‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر ماذا وراء اقتراض السيسي 8 مليارات إضافية من صندوق النقد؟
مصر - يونيو 29, 2020

ماذا وراء اقتراض السيسي 8 مليارات إضافية من صندوق النقد؟

وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي الجمعة 27 يونيو 2020 على برنامج مساعدات طارئة لحكومة نظام عبدالفتاح السيسي في مصر بقيمة “5.2” مليار دولار؛ وقال الصندوق إن القرض الجديد يأتي تعزيزا لقدرة الحكومة في مصر على مواجهة التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19، ووفقا لبيان الصندوق فإن هذه المساعدة الطارئة، المقرونة ببرنامج للإصلاح الاقتصادي، ستصرف على مدى 12 شهرا، في إطار ما يطلق عليه الصندوق اسم “اتفاق تأكيد”، وكان الصندوق أعطى موافقته المبدئية على هذه المساعدة في 5 يونيو، لكن كان لا يزال يتعيّن عليه انتظار موافقة مجلسه التنفيذي عليها.

موافقة الصندوق تتزامن مع بدء صرف 2,8 مليار دولار لنظام السيسي، في مساعدة وافقت عليها المؤسسة المالية في 11 مايو 2020م، بموجب “أداة التمويل السريع” التابعة للصندوق، التي تم تعزيزها مؤخرا لتقديم مساعدات مالية سريعة إلى الدول النامية الأكثر عرضة للتداعيات الاقتصادية، الناجمة عن تدابير مواجهة تفشّي فيروس كورونا المستجدّ، وبذلك اعتمد الصندوق منح حكومة السيسي 8 مليارات دولار بخلاف قرض الـ12 مليارا في نوفمبر 2016م وبذلك تصل قروض السيسي من صندوق النقد إلى 20 مليار دولار.

اللافت في الأمر أن صندوق النقد الدولي يبدي مرونة شديدة وتساهلا مدهشا في إقراض حكومة السيسي بعكس تشدده مع حكومات أخرى أكثر معاناة من الوضع المصري مثل لبنان؛ كما رفض الصندوق، منح البنك المركزي الإيراني، في شهر مارس الماضي، قرضاً بقيمة 5 مليارات دولار لتمويل جهود طهران في مواجهة تفشي فيروس كورونا، رغم أن حصة إيران في الصندوق تتيح لها الاستفادة من خط الائتمان السريع، الأمر الذي يمكن عزوه إلى اعتبارات سياسية تتعلق بالدور الوظيفي الذي يقوم به النظام العسكري في مصر في خدمة أجندة وأهداف الغرب والولايات المتحدة الأمريكية  على وجه الخصوص وضمان حماية أمن الكيان الصهيوني والعمل على تطبيع العلاقات معه باعتباره كائنا طبيعيا يمكن أن يحظى بمشروعية الوجود والتعايش رغم قيامه على أساس احتلالي استيطاني لدولة عربية شقيقة.

الاعتبار الثاني في تفسير مرونة الصندوق مع النظام في مصر هو رغبة إدارة الصندوق في التستر على فشل الاتفاق الأول الذي تم إبرامه في نوفمبر 2016م على مدار 3 سنوت؛ وبذلك فالهدف من القرض الجديد المقدر بنحو 8 مليارات دولار هو التغطية على فشل ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، و ما ترتب عليه من آثار اجتماعية سلبية مثل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وزيادة المديونية”، وبالتالي فإن “جائحة كورونا” مثلت غطاء وشماعة للطرفين (الحكومة والصندوق) من أجل التغطية على الادعاءات المستمرة في إعلام النظام والتسويق بصحة المسار الاقتصادي وتحميل أزمة تفشي كورونا أسباب الفشل والتراجع وتعطيل هذا المسار؛ أما الصندوق فوجد في ذلك مبررا لإعطاء القرض ضمن ما أعلنه عن مساعدة الدول المتضررة من الأزمة، لكن  هذه الإجراءات لن تستطيع حجب الحقيقة الثابتة بالأدلة والبراهين والشواهد التي تؤكد أن الاقتصاد المصري هو اقتصاد ريعي يفتقر إلى وجود قاعدة إنتاجية تمكنه من الأداء الطبيعي على الصعيد المحلي والدولي”.

الاعتبار الثالث، أن الصندوق تجاهل الوضع المزري للاقتصاد المصري، في ظل عدم قدرة دول الخليج التي رعت انقلاب 30 يونيو على تقديم مزيد من المساعدات للنظام المصري في ظل تفشي جائحة كورونا وتأثيراته الطاغية على النشاط الاقتصادي العالمي كله، بخلاف عدم سداد نظام السيسي لودائع الخليج السابقة حتى  اليوم رغم بلوغ أوان سدادها منذ سنوات، وهي الدول التي قدمت نحو 23 مليار دولار في أعقاب الانقلاب مباشرة، بخلاف ما تم دفعه من تحت الترابيزة ومساعدات على مدار السنوات السبع الماضية؛ وبالتالي لم يبق أمام نظام السيسي سوى 3 وسائل للحصول على الأموال الضرورية لتسيير دولار العمل الحكومي وما تسمى بمشروعات السيسي الحكومية في ظل تراجع إيردات الدخل القومي:

  • الأولى، هو مزيد من التوسع في الاقتراض، [[1]] حيث اقترض السيسي خلال نحو 20 مليار دولار خلال الشهور الثلاثة الماضية منها 13 مليارا خلال مايو فقط ، و اقترض السيسي من الصندوق 8 مليارات دولار، تسلم النظام منهم “2.8” مليار في مايو، وملياري دولار على وجه السرعة بعد موافقة المجلس التنفيذي للصندوق على قرض الــ”5.2″ مليارا. بخلاف أكبر قرض في تاريخ مصر وأفريقيا، بقيمة 5 مليارات دولار عبر طرح سندات دولية، تصل آجال سدادها إلى 30 عاما، كما يتجه النظام نحو استدانة نحو 4 مليارات دولار أخرى من جهات تمويل دولية مختلفة. ونحو مليار دولار من البنك الدولي، و600 مليون دولار من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، ونحو 250 مليون دولار من الصندوق العربي للإنماء، و200 مليون دولار من بنك قطر الوطني الأهلي، و200 مليونا من البنك الأهلي المصري،و100 مليونا من بنك الكويت الوطني مصر والبنك التجاري الدولي و225 مليون دولار من بنك التنمية الإفريقي و216 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، و122.7 مليون يورو من بنك الاستثمار الأوروبي، وهناك مباحثات لاقتراض أكثر من مليار دولار من بنوك إماراتية،[[2]] وبالتالي فقد ارتفع حجم الدين الخارجي من 112 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2019م إلى أكثر من 130 مليارا بنهاية يونيو 2020م.
  • الثانية هي فرض مزيد من الرسوم والضرائب، وقد صادق السيسي في 24 يونيو 2020م، على القانون رقم 83 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 147 لسنة 1984 بفرض رسوم تنمية الموارد المالية للدولة، ويتضمن 30 قرشا على كل لتر بنزين، و20 قرشا على كل لتر سولار رغم  أن  الوقود انخفض سعره عالميا باقل من 40 دولارا لكن الحكومة قدرته في الموازنة بــ61 دولارا للبرميل، وذلك لجمع 15 مليار جنيه من جيوب الناس، و5% على سعر الموبايل، وجرى فرض عشرات من الضرائب والرسوم على كافة أشكال التعامل والسلع والخدمات، ولا تتوقف الرسوم والضرائب الجديدة عند هذا الحد، فقبل أيام أقرت الحكومة مشروع موازنة السنة المالية الجديدة 2020-2021 الذي ينص على زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة تصل إلى 12.6%، وهو ما يعني زيادة إيرادات الضرائب بأكثر من 108 مليار جنيه خلال عام لتصل قيمتها إلى ما يقرب من تريليون جنيه، وإن شئنا الدقة إلى 964.777 مليار جنيه، كلها من جيوب الناس في ظل جائحة كورونا التي تتجه فيها الحكومات نحو تخفيف الضرائب وتقديم مساعدات مالية للمتضررين، والنتيجة النهائية هي أن أكثر من 80% من إيرادات الموازنة العامة للدولة تأتي من بند واحد هو الضرائب التي يدفع معظمها المستهلك وموظفي الدولة.
  • الوسيلة الثالثة، هي تأجيل سداد الودائع الخليجية، ونقلت تقارير عربية أن حكومة السيسي لم تسدد وديعة مستحقة بقيمة ملياري دولار في إبريل الماضي من إجمالي ودائع كويتية بنحو 4 مليار دولار، وتظهر بيانات رسمية مصرية، أن إجمالي قيمة الودائع الخليجية التي يستحق سدادها خلال العام الجاري تبلغ نحو 10.29 مليار دولار، القيمة الأكبر منها للسعودية، تليها الإمارات ثم الكويت، وبلغت قيمة ودائع السعودية والإمارات والكويت في مصر، بنهاية سبتمبر 2019، وفق بيانات البنك المركزي، نحو 17.2 مليار دولار، منها 7.5 مليار دولار للسعودية و5.7 مليار دولار للإمارات، ونحو 4 مليار دولار للكويت، ولجأت حكومة السيسي مرارا إلى تأجيل سداد الودائع الخليجية، خصوصا أنها تستحوذ على حيز كبير من إجمالي احتياطي النقد الأجنبي للبنك المركزي، وتبلغ نسبة الودائع حاليا نحو 48%من إجمالي الاحتياطي النقدي البالغ 36 مليار دولار.[[3]]

 

تجربة مؤلمة

مر المصريون مع صندوق النقد بتجرية شديدة الألم والمرار، فعندما اتفقت حكومة السيسي مع الصندوق على قرض الــ12 مليار دولار في  نوفمبر 2016م، شنت الآلة الإعلامية للنظام حملة إعلامية موسعة صورت الاتفاق على أنه “نصر مبين” و”شهادة ثقة”، وادعت أنه سينعش الاقتصاد الوطني ويؤدي إلى تدفق مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية على البلاد، وهو ما يوفر فرص عمل بالملايين ويحد من أزمة البطالة، كما سينعش قطاعات السياحة والصادرات وتحويلات المغتربين. لكن الذي جرى عكس ذلك تماما؛ إذا جاء أول قرار حكومي بعد الاتفاق صاعقا بتعويم الجنيه أمام العملات الأجنبية؛ والذي مثَّل ترجمة حرفية لأهم شروط صندوق النقد الدولي؛ وهو ما أفضى إلى إلى تبخر تحويشة المصريين وضياع أكثر من 50% من قيمة مدخراتهم بين ليلة وضحاها.

كما أفضى اتفاق حكومة السيسي مع الصندوق في نوفمبر 2016م إلى تدهور حاد في معيشة المصريين؛ فالصندوق أفقرهم وأذلهم وأربك معيشتهم، وقذفت سياسيات الصندوق وشروطه التي انصاعت لها حكومة السيسي  بعشرات الملايين تحت خط الفقر المدقع والبطالة، وقضت على الطبقة الوسطى التي أسهمت بفعالية كبيرة في أحداث ثرة 25 يناير 2011م بما يعطي لاتفاق الصندوق مع النظام بعدا سياسيا يستهدف تكريس الحكم العسكري الشمولي والقضاء على مواطن المناعة الشعبية التي يمكن أن تهدد بقاء النظام ممثلا في الطبقة الوسطى.

«الأكثر خطورة أن الاتفاق مع صندوق النقد أسهم في ربط القرار الاقتصادي المصري بالخارج، حتى بات الصندوق يشرف بشكل مباشر على الموازنة العامة المصرية والإنفاق الحكومي ولا يتم اعتماد الموازنة إلا بضوء أخضر من مقر الصندوق في واشنطن».[[4]]

وشهدت الموازنة العامة للدولة خلال سنوات مع بعد الاتفاق مع صندوق النقد خفضا للدعم المقدم للسلع الأساسية وزيادة الضرائب والرسوم بمعدلات قياسية، كما جرى فرض القيمة المضافة لأول مرة، ما أفضى إلى موجات من الغلاء، إضافة إلى الشروع في خصصة شركات مربحة إذعانا لشروط الصندوق.

وتسببت القرارات الحكومية التي تم تنفيذها بالتنسيق مع صندوق النقد في زيادات قياسية في أسعار السلع بما فيها الغذائية، وزيادات أخرى في أسعار الوقود خاصة البنزين والسولار والغاز، وهو ما أدى إلى رفع أسعار كل شيء، بداية من تذاكر المواصلات العامة وحتى كلفة نقل المحاصيل الزراعية، وكذلك تم رفع فواتير الكهرباء والمياه والنظافة وغيرها من الخدمات العامة، وإجراء زيادات في الرسوم الحكومية، بما فيها شهادات الميلاد والوفاة والزواج والطلاق، وصاحب كل ذلك زيادات في تذاكر مترو الأنفاق والقطارات، وهي وسائل مواصلات الطبقات الفقيرة والوسطى.

كما صاحب الخطوة توسعاً غير مسبوق في الاقتراض الخارجي، حتى وصلت الديون الخارجية نحو 130 مليار دولار في يونيو 2020م، وهي التي لم تزد عن 43 مليارا في منتصف 2013م. كما ارتفع الديون المحلية إلى نحو 4.25 تريليون جنيه حتى نهاية ديسمبر 2019م.

وخلال السنوات الماضية سوقت الآلة الإعلامية للنظام أن مع بداية كل سنة أنها سوف تمثل خروجا من عنق الزجاجة وتعهد السيسي بأن الشعب سيرى مصر جديدة تماما في يونيو 2020م، لكن الشعب فوجئ بأن النظام يجري اتفاقا جديدا مع الصندوق لاقتراض مزيد من المليارات، وما يزيد مخاوف المصريين أن حكومة السيسي تمارس تعتيما على الشروط الجديدة للصندوق مع الاتفاق الجديد؛ كما أن الصندوق من جانبه يتحفظ على الإفصاح عن شروطه ما يضع الأمر برمته أمام تكهنات وتنبؤات لا تخرج عن زيادة معاناة المصريين وتقييد مستقبل البلاد بقروض باهظة.

 

لماذا يلجأ السيسي لصندوق النقد؟

اتجاه نظام 30 يونيو في مصر نحو الاقتراض مجددا من صندوق النقد وبقيمة 8 مليارات دولار ، يتناقض مع تصريحات لمحافظ البنك المركزي طارق عامر في 28 يناير 2020م، أكد فيها رفض الحكومة عرضا من صندوق النقد الدولي بتقديم تمويل جديد لأنها ليست بحاجة له في ظل تحسن وضعها الاقتصادي، وفقا لما أوردته قناة “دي إم سي”، التابعة للمخابرات المصرية،[[5]] وأكد “عامر” آنذاك أن مصر لن تذهب لصندوق النقد مرة أخرى للحصول على أي تمويل جديد، ولكنها ستتوجه إلى سوق الديون الدولية مباشرة، اختصارا للإجراءات التي يتطلبها الصندوق، إذ “يمكن التواصل مع السوق الدولية في يوم واحد، بل يمكن إنهاء التواصل مع السوق الدولية عبر مكالمة هاتفية” حسب قوله، فإذا كانت تداعيات تفشي جائحة كورونا مبررا للاقتراض؛ فلماذا لم يقتصر توجه نظام السيسي نحو سندات السوق الدولية كما صرح “عامر” نفسه؟ ولماذا لجأ إلى صندوق النقد من جديد رغم اليقين بأن للصندوق شروطا تمس السياسات الاقتصادية تكون شديدة التأثير والوطأة على الطبقات الفقيرة والمهمشة ومحدودي الدخل؟ وهل سيفصح الطرفان عن هذه الشروط الجديدة أم ستبقى طي الكتمان درءا للانتقادات المرتقبة وحفظا لسمعة الصندوق الذي بات سيف قوى للدولة المستكبرة والمتسلطة على الشعوب الفقيرة والمسحوقة؟

ويمكن عزو التوجه نحو صندوق النقد مرة أخرى للأسباب الآتية:

أولا، التراجع الحاد في حجم التدفقات الدولارية مع أزمة تفشي جائحة كورونا؛ خصوصا في قطاع السياحة الذي توقف بشكل كامل؛ حيث تتوقع دراسة حكومية أعدها معهد التخطيط الحكومي، التابع لوزارة التخطيط بحكومة الانقلاب، أن يكون قطاع السياحة هو الأكثر تضررا بتداعيات فيروس كورونا وبنسبة 100% ، إذا استمر تفشي العدوى حتى نهاية ديسمبر المقبل، الدراسة الحكومية التي جاءت بعنوان «تداعيات أزمة فيروس كورونا على القطاع السياحي المصري»، ذكرت أن عدد السياح ارتفع العام الماضي إلى نحو 13 مليون سائح، وهو ما انعكس على الإيرادات التي بلغت 12.6 مليار دولار، ووضعت الدراسة 3 سيناريوهات محتملة للقطاع حتى نهاية العام الجاري: الأول: يتوقع أن يبدأ النشاط السياحي في العودة من منتصف يونيو، على أن يصل عدد السائحين إلى نحو 3.4 مليون سائح بانخفاض قدره 73.5% عن العام الماضي، على أن تصل الإيرادات السياحية إلى 3.5 مليار دولار خلال عام 2020، مسجلة تراجعا بـ72.6% عن الإيرادات ذاتها بالعام السابق. والثاني: يتوقع أن تصل خسائر القطاع السياحي إلى نحو 75% إذا استمر الجائحة حتى سبتمبر المقبل. الثالث هو الأسواء، يتوقع تفشي الجائحة حتى ديسمبر ما يعني حصر  مكاسب القطاع السياحي فيما تحقق خلال الربع الأول من العام الجاري والذي بلغ نحو 2.4  مليار دولار.[[6]]

ثانيا، تراجع التدفق الدولاري من مصادر الدخل القومي الرئيسية (السياحة ــ القناة ــ التصدير ـ تحويلات المصريين بالخارج) وضع النظام في ورطة وكبله بقيود متزايدة يمكن أن تحول دون الوفاء بفاتورة الواردات الغذائية والدوائية الخاصة بها، في الوقت الذي تحتاج فيه القاهرة إلى أموال كثيرة لإنعاش القطاع الصحي المتهالك. وتستورد مصر ما قيمته 5 مليارات دولار شهريا في المتوسط من السلع والمنتجات، بإجمالي سنوي يقدر بأكثر من 55 مليار دولار، وبذلك باتت حاجتها للعملة الصعبة مضاعفة، وهو ما يمكن الوفاء به من مؤسسات التمويل الدولية، لكن الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد التي يسببها نقص الموارد الدولارية التقليدية مثل عائدات السياحة وتحويلات المصريين في الخارج تسببت في خفض التصنيف الائتماني للبلاد مجددا، بما يضعف من قدرتها على الاقتراض من السوق الدولية ويزيد من معدلات الفائدة على الديون المصرية؛ ونتيجة لذلك، يظل صندوق النقد هو الملاذ الأخير لنظام السيسي  للحصول على التمويل اللازم، واستصدار شهادة ثقة جديدة حول كفاءة الاقتصاد المصري، رغم ما يشوب ممارسات الصندوق من محاباة وأهداف سياسية تعزز النظم الحليفة للولايات المتحدة  الأمريكية.

ثالثا، تآكل الاحتياطي النقدي خلال الشهور الثلاثة الماضية (مارس ــ  إبريل ــ مايو) بقيمة 9.5 مليار دولار، حيث هبط من 45.5 مليارا إلى 36 مليارا فقط ، إضافة إلى التزام مصر بسداد نحو 28 مليار دولار من الديون (منها 17.5 مليار دولار عبارة عن أقساط وفوائد الدين الخارجي، ونحو 10 مليارات دولار ودائع مستحقة، بحسب تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري الصادر عن البنك المركزي) خلال الأشهر المقبلة، فإن حجم السيولة النقدية الحقيقية التي تملكها البلاد تكفي بالكاد لتغطية الواردات الأساسية لمدة شهرين إلى 3 أشهر.[[7]]

رابعا، هروب الأموال الساخنة، حيث قام المستثمرون الأجانب بسحب نحو 21.6 مليار دولار من مصر خلال شهري مارس وأبريل في أكبر موجة خروج للاستثمارات والأموال الساخنة منذ أكثر من 6 سنوات، بسبب تداعيات تفشي فيروس كورونا.

 

نتائج كارثية

على خطى قرض الصندوق الأول في 2016، فإن القرض الجديد حتما سيفضي إلى مزيد من الألم والمعاناة التي تتحملها الطبقات الفقيرة والمهمشة وهي الطبقات الأضعف في المجتمع.

أولا،  ربما يفضي القرض الجديد من صندوق النقد إلى تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار وباقي العملات الأجنبية الأخرى؛ ويترتب على ذلك موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وغير الأساسية والخدمات جميعها، يعزز هذا التوقع أن حكومة السيسي اتخذت إجراءات ستدفع باتجاه “اشتعال أزمة سعر الصرف في السوق السوداء”، مثل إصدار أذون خزانة بالدولار في السوق المحلي بنحو 975 مليون دولار في مايو الماضي، لتحسين صورة الاحتياطي من النقد الأجنبي، ومن المتوقع أن تصدر أذونا أخرى في المرحلة المقبلة بقيمة 500 مليون دولار، ما يعني “تجفيف الموارد الدولارية لدى الجهاز المصرفي، والتي ستهبط بالجنيه المصري أكثر”.

ثانيا، استحواذ خدمة الدين (الربا+ الأقساط) على غالبية الإيرادات العامة للدولة، فبحسب أرقام البيان التمهيدي لموازنة العام المالي 2020-2021، تبين أن إجمالي الإيرادات العامة نحو 1.28 تريليون جنيه، بينما من المتوقع أن تبلغ أقساط الدين العام بحدود 555 مليار جنيه، في حين ستبلغ فوائد الدين العام 566 مليار جنيه، أي أن خدمة الدين العام ستبلغ نحو 1.12 تريليون جنيه، ما يعادل نسبة 87% من إجمالي الإيرادات العامة للدولة.

ثالثا، هناك حالة غموض حول الالتزامات التي قطعتها الحكومة على نفسها مقابل الحصول على القرض الجديد الــ8 مليارات دولار، فالإجراءات التقشفية التي أعقبت القرض الأول سنة 2016 قصمت ظهور المصريين وتركتهم يعانون أشد المعاناة؛ فماذا اشترط الصندوق على الحكومة لكي يوافق على القرض الجديد؟  فإذا كانت هناك صعوبة في زيادة الإيرادات الضريبية في ظل الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد المصري والأسواق وقطاع الأعمال بسبب كورونا وأسباب أخرى قبل ظهور الفيروس منها الكساد وضعف القدرة الشرائية للمواطن، فهل ستنتقل الحكومة إلى خطوات أخرى؟. هل تتجه نحو خفض عدد العاملين في الجهاز الإداري للدولة؟ أم تتجه نحو إلغاء مجانية التعليم والصحة وفرض ضرائب على الودائع المصرفية وزيادة وتيرة الاقتراض الخارجي؟ أم تتجه نحو إقرار زيادات جديدة على الأسعار وخفض الدعم بمعدلات أسرع؟[[8]]

رابعا، الاتجاه نحو بيع أصول مصر للأجانب مقابل بعض الديون؛ حيث أعلن المدير التنفيذي لصندوق مصر السيادي، أيمن سليمان، أن الحكومة تسعى للتخلص من بعض ديونها ببيع أصول في الدولة لمستثمرين أجانب بالشراكة مع الصندوق، مشيراً إلى أن الحكومة استثمرت ما يزيد عن 100 مليار دولار في مشروعات البنية الأساسية بأعباء تمويلية (قروض)، مثل مشروعات محطات “سيمنز للطاقة”، وهو ما يتيح للاقتصاد المصري إعادة تدوير رؤوس الأموال ببيع بعض الأصول، وقال سليمان في مؤتمر صحافي عبر تقنية “فيديو كونفرانس”، إن “فتح الباب للمستثمرين لشراء بعض أصول الدولة، سيكون من خلال تحالفات مع صندوق مصر السيادي بعد نقل الأصول إلى الصندوق”، مضفا أنه “في حال إتمام المعاملات الاستثمارية على تلك الأصول، سترفع عن كاهل الاقتصاد القومي بعض الديون المدرجة في ميزانية الدولة”.[[9]]

خلاصة الأمر،  القرض الجديد يشكف عن غياب الأولويات وفقدان البوصلة داخل النظام؛ والدليل على ذلك أنه في الوقت الذي يتوسع فيه النظام نحو الاستدانة خارجيا فإنه يبرم صفقات تسليح قياسية تصل إلى 10 مليارات يورو من إيطاليا، رغم أن الأولوية حاليا هي لتوفير المستلزمات الطبية لحماية الطواقم الطبية لتعزيز قدرات القطاع الصحي في مواجهة تفشي عدوى كورونا، أو لدعم الطبقات الفقيرة والمهمشة التي تعاني من تداعيات كورونا، كما يتزامن القرض الجديد مع صندوق النقد مع إصرار النظام على الاستمرار في مشروعات العاصمة الجديدة والعلمين الجديدة وغيرها رغم أن الأولوية هي لإقامة مشروعات إنتاجية توفر فرص عمل دائمة وتسهم في زيادة الدخل القومي وتحول  الاقتصاد المصري من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي.

الأمر الآخر، أن تفشي جائحة كورونا أفضى إلى انكشاف ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي؛ وثبت بالدليل القطاع أنه مجرد فقاعة إعلامية أكثر منه برنامجا حقيقا لإصلاح جوانب الخلل في هيكلة الاقتصاد المصري، فلم يسفر هذا البرنامج إلا عن زيادة أعداد الفقراء ومضاعفة معاناة معظم فئات الشعب من موجات غلاء فاحش وتآكل قيمة العملة المحلية وتراجع الأمان النفسي والمالي. ونتيجة لذلك، يبدو أن حكومة السيسي لا تمتلك أي بدائل سوى الدخول في دائرة مفرغة من القروض لدعم احتياطاتها النقدية، ومواجهة أعباء سداد الديون الباهظة حيث تقول الحكومة إنها سددت 20 مليار دولار منذ بداية 2020م في الوقت الذي اقترضت فيه نحو هذا المبلغ ؛ تفسير ذلك أن مصر باتت تدور في حلقة مفرغة من الديون من أجل سداد فوائد الديون وأقساطها؛ وهي دوامة لا يبدو أن لها نهاية؛ فسيبقى النظام يستدين ويفرض الرسوم والضرائب إلى ما لا نهاية ليتحمل الشعب فشل النظام في إدارة موارد الدولة الهائلة، ومن شأن هذه الدائرة المفرغة من الديون أن تصادر مستقبل الأجيال القادمة في مصر، التي ستدفع كلفة باهظة للديون وفوائدها.

[1] محمود عبده/ مصر تقترض 13 مليار دولار في 15 يوماً..“النقد الدولي” يوافق على منح القاهرة 5.2 مليار دولار/ إندبندت عربية السبت 6 يونيو 2020

[2] مصطفى عيد/من 9 جهات خارجية.. أكثر من 16 مليار دولار تمويلات لمصر منذ أزمة كورونا/ مصراوي الجمعة 26 يونيو 2020

[3] أحمد الزعبي/مصر تلجأ مجدداً إلى تأجيل سداد ودائع خليجية بعد تراجع الاحتياطي/ العربي الجديد 11 يونيو 2020

 

[4] مصطفى عبد السلام/ لماذا يكره المصريون صندوق النقد؟/ العربي الجديد 27 أبريل 2020

 

[5] طارق عامر: رفضنا عرض تمويل جديد من صندوق النقد لأننا لا نحتاجه/مصراوي الأربعاء 29 يناير 2020

[6] دراسة حكومية مصرية تتوقع خسارة كبيرة لقطاع السياحة بسبب كورونا قد تصل إلى 100%/ روسيا اليوم 27 مايو 2020

[7] إدمان الاقتراض في مصر.. لماذا يلجأ السيسي لصندوق النقد مجددا؟الخليج الجديد

 

[8] مصطفى عبد السلام/ ما الذي يخبئه صندوق النقد للمصريين؟/ العربي الجديد 25 يونيو  2020

[9] السيسي يبيع أصول مصر للأجانب مقابل بعض الديون/العربي الجديد 9 يونيو 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الدعوة لحراك 20 سبتمبر 2020 ..تقدير موقف

تتصاعد يوما بعد الاخر مظاهر الغضب الشعبي بمصر، على كافة الأصعدة والمستويات، سواء بين الجما…