‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر امتحانات بمصر في ذروة تفشي العدوى .. قراءة في أبعاد القرار ومآلاته
مصر - يونيو 17, 2020

امتحانات بمصر في ذروة تفشي العدوى .. قراءة في أبعاد القرار ومآلاته

 

كان أمام  حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، «4» سيناريوهات بشأن إجراء الامتحانات الخاصة بالثانوية العامة والفنية (التجارية ــ الصناعية ــ الزراعية ــ الفندقية) والسنوات النهائية بجميع الجامعات المصرية في ظل مخاطر انتشار عدوى فيروس “كوفيد ــ19” المعروف بـ كورونا: الأول، هو تأجيل الامتحانات هذا العام حتى تراجع وانحسار فيروس كورونا أو حتى شهر سبتمبر المقبل. والثاني، هو تأجيل الامتحانات للعام المقبل. الثالث هو استبدال الامتحانات بعمل أبحاث كما جرى في صفوف النقل أو إجرائها إلكترونيا. والرابع هو إجراء الامتحانات مع الإعلان عن حزمة من التدابير الاحترازية والتعقيم المستمر.

بالنسبة للسيناريو الأول وهو تأجيل الامتحانات حتى انحسار الفيروس أو حتى شهر سبتمبر المقبل على أقصى تقدير، رفضت الحكومة ذلك بدعوى أن انحسار الفيروس أمر غير محسوم ولا يدري أحد متى ينتهي أو يتراجع خصوصا في ظل عدم وجود لقاح معتمد حتى اليوم، وبرر طارق شوقي وزير التربية والتعليم الفني رفض هذا السيناريو بأن حجم تفشي العدوى ربما يكون في سبتمبر المقبل أعلى بكثير مما هي عليه حاليا.

أما بالنسبة للسيناريو الثاني الخاص بتأجيل الامتحانات للعام المقبل؛ فقد رفضت الحكومة ذلك أيضا ، وبرر شوقي ذلك بأن الوزارة لا تملك قدرات وجود دفعتين في دفعة واحدة؛ تفسير  ذلك أن معنى تأجيل الامتحانات للعام المقبل وجود دفعتين في 3 ثانوي العام المقبل، الدفعة الحالية ودفعة 2 ثانوي التي انتقلت إلى الصف الثالث، وهو بالطبع ما سينعكس على الدفعة الجامعية التالية والقبول بالكليات وعدم وجود أماكن مخصصة لدفعتين في وقت واحد، كذلك في شهادات الدبلومات الفنية بأنواعها التجارية والصناعية والزراعية والفندقية، وكذلك في جميع الصفوف  النهائية بجميع الكليات في كافة الجامعات المصرية.

ورفضت الحكومة كذلك السيناريو الثالث؛ لأن عمل الأبحاث لا يمثل معيارا موضوعيا للحكم على مستويات الطلاب في ظل نسخ الغالبية الساحقة من التلاميذ هذه الأبحاث من مواقع الإنترنت المختلفة. أما بشأن إجراء الامتحانات إلكترونيا فيعوقها أمران: الأول عدم استعداد الحكومة لهذا الأمر؛ فلم يتم توزيع تابلت خاص بكل طالب بالصف الثالث الثانوي والفني وطلاب الصفوف النهائية بالجامعات. والثاني، أن الامتحانات الإلكترونية عن بعد ثبت بيقين  ــ بعيدا عن تباهي وزير التعليم ــ  أنها تجربة فاشلة وأن الغش  كان سيد الموقف؛ حيث كان طلاب الصفين الأول والثاني الثانوي يتواصلون بشكل مباشر مع مدرسيهم ويتلقون منهم الإجابات على “جروبات” سرية بذلك.

أمام هذه الآراء والأفكار،  استقرت حكومة السيسي على السيناريو الرابع، وهو إجراء الامتحانات في ظل هذه الظروف الخطيرة مع الإعلان عن اتخاذ تدابير احترازية وعمليات تعقيم واسعة وتوزيع نحو 33 مليون كمامة وأدوات تعقيم وتطهير وبوابات إلكترونية لتعقيم نحو 5 آلاف لجنة مع تقليل كثافة كل لجنة إلى نحو 14 طالبا  بخلاف مشرفين اثنين في كل لجنة.

فما معنى إصرار الحكومة على إجراء الامتحانات بالتزامن مع ذروة تفشي فيروس كورونا في مصر خلال هذه الفترة؟ ألم يحذر مستشار السيسي للشئون الصحية الدكتور محمد عوض تاج الدين من أن ذروة تفشي العدوى بمصر ستبدأ في منتصف يونيو؟ فلماذا تصر حكومة السيسي على إجراء امتحانات الثانوية بدءا من 21 يونيو ولمدة شهر كامل؟ ولماذا تصر على امتحانات الدبلومات الفنية بداية من 25 يوليو المقبل؟ ولماذا تصر الحكومة على إجراء امتحانات الصفوف النهائية بالجامعات في ذات التوقيت وذروة تفشي الوباء؟ أليس ذلك برهانا على أن نظام السيسي يصر على إلقاء ملايين المصريين إلى تهلكة الإصابة بالعدوى مع سبق الإصرار والترصد؟  فما أهداف ومآرب النظام من وراء هذا القرار المشبوه في هذا التوقيت؟

 

أبعاد القرار

الملاحظة الأولى والمهمة أن القرار ليس قرار وزارة؛ حتى لا يتم تحميل طارق شوقي وحده المسئولية عن هذه الكارثة،  وليس حتى قرار الحكومة، بل هو قرار  «دولة»، أو بمعنى أدق قرار ما تسمى بالأجهزة السيادية والأمنية؛ ذلك أن الحكومة في بلد مثل مصر هي مجرد واجهة لحكومة خفية هي من تتخذ القرارات المصيرية بناء على توجيهات الزعيم الدكتاتور، والحكومة الظاهرة هي مجرد واجهة لإعلان قرارات الحكومة الخفية التي تتشكل من كبار القادة والجنرالات في المؤسسة العسكرية والمخابرات وجهاز الأمن الوطني وهي الأجهزة وثيقة الصلة برئيس النظام وقائد الانقلاب. ولذلك دائما ما يكرر طارق شوقي في مداخلاته على فضائيات السلطة أن القرار  ليس قرار وزارة  بل قرار “دولة”.

الملاحظة الثانية أن ما يؤكد أن القرار في منتهاه هو قرار السيسي نفسه ومنظومته الأمنية والعسكرية، أن جميع الامتحانات سوف تتم سواء للثانوية العامة (660 ألف طالب وطالبة) والثانوية الفنية بأنواعها الأربعة (التجارية والصناعية والزراعية والفندقية وهؤلاء يقدرون بحوالي 770 ألف طالب وطالبة). وكذلك الثانوية الأزهرية (129 ألف طالب وطالبة). بخلاف طلاب الصفوف النهائية بجميع الكليات وهؤلاء يقدرون بحوالي مليون طالب. معنى ذلك أن النظام سوف يجري امتحانات لنحو «2.5» مليون طالب خلال شهرين فقط هما ذروة تفشي العدوى في مصر بخلاف نحو نصف مليون معلم ومشرف ومراقب على هذه الامتحانات؛ وهو بالطبع ما سوف يسهم في معدلات الازدحام والاحتكاك المباشر وعدم القدرة على توفير أدوات الوقاية والتعقيم لكل هذه الأعداد المهولة؛ وبالتالي فالقرار في حقيقته هو إصرار على زيادة معدلات العدوى والمصابين بين الناس؛ لأهداف سياسية بحتة تخدم مصالح النظام كما يراها هو من زاويته؛ وهو ما يحتاج إلى شرح وتوضيح.

ثالثا، للقرار أبعاد مالية تتعلق بالبيزنس الواسع، وبحسب طارق شوقي فإن تكلفة امتحانات الثانوية العامة تبلغ 1.3 مليار جنيه في الميزانية، تشتمل تكلفة التأمين ونقل ورق الأسئلة بالطائرات الحربية وذلك لمنع تسربها. وجرى إضافة نحو 600 مليون جنيه أخرى نظير الإجراءات الاحترازية لمواجهة انتشار العدوى أثناء الامتحانات والتي تتضمن عمليات التعقيم والتطهير وتوزيع الكمامات ومواد التعقيم والقفزات.([1]) لكن تصريحات شوقي تتناقض مع ما أدلى به خلال مناقشة موازنة الوزارة بلجنة التعليم في مجلس النواب في جلسة الأربعاء 6 مايو حيث قال إن “تعقيم لجان امتحانات الثانوية سيكلف نحو 950 مليون جنيه، بخلاف التكلفة السنوية لتأمين اللجان ضد عمليات الغش والتسريب، والبالغة نحو مليار و300 مليون جنيه، وكانت الوزارة قد تعاقدت مع القوات المسلحة للقيام بعمليات التعقيم والتطهير وتوفير بوابات التعقيم الإلكترونية لحوالي 5 آلاف لجنة امتحان.([2]) وأوضح الوزير أنه طالب وزارتي المالية والتخطيط بمخصصات مالية في موازنة العام المالي الجديد، بلغت 132 مليار جنيه، إلا أنه تم تخصيص 109 مليارات جنيه فقط، لأن الموازنة العامة للدولة تواجه ضغطاً كبيراً بسبب أزمة فيروس كورونا”.

رابعا، قرار  الحكومة منذ شهر إبريل بالإصرار على إجراء الامتحانات أسهم في مضاعفة أسعار الدروس الخصوصية التي أصرت بعض الأسر  على التزام أولادهم فيها مع اتخاذ التدابير الاحترازية والتعقيم والتباعد؛ وأدى تعليق النشاط التعليمي رسميا إلى وضع الطلاب أمام خيارين: إما اللجوء إلى الدروس الخصوصية وإما الرسوب. ولأنه لا مفرّ من الخيار الأول، استغلّ المدرسون الأمر لرفع الأسعار بشكل جنوني بالنسبة لتلاميذ المرحلة الثانوية. وساهم في زيادة أسعار الدروس الخصوصية أمران، الغلق الحكومي للسناتر والمراكز التعليمية من جهة، ورغبة المدرسين في تعويض ما خسروه مع تعليق النشاط التعليمي من جهة ثانية. وبالتالي ارتفعت أسعار الدروس الخصوصية بنسبة 100% (بين 100 إلى 300ج لكل طالب في الحصة الواحدة)؛ لقلة عدد الطلاب في كل مجموعة (بين 7 إلى 10 طلاب). وينتقل المدرس من منزل لآخر في سرية تامة خوفا من الملاحقات الأمنية.([3])

خامسا، من أبعاد القرار الصحية والمالية أيضا أن نصف  مليون معلم وموظف سوف يشاركون في المراقبة والملاحظة وسط مخاوف تحاصرهم من الإصابة بالعدوى وهم يدركون أن الوزارة لا تملك أي سلطة أو قدرات لتوفير أماكن للمصابين من الطلاب والمشرفين بمستشفيات العزل التي امتلأت عن آخرها وبات الحصول على سرير عزل بأحد مستشفيات المخصصة لذلك أمرا بالغ الصعوبة. ورغم مطالب المعلمين بضرورة توزيع المراقبين على لجان بنفس المراكز التي يقيمون فيها مع توفير وسائل نقل آمنة في ظل الخوف من العدوى مع توفير سبل التعقيم وأدوات الوقاية من العدوى لكن الوزارة لم تستجب لمعظم مطالب المعلمين والمراقبين، ووجد الكثيرون أنفسهم مطالبين بالمراقبة في لجان خارج محافظاتهم مع ما يترتب على ذلك من إرهاق ومصاريف طائلة. ورغم اعتذار كثيرين عن المشاركة في  مراقبة هذه الامتحانات إلا أنهم وجدوا أسماءهم مدرجة بقوائم المراقبة. ([4])

سادسا، القرار قوبل برفض شعبي واسع واعتبر النائب مصطفى كمال الدين، عضو لجنة التعليم بالبرلمان، أن الوضع الحالي لا يحتمل المجازفة بإجراء الامتحانات خوفا على حياة الطلاب وأولياء الأمور، خاصة في ظل تزايد أعداد الإصابات بالفيروس مؤكدا أنه لم تم إجراء مسحات للكشف على الطلاب سوف يتم اكتشاف إصابات عديدة بينهم ما يعني أن هؤلاء سوف ينقلون العدوى بين أقرانهم في  لجان الامتحانات. وأكد النائب على صعوبة السيطرة على انتشار الفيروس داخل اللجان نتيجة عدم توفر المساحات والأعداد الكافية لتحقيق التباعد الاجتماعي، بجانب كثرة التجمعات الناتجة عن اختلاط الطلاب خلال فترة الراحة بعد الامتحان، فضلا عن تجمع أولياء الأمور خارج المدارس، وغيرها من المخالفات التي تساعد على انتشار الفيروس.

سابعا، يبدو مطلب تأجيل الامتحانات عادلا ومنطقيا لاعتبارات تتعلق بالحرص على حياة الطلاب وأولياء أمورهم بالتبعية حتى تتم السيطرة على العدوى؛ ذلك أن تجربة الحكومة مع الطواقم الطبية تؤكد أن أدوات الحماية والوقاية الحكومية من العدوى بها ثغرات قاتلة؛ فإذا كانت الحكومة غير قادرة على حماية الكوادر والطواقم الطبية من العدوى فهل يمكن الوثوق في وعودها بشأن إجراءاتها الاحترازية لأكثر من مليوني طالب في الامتحانات المرتقبة؟ أليس منطقيا التشكيك في وعود الحكومة في ظل سقوط المزيد من الطواقم الطبية وهم أكثر خبرة ودراية بطرق الوقاية من العدوى؟ أليس إجراء الامتحانات بناء على ذلك هو وصفة انتحارية لنقل العدوى لملايين من أولياء الأمور خلال مدة وجيزة خصوصا وأن أكثر أنواع المصابين خطورة هم الشباب والأطفال الذين لا تظهر عليهم أعراض الإصابة؟. وتكتسب دعوات التأجيل زخما بين الناس لأن نسبة ومنحنى الإصابة بالمرض في تزايد تصاعدي، ولم يبدأ المنحنى بالاستقرار أو التناقص بعد، وهذه هي الفترة التي تتطلب عزلاً وحجراً منزلياً تاماً؛ وليس انفتاحا وتعايشا مع  الفيروس كما ترغب الحكومة وتصر على إكراه المواطنين على خطتها رغم المخاطر الكبيرة والمؤكدة.

ثامنا، تسببت عدالة مطالب التأجيل والضغوط المجتمعية الهائلة من أولياء الأمور وبعض نواب البرلمان والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في إرباك الحكومة وصدور تصريحات بالغة الغرابة والشذوذ. منها تصريحات طارق شوقي في مداخلة هاتفية مع إحدى فضائيات السلطة في بداية يونيو، أصر فيها على موقف الحكومة بإجراء الامتحانات، وعندما سئل عن مسئوليته عن القرار حال أدى إلى كارثة وتفشي العدوى بين الطلاب وأولياء الأمور بصورة كبيرة، انفعل الوزير معلنا رفضه تحمل المسئولية عن القرار وصرخ في المذيع قائلا: «يعني إيه نتحمل تبعات.. لو زي ما بتقول إن الحكومة تتحمل تبعاتها فكدا مفيش مسئول هيشتغل في الدولة»!  وهي تصريحات تحمل عدة مضامين بالغة السلبية:

  • تصريحات شوقي تعكس انعدام الكفاءة والهروب من المسئولية، فأمثال هذه النوعية من الوزراء يريدون من الوزارة الوجاهة والسلطة والنفوذ، أما عواقبها فهي على أي أحد آخر غيرهم. وتعني أيضا أن للحكومة مزايا القرار إذا نجح ولا تتحمل أوزاره إذا فشل وتسبب في كارثة. وقد كان الوزير قد تباهي بالفعل أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تجري الامتحانات في ظل تفشي الجائحة عالميا في الوقت الذي فشلت فيه دور كبيرة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا في إجراء أي امتحانات.
  • تؤكد هذه التصريحات أن مصر لا تديرها حكومة بالمعنى المتعارف عليه دوليا، بل تحكمها عصابة وشبكة مافيا واسعة، تفتقد إلى الحكمة والرشد، وتعبر تصريحاته عن مدلولات لا يمكن أن تصدر إلا عن عصابة مغتصبة للحكم وتمارس بلطجة لا تصدر إلا عن لصوص وقطاع طرق.
  • المواطن لا قيمة له عند حكومة الانقلاب؛ فهو مجرد رقم، لا يعنيها كيف يعيش وكيف يعاني وكيف تمارس بحقه أبشع صور الانتهاكات والعنصرية والتمييز، وإذا هان أمر الأطباء عند الحكومة وترمي بهم إلى التهلكة لمواجهة العدوى بدون أدوات وقاية أو حماية وتفضل إهداء المستلزمات الطبية والأدوية والمعقمات وبدل الوقاية من العدوى للصين والولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا والكونغو وزامبيا؛ فهل يهون عليها الطلاب؟
  • تنطوي تصريحات الوزير على أن الحكومة والوزراء محصنون من أي محاسبة على قراراتهم الخاطئة التي يمكن أن تفضي إلى كوارث وخسائر فادحة. كما أن هذه التصريحات تمثل ترجمة حرفية لتصريحات الدكتاتور عبد الفتاح السيسي لضباط الشرطة في أعقاب الانقلاب مباشرة، والتي وعد فيها ضباط الداخلية بالحصانة من المساءلة والمحاسبة على قتل المواطنين وتعذيبهم، سواء في المظاهرات أو مقرات الاعتقال والسجون. فإذا كان الوزراء محصنين من المحاسبة على قراراتهم الفاشلة؟ وإذا كان الضباط محصنين من المحاسبة على جرائم القتل والتعذيب؟ فمن المسئول إذا؟ إنه منطق العصابة وتكريس قانون الغاب، والعصف بكل أركان دولة الدستور والقانون مع سبق الإصرار والترصد.

تاسعا، تسببت تصريحات وزير التعليم في موجات غضب كبيرة بين الطلاب وأولياء الأمور ومواقع التواصل الاجتماعي،   إضافة إلى أن أجواء الرعب المسمومة كفيلة بفقدان الطلاب تركيزهم في سنة مفصلية يتحدد عليها مستقبل الطالب؛ وبذلك حوصر الطلاب بين رعبين: الثانوية من جهة والعدوى من جهة ثانية، واحتل  هاشتاج #جهزوا_المستشفيات_لـ3 ث، صدارة الأكثر تداولاً عبر موقع التدوين القصير تويتر؛ الأمر الذي دفع النظام إلى إعادة النظر في قرار امتحانات الثانوية العامة من جديد، وانتهت إلى قرار  يمثل في حقيقته حلا وسطا  يحقق توجهات النظام السياسية وإصراره على إجراء الامتحانات لاعتبارات سياسية واقتصادية من جهة ، وبين رغبة الطلاب وأولياء الأمور بتأجيل الامتحانات في ظل هذه الظروف من جهة أخرى. واتخذت الحكومة 3 قرارات مهمة تلبي كثيرا من الضغوط الشعبية:

  • أولا، إجراء الامتحانات كما هو مقرر؛ وللطالب حرية الاختيار بين حضور الامتحانات أو تأجليها للعام المقبل إذا شاء على أن يعامل على أنها أول محاولة؛ بشرط أن يقوم ولي أمره بالتقدم بطلب لإدارة شئون الطلبة والامتحانات بالمديرية التعليمية التابع لها بذلك مرفقا بطلب من صورة ضوئية من رقم الجلوس.([5])
  • ثانيا، السماح للطلاب الذين لم يؤدوا الامتحان نظرا لظروف قهرية (حجر صحى – إصابة الطالب بالكورونا) بدخول امتحان الدور الثاني ويعتبر لهم امتحان دور أول ويسمح لهم ـ في حالة الرسوب في مادة أو مادتين بدخول امتحان دور ثان يحدد موعده لاحقا.([6])
  • ثالثا، تسهيلا على طلاب الثانوية العامة تقرر أن تكون امتحانات التربية الدينية والاقتصاد والإحصاء والتربية الوطنية “من المنزل” وهي المواد التي لا تضاف للمجموع ، على أن يستلم الطلاب البوكليت الخاص بهذه المواد وتسليمها وفقا للشروط التي حددتها الوزارة.

خلاصة الأمر أن قرارات التيسير الحكومية اختصت بطلاب الثانوية العامة فقط، بينما  تعامل النظام مع باقي الطلاب في الثانوية الأزهرية  والدبلومات الفنية والسنوات النهائية بالجامعات بعدم اكتراث؛ ما يحمل دلالة واضحة أن الضغوط الشعبية قادرة على تحقيق مكاسب مهمة إذا توفرت روح الإصرار والتصميم. لا سيما وأن أخبار الثانوية تحظى بالاهتمام الأكبر في الفضائيات والصحف والمواقع ومواقع التواصل الاجتماعي وفقا لمحركات البحث رغم أن المخاطر تواجه الجميع سواء كانوا طلابا أو معلمين ومشرفين.

إصرار الحكومة على إجراء الامتحانات يأتي ضمن ما تسمى بخطة التعايش مع كورونا، وتمثل برهانا جديدا على تبني نظام السيسي نظرية «مناعة القطيع» التي يصر على فرضها على الشعب كرها وإجبارا، دون أن يملك أدوات وآليات تمكن المواطنين من النجاة بأنفسهم خصوصا في ظل انهيار المنظومة الصحية. ولتبني النظام هذه النظرية دوافع اقتصادية وأخرى سياسية، أما الدوافع الاقتصادية فإن السيسي إما أن يحافظ على الشعب بفرض حالة حظر شامل لمدة شهر كامل والتكفل بمعيشة المواطنين وهو ما يؤدي تلقائيا إلى إفلاس النظام، أو يضحي بجزء من الشعب ويحافظ على النظام بتبني نظرية مناعة القطيع. التي تقوم على تطبيع الحياة مع العدوى وترك الفيروس ينهش في المواطنين كيفما شاء؛ فيصيب عشرات الملايين ربما يموت منهم عشرات أو مئات الآلاف حتى تتشكل مناعة ذاتية داخل المجتمع تفضي إلى تراجع الوباء وانحساره.

مبلغ الخطورة هنا أن المنظومة الصحية باتت غير قادرة على استقبال حالات إصابة جديدة بعد أن امتلأت جميع مستشفيات العزل بالمصابين؛ فماذا إذا أفضت سياسات النظام إلى إصابات بمئات الآلاف دون أن يجدوا أي رعاية صحية؛ سيناريو مثل هذا كفيل بزعزعة النظام بشكل مؤكد؛ فهل أعد السيسي خططا لمواجهة مثل هذا السيناريو؟ وهل سيعتمد على القمع كعادته إذا حاصر آلاف المصابين المستشفيات بحثا عن رعاية صحية باتت عسيرة مع تزايد معدلات الإصابة، خصوصا بعد أن تواطأ النظام مع المستشفيات الخاصة والاستثمارية التي تفوق أسعار الخدمة الصحية بها مستويات نحو 90% من فئات الشعب؟ الأسابيع والشهور المقبلة تحمل كثيرا من المفاجآت التي يمكن أن تغير شكل المعادلة القائمة وتقود إلى فوضى ربما تكون خلاقة وربما تكون عكس ذلك؛ وسيبقى الشعب ينزف والوطن يدفع الثمن جراء نظام أدمن الطغيان والاستبداد ومارس التجريف بحق كل شيء في البلاد.

 

[1] بسام رمضان/طارق شوقي: 1.9 مليار جنيه تكلفة امتحانات الثانوية وإجراءات مواجهة كورونا/ المصري اليوم الأحد 7 يوليو 2020

[2] مصر: الجيش يتولى تعقيم لجان امتحانات الثانوية العامة بـ950 مليون جنيه/ العربي الجديد 6 مايو 2020

[3] مضاعفة أجر الدروس الخصوصية للثانوية العامة في مصر بسبب كورونا/العربي الجديد 8 مايو 2020

[4] نهى عثمان/يقدمون روشتة للطلاب لتخفيف التوتر..فيديو| بُعد جغرافي وأعباء مالية.. مراقبو امتحانات الثانوية العامة على خط المواجهة ضد كورونا/ مصر العربية 13 يونيو 2020

[5] وفاء يحيى/«التعليم» تعلن خطوات تأجيل امتحانات الثانوية العامة/ المصري اليوم الخميس 11 يونيو 2020

[6] منى السعيد/ لطلاب الثانوية العامة.. 4 قرارات اتخذت للمرة الأولى بسبب كورونا/ الوطن السبت 13 يونيو 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…