‫الرئيسية‬ العالم العربي هل تغير الموقف الروسي تجاه أطراف الصراع الليبي؟
العالم العربي - يونيو 22, 2020

هل تغير الموقف الروسي تجاه أطراف الصراع الليبي؟

أكدت قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية، في 25 مايو الماضي، أنه تم إجلاء مئات “المرتزقة” الروس الذين يقاتلون إلى جانب حفتر من مدينة بني وليد الواقعة جنوب شرق العاصمة. وبعد يوم واحد فقط، فقد أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، في 26 مايو، أن موسكو أرسلت مقاتلات إلى ليبيا؛ لدعم المرتزقة الروس الذين يقاتلون إلى جانب اللواء المتقاعد خليفة حفتر. وهو ما أثار العديد من التساؤلات، لعل أبرزها التساؤل حول إمكانية حدوث تغيرات في الموقف الروسي من أطراف الصراع الليبي.

 

أولًا: مؤشرات تغير الموقف الروسي لصالح حكومة الوفاق:

ظهرت مجموعة من المؤشرات التي تشير إلى تحول في الموقف الروسي من دعم حفتر إلى تقارب مع حكومة الوفاق، ولعل أبرزها:

1- تزايد اللقاءات الرسمية والدبلوماسية بين الروس وممثلي حكومة الوفاق، والتي كان آخرها وصول نائب رئيس حكومة “الوفاق” الليبية أحمد معيتيق، في 3 يونيو الحالي، إلى موسكو؛ من أجل إجراء محادثات رسمية مع الحكومة الروسية بشأن الأوضاع في ليبيا. ورافق معتيق إلى روسيا وزير الخارجية محمد سيالة.

والأهم من ذلك، أن تلك الزيارة قد جاءت بالتزامن مع إعلان حكومة الوفاق رسميًّا انطلاق عملية تحرير مطار طرابلس من مليشيا اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وبالتزامن أيضًا مع بدء الجيش الليبي الهجوم على قوات حفتر لاستعادة مدينة ترهونة[1]. ما يشير إلى إمكانية حصول حكومة الوفاق على ضوء أخضر من قبل روسيا للقيام بتلك الخطوة.

2- انسحاب المرتزقة الروس من عناصر شركة فاغنر، وثيقة الصلة بالكرملين، من خطوط المواجهة العسكرية جنوبي طرابلس خلال الأسبوع الأخير من مايو. فقد رُصد انسحاب ما يقدر بـ 1500 عنصر من المرتزقة الروس عبر ترهونة إلى مطار بني وليد، المدينة التي اتخذت موقفًا محايدًا بين حفتر وحكومة الوفاق. وقد غادرت عدة مئات من المرتزقة الروس مطار بني وليد في طائرات نقل روسية إلى مكان غير معروف؛ ولكن ما يرجح، أنها نُقلت إلى طبرق. بينما غادرت مئات آخرون، بني وليد برًّا، بما معهم من وسائل نقل ومعدات عسكرية ثقيلة، والمؤكد أن هذه الكتلة الثانية من المرتزقة اتجهت من بني وليد إلى قاعد الجفرة[2].

 

ثانيًا: دوافع التغير في الموقف الروسي:

يمكن إرجاع هذا التغير في الموقف الروسي إلى مجموعة من الأسباب، منها:

1- انقلاب حفتر على شرعية برلمان طبرق، وهو أحد الأجسام المنبثقة عن “اتفاق الصخيرات” المدعوم دوليًّا، وذلك عندما أعلن حفتر بتاريخ 27 أبريل الماضي، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة -والموقَّع في ديسمبر 2015- أصبح لاغيًا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا.

وهو ما يراه الروس خروجًا على الاعتراف الدولي الذي يتمتع به عقيلة صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، فقد أشار صالح، في 29 أبريل الماضي، أن روسيا شجعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية.

كما تسعى موسكو إلى الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح، واستخدامه مبررًا لانخراطها السياسي والعسكري المتزايد في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع “حكومة الوفاق الوطني” المعترف بها دوليًّا والمتمركزة في طرابلس. وربما تسعى روسيا إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق، مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع “حكومة الوفاق الوطني”، والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

2- تشكك روسيا في ماضي حفتر وعلاقاته بـ “وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية”، ولعل ذلك ما دفع موسكو نحو تنسيق عودة الشخصيات الرئيسة في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف “الجيش الوطني الليبي”، وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا[3].

3- تخوف روسيا من توجه حكومة الوفاق لملاحقتها دوليًّا؛ نتيجة تقديمها الدعم العسكري لحفتر، خاصة بعد أن أصبحت حكومة الوفاق أكثر جدية في ملاحقة حفتر وداعميه دوليًّا. وهو ما ظهر في قيام وزارة العدل التابعة للوفاق بتوثيق الانتهاكات الكبيرة التي ارتكبتها مليشيات خليفة حفتر في حربها على العاصمة طرابلس، والتي بدأت في 4 أبريل 2019، بجانب توثيق الدعم المباشر وغير المباشر الذي تقدمه عدد من الدول الأجنبية لمليشيات حفتر؛ وذلك من أجل العمل على ملاحقة حفتر وداعميه أمام المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية[4].

كما تخشى موسكو من إمكانية توجه النيابة العامة الليبية نحو توجيه اتهامات رسمية ضد كل من إكسيم شوغالي وسمير سيفان -وهما رجلان روسيان تم القبض عليهما في العاصمة طرابلس في مايو 2019، بتهمة التجسس، ومحاولة التدخل في الانتخابات الليبية مستقبلا، إلا أنه لم يتم تحويلهما إلى المحكمة بعدُ لكي توجه إليهما التهم بشكل رسمي- وذلك بعد أن نشر موقع “بلومبيرغ” الأمريكي تقريرًا أشار فيه إلى أن “حكومة الوفاق ستمضي في خططها لمحاكمة الرجلين رغم الضغوط الروسية”[5].

4- أن نفوذ الإمارات، الحليفة للولايات المتحدة، على حفتر أكبر بكثير من نفوذ روسيا على الأخير. وهو ما ظهر في رفض حفتر التوقيع على هدنة وقف إطلاق النار في موسكو، في يناير الماضي، وذلك بإيعاز من الإمارات. وظهر ذلك أيضًا في دعم أبو ظبي إعلان حفتر بإلغاء “الاتفاق السياسي الليبي”، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا، في مقابل رفض روسيا لهذا الإعلان، ودعمها للمبادرة السياسية التي أطلقها عقيلة صالح.

كما أن روسيا تسعى -عبر عدم تقديمها الدعم اللازم لحفتر- إلى التأكيد على أن دورها لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة له.

5- التنسيق الروسي – التركى، فليبيا -مثل سوريا- هي إحدى محطات التنافس والصراع بين البلدين. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضًا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الإستراتيجية طويلة الأجل.

وهو ما ظهر في محاولة بوتين وأردوغان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنية بليبيا، من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في إسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا. وربما يحاول كل من أردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنية بليبيا، من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا الخاصة بالملف السوري[6].

6- تصاعد الانتقادات الأمريكية للتدخل الروسي في ليبيا، وهو ما ظهر فيما كشفته القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، في 27 مايو الماضي، عن إخفاء روسيا هوية ما لا يقل عن 14 مقاتلة حربية في قاعدة عسكرية بسوريا، قبل إرسالها إلى ليبيا، وذلك بعد ساعات من نشر بيان مزود بصور لمقاتلات قالت إن روسيا أرسلتها إلى ليبيا.

كما طلبت الولايات المتحدة الأمريكية، في 28 مايو، من الدول الأعضاء بمجلس الأمن، المساعدة في سحب المرتزقة من ليبيا، وضمان تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بحظر تصدير السلاح إلى البلد الأخير.

وفي 30 مايو، أعلنت الخارجية الأمريكية أن مالطا ضبطت ما قيمته 1.1 مليار دولار، من الدينار الليبي المزور، طبعته شركة حكومية روسية لصالح  حفتر. وقالت في بيان إن “البنك المركزي الذي تديره الحكومة (المعترف بها دوليًّا) في طرابلس، هو البنك المركزي الشرعي الوحيد في البلاد”، مؤكدة أن “هذه الحادثة، أظهرت مرة أخرى ضرورة إنهاء روسيا لأعمالها السيئة والمزعزعة للاستقرار في ليبيا”.

وفى إشارة إلى إمكانية تحرك الولايات المتحدة عسكريًّا ضد روسيا، فقد كشفت القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، في 30 مايو، عن إمكانية نشر قواتها في تونس، على خلفية الأنشطة العسكرية الروسية في ليبيا[7].

 

ثالثًا: هل التغير إستراتيجي أم تكتيكي؟:

يرى العديد من المراقبين للشأن الليبي أن الموقف الروسي لم يتغير بصورة جذرية، وأن روسيا لا تزال تدعم حفتر، ولعل أبرز ما يدعم ذلك:

1- أن روسيا لا تقف إطلاقًا في صف فصيل مدعوم من جماعات الإسلام السياسي، وبالتالي فإنها لن تقف في صف حكومة الوفاق، وحتى إذا أقامت معها علاقات دبلوماسية فإنها لن تتحالف معها. وبالتالي فالطرف الأمثل للحصول على دعمها هو حفتر، وإن اختلفوا في بعض الأمور[8].

2- قد يكون هدف روسيا من سحب مرتزقة “فاغنر” في الوقت الذي يعاني فيه حفتر من حالة الضعف والتراجع بسبب التدخل التركي، هو إملاء بعض من شروطها عليه. خاصة أنها ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا تلك الإستراتيجية، فقد سبق أن اعتمدت موسكو هذا الأسلوب مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، في 2016، عندما أعلنت سحب قواتها جزئيًّا من بلاده، في حين لم يكن ذلك سوى مناورة للضغط عليه[9].

3- ما أعلنته القيادة الأميركية في إفريقيا، 26 مايو 2020، بصورة رسمية عن نشر الروس لعدد من الطائرات العسكرية في المنطقة الليبية الواقعة تحت سيطرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، سيما قاعدة الجفرة. وفي اليوم التالي، 27 مايو، كشفت وزارة الدفاع الأمريكية عن أن عدد الطائرات الروسية في ليبيا 14 طائرة، وأنها من طرازي سوخوي 24 وميغ 29[10].

4- استمرار روسيا في تجنيد المرتزقة السوريين من أجل القتال إلى جانب حفتر، والتي كان آخرها تجنيد 300 من منطقة حمص، بعضهم مقاتلون سابقون في الجيش السوري الحر، بجانب 320 فردًا من المجندين من الجنوب الغربي. وهو ما يشير إلى رغبة روسيا في زيادة وتيرة التجنيد مع اشتداد حدة القتال في ليبيا وهدوء الحرب في سوريا. وفي هذا السياق، فقد أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان أن روسيا جندت أكثر من 900 سوري للقتال في ليبيا خلال شهر مايو الماضي فقط[11].

 

ختامًا، يمكن القول إن الموقف الروسي قد طرأ عليه تغيير تكتيكي وليس إستراتيجيًّا؛ حيث إن إعادة انتشار القوات الروسية من طائرات ومرتزقة، عبر سحبهم من مناطق القتال في الغرب إلى الشرق والجنوب الشرقي، يشير إلى تراجعها عن دعم حفتر لمواصلة القتال على طرابلس.

إلا أنها في المقابل تهدف من خلف عملية إعادة انتشار قواتها إلى الحفاظ على وضع حفتر في الشرق والجنوب الشرقي، بما في ذلك المثلث النفطي. خاصة أن ثمة من يدفع في طرابلس إلى التقدم شرقًا؛ لإيقاع هزيمة نهائية بحفتر، بعد بسط السيطرة الكاملة على الغرب الليبي، على أن يكون المثلث النفطي الهدف التالي مباشرة.

وعليه، ففي حال حاولت قوات الوفاق التقدم نحو الشرق والجنوب الشرقي، فمن المحتمل أن تقوم القوة الجوية الروسية بصدها، بل وربما تقوم بقصف مكثف لمواقع الوفاق في طرابلس وما حولها[12].

[1] “حراك روسي على خطّ الأزمة الليبية .. وتأكيد تركي لفشل حفتر”، العربي الجديد، 3/6/2020، الرابط: https://bit.ly/30fzn0H

[2] “خط دفاع متقدم: أهداف تدخل موسكو في ليبيا”، مركز الجزيرة للدراسات، 4/6/2020، الرابط: https://bit.ly/2XDR1JN

[3] “التدخل التركي في ليبيا يعطل الإمارات العربية المتحدة لكنه يفتح أمام الباب روسيا”، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 1/6/2020، الرابط: https://bit.ly/37f2UZZ

[4] “فيديو  حكومة “الوفاق” توثق جرائم حفتر لمحاسبته وداعميه دوليًّا”، العربي الجديد، 28/5/2020، الرابط: https://bit.ly/30gH8nh

[5] “بلومبيرغ: طرابلس ماضية بمحاكمة روسيين رغم اعتراض موسكو”، عربي 21، 5/6/2020، الرابط: https://bit.ly/2MDjoSo

[6] “التدخل التركي في ليبيا يعطل الإمارات العربية المتحدة لكنه يفتح أمام الباب روسيا”، مرجع سابق.

[7] “بعد تصاعد التحرك الروسي .. هل غيّرت أمريكا سياستها في ليبيا؟”، عربي 21، 1/6/2020، الرابط: https://bit.ly/30nIAV3

[8] “هل يسعى الروس للتخلص من حفتر؟”، نعرف، 31/5/2020، الرابط: https://bit.ly/2MC7EPV

[9] “مع انسحاب “فاجنر” .. ما مستقبل الوجود الروسي في ليبيا؟”، الاستقلال، 31/5/2020، الرابط: https://bit.ly/2za6gAQ

[10] “خط دفاع متقدم: أهداف تدخل موسكو في ليبيا”، مرجع سابق.

[11] “روسيا تسرّع حملة تجنيد مرتزقة سوريين للقتال إلى جانب حفتر”، القدس العربي، 7/6/2020، الرابط: https://bit.ly/3cA4Kpq

[12] “خط دفاع متقدم: أهداف تدخل موسكو في ليبيا”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشاورات جنيف والمغرب حول ليبيا..بين فرص السلام وعراقيل حفتر وداعميه

    الأحد الماضي، بدأت الجلسات التمهيدية لطاولة الحوار السياسي الليبي بين ممثلي …