‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر «انقلاب 3 يوليو» بعد 7 سنوات.. لماذا تورط الجيش؟
مصر - يوليو 6, 2020

«انقلاب 3 يوليو» بعد 7 سنوات.. لماذا تورط الجيش؟

من بين الأدلة الكثيرة التي تؤكد أن الإعداد لمشهد 3 يوليو كان مخططا له بمجرد الإعلان عن نجاح الرئيس محمد مرسي في انتخابات الرئاسة التي جرت في يونيو 2012م والتي تعتبر الانتخابات الرئاسية الوحيدة والنزيهة في تاريخ مصر كله والتي تعبر بحق عن إرادة الشعب، لا يزال هناك دليلان يتردد صداهما باستمرار.

الأول هو التسريب الصوتي لضابط كبير بأمن الدولة مع رئيس حزب الوفد السابق سيد البدوي، وهو التسريب الذي تم بثه في 2015م ويرجح أنه جرى أواخر 2011م أو خلال يناير أو فبراير 2012م على أقصى تقدير؛  لأن الضابط كان يوجه السيد البدوي بالابتعاد عن الإخوان شاكيا كثافة الظهور الإخواني على شاشة قناة الحياة التي كانت مملوكة وقتها لرئيس حزب الوفد السابق، والذي برر ذلك بأنه يطمع أن يكون رئيسا للجمهورية، وأن ذلك لن يحصل إلا بدعم الإخوان باعتبارهم أصحاب شعبية جارفة، ما يعني أن الجماعة في وقت التسريب لم تكن قد أعلنت عن قرارها بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية بمرشح من طرفها وهو القرار الذي صدر في منتصف مارس 2012م، خطورة هذا التسريب أن الضابط الكبير الذي لم تعرف هويته حتى اليوم كشف عن سيناريو الدولة العميقة لمواجهة ثورة يناير والشعبية الجارفة للإخوان المسلمين، وهو التسريب الذي احتوى على  تأكيد الضابط الكبير بأن الإخوان لن يحكموا البلد وأنهم سوف يتعرضون خلال السنوات المقبلة لمذابح دموية مروعة، «أنا يا سيد بقولك إن الإخوان دول هيتعمل فيهم إللي متعملش، في الكام سنة اللي جايين .. هيدبحوا.. هتطلع مليشيات تدبحهم في بيوتهم .. هتخش عليهم بيوتهم تدبحهم في سرايرهم». وكشف أن هذه المليشيات المسلحة لن يعرف أحد هويتها، وأن مصر سوف تغرق في إرهاب لا يعلم أحد مصدره، «مصر بقى هتغوص في إرهاب محدش عارف مصدره». والإشارة إلى أن حل أمن الدولة هو تهديد لاستمرار أي نظام سياسي وأن مصر لا يمكن أن تدار بدون أمن الدولة وقانون الطوارئ «ما انتو قلتوا بلاش القوانين ونلغي أمن الدولة». وأخيرا التأكيد على مصادرة جميع أشكال حرية الرأي والتعبير «اللي هيتكلم  هتقتطع رقبته  في سريره».[[1]]

الدليل الثاني، المقال الذي كتبه الناشط السياسي أحمد ماهر، مؤسس حركة 6 إبريل ومنسقها السابق، تحت عنوان «للأسف كنت أعلم» والمنشور في 13 مايو 2014م والذي يؤكد فيه أنه تلقى دعوة للمشاركة في الانقلاب وأنه كان يعلم منذ فبراير 2013م أن القوى العلمانية اتفقت مع الجيش وقوى نظام مبارك على دعم انقلاب عسكري ضد المسار الديمقراطي وذلك عبر افتعال عنف واشتباكات وسفك دماء وإحداث فوضى ليكون ذلك مبررا لنزول الجيش، وفي إبريل 2013 حذره أحد المتواصلين مع الأجهزة الأمنية « الترتيب اللى جاى أن الجيش هو اللى يمسك السلطة وأنتم رافضين ومش عايزين تشاركوا فى الكلام، والناس متخوفة منكم أنكم هاتقولوا برضه يسقط يسقط حكم العسكر، فالترتيب أنكم تختفوا الفترة الجاية، مش هايكون ليكم صوت ومحدش هايسمعكم ولا هايتعاطف معاكم»،[[2]] ومع رفض ماهر لهذه الجرائم وعودة العسكر مجددا جرى التنكيل به والانتقام منه على النحو المعروف باعتقاله عدة سنوات بتهم ملفقة ولا يزال حتى اليوم يعاني من التدابير الاحترازية التي تلزمه بالمبيت في القسم كل ليلة.

أما الإخوان فقد جرى عليهم بالضبط ما كشفه الضابط الكبير في التسريب من المخططات الإجرامية التي كانت خافية ونفذت المليشيات المسلحة انقلابا عسكريا بدعم إقليمي واسع ضد ثورة يناير والمسار الديمقراطي ونفذت أكبر مذابح جماعية في تاريخ مصر بحق الإخوان على وجه التحديد ومن نجا منهم من هذه المذابح اعتقل في قضايا سياسية بتهم ملفقة وحكم عليهم بأحكام قاسية رغم أنهم الضحايا، أما الجناة والمليشيات التي أثارت الفوضى وارتكبت المذابح؛ فقد أفلتوا من جميع أشكال المحاكمة والمحاسبة والعقاب، ولا يزالون حتى اليوم يتمتعون بالسلطة والنفوذ بعد أن تحولت مصر منذ 30 يونيو 2013م إلى أكبر غابة يضرب بها المثل في الفشل والظلم على مستوى العالم.

هذا التسريب رغم أهميته الكبيرة لم يطلب النائب العام فتح تحقيق في محتواه رغم أنه يفك جميع ألغاز الجرائم التي جرت بعد الإطاحة بمبارك وتكشف بوضوح عما كان يسمى وقتها بالطرف الثالث المتهم بإثارة العنف والفوضى وسفك الدماء فقد ثبت أنه الطرف الأول “مؤسسات الدولة العميقة وعلى رأسها الجيش بمخابراته الحربية” التي رأت في ثورة يناير وصعود الإسلاميين وتكريس نظام ديمقراطي حقيقي تهديدا للنفوذ الذي تحظى به والمزايا التي تتمتع به دون باقئ فئات الشعب.

هذا المدخل يفتح الباب من جديد وبعد 7 سنوات على مشهد الانقلاب ، أمام مناقشة الأسباب التي دفعت الدولة العميقة والقوى الإقليمية والدولية لتدبير انقلاب 30 يونيو، والتورط في الجرائم المروعة التي ارتكبها الجيش والشرطة وعلاقة ذلك بالدور الوظيفي للنظام في مصر في سياق خدمة أجندة المصالح الأمريكية والإسرائيلية والغربية عموما، كما يفتح الباب حول إعادة قراءة دوافع وأسباب تورط المؤسسة العسكرية في الانقلاب والجرائم التي تلته في ممارسة عملية لمعنى الحرب الأهلية التي أفضت إلى تمزق النسيج المجتمعمي بصورة مؤلمة ربما تستغرق عشرات السنوات لعلاج آثارها النفسية والاجتماعية العميقة، وهي السبب المباشر الذي يسحب مصر بكل ثقلها إلى قاع التخلف والفوضى والاستبداد.

 

قراءة في الأسباب والدوافع

الدرس الأهم من هذه التجربة (الثورة والانقلاب) هو التأكيد على مركزية دور المؤسسة العسكرية في حكم مصر؛ فالجيش يتعامل مع مصر منذ انقلاب 23 يوليو 1952م على أنها إقطاعية عسكرية خالصة لا يسمح مطلقا بأن يكون على رأس الجمهورية مدني، وعندما جرى ذلك بفعل ضغوط ثورة يناير من أجل نقل السلطة من المجلس العسكري إلى حكومة مدنية منتخبة، وتم انتخاب الدكتور محمد مرسي رئيسا للجمهورية في يونيو 2012م أمام مرشح الجيش والدولة العميقة الفريق أحمد شفيق؛ جرى التنكيل به والانتقام منه ومن أنصاره على النحو المؤلم الذي يعلمه الجميع، حورب مرسي وأفكاره الإسلامية بضراوة أثناء فترة الدعاية، وقبل أن يتسلم السلطة، وافتعلت الدولة العميقة المشاكل وأثارت الفوضى والفلتان الأمني، ثم جرى تشويه الرئيس عبر حملة دعاية سوداء موسعة شارك فيها جميع وسائل الإعلام التابعة للجيش ورجال أعمال مبارك، وجرى الانقلاب عليه واعتقاله والتنكيل به وبأسرته على نحو واسع، ليكون عبرة لأي مدني يفكر في حكم مصر مجددا حتى لقي ربه محتسبا شهيدا بعد ست سنوات في سجون العسكر، وبالتالي فإن قادة جبهة الإنقاذ الذين ظنوا ــ بعد فشلهم في الفوز بثقة الشعب ــ أن تدخل الجيش في 30 يونيو سوف يخلي لهم الساحة من أقوى خصم سياسي “الإسلاميون” اتضح أنهم واهمون، وأن جنازير الدبابات عندما تتحرك فهي لا تتحرك إلا من أجل تلبية رغبة عسكرية عارمة في السيطرة والاستئثار والتحكم؛ ولذلك جرى إحراق ورقة حمدين صباحي في أول مسرحية رئاسة سنة 2014م وحصل على الترتيب الثالث بعد الأصوات الباطلة، كما جرى تهميش كل قادة جبهة الإنقاذ فلم يعد أحد يسمع لهم همسا.

السبب الثاني الذي دفع الجيش نحو الانقلاب على مرسي والمسار الديمقراطي الوليد، هو حماية بيزنس المؤسسة العسكري سواء فيما يتعلق بسرية موازنة الجيش التي تكتب رقما واحدا في الموازنة العامة للدولة دون أي مراقبة من أي جهة، أو بالنسبة لشركات الجيش ومشروعاته والتي تقدر بين (40 إلى 60%) من جملة الاقتصاد المصري، وهي المشروعات التي تجاوزت حدود الاقتصاد الموجه لخدمة وحدات الجيش في أوقات السلم والحرب والتي لا اعتراض عليها مطلقا ما دامت تعزز من قدرة المؤسسة العسكرية على توفير احتياجاتها، لكن المشكلة  أن اقتصاد الجيش  تحول إلى إمبراطورية مترامية الأطراف وتحولت إلى أكبر محتكر في كثير من قطاعات الاقتصاد المدنية وامتدت بنفوذها إلى السيطرة المطلقة على معظم أوجه النشاط التجاري والاقتصادي، وقد رأى الجنرالات أن الثورة والمسار الديمقراطي يمثلان تهديدا مباشرة لهذه الأمبراطورية، وقد أكد اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، في  مؤتمر صحفي عقد يوم 27 مارس 2012م، عن هذه المخاوف مشددا بعبارات تهديد «أموال الجيش ليست من أموال الدولة ولن نسمح للدولة بالتدخل فيها؛ لأنها ستخربها وسنقاتل دفاعاً عن مشروعاتنا، وهذه معركة لن نتركها، والعرق الذي ظللنا 30 سنة لن نتركه لأحد آخر يدمره، ولن نسمح لغيرنا أياً كان بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة». مبلغ الأسف في هذه التصريحات أنها تؤكد أن الجيش يتعامل بمنطقة الفوقية وأنه مؤسسة فوق جميع مؤسسات الدولة بل فوق الدولة ذاتها أو بمعنى آخر أكثر وضوحا فإن الجيش يرى نفسه الدولة، وقد أراد الجيش طول الفترة الانتقالية بعد الإطاحة بمبارك أن يؤكد على هذه الفوقية الاستعلائية وأن تبقى ميزانيته وشركاته ومشروعاته مستقلة عن الدولة دون السماح لأي جهة بمراقبة هذه الأموال الهائلة وتلك الإمبراطورية المترامية الأطراف، من أجل حماية هذا البيزنس الضخم كان الجيش هو من يقف وراء “وثيقة  السلمي” التي طرحها الدكتور علي السلمي في أكتوبر 2011م، وهي الوثيقة التي أسهت  الثوار وعلى رأسهم الإخوان المسلمون في إسقاطها، وهو ما بعث برسالة واضحة إلى الجيش أن الإسلاميين لن يقبلوا بهذه الفوقية والاستقلال المالي عن مؤسسات الدولة التي يجب أن تخضع جميعا لرقابة مؤسسات الدولة المنتخبة اتساقا مع المعايير الصحيحة لمفهوم الدولة من جهة واتساقا مع رغبة جميع الثوار في تأسيس نظام حكم رشيد يخضع لسيادة الشعب ومؤسسات المنتخبة  في كل شيء.

السبب الثالث أن الجيش يعطي لديمومة علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي أولوية مطلقة على تأسيس علاقة ثقة متبادلة وقوية مع الشعب المصري، حتى بات كبار القادة بالمؤسسة العسكرية يرون في تطوير العلاقة مع “إسرائيل” وتعزيز التحالف معها في جميع الملفات السياسية والاقتصادية، وحماية المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة بات من ثوابت الأمن القومي المصري؛  وبالتالي فإن تصورات السيسي وغيره من كبار الجنرالات تقوم على اعتبار أن أي تحولات سياسية أو اجتماعية  تحدث في مصر تفضي إلى زعزعة هذه العلاقة، أو تضعفها؛ هي في حد ذاتها تمثل تهديدا للأمن القومي المصري؛ وعليه فإن السيسي وكبار الجنرالات تعاملوا مع ثورة يناير وإقامة نظام ديمقراطي في مصر باعتباره مسارا  شاذا يهدد الأمن القومي المصري؛ بمقدار ما يهدد العلاقة مع إسرائيل وأمريكا، هذا التطابق في الرؤى والتصورات بين كبار قادة الجيش في مصر مع رؤى وتصورات “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية، إنما يمثل انعكاسا لمدى الاختراق الأمريكي الإسرائيلي للصفوف العليا في الجيش المصري منذ اتفاقية «كامب ديفيد» 1979م، حيث يتلقى الجيش مساعدات عسكرية من وشنطن قدرها “1.3” مليار دولار سنويا، كما يتلقى معظم القادة الكبار في الجيش دورات تدريبة ومحاضرات في الولايات المتحدة منذ ثلاثة عقود ليس فقط للتعرف على أفكارهم وتوجهاتهم بل لتشكيل عقليتهم بما يضمن حماية المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة؛ وهو ما أسفر عن هذا الاختراق الواسع؛ فقد أدركت واشنطن أن السيطرة على الجيش تساوى السيطرة على مصر؛ وبالتالي فإن حماية المصالح الأمريكية في مصر تتم بشكل مباشر من خلال التحالف الوثيق مع الجيش وهي العلاقة التي لا يمكن معها استبعاد تجنيد أمريكا لقادة كبار بالجيش لحساب أجندتها التي ترى في حماية إسرائيل أساس وبوصلة السياسات الأمريكية في مصر والمنطقة. وعليه يمكن تفسير أسباب  ثبات المساعدات الأمريكية للجيش منذ اتفاقية كامب ديفيد بيما تم تخفيض المساعدات المدنية المقدمة للشعب من 800 مليون دولار إلى 250 فقط وهناك مقترح بالكونجرس لخفضها 50 مليون دولار أخرى.

السبب الرابع،  الخوف من المحاكمة على الجرائم التي ارتكبها الجيش والشرطة خلال ثورة يناير والمرحلة الانتقالية؛ وقد أشار الرئيس الشهيد محمد مرسي، خلال إحدى جلسات محاكمته الصورية أمام قضاء النظام العسكري، إلى تقرير لجنة تقصي الحقائق الثانية التي تشكلت بقرار رئاسي من مرسي في يوليو 2012م، والتي قدمت تقريرها في 31 ديسمبر 2012م، مؤكدا خلال مرافته للدفاع عن نفسه أمام محكمة جنايات القاهرة، باقتضاب أنه تلقى معلومات ضمن تقرير لجنة تقصي الحقائق الثانية عن أحداث الثورة، تفيد بـ”دخول أفراد من جهة سيادية كان يترأسها السيسي (المخابرات الحربية) إلى فنادق مطلة على ميدان التحرير واستئجارهم غرفاً باستخدام بطاقات التعريف الرسمية لهم، وبحوزتهم أسلحة”، مشيراً إلى أنه “لم يأمر بالقبض على هذا القائد ليسمح للنيابة العامة بالتحقيق في هذه المعلومات، وحتى يحافظ على المؤسسة العسكرية”. تضمن التقرير  شهادة مدير أمن فندق “سميراميس إنتركونتننتال”، المطل على ميدان التحرير، وكذلك مدير فندق “هيلتون رمسيس”، اللذين أكدا على صحة هذه المعلومات، حاولت اللجنة التحقيق في الواقعة، إلا أنها لم تتلق ردوداً من الاستخبارات الحربية بشأنها، ولا بشأن وقائع أخرى كانت تتطلب توضيحاً من هذه الجهة أيضاً. ودعا هذا الغموض اللجنة إلى التوصية صراحة بالتحقيق في هذه الواقعة، إذ كان من المفترض، وفقاً لتعليمات مرسي آنذاك، أن تجري التحقيقات بمعرفة النيابة العامة، أو أن تحال الواقعة إلى القضاء العسكري لمباشرة اختصاصاته، نظراً لأن الضباط المشتركين في الواقعة ينتمون للمؤسسة العسكرية، كما تضمن التقرير توثيق شهادات نحو 120 من شهود الوقائع الدامية يوم جمعة الغضب وما تلاها، والتي اتفقت على “وقوف بعض القناصة على أسطح مجمع التحرير وفندق رمسيس هيلتون ومبنى الجامعة الأميركية وديوان وزارة الداخلية، وأطلقوا النيران على أشخاص من المتظاهرين”، واستدلت اللجنة أيضاً بالتقارير الطبية التي أفادت بأن “الوفاة جاءت غالباً من أعيرة نارية وطلقات خرطوش في الرأس والرقبة والصدر”، أما الحقيقة الأخرى التي ثبتت في تحقيقات اللجنة الثانية، فهي أن الاستخبارات الحربية كانت الجهاز الوحيد الفاعل في محيط ميدان التحرير، عقب انهيار الشرطة، وقد صاحب نزول عناصرها إلى محيط الميدان، قرار مبارك بنزول القوات المسلّحة إلى الشوارع لتأمينها، وانتهى التقرير إلى التأكيد على دور الجيش في قنص الثوار،[[3]] وبحسب الناشط أحمد راغب، الناشط الحقوقي عضو الأمانة العامة للجنة تقصي الحقائق، فإن التقرير، الذي استمر إعداده نحو 6 أشهر، وجمع 17 لجنة، لأحداث الثورة في الفترة بين 25 يناير 2011 وحتى 30 يونيو 2012، خرج بإثبات تورط الداخلية والجيش في إطلاق النار الحي والخرطوش على المتظاهرين، ورفض بعض الجهات السيادية والتليفزيون تقديم ما لديها من أدلة حول حوادث قتل المتظاهرين، مؤكدا أن «التقرير خرج بالعديد من النتائج والتوصيات والتي يمكنها مع وجود إرادة سياسية حرة من الرئاسة أن تحاكم قيادات وأسماء كبيرة في الدولة»، [[4]] لكن هذا التقرير اختفى تماما بعد انقلاب 30 يونيو في تأكيد على أن الانقلاب إنما يستهدف حماية أركان الدولة العميقة والمتورطين في جرائم مرحلة الثورة.

السبب الخامس، الخوف من الهوية الإسلامية وتكريس نسخة من العلمانية  المتطرفة في مصر؛ يدلل على ذلك أن السيسي في أول حوار صحفي له مع الواشنطن بوست، بعد مرور شهر واحد على انقلابه العسكري، أكد للصحفية (ليلي ويموث) أنه ما قدم إلى الحكم إلا لإجهاض المشروع الإسلامي الذي أراده الرئيس “محمد مرسي”، حيث قال نصا: “لو كان الانقلاب عليه لفشله، كنا صبرنا عليه لانتهاء مدته، ولكنه أراد إحياء المشروع الإسلامي والخلافة”. وبعد عام كامل من هذا الحوار، وفي لقاء له مع فضائية “العربية” ذات التوجه العلماني قال نصا: “لن يكون في مصر قيادات دينية ولن أسمح بذلك، فأنا المسئول عن الأخلاق والقيم والمبادئ”، ثم أكمل قائلا: “والدين أيضا”، وهنا قاطعته المذيعة متسائلة: “والدين أيضا؟!”، فأكد السيسي فكرته: “وعن الدين أيضا”. لكن السيسي عاد في 2017 م أكثر صراحة ووضوحا في تعامله مع الإسلام، حين صرح لشبكة “فوكس نيوز” الأمريكية (المعروفة بتوجهاتها المتطرفة): أنه لا مكان للدين في الحياة السياسية بعهده.[[5]]  فالسيسي لا يؤمن بالعلمانية المحايدة التي تقف موقفا وسطا من جميع الأديان؛ بل يرى في الأديان تابعا للسلطة توظفه لخدمة أهدافها كفيما تشاء؛ ولعل هذا يفسر سياساته خلال  السنوات الماضية فهو دائم الاتهام للإسلام بالتسبب في العنف والتطرف والإرهاب والعمل على تركيع رموزه ومؤسساته الدينية في الوقت الذي يبدي فيه توددا ملحوظا للكنيسة ورموزها ويعمل باستمرار على استرضائها، ويكون السيسي أكثر خنوعا وتوددا لكل ما هو يهودي وهو ما يبدو بوضوح شديد خلال لقاءته التي جمعته بوفود يهودية خلال السنوات الماضية، ولو أن المذابح التي ارتكبها السيسي بحق المسلمين جرت لغيرهم لقامت الدنيا عليه ولتم الإطاحة به من وقتها؛ لكن الأمريكان والغرب ينظرون إلى سحق الإسلاميين باعتباره عاملا لاستقرار المنطقة باعتبارهم من أشد المعادين للمشروع الصهيوني والأجندة الأمريكية في مصر والمنطقة.

خلاصة الأمر، أن من أهم مكاسب تجربة (الثورة والانقلاب) هو حجم الوعي الكبير بطبيعة المعادلة القائمة في مصر محليا وإقليميا، وأن القرارات العليا داخل الجيش المصري مختطفة لحساب حفنة قليلة من الجنرالات المتحكمين في مفاصل المؤسسة العسكرية والذين ينعمون بامتيازات واسعة ويحققون من وراء هذه الامتيازات ثروات طائلة ؛ فمصر تفتقر كل يوم وهم يزدادون غنى وثراء، وباختطاف المؤسسة العسكرية وتوظيفها لحساب هؤلاء الجنرالات تم اختطاف مصر كلها بناء على مركزية وضع المؤسسة العسكرية في نظام الحكم المصري منذ انقلاب 23 يوليو 1952م؛ حيث بات كبار القادة يتعاملون مع مصر باعتبارها إقطاعية عسكرية خالصة لهم من دون الشعب، وعبر اتفاقية كامب ديفيد 1979م، جرت تحولات ضخمة داخل المؤسسة العسكرية؛ وتمكن الأمريكان عبر المساعدات العسكرية من بسط نفوذهم بشكل واسع داخل الصفوف العليا للجيش، وترتب على ذلك تحويل الجيش إلى مؤسسة بيزنس واقتصاد وانشغل كبار قادته بأمور البيزنس والصفقات حتى كون الجيش إمبراطورية اقتصادية ضخمة مترامية الأطراف، وعبر نفوذهم الواسع تمكن الأمريكان من استخدام الجيش في الأجهاز على ثورة يناير وإجهاض المسار الديمقراطي عبر التخطيط لانقلاب 3 يوليو، الذي أراد به الأمريكان حماية مصالحهم وخاصة أمن الكيان الصهيوني، وأراد به كبار الجنرالات حماية نفوذهم السياسي وحماية إمبراطوريتهم الاقتصادية، وبالتالي فإن حكم السيسي يمثل في جوهرة احتلالا بالوكالة لخدمة الأجندة الأمريكية والإسرائيلية وحماية مصالح كبار الجنرالات،  ومن أجل تحرير مصر واستقلال قرارها الوطني يجب أولا تحرير الجيش من الوصاية المفروضة عليه من كبار القادة والجنرالات التابعين لواشنطن وتل أبيب، وإذا تحرر الجيش من هذه الوصاية تحررت مصر من التبعية وتخلصت من احتلال الوكالة، واستقل قرارها الوطني.

[1] https://www.youtube.com/watch?v=u_YAJU1_ANQ

[2] أحمد ماهر/ للأسف كنت أعلم/ مصر العربية 13 مايو 2014

 

[3] “تقصي الحقائق” يؤكد دور المخابرات الحربية بقتل ثوار يناير/العربي الجديد 20 يناير 2015// إيفان هيل ومحمد منصور/ الجارديان: جيش مصر ساهم في التعذيب والقتل خلال الثورة/ نشرته الجارديان بتاريخ 10 أبريل 2013.. انظر  دويتش ويللا الألمانية 12 أبريل 2013

[4] حسام الهندي/تقرير «لجنة مرسي» لتقصي الحقائق: الجيش والشرطة أطلقا النار على المتظاهرين/ المصري اليوم الثلاثاء غرة يناير ــ  2013م

[5] شرين عرفة/ ماذا بينك وبين الإسلام يا سيسي؟!/ مدونات الجزيرة 28 نوفمبر 2018

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…