‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس توسيع الحزام الحكومي ومستقبل المسار الديمقراطي بتونس بعد فشل حراك “14 يونيو”
تونس - يوليو 1, 2020

توسيع الحزام الحكومي ومستقبل المسار الديمقراطي بتونس بعد فشل حراك “14 يونيو”

 

تواجه التجربة الديمقراطية التونسية، وفي القلب منها؛ حركة النهضة، بحملة منظمة شنتها وسائل إعلام إماراتية وسعودية ومصرية، مع الاستعانة بأطراف تونسية مناهضة للربيع العربي، استهدفت رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، اتهمته بالفساد المالي تارة، و بالانحياز لحكومة الوفاق الوطني الليبية تارة، وأخيرا محاولة السيطرة على تونس والتعدي على صلاحيات الرئيس التونسي “قيس سعيد” .

وتتنوع الدعوات للاحتجاج في ساحة (باردو)، والاعتصام أمام البرلمان، والمطالبة بحل الكيان التشريعي المنتخب، وإقالة رئيسه راشد الغنوشي، وإعادة صياغة نظام سياسي جديد يقلص دور السلطة التشريعية، ويزيد سلطات رئيس الجمهورية، والرغبة الدفينة بسحق الإسلاميين، وعنوانهم الرئيسي حزب حركة النهضة الذي يقوده الغنوشي، هذا الحراك يثير قلقاً حقيقياً على ديمقراطية تونس الناشئة، ويضع التجربة العربية الوحيدة ذات الملامح المحددة في عين العاصفة.

هذه الديمقراطية، التي تتمنى شعوب العرب مثلها، تتسع للشريحة الغاضبة أو المتواطئة من التونسيين، إذ بمقدورهم تنفيذ كل أهدافهم من داخلها عبر الفوز بها، وليس بالحركات الظاهرة لإصلاحها، بينما هى في حقيقتها تهيئة الأجواء لمنح القوى المضادة الفرصة للانقضاض عليها، والمحتجون أقلية، ولا يمثلون شريحة ذات وزن شعبي، وظاهرياً لا يمثلون خطورة على النظام الديمقراطي القائم، لكن الأقلية قابلة للزيادة، وأساليب ترجمة ذلك لواقع عملي ليست صعبة، والإغراءات قادرة على شراء ذمم سياسية، وتحريك “المواطنين الشرفاء”.

ففي كل بلد عربي مواطنون شرفاء مستعدون دوماً للانضمام لأي حشد تحت شعارات جاذبة خادعة، والخبرة متوفرة في العواصم العربية لدفع الناس للمظاهرات لخدمة أهداف خبيثة، وهى في النهاية لن تصب في صالح مواطنين شرفاء سذجاً، أو جماعات سياسية انتهازية تهفو للسلطة بأي ثمن، كما تعصف معهم بالمواطنين والنخب والقوى الراغبة حقاً في الإصلاح وحكم الدستور والقانون.

وتعتمد الدعوات على وسائل الإغراء المتنوعة، ومنها؛  الإطاحة بالحكم الديمقراطي خارج آلياته المعروفة، وهو الانتخابات الحرة، ما يعني إهدار إرادة الشعب، وإقصاء الطبقة السياسية خارج المجال العام، وانفراد من يسطو على السلطة بمكوناتها وحده، وتناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي بتونس وثيقة نسبت لجهة تسمي نفسها “هيئة الإنقاذ الوطني”، دعت إلى “حل البرلمان، والأحزاب والمطالبة بمحاسبتهم، وتعليق العمل بالدستور، ومراجعة قوانين ما بعد الثورة، وإعادة صياغته والمصادقة عليه باستفتاء شعبي”.

كما دعت الهيئة المذكورة إلى “عزل الحكومة ومجلس نواب الشعب، واستلام الجيش للسلطة مؤقتا ثم تنظيم الحكم الذاتي المحلي عبر الديمقراطية المباشرة”، وقبل أيام كشف المغرد السعودي الشهير باسم “مجتهد” تفاصيل ما أسماها “الخطة الانقلابية التي تعدها السعودية والإمارات في تونس” لتسليم السلطة لنظام يقمع الإسلاميين على غرار ما حدث في انقلاب مصر، وقال مجتهد في سلسلة تغريدات عبر حسابه على موقع تويتر، إن الحملة تهدف إلى تسليم السلطة في تونس لنظام على غرار نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لـ”يقضي على الثورة ويقمع الإسلاميين بلا هوادة، ومعهم كل من يؤمن بالحرية والعدالة والانتخابات النزيهة، لأنهم يتوقعون أن أي حرية وعدالة وانتخابات نزيهة ستأتي بإسلاميين”.

وتضمنت مراحل الخطة ، التي تحدث عنها مجتهد، وهو حساب قريب من دوائر صنع القرار الخليجي،:

١) شيطنة جماعة النهضة

٢) إقناع الشعب بفشل البرلمان

٣) تجنيد الرئيس وإن رفض اتهامه بالعجز والسفه

٤) إدخال البلد في فوضى أمنية

٥) تحرك شارع مصطنع

٦) استجابة الجهاز الأمني لنداء الشارع بحل البرلمان وتعطيل الدستور

٧) تنصيب شخص موال بنظام على غرار نظام السيسي

 

وفي الشهر الماضي، استشهدت  صحيفة ” الوطن” المستقلة في الجزائر بالعديد من وسائل الإعلام في الشرق الأوسط، التي أفادت بأن المخابرات التركية أحبطت محاولة انقلاب في تونس نسقتها الإمارات، وقالت صحيفة “القدس العربي” إن أول عمل للانقلاب كان من المقرر أن يبدأ في 13 من يونيو بمظاهرات مناهضة للحكومة، وبحسب مصادر، فقد كان من المقرر إعداد المظاهرات وقيادتها شخصيات مرتبطة ببن علي وبعض “قادة المنظمات المنتسبة لليسار التونسي، الذين لم ينجحوا في شغل مقاعد في البرلمان خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة”.

وذكرت صحيفة “لينس بوست” أن “الانقلاب المخطط في تونس يهدف بشكل عام إلى عادة إنتاج السيناريو الذي وضع في مصر لإيصال عبدالفتاح السيسي إلى السلطة”، بالإضافة إلى “شيطنة حركة النهضة”، وكتبت “لينس بوست”: إن هذه الحيلة كانت ستستخدم لتحضير وصول شخصية للسطلة خاضعة لأبوظبي الذي طلب منه تقديم خطاب للأجندة أبوظبي في ليبيا والمنطقة”.وقال سيباستيان بوسويس، وهو باحث في الشرق الأوسط من جامعة بروكسل لـ”ميدل إيست آي”: “إن هذا يشبه إلى حد كبير مؤامرة انقلابية على الطراز الإماراتي”وأضاف: “مع خسارة حفتر في الجانب الليبي، أصبحت تونس أساسية في خطتها لتسوية أو الحفاظ على الأنظمة الاستبدادية في كل مكان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”.

وقال بوسويس: “لسنوات تحاول الإمارات وقف نفوذ حزب النهضة والتحول الديمقراطي، وكانت أبوظبي قد راهنت في بداية الأمر على “الباجي قائد” السبسي (مؤسس نداء تونس)، لكنهم شعروا بالخيانة من تحالفه مع النهضة، لم يغفر له الإماراتيون قراره على إبقاء مسافة في العلاقات مع دول الخليج”.

وقال رفيق عبدالسلام، وزير الخارجية الأسبق وعضو حركة النهضة، إن رعاية الأفراد والأحزاب السياسية وجماعات المجتمع المدني ليست الطريقة المفضلة للإمارات، وأشار إلى إنهم “يفضلون استخدام الجيش وقادة الجيش، ولكن منذ أن أثبت الجيش التونسي استقلاله، فإن هذا لم يفلح في تونس””بالنسبة للإماراتيين، تشكل هوية النهضة الديمقراطية الإسلامية تهديدا لسبب وجودهم”، يضيف عبد السلام أنهم “يعتبرون منافسين غير مرحب بهم بنظامهم الشمولي الإسلامي المحلي. أبو ظبي تريد تدمير حزب النهضة بأي ثمن”.

ولعل الناموس الذي يخطط للانقلاب على الديمقراطية في تونس، لا يملك مفردات تسعفه للظهور بمشهد المتمايز عن تجربة الانقلاب في مصر، فأسست الأقلية التونسية التي تخطط للإطاحة بالنظام السياسي شكلت ما تسميه (جبهة الإنقاذ)، وهو نفس المسمى وبنفس الخطوات والأهداف التي جرت في مصر، وكان في مصر من يسخرون من (جبهة الإنقاذ)، ومن خليط مكوناتها المتنافر، وغير القابل للتفاهم أو التعايش، والضعف العام للتيارات المدنية في الشارع الذي يهيمن الإسلاميون عليه، لكن كل هذا تم التغلب عليه وحصل التماسك لفسيفساء جبهة الإنقاذ المصرية لهدف مصلحي أساسي، وهو أنهم قادمون للحكم بعد إزاحة الإخوان، ثم رضوا مرغمين من الغنيمة بالإياب.

ويبقى الخطر، في تونس، رغم عدم نجاعة دعوات الانقلاب كامنة في تفاصيل المشهد السياسي التونسي، فمصر شهدت استحقاقات انتخابية مثيرة للإعجاب، لكن في لحظة تبين أنها كانت ديمقراطية إجرائية خالية من ثقافة وجوهر التمسك بها، من صنعوا مشاهد الثورة ثم الانتخابات التي أذهلت العالم هم من انقلبوا سياسياً على إفرازاتها، بغض النظر عن طبيعة هذه الإفرازات.

 

حراك 14 يونيو

وفي أقل من أسبوعين، ورغم التحشيد الإعلامي الضخم من اللوبي الإماراتي المصري المعادي للثورات العربية والديمقراطيات الناشئة في المنطقة، فشل اعتصامان هدفا إلى الإطاحة بالبرلمان التونسي، وعلى مدار أكثر من أسبوعين من التحشيد المتواصل، استضافات على المباشر، صفحات مدفوعة الأجر على مواقع التواصل الاجتماعي تدار أغلبها من الإمارات، برامج مخصصة بالكامل للترويج للحدث المنتظر، اعتصام الرحيل أمام البرلمان التونسي بهدف الإطاحة بمجلس نواب الشعب الذي يقوده زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي.

جاء اليوم الموعود الـ14 من يونيو، فحبس التونسيون أنفاسهم فقوى الثورة المضادة نزلت بكل ثقلها، توجهت الأنظار نحو ساحة “باردو” المقابلة للبرلمان فالزحف قادم وفق الإعلام الإماراتي المصري الذي لم يهدأ له بال في الأسبوعين الأخيرين وقبلهما، لكن ماذا حصل؟ فقط عشرات المحتجين تجمعوا بساحة “باردو” قبالة البرلمان، ثم تفرقوا ولم ينفذوا الاعتصام المنتظر، حيث فشلت الجهات المنظمة لحراك 14 من يونيو تنظيم اعتصامهم للمطالبة بحلّ البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة وتغيير الحكومة.

ثم تفرق المحتجون من دون بدء اعتصامهم المفتوح، حتى إنهم لم يستطيعوا حمل كل اللافتات التي تلخص مطالبهم، فعدد الحضور أقل من عدد اللافتات والشعارات الموضوعة للغرض، ويطالب هؤلاء بالإطاحة بالبرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة وتنقيح القانون الانتخابي وتغيير النظام السياسي.

 

فشل ذريع

للمرة الثانية تفشل دعوات الانقلاب على الشرعية في تعبئة الشارع أو حتى أنصارها، فالداعون لاعتصام 14 يونيو لم يجدوا تفاعلًا من أوساط المجتمع التونسي الذي أفشل مخططاتهم عبر تجاهل دعواتهم التحريضية لعدة أسباب، وفق الصحفي التونسي هشام بن أحمد، من أهم هذه الأسباب، وجود شبهة ارتباط لهؤلاء بأجندات خارجية مصرية وإماراتية، حيث تسعى  هذه الدول إلى إجهاض تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس عبر دعم تحركات تخريبية وفوضوية وإيقاد نيران الفتن على أمل أن تدخل البلاد في سلسلة من الصراعات وموجة من الاضطرابات على شاكلة ليبيا ويصعب بعد ذلك الخروج من دوامة التقاتل والتناحر

بحسب مراقبين، فأن السبب الرئيسي لفشل الدعوة للاحتجاج ثم الاعتصام هو رفع القائمين عليه لشعارات سياسية إقصائية بحتة وأيضًا انقلابية، وكذا فإن فئة كبيرة من المجتمع باتت على يقين بأن التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا عبر صناديق الاقتراع وإن كان هنالك بد من معاقبة طرف سياسي حاكم في البلاد فيجب أن يتم ذلك عبر الانتخابات.

كما أن ما حدث في 14 يونيو،  شبيه باعتصام صيف 2013 لحل المجلس التأسيسي لكن الفرق بين الحدثين أن الأول أتى في سياق سياسي انتقالي أما الآن فالديمقراطية مثبتة بمواعيد واضحة للانتخابات ويفهم كل التونسيين تقريبًا مفهوم الانقلاب على سلطة منتخبة مهما كانت الشعارات المرفوعة وهو ما جعل المنظمين وحدهم في الشارع، وافشل الحراك الانقلابي، أيضا، عدم مساندة كل الأحزاب البرلمانية للاعتصام بما في ذلك حزب الدستوري الحر، فضلًا عن وجود حكومة ممثلة لأغلب العائلات السياسية في البلاد، وعدم انخراط اتحاد الشغل بصفة واضحة في الدعوة لهذا التحرك.

بجانب ذلك، فإن عدم قدرة القائمين على الاعتصام على التأثير والحشد، بأسماء مثل فاطمة المسدي وعماد بن حليمة وبديدة تبقى أسماء غير وازنة وتثير أحيانًا سخرية وتندر عدد كبير من التونسيين.

 

تدخلات مصرية إماراتية

وفي السياق ذاته، تسبب التركيز الاعلامي المصري على حدث 14 يونيو، مفعولا عكسيا، كما بثت قناة النيل الاخبارية الحكومية بثا مباشرا من تونس نقلا عن قناة العربية، طوال اليوم، وسبق يوم الـ14 من يونيو تحشيد وتجييش إعلامي مصري إماراتي لفائدة دعوات حل البرلمان، حتى إن الإعلامي الموالي لنظام العسكر في مصر أحمد موسى دعا مباشرة عبر قناة “صدى البلد”، للانقلاب على مؤسسات الدولة السيادية وعلى الشرعية في تونس.

أحمد موسى وصف الاحتجاجات التي كانت مقررة بأنها “ثورة ضد حركة الإخوان المسلمين”، لكن تدخل هذا الإعلامي الموالي للعسكر وأبواق الدعاية الإماراتية في الشؤون الداخلية التونسية وتحريضهم على مؤسسات الدولة الشرعية أعطى مفعولًا عكسيًا. حيث تساءل معظم المتابعين للشأن العام في تونس عن أسباب تحمس الإعلام المصري الإماراتي واستماتهم في دعم هذا الاعتصام وتبني أفكاره وتعظيم قادته، بل خلص معظم التونسيين إلى أنه لا يمكن أن تكون هذه الدعوات بريئة ومعبرة عن إرادة الشعب وإنما قد تكون ضمن محاولات إحداث الفوضى والإرباك في البلاد التي تسعى الدول المعادية  للثورة التونسية في بثها..

وبات أغلب التونسيين موقنين أن مصر والإمارات مصدر للتشويش على الديمقراطية التونسية لذلك فشل المشروع الانقلابي المدعوم خارجيًا لإحداث فوضى في تونس وهو ما ترجم في نسبة مشاركة صفرية، بل سخر التونسيون من الدور المصري الإماراتي، وقال في تدوينة له على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، رئيس كتلة نواب حركة النهضة في البرلمان، نور الدين البحيري: “نصيحتي لحكام مصر والإمارات، ادخروا ما تنفقونه من مال وجهد ضد شعبنا لإنقاذ شعبكم من الفقر والأمية والمرض وتحرير سيناء وطنب الكبرى والصغرى، و استرجاع شيء من كرامتكم التي أهدرها الاستعمار”.

 

خطط بديلة

إلا أنه ورغم فشل هذا التحرك، لا يعني النهاية، فقوى الثورات المضادة عندها العديد من الخطط البديلة، فيرى المحلل السياسي التونسي كريم البوعلي أن هذا اللوبي لديه سليلة التجمع المنحل عبير موسي كممثل رئيسي له في تونس والراعي الرسمي لمشروعه الانقلابي، ويؤكد البوعلي أن عبير موسي بدأت خطوتها التالية قبل فشل الاعتصام بطرح ملف تصنيف حركة النهضة – التي تسميها إخوان – إرهابية ولعب ورقة العلاقة بينها وبين الإرهاب رغم ما سبق من تجاذب بخصوص هذا الملف وخرجت منه النهضة دون تهم.

وقدمت عبير موسي مشروع لائحة جديدة للبرلمان تهدف إلى تصنيف حركة النهضة منظمة إرهابية مناهضة للدولة المدنية، وتطالب موسي الحكومة بإعلان هذا التصنيف بشكل رسمي واعتبار كل شخص طبيعي أو معنوي له ارتباطات معها مرتكب لجريمة إرهابية على معنى قانون مكافحة الإرهاب، وهو الأمر الذي يعتبره المراقبون التونسيون ، ” تعفين المناخ السياسي في البلاد وصرف الانتباه عن القضايا الرئيسية الاقتصادية والاجتماعية التي ينتظر التونسيون حلها، خاصة بعد سيطرتهم على فيروس كورونا وتمكنهم من الانتصار عليه”.

وفي 22 يونيو 2020، نشر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني تقريرا، قال فيه: “في الأسابيع الماضية شهدت تونس اضطرابات سياسية، خاصة بعد تعرض رئيس البرلمان الغنوشي لانتقادات واسعة؛ بسبب اتصالات مزعومة مع كل من تركيا وقطر والإخوان المسلمين تخص الحرب في ليبيا” وأوضح الموقع أن “التوترات اندلعت الشهر الماضي، بعد أن هنأ الغنوشي فايز السراج -رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبي- على استعادته لقادة الوطية الجوية من الجيش الوطني الليبي المسمى خليفة حفتر” وقال الموقع إنه لطالما كانت السياسة التونسية ساحة معركة بالنسبة لدول الخليج منذ الإطاحة بحاكمها السابق زين العابدين بن علي في عام 2011. وبين أنه “الآن، وبعد أن أصبح وجودهم في ليبيا غير مضمون، هناك مزاعم بأن الإمارات وحلفائها كانوا خلف الاضطرابات السياسية الأخيرة في تونس، لا سيما الحملة ضد الغنوشي”.

 

 

تحديات المسار الديمقراطي

وتواجه التجربة الديمقراطية التونسية بالعديد من التحديات في الفترة المقبلة، ومنها:

عدم وجود مشروع موحد للحكم:

لقد أثبتت اللائحة التي تقدمت بها زعيمة الحزب الدستوري الحر (المعروف في مواقع التواصل الاجتماعي بـ”حزب البوليس السياسي” أو “حزب محور الشر”) وجود انقسامات عميقة بين الأطراف المشكلة للحكومة، وهي انقسامات تجعل من العبثي بناء توصيف للحقل السياسي التونسي على أساس ثنائية الحكومة/ المعارضة.

كما أثبتت تلك اللائحة رغم الفشل في تمريرها (لأنها لم تتحصل على عدد النواب اللازم لذلك وهو 109 نائبا)، أنّ أمام حركة النهضة، كما قال الناشط السياسي والباحث رياض الشعيبي، “مراجعات كبيرة للخروج من عزلتها السياسية”. فالنهضة “التوافقية” ما زالت بعيدة عن تكوين تحالفات استراتيجية تتجاوز الحزام الإسلامي أو القريب من الإسلاميين، ويمثله أساسا ائتلاف الكرامة، وبحسب مراقبين، فالنهضة “التوافقية” ما زالت بعيدة عن تكوين تحالفات استراتيجية تتجاوز الحزام الإسلامي أو القريب من الإسلاميين، ويمثله أساسا ائتلاف الكرامة، وهو ما يعبر عن هشاشة التركيبة الحكومية..

 

توسيع التحالف الحاكم

ويقف تحدي توسيع التحالف الحاكم كتحدي بارز في المرحلة  المقبلة، ففي14 يونيو 2020،  اعتبر رئيس حركة “النهضة” راشد الغنوشي أن ما حصل في البرلمان التونسي “مشهد غير طبيعي لن يستمر طويلا”، ويقصد بذلك قيام أطراف داخل الائتلاف الحاكم بمساندة اللائحة التي تقدمت بها عبير موسي لإعلان “رفض البرلمان للتدخل الخارجي في الشقيقة ليبيا ومناهضته لتشكيل قاعدة لوجستية داخل التراب التونسي، قصد تسهيل تنفيذ هذا التدخل”.

ودعا الغنوشي إلى “توافق جديد مفتوح أمام كل من يريد أن يشارك، لأن الديمقراطية التونسية لا تزال ناشئة” وهو ما يعني ضم حزب “قلب تونس” إلى حكومة الحالية، بعد أن فقد الثقة “نهائيا” بـ”حركة الشعب”، لكن لتحقيق هذا الهدف هناك عقبات كثيرة، ويحاول رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ إثناء حركة “النهضة” عن التمسك بالمضي قدما في هذا الاتجاه، ويستند في ذلك إلى استمرار خطر كورونا من جهة، وإلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي تهدد البلاد خلال المرحلة القادمة من جهة أخرى، إذ إن التفكير حالياً في تعديل وزاري من شأنه أن يعرّض الحكومة إلى هزة قوية في سياق غير مناسب.

من جهته، يرفض رئيس الجمهورية قيس سعيد فكرة المساس بالفريق الحكومي الذي تم التوصل إليه بعد جهود مضنية. ويزداد اعتراضه قوة عندما يتعلق الأمر بإدخال حزب “قلب تونس” الذي يأخذ عليه أكثر من مأخذ، وتفيد العديد من المصادر أن هناك اتفاقا بينه وبين الفخفاخ على إفشال محاولة حركة النهضة تغيير المعادلة السياسية الراهنة، ورغم أن حزب “التيار الديمقراطي” غير معني بالتعديل الذي تطالب به حركة “النهضة”، إلا أن قادته أكدوا أن “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب “سيكونان معاً في الحكومة ومعا في المعارضة”، وهذا يعني أن “التيار” لن يبقى ضمن الائتلاف الحاكم في حال تمت إزاحة “حركة الشعب”.

وتشهد حركة النهضة خلافا كبيرا بينها وبين الناصريين، وباتت قواعدها تضغط منذ فترة نحو تغيير مكونات الائتلاف الحاكم حتى يصبح أكثر انسجاماً، وأصبح حزبا “النهضة” و”حركة الشعب” يتعاملان مع بعضهما بعضا داخل الحكومة كخصمين فرض عليهما المشاركة في حكومة واحدة. كما أن راشد الغنوشي تألم كثيراً وهو يرى حزب “تحيا تونس” يضع يده في يد رئيسة “الحزب الدستوري الحر” عبير موسي، التي جعلت منه الهدف الرئيسي لهجماتها اليومية داخل البرلمان وخارجه، متناسياً الجهود التي بذلها الغنوشي شخصياً لحماية الشاهد من السقوط خلال صراعه المرير مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، أو استعداده السابق أيضاً لدعم ترشح يوسف الشاهد خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ولم تتأخر “حركة الشعب” في ردها على الغنوشي، حيث قام أمينها العام زهير المغزاوي بوضع “النهضة” أمام خيارين: الأول أن تقوم بسحب وزرائها، أو أن تتوجه نحو البرلمان لسحب الثقة من الحكومة، في محاولة منه لأن يحشرها في الزاوية، ويحملها مسؤولية تهديد الاستقرار الحكومي.

ولم تكشف حركة “النهضة” عن جميع أوراقها، لأن مساحة المناورة لديها واسعة ومتعددة الأطراف، فخصومها ينتقدونها باستمرار لاعتقادهم بكونها تمارس أسلوبا مزدوجا، فهي على الصعيد الحكومي تستفيد من كونها الحزب الأساسي ضمن الائتلاف الحاكم، ولكنها في البرلمان تنسق مع الحزب الثاني “قلب تونس” الذي يقف في صفوف المعارضة، لهذا غالبا ما يطالبها شركاؤها في الحكومة بتحديد موقعها وضبط تحالفاتها، إذ لا يجوز أن تكون في الحكم وفي المعارضة في الآن نفسه، وترد الحركة على ذلك بالتأكيد على أن حجم الصعوبات التي تمر بها البلاد تقتضي أن يلتقي الحزبان الكبيران حول برنامج مشترك، ويتحقق ذلك عندما يلتحق “قلب تونس” بالائتلاف الحاكم. فـ”النهضة” تشتغل على كثرة الانقسامات التي يمر بها المشهد الحزبي، وتعمل على توظيف ذلك حتى تبقى هي الأقوى والأقدر على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار السياسي..

ولعل الموقف الأخير للنهضة، المعلن يوم الأحد، 28يونيو 2020، تؤكد سيره على الأشواك نحو استقرار سياسي، قد يكون حرجا…حيث انتهى مجلس شورى حركة النهضة في دورته الأربعين المنعقد السبت والأحد الماضيين، إلى تأكيد دعم حكومة إلياس الفخفاخ، إلى حين صدور نتائج التحقيق في شبهة تضارب مصالح رئيس الحكومة، مع تجديد الدعوة إلى ضرورة توسيع الحزام السياسي والبرلماني، و ذلك نظرا للنتيجة التي وصلت إليها حركة النهضة، بأن “المشهد السياسي مفتت بعد الانتخابات، والغالبية الحكومية ليست غالبية برلمانية، مثلما حصل بين النهضة ونداء تونس بعد انتخابات 2014، لكن الحزب الثاني اليوم (قلب تونس) ليس في الحكومة، لذلك ينبغي توسيع الائتلاف الحكومي. ومن المنتظر أن تحصل تطورات في وضع الحكم، كي نصل إلى التوازن في المشهد وتحقيق تضامن حقيقي بين الأطراف الحكومية وليس صورياً، لأن هذا الوضع غير قابل للاستمرار”.

وعلى الرغم من أن الدعوة إلى توسيع الائتلاف ليست جديدة، إلا أن حركة النهضة حسمت قرارها بعد الجلسة البرلمانية حول ليبيا يومي مؤخرا، التي صوّت فيها حزب تحيا تونس وحركة الشعب (داخل الحكومة) مع الحزب الدستوري الحر (المعارضة) لمصلحة لائحة برلمانية تقدمت بها كتلة الحزب الدستوري الحرّ لرفض التدخل الأجنبي في ليبيا، وهو ما اعتبرته “حركة النهضة لحظة فاصلة يستحيل فيها تواصل هذا التحالف”.

وتزامنت دعوة الغنوشي مع تقييم مماثل لنبيل القروي، اعتبر فيه أن القانون الانتخابي في تونس يفرز نتيجة تحتّم على الحزب الأول الحكم مع الحزب الثاني، وأن الاستقرار السياسي لا يتم إلا في حالة التوافق بين الحزبين الأول والثاني في البرلمان واصفاً ذلك بـ ”قانون اللعبة” مثلما حدث في انتخابات سنة 2014. ورأى أنه عندما اتفق الحزب الأول مع الثاني (حركة النهضة وقلب تونس) على رئاسة البرلمان، نجح راشد الغنوشي في الفوز برئاسته، ونال “قلب تونس” نيابة رئيس البرلمان وعندما اختلفا سقط قانون الزكاة وحكومة الحبيب الجملي.

يشار إلى أن التحالف الحكومي الأصلي يقوم على أربعة كيانات سياسية رئيسية، “النهضة” (54 نائباً) والتيار الديمقراطي (22 نائباً) وحركة الشعب (15 نائباً) وحركة تحيا تونس (13 نائباً)، ومكونين برلمانيين غير متجانسين، هما كتلتا الإصلاح (16 نائباً) والمستقبل (8 نواب)، وهذه التوليفة الضيقة، طُرحت في سياق إنقاذ المركب البرلماني من الغرق، بعد فشل تشكيل حكومة الحبيب الجملي وطرح حكومة الرئيس كخيار بديل يُخرج الأحزاب من المشهد الحاكم، بشكل يجعل من قبولها إكراهاً لـ”النهضة” وحلفائها، للحيلولة دون سيناريو حل البرلمان، هذه التوليفة لا تفي بالحاجة، وتضع “النهضة” في كل مناسبة تحت رحمة حركة الشعب والتيار الديمقراطي لتمرير القوانين بـ 73 صوتاً، بما يجعل الدفع نحو توسيع الحكومة حلاً لتقليص نفوذ شركاء الحكم وتوسيع مجال التحرك البرلماني والحكومي.

وبحسب مراقبين، فإن رفض “الشعب” و”تحيا تونس” دخول “قلب تونس” الحكومة لتوسيع الائتلاف، يمكن لـ”النهضة” تعويضها بإدراج الكتلة الوطنية (11 نائباً) مع “قلب تونس” (27 نائباً)، في وقت لا يمكن الحديث بجدية عن إشراك كتلة ائتلاف الكرامة باعتباره غير مقبول من الجميع بدرجات متفاوتة. ولفت إلى أنه يمكن لـ”النهضة” الضغط على رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ ودفعه نحو التعديل الوزاري، مشيرين إلى أن سيناريو إضعاف “الشعب” و”تحيا تونس” بإدخال شركاء آخرين، من شأنه أن يكون رسالة مزدوجة للفخفاخ وللرئيس قيس سعيّد الرافض لـ”قلب تونس”، ورداً على شركاء الحكم الذين غدروا به لمصلحة عبير موسي في جلسة البرلمان مؤخرا، إلا أنه يصعب الحديث عن حكومة من دون “النهضة”، فالكتل والأحزاب التي تسمي نفسها قوى مدنية، غير قادرة على العمل معاً، وتجمّعها للتصويت على اللائحة البرلمانية ، لا يمكن اعتباره تحالفاً ممكناً. وهو ما يؤكد أن “النهضة ستبقى محور الحكومة ومحور التعديل الحكومي”.

 

الفساد والتحول الاقتصادي والاجتماعي

وقال رئيس كتلة حركة النهضة البرلمانية وعضو مجلس الشورى نور الدين البحيري في تصريح صحفي، ؛ إن “الحركة عبّرت عن انشغالها لتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ودعت الحكومة إلى الانكباب على معالجة هذه الأوضاع وتوفير شروط النجاح لتجاوز هذه الصعوبات والتعقيدات، من خلال الدعوة إلى وحدة وطنية وتوسيع الحزام السياسي والبرلماني للحكومة” وأضاف البحيري: “كما دعت إلى إدماج كل القوى السياسية والاجتماعية والحقوقية داخل البلاد وخارجها في عملية إدارة الشأن العام ومحاولة إصلاح الأوضاع”، ووفق البحيري، فقد عبر مجلس الشورى عن انشغاله “من التهم الموجهة لرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بتضارب المصالح في بعض الصفقات العمومية، ودعا إلى التسريع بمصارحة الرأي العام والإعلان عن نتائج التحقيقات التي تقرر إجراؤها في هذا الموضوع”.

يذكر أن رئيس الحكومة يواجه تهما بتضارب مصالح، بعد رفع النائب المستقل بالبرلمان التونسي ياسين العياري شكوى ضدّه بهذا الغرض، كما تم تشكيل لجنة تحقيق برلمانية للبحث في هذه الشبهة، ببادرة من كتلتي قلب تونس (29 مقعدا) وائتلاف الكرامة (19 مقعدا)، ووفق الوثائق، يملك الفخفاخ مساهمات على عقود من الدولة قيمتها 43 مليون دينار/ (15 مليون دولار)، في أبريل الماضي، أي بعد شهرين من توليه رئاسة الحكومة، وسرعان ما تحولت الشبهة إلى قضية رأي عام لتعلن أحزاب المعارضة في البرلمان “ائتلاف الكرامة 19 نائبا ” و”قلب تونس 29 نائبا” تكوين لجنة تحقيق برلمانية وبصفة رسمية للتقصي في الموضوع يترأسها النائب عياض اللومي عن “قلب تونس” وستوجه الدعوة للفخفاخ وجوبا للاستماع له ولعدد من الوزراء.

وستعمل اللجنة على التحري في الملف، وفي حال ثبوت شبهة فساد على رئيس الحكومة، فإن عليه وجوبا الاستقالة، أو يمرر البرلمان لائحة لسحب الثقة منه، ودستوريا،  “الفصل 18 يمنع ويحجر على رئيس الحكومة، أن يمتلك أسهما في أي شركة خاصة مهما كانت، وأن يكون مسيرا لأي شركة خاصة، والقانون يقضي بالسجن لعامين على كل من يمتنع عن تكليف غيره بالتصرف في أسهمه في الآجال القانونية، ولدي ملفات أكثر خطورة سأكشف عنها قريبا”.

وتبقى المشاكل التي عاناها الانتقال الديمقراطي في مرحلته “السياسية”، والتي يعاني منها الآن في مرحلته “الاقتصادية والاجتماعية”، تظل كابوسا مخيفا قد يغري البعض باستثماره للانقلاب على المنجز الديمقراطي الهش، وقد يغري آخرين بتوظيف الوضعية الحرجة التي تعيشها تونس لإدارة الأزمة (تحت غطاء الشرعية الانتخابية)، لكن مع تبرير عجزهم عن إيجاد حلول جذرية اتفق أغلب الفاعلين الجماعيين على أن المدخل إليها هو “محاربة الفساد”.

ولعل الأهم من ذلك هو أن الانتقال الديمقراطي، الاقتصادي والاجتماعي، سيظل مجرد أضغاث أحلام في ظل واقع سياسي ما زال رهين انقسامات واصطفافات أيديولوجية  لا علاقة لها برهانات اللحظة ولا أولوياتها، ومن ثم تبقى التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عوائق أمام اكتمال المسار الديمقراطي التونسي في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التجاذبات الاقليمية في منطقة المغرب العربي، سواء في ليبيا، أو بين الجزائر والمغرب، حيث تأزم العلاقات البينية، ما يضع تونس في مأزق كبير، قد يفشل أية محاولات لتوسيع الحزام الحكومي في المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

منح حكومة المشيشي الثقة .. اختبار جديد لقيس سعيد أمام تغير الخريطة البرلمانية التونسية

    على عكس كل المواقف السابقة، التي يبدو بها رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيد، كمهد…