيطرة على مصنعين للأدوية في مدينة بدر وأكتوبر ومستشفى في شرق القاهرة، بخلاف امتلاكها عيادات خاصة ملحقة بها صيدليات في التجمع وأكتوبر وقريبا في القطامية والرحاب. كما قامت مجموعة المركز الطبي الجديد (NMC) الإماراتية، بشراء مركز الإسكندرية للخدمات الطبية. وحاليا تسعى أبراج كابيتال ممثلة في شركة كليوباترا القابضة للاتفاق مع شركة “ألاميدا” المالكة لمستشفى دار الفؤاد ومستشفى السلام الدولي للاندماج. وهو ما يعني ميلاد كيان صحي ضخم يتحكم في القطاع الطبي الخاص بمصر. وهو ما يعني أن الشركة الإماراتية سوف تحتكر نحو 50% من القطاع الطبي الخاص إذا نجحت في إبرام هذه الصفقة. وإلى جانب شركة “أبراج كابيتال” الإماراتية، هناك أيضا مجموعة شركة “علاج” السعودية، التي أبرمت صفقة استحواذها على 75% من  شركة مراكز “تكنو سكان” المصرية للأشعة، التي تمتلك نحو 24 فرعاً في 7 محافظات مصرية. وتمتلك الشركة السعودية عدة مستشفيات خاصة بمصر هي ابن سينا بالدقي، والمشرق، والعروبة، وعلاج بمصر الجديدة، والعقاد بأسيوط، والأمل بالمهندسين، والإسكندرية الدولي، إضافة إلى مركز كايرو كلينك للأطفال.([9])ولهذه الأسباب، تعاملت الحكومة مع عجرفة المستشفيات الاستثمارية والخاصة ورفضها التسليم بالتسعيرة الحكومية بقدر كبير من اللطف واللين، ورغم أن هذه المستشفيات ارتكبت جريمة مركبة من عدة جرائم: الأولى هي المبالغة في أسعار تقديم الخدمة وتحويل أزمة تفشي الوباء إلى بيزنس ضخم يحققون من ورائه ثروات طائلة. والثانية رفضهم للقرار الحكومي بتسعير الخدمة بشكل متوازن. والثالثة إعلان انسحابهم عن تقديم الخدمة الصحية في زمن تفشي وباء وهي جرائم يعاقب عليها القانون. إلا أن رد الحكومة تمثل فقط ــ حتى كتابة هذه السطورــ في تصريحات باهتة لوزيرة الصحة والسكان هالة زايد اعترفت فيها بأن أسعار الخدمة في المستشفيات الخاصة مبالغة وغير مسبوقة وأنه لا يجب أن تكون بهذه المبالغة مهما كانت التكلفة. وناشدت المواطنين الذين يعانون من ارتفاع أسعار الخدمة في المستشفيات الخاصة بالتوجه إلى وزارة الصحة والسكان والتقدم بشكوى رسمية، لافتة إلى أن الوزارة ستتولى التحقيق فيها.([10])

السبب الثاني،أن الحكومة دائما ما تمنح الأولوية للمستثمرين ورجال الأعمال على مصالح المواطنين؛ على أساس أن المستثمرين هم سند النظام ورجاله؛ ويكفي للتدليل على ذلك الانعطافة التي حدثت في منتصف إبريل الماضي حيث وضعت الحكومة تسعيرة جبرية للكمات والمطهرات ومواد التعليم وأدوات الوقاية من العدوى،  وهو القرار الذي قوبل بترحيب شعبي واسع لكن المفاجأة أن هذه المواد اختفت من السوق، وتبيّن بمرور الوقت احتفاظ الجيش بكميات كبيرة منها، لكن قرار الحكومة بالتسعيرة الجبرية وضع المؤسسة العسكرية في موقف حرج وكشف عن انتهازيتها وممارسة السمسرة والبيزنس على حساب الشعب المسحوق بفعل فشل نظام الحكم العسكري؛ ذلك أن منافذ الجيش ظلت تبيع الكمامات ومواد التعقيم بأسعار أعلى من السعر المقرر في التسعيرة الجبرية التي أعلنتها الحكومة. وبينما أخفت الصيدليات والمستوردون ما في مخازنهم انتهازا لفرصة تحقق لهم أرباحا خيالية من الأزمة. وبضغوط من الجيش والمستوردين والغرفة التجارية تراجعت حكومة الانقلاب يوم 13 مايو عن قرارها السابق، في إعلان صريح عن انتصار شبكة المافيا من كبار الجنرالات وحيتان رجال الأعمال.

السبب الثالث، أن النظام نفسه ضرب مثلا في غاية الانحطاط والسوء وكشف عن انتهازية متوحشة، وتعامل مع تفشي العدوى في مصر باعتباره بيزنس وفرصة استثمارية وحاول أكثر من مرة التكسب من وراء معاناة المواطنين، من خلال تسعيرة مبالغ فيه لتحاليل البي سي آر للمصريين الراغبين في الحصول على شهادة صحية بخلوهم من العدوى للعودة إلى أعمالهم بالخليج.  وتتجه وزارة الصحة بحكومة الانقلاب نحو توفير أماكن تتبعها للحصول على مسحات الكشف عن الفيروس للراغبين في ذلك، ومن ثم إرسالها إلى المعامل المركزية لمن يريد الاطمئنان إلى حالته بمقابل ألف جنيه للمسحة، بحسب تصريحات تلفزيونية لرئيسة الإدارة المركزية للمعامل بوزارة، نانسي الجندي. ([11])وهو ما يمثل شروعا في عمل من أعمال البيزنس وليس إجراءا حكومية لحماية شعب يفترض أنها مسئولة عن حمايته. كما حاول السيسي استغلال حجر المصريين العائدين من الخارج بفرض أسعار خيالية للإقامة في فنادق حجر صحي على نفقتهم الخاصة رغم أن جميع أماكن الحجر على مستوى العالم على نفقة الحكومات التي تمولها ضرائب الشعوب لكن السيسي أرادها سبوبة.

السبب الرابع، أن المؤسسة العسكرية نفسها انكشفت وبدت أكثر انتهازية من النظام نفسه، وللتدليل على ذلك، الاحتفالية الاستعراضية العسكرية المهيبة التي ظهر فيها السيسي  في الأسبوع الأول من إبريل الماضي، مقدمًا نفسه باعتباره القائد الأعلى لقوات محاربة كورونا، ونشرت وسائل الإعلام الرسمية أن السيسي شاهد فيلما تسجيليا عن استعدادات مكافحة فيروس كورونا، وأنه تم تجهيز كل المستشفيات العسكرية لاستقبال العسكريين والمدنيين مع تجهيز 22 مستشفى عسكريًا بطاقة 4 آلاف سرير و4 مستشفيات ميدانية متنقلة بطاقة 502 سرير عزل. لكن هذا الذي تم إعلانه في زفة عسكرية ضخمة انتهت إلى لا شيء بعد مرور شهرين فقط. وحتى هذه اللحظة تصر المؤسسة العسكرية والشرطية على عدم فتح مستشفياتها للمصريين في صورة من أبشع صورة العنصرية والتمييز بين المواطنين. يعزز ذلك أن رئيس الحكومة مصطفى مدبولي خلال لقائه بنقيب الأطباء في 28 مايو الماضي رفض التطرق مطلقا إلى مقترح بتخصيص بعض المستشفيات التابعة للقوات المسلحة وجهاز الشرطة، لعزل المصابين بفيروس كورونا من المدنيين، بحجة أن تلك المستشفيات تحكمها قوانين ولوائح خاصة، وطالب بعدم فتح الحديث مرة أخرى عن مستشفيات الجيش والشرطة، لما تثيره من لغط في الشارع، بوصف خدماتها تقتصر على أفراد المؤسستين العسكرية والشرطية.([12]) كما تعامل الجيش مع  انتشار الفيروس باعتباره فرصة استثمارية؛ حيث منح جنرال الانقلاب السيسي امتياز تعقيم المدارس والجامعات للجيش خلال فترة تعليق الدراسة ليس باعتباره تكليفا وطنيا ضمن خطة مكافحة الفيروس بل باعتباره عملا استثماريا. وكلف السيسي وزارتي التعليم والتعليم العالي بسداد تكلفة عمليات التعقيم من ميزانيتها الخاصة لإدارة الجيش. في ذات السياق ، عهدت وزارة العدل للقوات المسلحة في متصف مارس الماضي بتطهير كل مباني المحاكم على مستوى الجمهورية خلال فترة تعليق جميع المحاكم الابتدائية والجزئية والأسرة والاقتصادية ومجلس الدولة ومحكمة النقض. كما امتدت بيزنس الجيش في عمليات التعقيم إلى مقرات مجلسي النواب والوزراء بوسط القاهرة وما يحتويان عليه من منشآت وقاعات مؤتمرات مقابل مليون جنيه، رغم أن عملية التعقيم لم تستغرق سوى ساعتين فقط. ([13]) وعلى  الدرب ذاته لجأت جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية والمحافظات إلى إدارة الحرب الكيميائية في عمليات التعقيم والتطهير من ميزانيتها الخاصة، الأمر الذي  يعني توجيه الأموال المخصصة لمنع تفشي كورونا إلى الحسابات الخاصة لوزارة الدفاع، عوضاً عن توجيهها لصالح تطوير المستشفيات وتوفير المستلزمات الطبية.([14])

خلاصة الأمر أن الحكومة فشلت ــ حتى اليوم ــ أمام حيتان البيزنس ورجال الأعمال والشركات العابرة للقارات التي تحتكر القطاع الطبي الخاص في مصر على عدة مستويات: مستوى توفير أسرة لرعاية المصابين بالعدوى في المستشفيات الحكومية، كما فشلت ــ حتى اليوم ــ  في إلزام المستشفيات الاستثمارية والخاصة في توفير رعاية صحية بأسعار مناسبة، تتناسب مع دخول معظم المصريين. وهو ما يناقض ما نصت عليه المادة (18) من دستور 2014م، التي تنص على أن «تجريم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان فى حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة»، كما فشلت في الشرعية الأخلاقية وقدم النظام نفسه بمؤسسته العسكرية نفسيهما في صورة انتهازية متوحشة بهدف المتاجرة في آلام الناس ومعاناة المصابين.

السبب الرئيس وراء الأزمة هو احتكار الإمارات والسعودية للقطاع الطبي الخاص في مصر، وهدف الإمارات ليس الاستثمار، خاصة وأن مجموعة كليوباترا التي تمتلكها، حققت خسائر 24%، خلال 2019، رغم استحواذها بالفعل على المستشفيات الاستثمارية العريقة، وسعيها لشراء السلام الدولي ودار الفؤاد من شركة آلاميدا، يؤكد أن الموضوع ليس مرتبطا بحسابات المكسب والخسارة، وإنما من أجل احتكار القطاع الطبي، لأهداف لن تصب في صالح الأمن القومي المصري.

إصرار تلك المستشفيات على تسليع الخدمة الصحية والتمسك بالأسعار الخرافية التى تطبقها منذ أن بدأت تقديم خدمة العلاج لمصابى كورونا، لا يعدّ استغلالا للأزمة الراهنة وانتهاكا لرسالة الطب السامية، أو تكسبا من دماء المرضى فحسب، بل تحديا صارخا للقوانين واللوائح المنظمة؛  فالقانون رقم 51 المنظم لعمل المنشآت الطبية الصادر سنة 1981، فرض على تلك المستشفيات التقيد بالحد الأقصى لأسعار الخدمات الطبية الذى تضعه لجنة مختصة تضم ممثلين من وزراة الصحة ونقابة الأطباء، فضلا عن المحافظ المختص، وفى حال مخالفة لائحة الأسعار التي تحددها تلك اللجنة، توضع المستشفى تحت إشراف وزارة الصحة مباشرة.

السيناريو الأوفر حظا،  أن تخضع حكومة السيسي لرغبات حيتان رجال الأعمال وكبار ملاك المستشفيات الاستثمارية الكبرى في مصر لاعتبارات تتعلق بتبعية هذه المستشفيات لشركات إماراتية وسعودية لديهم رصد واسع ونفوذ كبير على صناعة القرار في مصر باعتبارهم أكبر رعاة انقلاب 3 يوليو 2013م. والأكثر احتمالا أن النظام للخروج من هذه  الورطة  ربما يتجه نحو فرض التسعيرة الحكومية على المستشفيات الخاصة من الفئة الثالثة والتي يملكها غالبا مصريون بينما ستبقى المستشفيات من الفئتين الأولى والثانية والتي تتبع شركات عابرة للقارات، في منأى من التسعيرة الحكومية استرضاء لهذه الشركات وانحيازا للاستثمار الأجنبي (الخليجي) على حساب المصريين. يعزز ذلك 3 أدلة:

الأول، أن الاجتماع الذي عقدته وزيرة الصحة هالة زايد مع ممثلي غرفة تقديم الخدمات الصحية مساء الاثنين 8 يونيو انتهى إلى الإشارة بأن أسعار الخدمة الصحية في المستشفيات الخاصة والاستثمارية مبالغ فيها دون الإشارة إلى أي اتفاق بشأن التسعيرة الحكومية التي رفضها القطاع الخاص؛ ما يمثل في مضمونه تراجعا لطيفا لحساب حيتان البيزنس.([15])

الثاني، أن محمد عوض تاج الدين مستشار السيسي للشئون الصحية عضو بمجلس إدارة شركة “استثمار” المالكة لعدد من المستشفيات الخاصة الرافضة للتسعيرة الحكومية والذي تولى منصبه في بداية مايو الماضي. ووفقًا لموقعها الإلكتروني، فإن شركة “استثمار” تتبع لشركة “أبراج كابيتال” الإماراتية. ([16]) ويضم مجلس إدارة مستشفى “كليوباترا” التابعة لأبرج كابيتال عددا من المسئولين السابقين بنظام العسكر منهم وزير التجارة السابق طارق قابيل، ونائبة وزير المالية السابق منال حسين عبد الرازق، ونائب رئيس جهاز المخابرات السابق عمر عاطف قناوي.  ما يعني أن شركات الإمارات لها نفوذ واسع للغاية داخل النظام يحول دون أي محاسبة أو مساءلة جادة.

الثالث، أن نظام السيسي حتى اليوم لا يزال مترددا في تطبيق بنود التعديلات الأخيرة التي أجريت على قانون الطوارئ في إبريل  الماضي والتي تمنح رئيس الانقلاب سلطة إخضاع بعض أو جميع المستشفيات والمعامل والمراكز الصحية في حالات الطوارئ وانتشار الأوبئة ولعل السبب في ذلك هو الخوف من العقاب السعودي الإماراتي، خصوصا وأن نظام السيسي يمر بمرحلة شديدة الخطورة على المستوى الاقتصادي والصحي ربما تمتد بالتأثير على المستوى السياسي بما يهدد بقاء النظام واستمراره.

 

 

 

 

 

[1]“كورونا في مصر”.. فواتير العلاج في المستشفيات الخاصة بمصر تبدأ من 30 ألف جنيه وتتعدى الـ100 ألف/عربي بوست 23 مايو 2020.

[2]أحمد صبري/ تصل إلى 90 ألفا بالليلة.. عضو برلماني : أسعار إقامة مصابي كورونا بالمستشفيات الخاصة خرافية..موضحا أنها قوة كبيرة تصل لـ1000 مستشفى بطاقة 40 ألف سرير ستحتاجها الوزارة في الفترة المقبلة/ المال نيوز الأحد, 31 مايو 2020

[3]محمد سعد عبد الحفيظ / المتاجرون فى صحة المصريين/ بوابة الشروق السبت 6 يونيو 2020

[4]أسماء الدسوقي/ متحدث الحكومة: تكلفة علاج كورونا في المستشفيات الخاصة ضرب من الجنون/ بوابة الشروقالأحد 31 مايو 2020

[5]المستشفيات الخاصة تنسحب من علاج كورونا وتطرح تسعيرة بديلة.. ونائب بالبرلمان يطالب بتطبيق «الطوارئ» عليها/ مدى مصر 4 يونيو 2020

[6]منى زيدان/ غرفة مقدمي الخدمات الصحية بالقطاع الخاص: المستشفيات الخاصة غير ملزمة باستقبال حالات كورونا إلا بقرار من الصحة/ بوابة الشروقالخميس 4 يونيو 2020

[7]محمد سعد عبدالحفيظ/المتاجرون فى صحة المصريين/ بوابة الشروق السبت 6 يونيو 2020

[8]حلف علي حسن/«الأطباء» تحذر من احتكار «أبراج كابيتال» للقطاع الصحي الخاص/ المصري اليوم 20 يناير 2015

[9]سعي إماراتي سعودي لاحتكار الخدمات الصحية في مصر/ الجزيرة مباشر الأحد 30 سبتمبر2018

[10]هالة زايد: هناك مبالغة غير مسبوقة في أسعار المستشفيات الخاصة لخدمة مرضى كورونا/بوابة الشروقالسبت 6 يونيو 2020

[11]تخصيص معامل حكومية لإجراء مسحة كورونا بألف جنيه/ مدى مصر 27 مايو 2020

[12]مصر: رئيس مجلس الوزراء يرفض فتح مستشفيات الجيش والشرطة لعزل مصابي كورونا/العربي الجديد28 مايو 2020

[13]الجيشيطهرمجلسيالنوابوالوزراءمقابلمليونجنيهلمكافحةكورونا/العربيالجديد19 مارس 2020

[14]السيسييمنحأموالمواجهةكوروناللجيشبالمخالفةللدستور/العربيالجديد18 مارس 2020

[15]«الصحة» تتراجع عن تسعيرة علاج «كورونا» في المستشفيات الخاصة// مدى مصر الثلاثاء 9 يونيو 2020

[16]ما علاقة مستشار السيسي برفض المستشفيات الخاصة تسعيرة علاج كورونا؟/ العربي الجديد 9 يونيو 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…