‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تعديلات قانون “الصندوق السيادي” تحصين بيع مصر مقابل ديون السيسي
مصر - يونيو 14, 2020

تعديلات قانون “الصندوق السيادي” تحصين بيع مصر مقابل ديون السيسي

في إصرار منقطع النظير على السير في طريق البيع والخصخصة، يواصل السيسي ونظامه أكبر عملية هندسة تشريعية عبر البرلمان، الذي صاغته الأجهزة الأمنية، لإدخال تعديلات واقرار قوانين، تتعلق بقوانين قطاع الأعمال العام، وقانون الطروحات الحكومية، وقانون الصندوق السيادي، لتمكين النظام من أكبر عملية بيع لمقدرات الدولة، لمواجهة أكبر أزمة اقتصادية تواجهها مصر، التي زادت ديونها على 108% من انتاجها القومي، ووصلت الديون لأكثر من 120 مليار دولار.

يوم الاثنين 8  يونيو الجاري، وافقت لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان المصري على تعديل مقدم من الحكومة، بخصوص قانون إنشاء صندوق مصر السيادي، يجيز  لرئيس الجمهورية نقل ملكيه الأصول المستغلة المملوكة للدولة، أو غير المستغلة إلى الصندوق، كما حصن العقود التي يبرمها الصندوق من الطعن عليها أمام القضاء، وتمت إحالة التعديل من قبل البرلمان، إلى مجلس الدولة  لمراجعته، تمهيداً لإقراره نهائياً في جلسة عامة لاحقا.

وأقر البرلمان في يوليو 2018، مشروع قانون إنشاء الصندوق السيادي، الذي أعلنت عنه الحكومة المصرية في أبريل 2018، وقامت بتعديله في ديسمبر 2019، بهدف استغلال أصول الدولة، والتعاون مع المؤسسات والصناديق العربية والدولية، ويبلغ رأس مال الصندوق 200 مليار جنيه (12.5 مليار دولار)، والمدفوع 5 مليارات جنيه (312 مليون دولار) فقط.

 

فوق الاقتصاد والقانون

 

أبرز التعديلات التي جاءت بالمشروع الحكومي؛ إعفاء الصندوق الرئيسي والصناديق الفرعية، والشركات التي يساهم فيها، من ضريبة القيمة المضافة التي تقدر نسبتها بـ15% من عمليات البيع والشراء، واشترطت التعديلات ألا يخل الإعفاء الجديد، بالإعفاءات التي حصل عليها الصندوق في أي قانون آخر، وجرى تعديل مسمى الصندوق من “الصندوق السيادي المصري” ليصبح “صندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية، كما أعفت التعديلات كل معاملات الصندوق والجهات المتعاملة معه من الرسوم المقررة للتسجيل في الشهر العقاري، المتعلقة بنقل الملكية أو عمليات البيع والشراء، ومنحت التعديلات الجديدة الصندوق، حرية اختيار بيوت الخبرة المحلية، بالإضافة للأجنبية، لتقييم الأصول التي سيتم ضمها أو بيعها من خلاله.

كما منحت التعديلات صلاحيات واسعة للصندوق للتعاون والمشاركة مع الصناديق العربية والأجنبية النظيرة والمؤسسات المالية المختلفة في إدارة الأصول والممتلكات المصرية، وأضافت التعديلات مادة جديدة، تلزم المحكمة المختصة بالحكم من تلقاء نفسها بعدم قبول الطعون أو الدعاوى المتعلقة بالمنازعات، ما يمنع الطعن على القرارات أو التصرفات التي يتخذها الصندوق لتحقيق أهدافه لغير أطراف التعاقد، وأجاز تعديل القانون لرئيس الجمهورية نقل ملكية الأصول المستغلة المملوكة للدولة، أو غير المستغلة إلى الصندوق، محدداً طرق وآليات تقييم أصول الصندوق، والذي يتكون رأس ماله المرخص به من 200 مليار جنيه، ورأس ماله المصدر من 5 مليارات، بما يفتح الباب تلقائياً لخصخصة وبيع الآلاف من الكيانات الحكومية.

تلك التعديلات الكارثية –وفق خبراء- ترافقت مع اقرار البرلمان مشروع تعديل مقدم من الحكومة على قانون شركات قطاع الأعمال العام، والهادف إلى تسهيل عمليات بيع وخصخصة شركات القطاع، وطرح أصولها للبيع أمام القطاع الخاص، تحت ذريعة تدوير جزء من استثماراتها لتوفير الأموال اللازمة لإنشاء مشروعات جديدة، وتعظيم ثروة المالك (الدولة) من استثماراته بهذه الشركات.

 

توسيع سلطات السيسي

وتعني التعديلات، أن عبد الفتاح السيسي يمكنه نقل ملكية ما يشاء من الأصول العامة المصرية إلى الصندوق السيادي بقرار غير قابل للطعن القضائي، وللصندوق إبرام ما يراه من عقود دون التعرض لحق الطعن العام، دون استثناء عمليات الخصخصة من تلك العقود، وهذا يعني وجود بوابة للخصخصة محصنة من أي طعن قضائي مستقبلا.

 

اتجار بالديون

 

من جانبها، قالت وزيرة التخطيط بالحكومة المصرية ورئيس مجلس إدارة الصندوق “هالة السعيد”، إن الصندوق يعد ذراعا استثمارية لديها القدرة على التعامل مع الأصول المملوكة للدولة، وأضافت الوزيرة: “لدينا فجوة تمويلية، فبدلًا من الاضطرار إلى الاستدانة وانخفاض مستوى التنمية، نسعى من خلال الصندوق إلى الاستثمار“!

ولا تملك مصر أي فوائض مالية أو ثروات كبيرة لاستغلالها وتعظيم رأس مال الصندوق، سوى بيع أصول الدولة ومتلكاتها، من مقار حكومية ومبان وأراض وشركات عامة وقطاع أعمال وأموال مصادرة، بل ان الاتجار بالديون، هو ما يستهدفه النظام، ففي 6 مايو الماضي، أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع حجم الديون الخارجية المستحقة على مصر إلى نحو 112.67 مليار دولار بنهاية ديسمبر من عام 2019، مقابل 96.61 مليار دولار بنهاية ديسمبر من عام 2018، محققة ارتفاعاً نسبته 16.6 %، وقدره 16.1 مليار دولار على أساس سنوي.

وبذلك قفز الدين الخارجي في مصر بنسبة تصل إلى 145 %، منذ استيلاء عبد الفتاح السيسي على السلطة في منتصف عام 2014، إذ لم تكن الديون الخارجية (آنذاك) تتجاوز 46 مليار دولار، نتيجة توسعه في الاقتراض من الخارج لتمويل مشروعات غير ذات جدوى اقتصادية، على غرار “تفريعة” قناة السويس، والعاصمة الإدارية الجديدة، ومن ثم تسود تخوفات لدى الأوساط الاقتصادية والسياسية في مصر، من تضمن بنود تحصّن النظام المصري من أي ملاحقات قانونية، ما يسهل بيع أصول الدولة.

 

بيع الأصول بلا رقابة

 

وبحسب مراقبين للشأن المصري، تستهدف التعديلات ضم الكيانات الاقتصادية التي تساهم فيها الدولة، سواء من خلال جهاتها التنفيذية أو شركاتها القابضة والتابعة ومؤسساتها، وهو ما جرى الإعلان عنه بالفعل يوم الثلاثاء 9 يونيو الجاري، حيث أعلن المدير التنفيذي لصندوق مصر السيادي “أيمن سليمان” أن الحكومة تسعى للتخلص من بعض ديونها ببيع أصول في الدولة لمستثمرين أجانب بالشراكة مع الصندوق.

وقال سليمان في مؤتمر صحافي عبر تقنية “فيديو كونفرانس” الثلاثاء الماضي، “أن فتح الباب للمستثمرين لشراء بعض أصول الدولة، سيكون من خلال تحالفات مع صندوق مصر السيادي بعد نقل الأصول إلى الصندوق”، مستطرداً أنه “في حال إتمام المعاملات الاستثمارية على تلك الأصول، سترفع عن كاهل الاقتصاد القومي بعض الديون المدرجة في ميزانية الدولة، وأضاف أن “المستثمرين سيشترون رؤوس أموال تلك المشاريع، وسيضخون الأموال للدولة المصرية حتى يمكن تدويرها في مشاريع أخرى ذات أولوية”، مدعياً أن المستثمرين الأجانب لا تزال لديهم “نفس الشهية” للاستثمار في مشروعات البنية الأساسية في مصر، لعوامل عدة أبرزها تخفيض البنوك المركزية حول العالم سعر الفائدة، على الرغم من التداعيات السلبية الناتجة عن تفشي فيروس كورونا.

وهو أمر مشكوك به، في ظل تسارع عليات التخارج من قبل المستثمرين الاجانب، والتي تقدر قيمتها بنحو 21 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية التي خرجت من مصر، منذ مطلع العام 2020، متابعاً أن “الصندوق السيادي بصدد إطلاق أربعة صناديق فرعية خلال الفترة المقبلة، الأول في الخدمات الصحية، والثاني في البنية الأساسية، والثالث في التصنيع الغذائي والزراعة، والرابع في الخدمات المالية والتكنولوجية المالية، فضلاً عن التحضير لثلاثة صناديق فرعية أخرى.”

وزاد قائلاً إن “صندوق الرعاية الصحية أسس بالتعاون مع شركة إدارة الاستثمارات (كونكورد إنترناشيونال إنفستمنت) بحصة أقلية، وهي شركة رائدة في إدارة صناديق الاستثمار وثروات الأفراد والعائلات والهيئات، بينما ستكون النسبة الأكبر لمستثمري القطاع الخاص، والمستثمرين الاستراتيجيين بهذا المجال”، لافتاً إلى أن المرحلة الأولى لإدارة أصول الدولة المستغلة وغير المستغلة التي ستجرى إحالتها إلى الصندوق، ستراوح بين 50 و60 مليار جنيه خلال أول 12 شهراً، وأفاد سليمان بأن الأصول التي ستؤول إلى الصندوق معظمها ناتجة عن تشابكات مالية، وديون بين الجهات الحكومية، إذ يجرى الاكتتاب العيني بالأصل في رأسمال الصندوق، نظير مقاصة مع هذه الجهات، مبيناً أن “الاكتتاب بحصة في إدارة طرح بنك القاهرة في البورصة لا يزال ضمن اهتمام الصندوق السيادي، والذي يتطلع إلى إصدار قرار مجلس إدارة البنك بهذا الشأن، وإعادة عملية الطرح مرة أخرى.”

وواصل سليمان أن “استغلال المنطقة الاقتصادية لقناة السويس هو أحد أهداف الصندوق بالتعاون مع القائمين عليها، بغرض الوصول بها إلى منطقة لوجستية عالمية”، مشيرا إلى أن “الصندوق السيادي يعمل على الدخول في شراكات مع الصناديق الاستثمارية في دول الإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة، فضلاً عن توقيع شراكات مع شركات استثمارية متنوعة، وشروعه في بناء شراكات مع مالكي الأصول الممثلة في الوزارات الحكومية بالعديد من القطاعات الاقتصادية الواعدة، من أجل خلق عوائد طويلة الأجل للصندوق عبر اختيار الشريك الأمثل”، على حد تعبيره.

وخلال زيارة السيسي للإمارات، لاسترضاء مستثمريها مؤخرا، أطلق صندوق مصر السيادي منصة استثمارية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ممثلة في شركة أبوظبي التنموية القابضة، بقيمة 20 مليار دولار للاستثمار المشترك في مجموعة متنوعة من القطاعات والمجالات، ومن أبرزها الصناعات التحويلية، والطاقة التقليدية والمتجددة، والتكنولوجيا، والأغذية، والعقارات، والسياحة، والرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية، والخدمات المالية، والبنية التحتية.

 

ضم شركات إستراتيجية

 

ووفق مصادر حكومية بوزارة الاستثمار والتعاون الدولي المصرية، تضم قائمة الشركات المرشح ضم أصولها للصندوق، بنوكا وطنية، وشركات في قطاعات الغاز والبترول والفوسفات والحديد والصلب، ومحطات للمياه والكهرباء، حيث كشفت مصادر اقتصادية، في تصريحات إعلامية مؤخرا، أن “ثراء” سيضم كذلك الشركة القابضة لكهرباء المناطق الأثرية، ومجمع التحرير، وأرض المعارض، وبعض شركات الإسمنت والبتروكيماويات، والشركة الدولية لصناعة المواسير الحديثة ولوازمها “ريجو، كما تشمل خطط الضم، كبرى شركات المقاولات في العالم العربي “المقاولون العرب”، وشركة المقاولات المصرية “مختار إبراهيم”، وشركة “حسن علام” للمقاولات، كذلك من المخطط ضم مباني الوزارات والمجالس والجهات الحكومية التي سيتم إخلاؤها ونقل العاملين بها إلى مقار جديدة، بالعاصمة الإدارية، شرقي القاهرة.

وذلك في اطار، مخطط  صندوق مصر السيادي “ثراء” لفصل ملكية أصول بعض الشركات، تمهيدا لضمها للأصول المملوكة له، والعمل على تطويرها وتشغيلها وزيادة العائد منها، ويتضمن رأسمال “ثراء” المدفوع، حصيلة نقدية في حدود 5 مليارات جنيه، وآخر عينيا يتمثل في بعض الأصول المملوكة للدولة التي سيتم نقلها للصندوق والتي تقدر قيمتها المبدئية ما بين 50 إلى 60 مليار جنيه، ومن المخطط له خلال السنوات المقبلة، رفع رأس مال الصندوق المرخص به إلى تريليون جنيه.

وتقضي مواد قانون الصندوق السيادي المصري رقم 177 لسنة 2018، بتحصين العقود التي يبرمها الصندوق ضد الطعون القضائية من طرف ثالث، وكذلك الحق في الاستيلاء على أصول الشركات والمؤسسات العامة المملوكة ملكية خاصة للدولة، سواء كانت تلك الأصول مستغلة أو غير مستغلة، حيث تنص المادة على أنه لرئيس الجمهورية نقل ملكيات تلك الأصول للصندوق.

 

نهب وتحصين سرقة المال العام

 

وقد آثارت التعديلات الجديدة، التي جاءت في ظروف اقتصادية ملتبسة، مخاوف السياسيين والاقتصاديين، من نهب ممتلكات مصر وأصولها، عبر آلية الصندوق، الذي باتت سلطاته مطلقة، مستقاه من سلطات السيسي، التي حصنت قراراته في هذا الشأن، بطريقة غير مسبوقه في كل دول العالم، فتضمنت التعديلات بنوداً تحصّن النظام المصري من أي ملاحقات قانونية، مما يسهل بيع أصول الدولة، ونصت التعديلات على أن “يكون الطعن في قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول، أو الإجراءات التي اتخذت بناء على هذا القرار، من الجهة المالكة أو الصندوق المنقول له ملكية ذلك الأصل دون غيرهما، وهو الامر الذي ينقل خطورة تتمثل في عدم مساءلة القائمين على إدارة الصندوق، أو بالأحرى عبدالفتاح السيسي، حول كيفية التصرف في الأصول التي ستؤول إلى الصندوق.

ونص قانون تأسيس الصندوق، الذي أقره مجلس النواب في يوليو 2018، على أنه “لرئيس الجمهورية، بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء والوزير المختص، نقل ملكية أي من الأصول غير المستغلة المملوكة ملكية خاصة للدولة، أو لأي من الجهات أو الشركات التابعة لها إلى الصندوق، وينص القانون كذلك على أن “للصندوق إدارة أمواله وأصوله بذاته، كما له أن يعهد بإدارتها أو بعضها إلى شركات ومؤسسات متخصصة في إدارة الأصول، وكان النظام المصري مهد لهذه الخطوة، بتشكيل لجنة تابعة لوزارة التخطيط أطلق عليها اسم “وحدة الأصول غير المستغلة”، قامت بدورها بحصر كل الأصول التي وصفتها بغير المستغلة، تمهيدا لنقلها للصندوق السيادي، ومن ثم تفويضه بالتصرف فيها.

وقبل يوم واحد من إجراء الحكومة تعديلات على قانون إنشاء الصندوق، قالت “نجلاء البيلي”، رئيس لجنة “وحدة الأصول غير المستغلة” أمام البرلمان، إن الأصول المملوكة للجهات الداخلة في الموازنة العامة تبلغ قيمتها الدفترية نحو 619 مليار جنيه (38.6 مليارات دولار)، بواقع 3214 أصلاً غير مستغلة جرى حصرها حتى 2018، وأضافت “نجلاء” أن اللجنة بدأت عملها في يناير 2018، وقد حُدد لها عام ونصف العام للانتهاء من أعمالها، غير أنها لم تنته بعد من حصر جميع الأصول غير المستغلة في المحافظات والوزارات والجهات الحكومية، وتأتي تعديلات قانون إنشاء الصندوق السيادي، بعد نحو شهر من إطلاق “السيسي” وولي عهد أبوظبي “محمد بن زايد” ما وصفاه بـ”منصّة استثمارية إستراتيجية مشتركة” في نوفمبر 2018، بقيمة 20 مليار دولار، مناصفة عبر شركة أبوظبي التنموية القابضة، وصندوق مصر السيادي و”القابضة” التي يرأس مجلس إدارتها الشيخ “طحنون بن زايد”، والرئيس التنفيذي لها “محمد حسن السويدي” القيادي السابق في شركة “مبادلة”، التابعة للصندوق السيادي لأبوظبي، تأسست عام 2018 وهو عام تأسيس الصندوق السيادي المصري.

وبعد عملية الإطلاق مباشرة، قالت وزيرة التخطيط المصرية “هالة السعيد”، إن نسب المساهمة في المنصة ستتوزع بواقع 50% لكل طرف، على أن تسهم مصر بأصول عينية، تعادل 10 مليارات دولار (نحو 160 مليار جنيه) مقابل توفير شركة أبوظبى التنموية القابضة، ممثلة عن الجانب الإماراتي، سيولة مالية بنفس القيمة، إلا إذا تم الاتفاق على خلاف ذلك.

 

 

إرث الخصخصة

 

وتخشى الأوساط الاقتصادية والسياسية بمصر، من تكرار نموذج الخصخصة، الذي جرى بعهد النظام المخلوع، بعمليات فساد واسعة، بدأت منذ عام 1991 حين تم البدء في تنفيذ هذه السياسة ووصل عدد شركات القطاع العام التي جرى بيعها جزئيا أو كليا في الفترة بين عامي 1991 و2009 أكثر من 400 شركة، ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للمحاسبات، فقد بلغت حصيلة بيع الشركات العامة في هذه الفترة 50 مليار جنيه (2.8 مليار دولار)، لم يدخل الخزانة العامة للدولة منها سوى 18 مليار جنيه فقط، وُجهت لسداد عجز الموازنة، فيما أكدت بعض التقديرات الرسمية بأن القيمة الحقيقية للأصول والشركات التي تم بيعها كانت تصل لنحو 500 مليار جنيه.

ويرتبط إرث الخصخصة في مصر بالقانون رقم 203 الصادر عام 1991، والذي حدد قائمة تضم 314 شركة تعمل بالقطاع العام لبيعها، لكن السنوات الخمسة من مطلع الألفية الثالثة كانت الأكثر جرأة في بيع مشروعات قطاع الأعمال العام، حيث كانت آخر شركات حكومية أدرجت في البورصة عام 2005 حين طُرحت أسهم شركات “المصرية للاتصالات” و”سيدي كرير للبتروكيماويات” و”أموك، وحتى نهاية التسعينات تم إصدار مجموعة من التشريعات التي تنظم خصخصة مرافق عامة، لم يكن المصريون يتصورون خصخصتها؛ لاعتبارات الأمن القومي، ومنها القانون الخاص بالبنوك العامة، الذي سمح للقطاع الخاص بالمساهمة في رؤوس أموال البنوك، وكذلك القانون المنظم لخصخصة الهيئة العامة للاتصالات وتحويلها إلى شركة مساهمة، وتم بالفعل طرح نسبة 20% من رأس مال الشركة للخصخصة.

كما مررت الحكومة المصرية آنذاك خصخصة شركات التليفون المحمول، ثم توالت عمليات الخصخصة لبنك الإسكندرية، ثم إعلان خصخصة بعض الخدمات في قطاع المواصلات، مثل التصريح بعمل شركات النقل الجماعي، وبينما توقف برنامج الخصخصة  في العام 2010، بعدما سقط نظام “مبارك” إثر ثورة شعبية مطلع عام 2011، أعاد نظام “السيسي” إحياء هذا البرنامج في يناير 2016، تزامنا مع اشتراطات فرضها صندوق النقد الدولي لتمرير قرض بقيمة 12 مليار دولار على 5 شرائح، وفي هذا الإطار، طرحت الحكومة المصرية حصصا من شركات مدرجة أصلاً في البورصة، مثل الإسكندرية للزيوت المعدنية “أموك”، والشرقية للدخان “إيسترن كومباني”، و”الإسكندرية لتداول الحاويات”، و”أبوقير للأسمدة”، و”مصر الجديدة للإسكان والتعمير”، وغيرهم.

وفي أبريل 2017، أعلنت وزارة البترول المصرية الموافقة على طرح ما يصل إلى 24% من أسهم شركة “إنبي” للصناعات البترولية والكيميائية، رغم تحقيقها أرباحا، ما قدم مؤشرا على أن الحكومة تبحث عن مصادر لتمويل عجز الموازنة المتفاقم عن طريق إحياء برنامج الخصخصة مجددا، ويضاعف من حالة الجدل حول هذا التوجه اعتماد الحكومة المصرية في ديسمبر 2019، تعديلات جوهرية على قانون الصندوق السيادي، نصت على ألا ترفع الدعاوى ببطلان العقود المبرمة من الصندوق، وكذلك القرارات أو الإجراءات التي يتخذها استنادا على تلك العقود، إلا من طرفي التعاقد دون غيرهما.

كما تنص تلك التعديلات على أنه لا يحق إلا للصندوق والجهة المالكة دون غيرهما، الطعن على قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول العامة إلى الصندوق السيادي، أو الإجراءات التي اتخذت بناء على هذا القرار، وعليه فإن السيسي  يمكنه نقل ملكية ما يشاء من الأصول العامة إلى الصندوق السيادي بقرار غير قابل للطعن القضائي، وللصندوق إبرام ما يراه من عقود دون التعرض لحق الطعن العام، دون استثناء عمليات الخصخصة من تلك العقود، وهذا يعني وجود بوابة للخصخصة محصنة من أي طعن قضائي مستقبلا، وفق ما أقره مجلس النواب في منتصف 2018 تحت ذريعة استغلال أصول الدولة والتعاون مع المؤسسات والصناديق العربية والدولية، ويبقى الخطر الأكبر، في بيع الشركات الاستراتيجية والقومية، المتعلقة بخدمات ومنتجات استراتيجية، كشركات الأسمنت والحديد والبترول، وهو ما بدا مؤخرا في تصفية الشركة المصرية للملاحة.

حيث جاءت تصفية “المصرية للملاحة البحرية” بمحافظة الإسكندرية خطوة تصب في نفس اتجاه الخصخصة الذي تبنته حكومات عهد “مبارك”، بعد الإعلان عن تحقيق الشركة خسائر بلغت نحو 1.25 مليار جنيه على مدار سنوات، وبعدما كانت تمتلك 60 سفينة، تم بيع أصول الشركة على فترات، بما في ذلك سفن عمرها 30 عاما، ليتبقى 6 سفن فقط، بعضها غير صالح للعمل، وفقا لما أورده موقع المال الاقتصادي، وتمثل الشركة قيمة تاريخية باعتبارها امتدادا لشركة بواخر “البوستة الخديوية” التي أنشأها الخديوى إسماعيل عام 1873 لنقل البضائع والبريد والركاب، وتم بيعها إلى المستعمر الإنجليزي، ثم اشتراها رجل الأعمال المصري “عبود باشا”، حتى أممها “جمال عبدالناصر” عام 1969، لتصبح ملكا للدولة المصرية، وهو ما يعتبره خبراء، امتداد لبرنامج تدمير الاقتصاد المصري، الذي اعتمد على نشر الفساد في الشركات الوطنية، وتعمد الإهمال وعدم التجديد والتطوير لصالح منافسين أو لصالح أطراف محسوبة على السلطة، جيث أكدت تقارير ودراسات جدوى إمكانية إعادة إحياء الشركة؛ ولكن الإصرار على توزيع ممتلكاتها بأثمان بخسة وترك المجال لمنافسين جعلهم يعجلون بعملية التصفية.

وفي الإطار ذاته، يرى الخبير الاقتصادي ومدرس الاقتصاد بأكاديمية أوكلاند الأمريكية “مصطفى شاهين” أن الصندوق السيادي المصري سيمثل صورة أخرى من الخصخصة وتدمير القطاع العام في مصر عبر بيع مرافقه، ويعتبر “شاهين” تحصين قرارات السيسي، بشأن الصندوق “مصيبة كبرى” تقطع الطريق أمام أي تفاعل شعبي أمام القضاء، كما حصل سابقا في الوقوف أمام بيع حكومة “مبارك” لشركات، منها “عمر أفندي”، حين اشتكى مواطنون وحصلوا على أحكام توقف مساعي الدولة.

وفي حال التوسع في بيع حصص الشركات العامة مستقبلا، سواء عبر الطرح في البورصة أو عبر بوابة الصندوق السيادي، فإن الدولة ستكون هشة اقتصاديا؛ حسب رأي “شاهين”، الذي نوه إلى أن القطاع الخاص المصري ليس له أثر يذكر على تحسن قوة الإنتاج على مدار أكثر من ربع قرن، و”لم يلعب إلا دورا ثانويا في زيادة الإنتاج من السلع الهامشية ،  في حين تقوم شركات الدولة بالدور الأكبر والأكثر إنتاجا في قطاعات الحديد والأسمدة والبتروكيماويات وغيرها”، بجانب الأزمات العمالية المتصاعدة والمتوقع تفاقمها في الأيام المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…