‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على صانع القرار في مصر
مصر - يوليو 11, 2020

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على صانع القرار في مصر

استطاعت وسائل الإعلام التقليدية (الصحافة – الراديو والتليفزيون) التأثير في الجمهور وصانع القرار لفترات طويلة، منذ أن نشأت، حتى ظهرت قوة جديدة لوسائل “الإعلام الجديد” أصبحت تنافسها في إعداد المتابعة وتقديم الخبر بشكل أسرع، بالإضافة إلى عدم التقيد بسياسة تحريرية معينة، تجعل الجمهور يشك في صحة تحليل الخبر، أو الانحياز لجانب دون الآخر، كما تتميز وسائل الإعلام الجديد -بجميع أنواعها، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي- بإمكانية الانتشار الواسع، وقياس ردود الفعل حول موضوع ما بشكل مباشر. أحد السمات الأساسية لوسائل الإعلام الجديد، والتي تسمى أحيانًا صحافة المواطن، أنها ثنائية الاتجاه، بمعنى أن المتلقي يشارك في صناعتها؛ فكل من يمتلك حسابًا على موقع تواصل يستطيع المشاركة في صنع الأخبار، وفي صناعة منتج صحفي وإعلامي، بالتالي هو ليس متلقيًا فقط، على غرار وسائل الإعلام التقليدي، الذي يكون المشاهد مجرد متلقٍّ سلبي. ومن المميزات الأخرى لوسائل الإعلام الجديد أنها غير نخبوية بصورة كبيرة؛ حيث يشارك فيها الجميع باختلاف انتماءاتهم الثقافية والطبقية والدينية؛ إلخ. وفي هذه الورقة سيتم التعرف إلى تأثير وسائل الإعلام الجديد، وبشكل خاص “وسائل التواصل الاجتماعي” على صناع القرار داخل الدول العربية وخاصة مصر، وهل كان تأثيرها أقوى من وسائل الإعلام التقليدية المتعارف عليها أم لا، وكيفية تنامي تأثيرها في الفترة الأخيرة على صانع القرار وتغيير سياساته.

  • ما هي وسائل التواصل الاجتماعي؟:

وسائل التواصل الاجتماعي تعرف بأنها مواقع وتطبيقات مصممة لتسهيل عملية التواصل بين البشر في جميع أنحاء العالم، وذلك عبر التفاعل من خلال منشورات أو محادثات، أو المكالمات الصوتية والمرئية، وتعتبر أبرز هذه المواقع اهتمامًا بالواقع السياسي والتأثير فيه وحشد أعداد كبيرة من الآراء والتوجهات هي “الفيسبوك – تويتر”[1].

  • بداية تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على صناع القرار:

بدأت مواقع التواصل الاجتماعي الضغط على صانع القرار خلال العقد الأخير، وذلك مع الاحتجاجات التي ظهرت في الدول العربية، أو ما يسمى بـ”ثورات الربيع العربي”، واعتماد نشطائها على المنصات الرقمية، وفي مصر تم الاستفادة من هذه الوسائل؛ لكشف القصور والتجاوزات الموجودة في المنظومة الأمنية، فتم نشر فيديوهات وصور تثبت تجاوز ضباط الشرطة تجاه المواطنين، وتداول النشطاء هذه الفيديوهات محليًّا وعالميًّا[2].

كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسهيل عملية تواصل المحتجين بالميادين؛ للمطالبة بحقوقهم الإنسانية والاجتماعية، وتحقيق مبدأ الحشد الجماهيري؛ للضغط على صانع القرار، حتى أجبره على الانهيار والتنحي، وهذا يفسر الملاحقات التي كانت تحدث دائمًا من الشرطة لهؤلاء النشطات منذ بداية ظهورهم، وكانت تضغط عليهم؛ حتى لا يتنامى نشاطهم[3].

  • دور أنظمة الحكم في السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي:

تمارس أنظمة الحكم في العالم العربي السيطرة على هذه الوسائل بنفس الأسلوب بشكل عام، فتبدأ السيطرة عادة باعتقالٍ واسع للنشطاء الإلكترونيين وتكثيف الضغط عليهم، وكان تقرير “فريدوم هاوس” قد أشار لعدة حالات اعتقال طالت المتظاهرين لأسباب تتعلق بتبادل الرسائل إلكترونيًّا: فعلى سبيل المثال، اعتقلت السلطات السودانية الناشط السياسي حاتم الميرغني، وحكمت عليه بالسجن لمدة عامين، بعد إرساله رسالة “واتساب” تتحدث عن مسؤول حكومي وصفه بـ”الفاسد”، بينما قام جهاز الأمن المصري باعتقال عدة نشطاء من بينهم المدون “علاء عبد الفتاح”، فيما ذكر تقرير لمنظمة هيومن رايتس وواتش لعام 2017 أن هناك نحو 140 معتقلًا في سجون دول الخليح، على إثر نشاطهم الإلكتروني[4].

كما تلجا الحكومات أيضًا لبناء لجان الكترونية تروج لما تريد الحكومات تسويقه، وتهاجم المعارضين وتشوههم؛ إلخ. فلم تكتفِ فقط بقمع مستخدمي هذه الوسائل الجديدة، إنما حاولت أن تؤسس سلطتها داخل هذا المجال؛ ليصبح خاضعًا لها، وليس مساحة مجهولة لا تحسن التعاطي معها، أضف إلى ذلك أنظمة التجسس التي تضمن للحكومات والنظم مصادر لا تنضب من البيانات، ليس فقط عن المعارضين، إنما على المجتمع الذي تحكمه ككل، والمزاج العام للمحكومين، والرأي العام السائد في هذه الفضاءات الجديدة تجاه سياسات الحكومة.

  • تطور تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على صانع القرار في مصر:

تنامى تأثير وسائل الاجتماعي في مصر بعد نجاح ثورة 25 يناير 2011 في الإطاحة بنظام الحكم الذي دام لثلاثة عقود، وأصبح له دور كبير في التأثير في الواقع السياسي المصري، وما حدث في 25 يناير خلق حالة من الذعر للأنظمة الاستبدادية، ولكن ما حدث عبر وسائل التواصل وتم تطبيقه في ميادين مصر كان حركة غير مدروسة الخطى على المدى البعيد، فاقتصر دور وسائل التواصل الاجتماعي على إسقاط النظام، من دون تنظيم أو تخطيط للمستقبل لما بعد إسقاط النظام، وتحقيق الشعارات التي تم تداولها أثناء الثورة “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”؛ مما خلق حالة من البلبلة بعد نجاحها بتحقيق مطالبها، فما لبث الشعب يخرج من الشارع محتفلًا بالنصر الذي حققه بإسقاط الرئيس “محمد حسني مبارك” وانتخاب الرئيس “محمد مرسي” رئيسًا جديدًا إلى أن عاد مرة أخرى إلى الشارع دون تخطيط للتظاهر ضده بعد سنتين وخمسة أشهر[5].

بالإضافة إلى شعبية جماعة الإخوان المسلمين بين الناس، كان لمواقع التواصل دور أساسي في وصولها إلى الحكم؛ حيث انطلقت الدعوات التي رفضت انتخاب رجل سياسة كان في حكومة سابقة تابعة للنظام المنتهي، وهذا الدور المؤثر تنبهت له الجماعة في بداية حكمها، ولكن بعد فترة من حكم الجماعة والقرارات الملتبسة للرئيس التي أغضبت مجموعة من المصريين أدت إلى حدوث دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى النزول إلى الميادين؛ لرفض قرارات الحكومة، ونتيجة للحشد والدعوات الإلكترونية التي أطلقتها حركة “تمرد” المدعومة من الدولة العمبقة، بدأ ينزل مجموعة من المصريين في أكثر من ميدان، حتى أصبحوا يشكلون قوة ضغط على النظام القائم، وكانوا ستارًا لعمليات الإفشال التي قادتها الدولة العميقة والحملات الإعلامية التي اندفعت تشوه الرئيس، وتطلق الشائعات، وتحرض الجماهير على الاحتجاج، وهو ما انتهى بمشهد الانقلاب على الرئيس المنتخب.

تطور الوضع بعد الانقلاب على الرئيس “محمد مرسي”، وبدأ الترويج لانتخاب “عبد الفتاح السيسي” بعد أن درس بعناية أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في استقرار أنظمة الحكم بعد ثورات الربيع العربي، فتم السيطرة عليها من خلال لجان إلكترونية تابعة للنظام، وملاحقة المعارضين وحبسهم؛ مما أدى إلى سيادة حالة من الاستقرار على هذه المواقع وفي الشوارع، حتى بدأت تظهر المعارضات بشكل قوي في سبتمبر 2019 بعد الفيديوهات التي نشرها المقاول المصري والممثل “محمد علي” عبر مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك وتويتر”، والتي ثبت فساد النظام الحالي، وإهداره للمال العام بالمليارت، من خلال بناء قصور رئاسية، وتحقيق مصالح شخصية، داعيًا -من خلال إطلاق بعض الوسوم الإلكترونية- المصريين إلى الاحتجاج ضد الخسيس “عبد الفتاح السيسي”، ومطالبته بالتنحي أو عزله من الجيش، ومع هذه الدعوات فشلت اللجان الإلكترونية التابعة للنظام في مواجهة دعوات الاحتجاج على مواقع التواصل ضد النظام؛ حيث تصدرت الوسوم المعارضة القوائم الأكثر تداولًا، وتعرض بعضها للاختفاء بشكل غامض، رغم تجاوزه 1.5 مليون تغريدة، في حين تعرض حساب “محمد علي” الشخصي على فيسبوك للقرصنة. ومع دعوات الخروج للتظاهر والنزول بالفعل للشوارع في عدة محافظات في 20 سبتمبر الماضي، شنت قوات الأمن حملة اعتقالات عشوائية طالت الآلاف، وشرعت كمائن أمنية في توقيف وتفتيش الهواتف المحمولة للمواطنين، وخاصة في أكثر من منطقة وسط العاصمة؛ للتأكد من عدم مشاركتهم أي منشورات ضد النظام[6].

ولذا نجد أنه منذ 2011 كان نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي هدفًا للسلطة؛ لأنهم أدركوا مدى قوة تأثيرها على استقرار الحكم بعد سقوط نظام مبارك؛ فتعاقب على الدول المصرية أكثر من نظام سياسي في فترة قصيرة؛ 2011 كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وفي 2012 الرئيس محمد مرسي، وفي 2013 عدلي منصور، وفي 2014 عبد الفتاح السيسي. وكان هم كل نظام هو التخلص من آثار معارضي النظام السابق بالتشويه أو الحبس أو كليهما؛ ولهذا نجد مواطنًا صحافيًّا رائدًا وناشطًا مثل “علاء عبد الفتاح” تعرض للحبس والتشويه في عصر كل حاكم، رغم غياب دليل مادي على أن الأجهزة الأمنية هي المحرك لماكينة تشويه النشطاء ومنهم الصحفيين الشعبيين[7].

بالرغم من حركة الاعتقالات والرقابة الإلكترونية التي أطلقتها -ومازالت تطلقها- أنظمة الحكم الاستبدادية، إلا أنها لم تستطع وقف تأثير مواقع التواصل الاجتماعي؛ نتيجة للتكنولوجيا الحديثة في التخفي الإلكتروني، والدخول لشبكة الإنترنت بأكثر من هوية، بالإضافة إلى عدم معرفة مدى الانتشار الذي يمكن أن تحققه دعوات الرفض التي يتم إطلاقها، فتتم يوميًّا ملاحقات أمنية إلكترونية للنشطاء، وإغلاق صفحاتهم؛ حتى يتوقفوا عن النشر، وإذا لم يتوقفوا يتم البحث عنهم، واعتقالهم؛ حتى لا يفاجأ النظام بدعوات جديدة للحشد يمكن أن تهدد بقاءه واستقراره في الحكم؛ لأنه يتأكد من جود غضب في الشارع المصري؛ نتيجة القرارت الخاطئة والمشاريع الفاشلة، وتأثر حياتهم سلبيًّا بسبب هذه السياسات، بالإضافة إلى سلسلة الاعتقالات التي لا تتوقف.

[1] معاوية زعرور، ماهي وسائل التواصل الاجتماعي وأهميتها وأشهرها، موقع مجتمع أراجيك، 15 يونيو 2020، متوفر عبر الرابط:  https://bit.ly/38ff0Tr

[2] موقع DW، هكذا حولت دول عربية وسائل التواصل الاجتماعي لآلية مراقبة، متوفر عبر الرابط: https://bit.ly/3eUjLo8

[3] nariman ibrahim ragheb shagora, The impact of social media and modern communication on political change in the Arab region, 2011-2014,28/6/2014,Al-Quds university. Available at: http://dspace.alquds.edu/handle/20.500.12213/2351

[4] موقع DW، موقع سابق.

[5] نسرين عجب، الثورة الافتراضية: دور وسائل التواصل الاجتماعي في الثورات، Al Manhal، يناير 2016، متوفر عبر الرابط:  https://bit.ly/2AlQGTq

[6] عبد الرحمن أحمد، دراسة برلمانية مصرية تقر بهزيمة السيسي في معركة التواصل، موقع الجزيرة، 18 أغسطس 2019، متوفر عبر الرابط: https://bit.ly/38grees

[7] نهى عاطف، الإعلام الشعبي: بين إعلام الدولة ودول الإعلام، Al Manhal، يناير 2016، متوفر عبر الرابط: https://bit.ly/2YNonqs

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لقاء “نيوم” بين نتنياهو وابن سلمان.. تحولات استراتيجية نحو تصفية القضية الفلسطينية مقابل كرسي الملك

ضمن التطبيع الخفي منذ سنوات بين السعودية وإسرائيل، جاء لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلما…