‫الرئيسية‬ العالم العربي ليبيا معركة سرت الليبية بين التفاهمات السياسية الإقليمية والتصعيد العسكري وبينهما التهديد المصري
ليبيا - يونيو 24, 2020

معركة سرت الليبية بين التفاهمات السياسية الإقليمية والتصعيد العسكري وبينهما التهديد المصري

جاءت تصريحات قائد الانقلاب العسكري في مصر عبد الفتاح السيسي السبت الماضي،حول التدخل العسكري في ليبيا لتعبر عن أكبر حّول سياسي بحسب مراقبين، لتهميش السيسي التركيز على الأزمة الحقيقية التي تهدد الأمن القومي المصري، إثر رفض أثيوبيا تقديم أية ضمانات لمصر، حول ملء سد النهضة مطلع يوليو المقبل، بصورة منفردة.

وأثار تلويح السيسي، بالتدخل العسكري المصري المباشر في ليبيا، ردود فعل ليبية رافضة من جانب حكومة الوفاق وقادة قواتها، في الوقت الذي وجدت فيه أصوات ليبية موالية لمعسكر اللواء المتقاعد خليفة حفتر طوق نجاة لأوضاعها المتهاوية فبادرت بالترحيب بها.

فرفض رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، وعضو المجلس الرئاسي، محمد العماري، تهديدات السيسي، خلال تصريحات تلفزيونية ليلة السبت، التي اعتبرها مجلس النواب المجتمع بطرابلس، في بيان “خرقاً للقانون الدولي ومخالفة الشرعية الدولية وانتهاكاً لسيادة ليبيا وشددت الحكومة على قبولها بأية وساطات بين الفرقاء الليبيين، عبر الأمم المتحدة، بينما جدّد المتحدث الرسمي باسم غرفة عمليات الجفرة– سرت التابعة لحكومة الوفاق، عبد الهادي دراه، تأكيد إصرار قوات الوفاق على استعادة السيطرة على سرت، التي ما تزال وحداتها تعسكر، للأسبوع الرابع، في محيط مدينة سرت على مسافة لا تزيد عن 30 كيلومتراً من وسط المدينة.

في المقابل، رحّب نائب رئيس مجلس النواب المجتمع بطبرق، أحميد حومه، بتصريحات السيسي، مؤكداً حقّ مصر في “الحفاظ على أمنها القومي، خاصة مع التدخل التركي في الشأن الليبي.

ووصف السيسي سرت والجفرة بكونهما “خطاً أحمر بالنسبة إلى مصر”، داعياً إلى “التزام القوى المتصارعة بالخطوط التي وصلت إليها، والبدء في محادثات لوقف إطلاق النار وقال “السيسي” خلال كلمة على هامش زيارته المنطقة الغربية العسكرية، السبت، بحضور قادة الجيش المصري “نسعى إلى التوصل إلى حل سياسي فى ليبيا، ولن نسمح بتجاوز الصراع لخط سرت وهدد “السيسي” بدخول القوات المصرية ليبيا قائلا: “يخُطئ من يعتقد أو يظن أن الحُلم ضعف ويخطئ من يعتقد أو يظن أن الصبر تردد أو ضعف”، مشيرا إلى أن القوات المصرية ستتقدم ومعها شيوخ القبائل الليبية وستخرج فور إنهاء المهمة، وقال موجها حديثه لهم: “هاتوا من شباب القبائل عندكم وتحت إشرافكم ندربهم ونجهزهم ونسلحهم تحت إشرافكم، ونحن لا نريد سوى ليبيا التنمية والسلام والمستقرة، وانتبهوا إلى أن وجود الميليشيات في أي دولة وهناك نماذج كثيرة لا تستقر معها الدولة لسنوات طويلة قادمة.

 

سلاح التقسيم

واعتبر الأكاديمي الليبي، خليفة الحداد، محاولة السيسي بناء خط فاصل داخل ليبيا بين الشرق والغرب تمهيداً لتكريس مبدأ التقسيم المبني على توزيع الثروة الليبية الذي طالما تحدث عنه في أكثر من مناسبة، فسرت التي تقع بعيداً عن الحدود المصرية تنتصف المسافة في الفضاء الجغرافي الليبي من جانب ومن جانب آخر فهي تفصل بين أشكال التركيبة الاجتماعية، فمزيج القبائل شرق سرت يختلف عن الموجودة غربها، وهو ما كان يومى إليه السيسي في خطابه، وهو يتحدث عن سرت بحضور زعامات قبلية من شرق ليبيا.

ويرى الحداد في تحليله خطاب السيسي بأنه يهدف إلى ضرب وحدة التراب الليبي من خلال استغلال العوامل ذاتها التي كان حفتر يعلب على وترها، ممثلة في القبائل في شرق ليبيا التي تقع منابع النفط وموانئه ضمن مناطق نفوذها، وفيما ربط مقصد السيسي من حديثه عن سرت بالسيطرة على النفط، أكد الحداد أن السيسي لن يتدخل بشكل مباشر في ليبيا ولكنه في الحقيقة كان يلوح باستخدام القبائل في أي مواجهة مع قوات الوفاق، مهدداً في الآن نفسه بورقة التقسيم.

وتعد قبيلة المغاربة الفصيل القبلي الأبرز الذي يمتد نفوذه من أجدابيا (150 كيلومتراً غرب بنغازي) وحتى المناطق المتاخمة لسرت شرقاً، مروراً بمناطق الهلال النفطي التي تتوزع فيها خمسة مواقع نفطية وأكبر أربعة موانئ لتصدير النفط والغاز في ليبيا، وفي اتجاه الجنوب، حيث منابع النفط الموزعة في الصحراء وحوض النفط، يمتد نفوذ قبائل أخرى من مثل المجابرة التي تتمركز في مدينة جالو (400 كيلومتر جنوب أجدابيا)، والزوية وتمركزها في مدينة الكفرة الحدودية مع السودان.

 

لماذا سرت؟

وبحسب التقديرات الإستراتيجية، فإن أهمية سرت، تكمن في موقعها الإستراتيجي والعسكري، بالإضافة إلى توفرها على مزيج من القبائل الليبية، ما يجعلها تمتلك تمثيلاً قبلياً لأغلب قبائل الشرق، كما أنها تتوفر على قاعدة القرضابية العسكرية الأهم في وسط البلاد والتي تقع على مسافة 13 كيلومتراً جنوب سرت، وتبرز أهمية القاعدة كونها ترتبط بالقطاع العسكري الذي تسيطر عليه قاعدة الجفرة، في الجنوب، بمسافة مختصرة لا تزيد عن 300 كيلومتر عبر طرقات صحراوية، بل يمكن من خلال قاعدة القرضابية والجفرة السيطرة على الأجواء والأرض في أغلب منطقة الوسط.

وتتوفر مدينة سرت على أهمية بالغة بالنسبة للأطراف المعنية بليبيا، وتحديداً تركيا، التي تربطها اتفاقات أمنية وعسكرية وقعتها مع حكومة الوفاق، نهاية نوفمبر الماضي، من بينها الاتفاق البحري الذي يرسم حدوداً مائية في البحر المتوسط، ويعد حوض سرت هو من أكبر أحواض الغاز في البحر المتوسط ولن تكون للاتفاقية البحرية بين حكومة الوفاق والحكومة التركية أي أهمية دون هذا الحوض.

وبحسب الخبير الأمني الليبي الصيد عبد الحفيظ، فحديث السيسي عن سرت وتهديداته تهدف إلى إفشال هذا الاتفاق وإبقائه حبراً على ورق بعيداً عن الواقع، وجاءت تهديدات السيسي كرد فعل على نجاح الدبلوماسية التركية التي حققت تقارباً مهماً مع إيطاليا مؤخراً، وهي من أهم الدول المستثمرة في الغاز الليبي من خلال شركة “ايني” والمرتبطة أيضاً بحقول مصرية للغاز في البحر المتوسط.

ومن ثم باتت سرت تمثّل شبكةً من المصالح المرتبطة بملفي النفط والغاز، المهمين للدول المرتبطة بالصراع الليبي، وتحديداً روسيا وتركيا وإيطاليا، لكنه في الوقت ذاته قلل من أهمية تهديدات السيسي بالتدخل العسكري المباشر كونها تستدعي تدخلاً تركياً أكثر حدة، وهو ما لن يقبل به المجتمع الدولي.

واعتبر الصيد أن التلويح بالخيار العسكري يشكل تهديداً عسكرياً قريباً من حدود مصر التي كان السيسي حتى وقت قريب يقدمها كوسيط للسلام من خلال مبادرته السياسية التي أعلن عنها من جانب واحد بداية الشهر الحالي، بهدف إنقاذ حليفة حفتر، الذي تلقّى هزائم عسكرية كبيرة.

 

رهانات السيسي الخاسرة

وبحسب أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، د.خليل العناني، لا يمكن لعاقل أن يتوقع قيام جنرال انقلابي مثل السيسي بدعم عملية سياسية تؤدي لتجربة ديمقراطية في بلد مجاور له، وأنه لا مصداقية لمصر كوسيط بين القوى الليبية المتصارعة بعد انحيازها الكامل لحرب حفتر على طرابلس منذ أبريل 2019.

كما أنه لا دور إيجابي للقاهرة في الصراع الليبي إذ لم تلتزم الحياد الإيجابي تجاه جميع الأطراف أو تحترم “اتفاق الصخيرات” الذي وافقت عليه المكونات الليبية، مضيفا في مقال له بـ”الجزيرة” :ولو أن السيسي يعبأ فعلا بالتوصل إلى حل شامل للأزمة الليبية المتواصلة منذ 9 سنوات لما شجع ودعم علنا حملة حفتر على طرابلس التي كان يستهدف فيها حياة المدنيين ومستشفياتهم ومنازلهم، ولو أن مصر حريصة فعلا على وقف إطلاق نار شامل في ليبيا -كما يدعي إعلان السيسي- لما أرسل مساعدات عسكرية ولوجستية وبشرية إلى مليشيات حفتر طوال الأعوام الماضية. وهو ما بسببه فوتت مصر على نفسها فرصة مهمة أن تكون بلدا كبيرا يرعى مصالح الليبيين جميعا دون تفرقة، وأن تستفيد من الفرص الاقتصادية والإستراتيجية التي يمكن أن يوفرها وجود دولة مستقرة على حدودها الغربية، وكان يمكن لملايين المصريين أن يلعبوا دورا مهما في مسألة إعادة الإعمار في ليبيا. لكن انصياع السيسي لرغبات حلفائه تسبب في خسارة مصر للمبادرة والدور المؤثر في ليبيا، كما أنه ليس من مصلحة السيسي ولا من مصلحة حلفائه وداعميه أن يكون هناك استقرار حقيقي في ليبيا، هم يريدون دولة ضعيفة ومتخلفة سياسيا يقودها جنرال أحمق لا يعرف غير لغة السلاح، وذلك من أجل ضمان بقاء سيطرتهم عليها”.

 

المؤامات السياسية حول سرت

ومنذ انتصارات الوفاق” على قوات حفتر وتحريرها مدن الغرب الليبي، وسيطرتها على مدينة ترهونة، واتجاهها نحو مدينة “سرت” ، وتعثرت الخطوات العسكرية من قبل القوات الحكومية المعترف بها دوليا، إثر تمترس القوات الروسية وعناصر فاغنر والمرتزقة وضباط مصريين ومنظومات دفاعية إماراتية، منعا للاستيلاء على أهم الأحواض النفطية والمنطقة الأخطر إستراتيجيا، في الصراع المحتدم بين الشرق والغرب الليبي.

وأكد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، السبت، أن التوصل لوقف دائم لإطلاق النار في ليبيا يتطلب انسحاب “مليشيات” خليفة حفتر من مدينة سرت الاستراتيجية، واتهم قالن في مقابلة مع وكالة “فرانس برس” فرنسا بـ”تعريض أمن” حلف شمال الأطلسي للخطر عبر دعم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في النزاع الليبي، وقال قالن الذي تعد بلاده الداعم الرئيسي لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس إن “وقفا لإطلاق النار يجب أن يكون قابلا للاستمرار، ما يعني أن على الطرف الآخر (مليشيا حفتر) ألا يكون في موقع يتيح له شن هجوم جديد على الحكومة الشرعية ساعة يشاء.

وأضاف “في المرحلة الراهنة، تعتبر (حكومة الوفاق في طرابلس) ونحن ندعمها في ذلك، أن على جميع الأطراف العودة إلى مواقعهم في عام 2015 حين تم توقيع اتفاق الصخيرات السياسي (في المغرب)، ما يعني أن على قوات حفتر أن تنسحب من سرت والجفرة وتبحث أنقرة وموسكو محاولة إرساء وقف لإطلاق النار في ليبيا رغم إلغاء زيارة منتصف يونيو التي كان سيقوم بها وزيران روسيان لإسطنبول بسبب خلافات بين البلدين.

 

تفاهمات تركية مع حكومة الوفاق

والأسبوع الماضي، ناقش رئيس المجلس الرئاسي لحكومة “الوفاق”، فايز السراج، مع وفد تركي رفيع المستوى، يضم وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، والمتحدث بإسم الرئاسة إبراهيم قالن، ووزير المالية براءات ألبيرق، ورئيس الاستخبارات التركي هاكان فيدان، الأربعاء الماضي، سبل متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم الأمني والعسكري الموقعة بين البلدين في نوفمبر الماضي، والتعاون في بناء القدرات الدفاعية والأمنية لقوات حكومة “الوفاق”، بحسب بيان للمكتب الإعلامي للمجلس.

وتباحث الطرفان حول سبل تحقيق وقف إطلاق نار دائم في ليبيا، والتوصل لحل سياسي دائم، فضلاً عن تقييم جهود الطرفين تحت سقف الأمم المتحدة، ومنها الخطوات التي ستتخذها مع المجتمع الدولي.وجاءت الزيارة التركية، بهذا التمثيل الرفيع، بعد تخفيض في مستوى التمثيل في مشاورات كان من المزمع أن تبدأ يوم الاثنين الماضي، مع روسيا حول الملف الليبي.

وانتهت التفاهمات بين الحكومة الليبية والوفد التركي، إلى قبول “الوفاق” بالذهاب إلى مفاوضات اللجنة العسكرية الليبية المشتركة 5 + 5، في حال تم تسليم سرت وقاعدة الجفرة، مقابل تعهدها بعدم تقدم قواتها أكثر بعدهما، ومن دون شك فإن العرض التركي جاء وفق تفاهمات دولية يبدو أنها بدأت بتعهد القاهرة بسحب اللواء المتقاعد خليفة حفتر من المشهد وإنهاء مشروعه العسكري، لكن الباحث الليبي في العلاقات الدولية، مصطفى البرق، يرى أن تركيا هي التي فرضت السيناريوهات الحالية من خلال قلبها لموازين المعركة التي دعمت فيها قوات “الوفاق.

ووفق مقتضيات التطورات الإستراتيجية، فإن أنقرة بدأت في تأسيس موقعها الإستراتيجي في البحر المتوسط، وبدأت بتأمين شق الاتفاق الثاني المتمثل في الاتفاق البحري الذي يحمي حقها في طاقة البحر المتوسط، ويبدو الظهور التركي واضحاً في تراجع مواقف الكثير من داعمي حفتر، فقد تم تخفيض مستوى الاستقبال للوفد الليبي الذي زار موسكو، الأربعاء الماضي، ممثلاً لمعسكر حفتر، فعلى الرغم من أنه ضم نائب رئيس مجلس النواب بطبرق ووزير خارجية الحكومة التابعة لمجلس النواب وممثلاً عن حفتر، إلا أن الجانب الروسي مثله نائب وزير الخارجية والمبعوث الخاص للرئيس الروسي ميخائيل بوغدانوف، دون أن ينتهي لنتائج معلنة حتى عبر مؤتمر صحافي أو تصريحات من مسؤولي الجانب الروسي.

 

الدور التركي يريح واشنطن

وقد جاء الوجود التركي العسكري إلى جانب قوات حكومة الوفاق، في الوقت المناسب بالنسبة لواشنطن التي تراعي إعادة التوازن في المنطقة، بعدما اختل بشكل كبير بتدخل روسيا ودعمها العسكري لحروب حفتر، خصوصاً في محيط طرابلس، وبحسب المراقبين للشأن الليبي، فإن انهيار مشروع حفتر، واعتراف داعميه العرب ضمنياً بذلك من خلال إعلان القاهرة، حدا بالكثير من الدول إلى مراجعة حساباتها، خصوصاً إيطاليا، ويبدو أن موقف فرنسا هي الأخرى في طريق التغيير.

كما أن موقف إيطاليا الذي بدأ، أخيراً، في التخلي عن سياسة المساواة بين حكومة “الوفاق” وخصمها حفتر، بل وتغيير نظرتها المتشددة من عملية “إيريني” لمراقبة تدفق السلاح إلى ليبيا، و”غني عن البيان أن تركيا وطرابلس تنظران إلى المهمة بأنها تستهدف الاتفاق الأمني والعسكري بينهما، وعلى الرغم من العلاقة المتوترة بين أنقرة وباريس، إلا أن فرنسا  مجبرة على تغيير موقفها بعد سقوط مشروع حليفها حفتر فـ”هي مجبرة على التراجع لأنها تعترف بحكومة الوفاق، وفق قرارات مجلس الأمن، ولم يعد لديها طرف آخر تعول عليه في ليبيا.

وكذلك على الرغم من الموقف الفرنسي الداعم لليونان المعارضة للاتفاق البحري التركي مع طرابلس، إلا أن فرنسا لم يعد لديها حلفاء أوروبيين يمكن أن تعول عليهم في بناء حلف معارض للسعي التركي للوجود في البحر المتوسط، وكانت إيطاليا أبرز تلك الدول التي يمكن أن تعول عليها فرنسا ، وهي التي تمتلك مصالح في غرب ليبيا، ممثلة في مواقع شركة “إيني”، ولا يمكنها المجازفة بها، ومن مصلحتها تحسين علاقتها مع حكومة “الوفاق” وحليفتها تركيا.

ويدلل المراقبون على رؤيتهم للموقف الأوروبي، خاصة الدول المشاركة في عملية “إيريني”، فقد تناقلت وسائل الإعلام تصريحات قادة العملية بشأن رصدهم لوصول طائرات مقاتلة من شرق المتوسط هبطت في قاعدة بالقرب من بنغازي، ما يعني رسالة أوروبية تطمينية لتركيا وحليفها في طرابلس، بأنّ عملية مراقبة الشواطئ الليبية لم تعد تستهدف الاتفاق الأمني بين الحكومتين، وهو ما يمكن تفسيره ، بالانحياز الأوروبي للموقف الأمريكي القلق بالأساس من التوغل الروسي في ليبيا.

إلا أن المشهد الليبي لا يزال معقداً، ما يسمح للكثير من داعمي حفتر بالبحث عن مواقع جديدة تختلف عن مواقعهم السابقة، بعد انهيار حفتر وبداية اختفائه من المشهد، وهو ما قد ينطبق على التهديدات المصرية الأخيرة.

 

ألغام سرت الميدانية

وتبقى الساعات المقبلة حبلى بكثير من التطورات والقلاقل الليبية، حيث باتت سرت الاختبار الأصعب لكل الأطراف، فرغم الانتصارات المتواصلة لقوات الوفاق، إلا أن قوات الوفاق تواجه حقول ألغام وتعرضت لغارات جوية أوقعت خسائر في صفوفها، مما دفعها للتراجع إلى بوابة الثلاثين لتصبح على بعد 30 كيلومترا من المدينة.

وذلك بعدما قام مقاتلو حفتر ومرتزقة “فاغنر” الروس بزرع ألغام في محاور قتال غرب سرت وجنوبها، لإعاقة التقدم البري لقوات الوفاق وتأخير سيطرتها على المدينة، وركز مرتزقة “فاغنر” على تلغيم منطقة جارف التي حاولت قوات الوفاق اجتياح سرت عبرها في السادس من الشهر الجاري، ورصدت قوات الوفاق وصول طائرتين من نوع “يوشن” محملتين بمقاتلين مرتزقة من سوريا للقتال مع حفتر في محاور الجبهات غرب مدينة سرت.

وقال مصدر عسكري للجزيرة نت إن المرتزقة السوريين وصلوا عن طريق شركة “فاغنر” قادمين من قاعدة حميميم الجوية إلى قاعدة القرضابية الجوية جنوب سرت، وتحدث شهود عيان أنهم شوهدوا في أسواق منطقة البوهادي قرب سرت.

فيما أعلنت قوات الوفاق أكثر من مرة أنها عززت وجود قواتها غرب سرت وجنوبها بالرجال والأسلحة الثقيلة والمتوسطة، بانتظار أوامر غرفة العمليات الرئاسية لشن هجوم على المدينة، ولم يستبعد الناطق باسم غرفة تحرير سرت الجفرة وجود توافقات سياسية حول سرت بالقول “قد تكون المعركة الآن سياسية عسكرية في آن واحد وتسيران في خطين متوازيين، ننتظر ونرى، وتمثل سرت شيئا خاصا لأهالي مصراتة، بعد أن قدم أهلها 771 شهيدا في عملية البنيان المرصوص في 2016 لتحريرها من تنظيم الدولة، وأكثر من 4 آلاف جريح بين 2011 و2016.

وإستراتيجيا، يمكن قراءة تعزيز وجود المرتزقة السوريين في سرت من قبل روسيا وزرع الألغام حولها بأنه يلمح إلى  “نية انسحاب قوات حفتر والمرتزقة نحو الموانئ النفطية، دون استبعاد  مواجهات عسكرية ضارية هدفها إنهاك قوات الوفاق” ولكن  ذلك لن يمنح قوات حفتر والمرتزقة الروس جاهزية التقدم نحو الهلال النفطي، بل سيكتفون بسرت كآخر نقطة، وتشيء التوقعات المستقبلية، إلى  أن “روسيا لا تنوي التخلي عن قاعدتي القرضابية والجفرة، وقد يدفع ذلك إلى تعزيز التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (ناتو) وأميركا لمساعدة تركيا من أجل عدم السماح لروسيا بأن تنتقل بوجودها غير المعلن إلى وجود معلن يتجاوز المقبول خاصة لدى واشنطن.

وعلى ما يبدو فإن المعركة المرتقبة بين قوات حكومة الوفاق ومقاتلي حفتر والمرتزقة الروس والسوريين، فإن المعسكرين الروسي والتركي يحشدان استعدادا لأي عمليات عسكرية متوقعة، وفي الوقت ذاته يحاولان البحث عن تفاهمات الحد الأدنى بين الطرفين، إلا  أن المشهد غير واضح حتى الآن، ولم يبلور أي رؤية لخريطة طريق تجنب المواجهة، فيما تبرز خطورة تخفيض مستوى التنسيق الدبلوماسي في هذا الملف بين روسيا وتركيا، نحو تعقيدات قد ترجح انطلاق عمليات عسكرية عنيفة بين الطرفين في سرت، خاصة في ضوء التصعيد المصري الأخير.

 

ماذا بعد سرت؟

وعلى ما يبدو، فإن سرت ومصيرها المتأرجح حتى الآن، يفتح كافة السيناريوهات أمام الصراع الدولي على المدينة الإستراتيجية، التي قد تخضع لترويكا دولية، تتقسمها تركيا وروسيا، التي  قد تمنح جزءا من كعكتها النفطية لمصر والإمارات، أو أن تفتح الباب واسعا على صراع عسكري غير مسبوق، بين تركيا ومن باب خفي واشنطن من ناحية، بمواجهة روسيا ومصر والإمارات .

ويشيء الرفض الروسي بتسليم قاعدة الجفرة لحكومة الوفاق، لصراع ممتد، تقوده مرتزقة فاغنر، وفلول مليشيات حفتر التي لم يبقَ منها سوى القليل برفقة الكتيبة “604” السلفية التي تنتمي إلى المدينة، وقد سلمت أهمّ مقارّها لقوات “فاغنر انتظارا لتدخل مصري، قد لا يصل لأطراف سرت، حيث لن تسمح روسيا لأحد من الأطراف العربية بالوصول لها.

وتبقى معادلة سرت، مفتاح لكثير من التطورات المستقبلية في ليبيا إذ أنّ “الخلافات قائمة حالياً بين روسيا وتركيا؛ ممثلي طرفي الصراع في ليبيا، حول موقع سرت من المعادلة الجديدة، فإذا كان الاتجاه نحو طاولة التفاوض، تصرّ تركيا على ضرورة دخول قوات الحكومة التي تقدم لها الدعم العسكري إلى المدينة.

وعلاوة على كونها مسقط رأس العقيد الراحل معمر القذافي، الذي سعى لتحويلها إلى مركز مهم من مراكز البلاد، خلال العقود الأخيرة من حكمه، فقد تحولت المدينة خلال عامي 2015 و2016 إلى عاصمة لتنظيم “داعش” ومصدر قلق عالمي، ما حدا حكومة “الوفاق” إلى إطلاق عملية “البنيان المرصوص”، التي كانت قوات مدينة مصراتة قوامها الرئيسي، ونجحت في تحرير المدينة وتشتيت شمل التنظيم، وإضعاف قوته في البلاد.

ومنذ سقوط منطقة الهلال النفطي، وسط البلاد والمتاخم لسرت، عام 2017، في قبضة حفتر توقفت مليشياته عن التقدم باتجاه سرت التي كانت تسيطر عليها وقتها قوات “البنيان المرصوص”، إلى أن اقتحمتها وسيطرت عليها، مطلع يناير الماضي، خلال بحث حفتر عن خطط بديلة لتخفيف الضغط عن مليشياته جنوب طرابلس، ومحاولة تحييد قوة مصراتة التي تشكل العمود الفقري لقوات “الوفاق” التي توجهه في جنوب العاصمة.

وتختلف الأسباب حول عدم الفصل في قضية سرت وتحولها إلى كواليس التفاهمات الإقليمية والدولية، بحسب مصالح الدول المتدخلة في الملف الليبي ومواقعها، فللمدينة أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الداخل الليبي، فهي تنتصف المسافة بين الشرق والغرب، وعلاوة على إشرافها على شبكات الطرقات الصحراوية المعقدة، فهي تسيطر على أقصر الطرق المؤدية إلى الجنوب الغني بالنفط، وتشرف على منطقة الهلال النفطي، أغنى أقاليم ليبيا بالطاقة.

وتبدو تلك الأهمية في دوافع دخول المدينة بأتون المشاورات التي تجريها كبرى الدول، وتحديداً روسيا وتركيا، بالنيابة عن أطراف الصراع المحلية والإقليمية، فالقاهرة التي تتقاطع مصالحها وراء الاندفاع الروسي في المنطقة، تهتم أساساً بورقة النفط، كورقة رابحة، في أي طاولة للتفاوض، كما أنها تدرك جيداً أهمية هذه الورقة بالنسبة للمجتمع الدولي، وتحافظ القاهرة على هذه الورقة من خلال دعمها للقطاعات القبلية التي تقع منابع النفط في أراضيها وضمن نفوذها، كقبائل المغاربة المسيطرة على الهلال النفطي، والمجابرة والزوية المسيطرة على المنابع في الجنوب، فقد سبق أن قدمت هذه القبائل الدعم الكامل لحفتر في حروبه، كذلك فإنها تقف اليوم مع الدعوة المصرية للحل السياسي التي تبنت مبادرة رئيس مجلس النواب المجتمع بطبرق، عقيلة صالح ثم مع  التهديد من قبل السيسي بالتدخل العسكري المباشر.

من جهة ثانية، يبدو الموقف الروسي معقد إلى حد كبير، فأهداف روسيا لا تقف عند حد استثمار المصالح المصرية في ليبيا لحشد موقف القاهرة لمصلحتها، بل أيضاً تتجه إلى الضغط للحصول على موقع قدم في إحدى القواعد العسكرية الليبية التي يمكن أن تساعدها على مدّ بصرها إلى فضاءات أفريقية ومغاربية أوسع، فعلى الرغم من التقارب التركي الروسي خارج الملف الليبي، إلا أن الصدام بين الدولتين بدأ بعد خسارة موسكو لقاعدة “الوطية”، جنوب غرب طرابلس، التي كانت تأمل روسيا أن تكون قاعدتها الإستراتيجية التي يمكنها مدّ بصرها إلى الفضاء المغاربي والأفريقي، وشمالاً نحو أوروبا، لكنها خسرتها بسبب الدعم التركي لقوات حكومة “الوفاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الحوار السياسي الليبي في تونس.. التوافقات والتحديات

بعد عقد اجتماع برعاية الأمم المتحدة بصفة افتراضية في تونس (عبر تقنية الاتصال المرئي) يوم 2…