‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر سيطرة الدولة على المحتوى الإعلامي والفني في رمضان
مصر - يونيو 23, 2020

سيطرة الدولة على المحتوى الإعلامي والفني في رمضان

بدأت فكرة احتكار الإنتاج الفني التابع لسياسة الدولة منذ عام 2015 بعد وصول “عبد الفتاح السيسي” إلى الحكم في عام 2014؛ وذلك لأنه في أحد تصريحاته بشأن الدراما المصرية خلال مؤتمر الشباب، قال لأحد الفنانين: “والله هتتحاسبوا على ده، عايزين ندي للناس أمل في بكرة ونحسن من قيمنا وأخلاقنا، وده هيكون رمضان الجاي وهشوف”[1]، جاءت هذه التصريحات في ظل وجود بعض المسلسلات التي تنتقد الواقع المصري وما به من سلبيات، سواء كانت اجتماعية أو سياسية، لنرى في 2020 مجموعة من المسلسلات التي يتم تصويرها في المناطق الراقية و”الكومباوند”؛ ليتم نشر صورة إيجابية خيالية عن الواقع المصري، كما يتم عرض عدة مسلسلات توضح أن ظباط الجيش أو الشرطة هم أشخاص ليس لهم أي سلبيات ولا أخطاء، ويجب تقديسهم.

وفي هذا الإطار أوضحت صحيفة “نيو يورك تايمز” أن أجهزة النظام المصرية أصدرت أوامر للمخرجين ومنتجي مسلسلات رمضان، بضرورة التقيد ببعض الإجراءات الواجب مراعاتها في المسلسلات، ووجهت لهم أوامر بتحسين صورة الجيش، وتعظيم قياداته، وتشويه الجماعات الإسلامية، ، وهددت المخالفين بالاستبعاد[2]، وهذا ما حدث بالفعل هذا العام في مسلسل “الاختيار”؛ فاختارت الدولة قصة شخص حقيقي لتدعيم فكرتها في تمجيد الجيش، وهذا الظابط الذي استشهد في هجوم مسلح تم على الموقع العسكري الموجود به، وبداخل السيناريو تم التركيز على فكرة أن ظباط الجيش ليس لديهم أي أخطاء وعيوب، والتركيز على أن كل شخص ملتحٍ ومتدين هو مشروع إرهابي من الدرجة الأولى، ويمكن استقطابه للاشتراك في الجماعات الإرهابية والتكفيرية.

 

دعم الدولة للاحتكار الفني:

منذ العام الماضي تم إغلاق بعض المنصات الإعلامية المجانية، والتي كان يعتمد عليها المصريون في مشاهدة المسلسلات المحجوبة من العرض على القنوات التليفزيونية بأمر من وزارة الإعلام؛ لأنها معارضة للنظام، وتم الاعتماد على شركة تابعة للمخابرات المصرية، وهي شركة “إعلام المصريين”، أو “سينرجي” المملوكة للمنتج “تامر مرسي” ورجل الأعمال المصري “أحمد أبو هشيمة”، والتي تحظى بدعم أمني كبير، والتي أعلنت مؤخرًا إطلاق أول تطبيق لتدفق الفيديو في مصر مقابل اشتراك شهري، وهو تطبيق “Watch it“؛ لعرض مسلسلات رمضان وبرامج إعلامية[3].

وفي هذا الإطار، دعمت الدولة شركة إنتاج رئيسة “سينرجي”؛ حتى تقوم بالسيطرة على المحتوى المقدم داخل مسلسلات رمضان، والتي تدخل كل بيت مصري، ويمكن من خلالها بث أفكار تدعم الدولة وسياستها، سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر؛ لدعم الاستقرار الداخلي، فمنذ تسلم حكومة “السيسي” الحكم في 2014 كانت تزيد السيطرة، وتحكم قبضتها على وسائل الإعلام، وفرضت حظرًا على بعض المواقع الإلكترونية الأكثر شعبية؛ لضمان عدم قرصنة المسلسلات والخروج عن سيطرتها المباشرة، بالإضافة إلى تلقي الكثير من مقدمي البرامج التلفزيونية أمرًا بتعديل خطابهم، ومن لا يلتزم يتم إبعاده، وهذا ما حدث مع مجموعة من مقدمي برامج شبكة قنوات “النهار”.

فمسئولو الأمن في مصر يعتقدون أن وسائل الإعلام بالغت بشكل كبير في عرض مشاكل البلاد الداخلية، ولذا حذر “السيسي” كثيرًا بأنه سيتم الرقابة على وسائل الإعلام، وخاصة في خطابه الذي ألقاه في يونيه 2017؛ فحذر بأن الدولة سوف تستعيد تأثيرها الكامل على السوق[4].

 

المسلسلات التي حققت نسبة مشاهدة عالية نتيجة تدعيم الدولة وأجهزتها لها:

  1. مسلسل “الاختيار”، بطولة “أمير كرارة” و”أحمد العوضي” و”دينا فؤاد”، وإخراج “بيتر ميمي”، تصدر قائمة أفضل مسلسلات رمضان من جانب القصة والسيناريو، وذلك باعتبار أن المسلسل يجسد قصة وطنية وأحداثًا حقيقية، كانت قصة معروفة لكثير من المصريين، وهو قائد الكتيبة “103” صاعقة، العميد “أحمد المنسي”، والذي قُتل في عام 2017 في انفجار بعبوة ناسفة شمال جزيرة سيناء، كما يعرض انفصال بعض ظباط الجيش والتحاقهم ببعض الجماعات التكفيرية، وركز بشكل أساسي على شخصية الظابط “هشام عشماوي”، والذي تم إعدامه بعد إدانته بتهمة التحريض على القتل وممارسة العمل الإرهابي[5].

حاز هذا المسلسل على أعلى نسبة مشاهدة؛ نتيجة انتظار الجمهور عمل درامي يوضح ما يحدث في سيناء من عمليات عسكرية لمواجهة الإرهابيين والمتطرفين، الذين يتخذون سيناء ملجأ لهم، ولكن بالرغم من أن القصة حقيقية، إلا أن بها بعض المبالغات، سواء في تعامل قيادات الجيش مع العساكر الأقل رتبة، من حيث الحوار الدائم الذي يتسم بالمودة، وقلما يحدث هذا في الواقع، أو من حيث التعامل مع الإرهابيين بشكل مبالغ فيه، وتشبيه أي شخص ملتحٍ بأنه إرهابي، أو من حيث الأسباب التي دفعت بعض ظباط الجيش إلى الانشقاق والانضمام إلى الجماعات الإرهابية.

  1. جاء في المرتبة الثانية مسلسل “البرنس”، بطولة “محمد رمضان”، و”أحمد زاهر” و”نور”، وإخراج “محمد سامي”، جسد المسلسل قصة واقعية تحدث في كثير من الأسر المصرية؛ نتيجة الصراع على فكرة الميراث، الذي قد يصل إلى العداء بين الإخوة، ويمكن أن يصل إلى القتل، فهذه القصة نقرؤها كل يوم في صفحات الحوادث، أو نشاهدها في البرامج، أصبحت مألوفة بالنسبة للمشاهد المصري، وخلال عرض المسلسل تعايش الجمهور مع القصة، وتوحد مع البطل، وتعاطف مع قضيته وظلم الإخوة له، خاصة وأن المسلسل تم تصويره داخل حارة مصرية.

ويعتبر المسلسل جزءًا من سلسلة المسلسلات التي أنتجها ” تامر مرسي” لترسيخ فكرة اجتماعية، وهي الصراع بين الخير والشر داخل الأسرة الواحدة، وأن الأفكار اللاأخلاقية المنتشرة داخل المجتمع نابعة من النفوس البشرية وليس من المجتمع المحيط أو الظروف التي يعيشها الأفراد وتفرضها الدولة عليهم.

  1. جاء في المرتبة الثالثة مسلسل “النهاية”، بطولة الفنان “يوسف الشريف” والفنانة “سهر الصايغ”، وقد اتخذ المسلسل شكلًا جديدًا على الدراما المصرية، وهو الخيال العلمي، وحاز في بداية عرضه على جدل كبير؛ وذلك لأن أحداثه تدور في مدينة القدس، وتنبأ في بداية عرضه بزوال دولة إسرائيل بعد 100 عام؛ مما أدى إلى غضب السفارة الإسرائيلية، وقيام بعض الصحف الإسرائيلية بمهاجمة صناع المسلسل، وأنه يخالف السياسات القائمة بين البلدين مصر وإسرائيل، كما شاهد جدلًا كبيرًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أنه وصل إلى صدارة القوائم الأعلى تداولًا لمدة ثلاثة أيام.

وبالرغم من أن الشركة المنتجة هي “سينرجي” التابعة لسيطرة الحكومة المصرية، إلا أنها لم ترد على هذه المهاجمات، أو حتى توضيح فكرة المسلسل الأساسية، ولكن شهد المسلسل تغيرات بعد هذا الهجوم، وتحولت أحداثه، ولم يتم ذكر أي هجوم على إسرائيل مرة أخرى، فربما لم يتم وقف المسلسل لأنه حاز على مشاهدة عالية من الجمهور المصري، وهذا القرار سيواجه غضبًا كبيرًا، أو أن الحكومة المصرية أو الأجهزة الرقابية الإعلامية التي فرضتها قررت عدم الانصياع بشكل مباشر لغضب الإعلام الإسرائيلي؛ حتى لا تهتز صورة مصر، واكتفت بإنذار صناع المسلسل بعدم الاقتراب من الكيان الصهيوني بأي تلميحات؛ حفاظًا على العلاقات المصرية الإسرائيلية.

رمضان هذا العام كانت تدور في شكل اجتماعي بعيد تمامًا عن المعارضة أو السياسة.

[1] موقع DARAJK، دراما رمضان في مصر .. الاحتكار يعود ليحكم البلاد، متوفر عبر الرابط: https://daraj.com/18279/

[2] موقع نون بوست، احتكار الفن .. دراما رمضان في مصر تحت السيطرة والرقابة، متوفر عبر الرابط: https://bit.ly/3cV7VrS

[3] موقع نون بوست، نفس المرجع.

[4] موقع معهد واشنطن، مسلسلات رمضان تتناقض مع تواصل السيسي مع إسرائيل، متوفر عبر الرابط: https://bit.ly/3hsN4Qg

[5] موقع BBC عربي، شهر رمضان: هل توظف الدراما لأهداف سياسية؟، متوفر عبر الرابط: https://www.bbc.com/arabic/interactivity-52588802

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…