‫الرئيسية‬ العالم العربي عملية الضم الإسرائيلية في الضفة الغربية بين الدوافع والتداعيات
العالم العربي - يوليو 13, 2020

عملية الضم الإسرائيلية في الضفة الغربية بين الدوافع والتداعيات

تتسارع الخطوات الإسرائيلية لتنفيذ عملية الضم في الضفة الغربية، فبعد نجاح نتنياهو في تشكيل الحكومة عبر التوافق مع رئيس تكتل أزرق – أبيض بيني غانتس في 17 مايو 2020، وتعهده بالقيام بعملية الضم في أول يوليو القادم، وذلك بعد طرح قضية الضم للتصويت أمام الكنيست، بشرط الحصول على موافقة تامة من الولايات المتحدة، وإجراء استشارات على الصعيد الدولي[1].

ويجب الإشارة هنا، إلى أنه عند الحديث عن الضم، يشار إلى تفكيك هذا المفهوم حسب الإدراك السياسي والقانوني الإسرائيلي للمصطلح، ويتلخص في “تفعيل قانون السيادة على مناطق غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية الرئيسة في الضفة الغربية”. لذا تجادل النخبة الحاكمة في إسرائيل بأن قرار الضم ليس إلا تفعيل لقانون تم سنه مسبقًا من قبل الكنيست في ثمانينيات القرن الماضي. أما المقصود بالضم جغرافيًّا، فتعتزم الحكومة في الوقت الحالي إعلان السيادة على منطقتين رئيستين، أو اختيار واحدة منهما: (الأولى) منطقة غور الأردن، التي تمثل 30% من مساحة الضفة الغربية، (الثانية) الكتل الاستيطانية الرئيسة في الضفة، وهي مستوطنة “معاليه أدوميم” في شرق القدس، و”جوش عتسيون” في جنوب الضفة، و”أرئيل” في شمال الضفة[2].

أولًا: الدوافع الإسرائيلية لضم أجزاء من الضفة الغربية:

يمكن تصنيف الدوافع الإسرائيلية من خلف خطوة الضم إلى مجموعتين: الأولى: دوافع إستراتيجية؛ نظرًا للقيمة الإستراتيجية التي تمثلها تلك المنطقة. والثانية: دوافع سياسية وشخصية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

المجموعة الأولى: الأهمية الإستراتيجية لمنطقة غور الأردن: فمنطقة الأغوار تمثل أهمية إستراتيجية بالنسبة لإسرائيل، تنطلق في أولى مُحدداتها من اعتبارات أمنية، مفادها وجود حدود قابلة للدفاع عنها من أجل الحفاظ على العمق الإستراتيجي؛ لذا فإن منطقة الأغوار تُشكل سدًّا منيعًا أمام أي هجوم من جهة الأردن، وتُعد خط دفاع أول عن إسرائيل، بالتالي المبرر الإسرائيلي من السيطرة عليها تنبع من نظرية عدم السماح لتكرار مخاطر سابقة كالتي حدثت في حرب 1948، حينما تم توحيد جبهة شرقية ضد إسرائيل بقوات أردنية عراقية وأخرى عربية.

ثاني هذه المحددات هو المياه؛ حيث تعد مياه الأغوار هدفًا إستراتيجيًّا مائيًّا بالنسبة لإسرائيل؛ إذ تقوم بعمليات تنقيب دائمة عن المياه، وتستخرج منها ما يُقارب 32 ميلون متر مكعب سنويًّا، يستفيد منها أكثر من 9000 مستوطن يقومون بتسخيرها لتطوير الإنتاج الزراعي المخصص للتصدير، وهذا ما يُفسر كيف أن الإجراءات الإسرائيلية أدت بشكل مباشر إلى جفاف الآبار الفلسطينية، وقلّصت كميات المياه في الآبار والينابيع المتوفرة في المنطقة؛ مما جعل بعض المزارعين يخسرون أرزاقهم.

ثالث هذه المحددات تتمثل في الموارد الطبيعية، فبالنسبة لبقية موارد الأغوار واستغلالها من قبل السلطات الإسرائيلية، فبشكل موجز -وحسب تقارير يصدرها مجلس المستوطنات- فإن إسرائيل تجني من مستوطنات الأغوار بين 650 – 750 مليون دولار سنويًّا، ويربح الاحتلال من الأغوار أكثر من كل صادرات السلطة الفلسطينية إلى دولة إسرائيل. وبحرمان الفلسطينيين من السيطرة على هذه المنطقة والاستثمار فيها، توجه إسرائيل ضربة قاسية للاقتصاد الفلسطيني، خاصة وأن الأغوار تعتبر مفتاح التنمية المستدامة للاقتصاد الوطني، وهي سلة غذاء فلسطين، ووفقَ تقارير صادرة عن البنك الدولي، فقد كانت خسارة الفلسطينيين نتيجة منعهم من الوصول إلى مواردهم الشرعية في الأغوار والبحر الميت تصل إلى 4.3 مليار دولار سنويًّا، ناهيك عن حرمان السلطة الفلسطينية من توفير آلاف فرص العمل للفلسطينيين[3].

المجموعة الثانية: الحسابات السياسية لنتنياهو: إذ يرتبط قرار الضم بقاعدة نتنياهو السياسية الرئيسة، وهي الأحزاب الدينية اليمينية في إسرائيل، وبالتالي فإن تنفيذ القرار يعني تعزيز القاعدة السياسية لنتنياهو، وبالتالي رفع أسهمه في حال انجر المشهد السياسي في إسرائيل إلى سيناريو انتخابات رابعة، حتى لو كان مستبعدًا. كما أن القرار سيرفع من أسهم حزب الليكود، ويجعله يتربع على عرش الحياة السياسية الإسرائيلية.

وهناك دافع آخر يحرك نتنياهو بشأن الضم، وهو أنه لا يريد الانتظار لما بعد الانتخابات الأمريكية، والتورط في مقامرة غير محسوبة لنتيجة هذه الانتخابات؛ إذ يدرك نتنياهو أن إدارة أمريكية جديدة دون ترامب تعني فشل خطة السلام الأمريكية المقدمة من ترامب، وفشل التحرك الإسرائيلي بشأن الضم. لذا ينوي نتنياهو كسب أي مساحة من الضفة وضمها للسيادة الإسرائيلية من خلال سياسة فرض الأمر الواقع[4].

ثانيًا: إمكانات نجاح إسرائيل في تنفيذ عملية الضم:

تستند إسرائيل في مساعيها لضم مزيد من أراضي الضفة الغربية على قاعدة أن هذه الأراضي متنازع عليها، وليست محتلة، مستندة بذلك على اتفاق أوسلو 1993، الذي نتج عنه تقسيم منطقة الضفة إلى ثلاث مناطق إدارية (أ- ب – ج)، والمنطقة “ج” تخضع لسيطرة إسرائيل أمنيًّا وإداريًّا، و87% من منطقة غور الأردن (والتي تمثل حوالي 30% من مساحة الضفة) تصنف كمناطق “ج”.

ويُراهن نتنياهو في عملية الضم على دعم الإدارة الأمريكية التي اعترفت بموجب ما بات يُعرف إعلاميًّا بصفقة القرن، والتي تمنح إسرائيل حق الاحتفاظ بالقدس عاصمة موحدة تحت سيادتها، والسماح لها بضم منطقة غور الأردن، بالإضافة إلى جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ومناطق أخرى مما يعرف بمناطق “ج”. فضلًا عن أن مواجهة ترامب لمجموعة من الأزمات الداخلية، على رأسها تداعيات أزمة كورونا، والتظاهرات المناهضة للعنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء، على خلفية مقتل المواطن الأمريكي صاحب البشرة السوداء جورج فلويد على يد الشرطة الأمريكية، قد تجعله أكثر دعمًا لإسرائيل، خاصة وأنه يعتمد بالأساس على أصوات الإنجيليين البروتستانت واليهود، الذين يشكلون قاعدة انتخابية كبيرة له داخل أمريكا.

كما تحاول إسرائيل استغلال غياب الموقف العربي المتردي تجاه القضية الفلسطينية؛ بحكم انشغال بعض الدول في التعاطي مع واقع أزماتهم الداخلية المتراكمة، ومواجهة فيروس كورونا المُستجد (كوفيد – 19)، إلى جانب ذلك، هناك إجماع يميني داخل الأوساط الإسرائيلية، يدفع باتجاه توظيف والاستفادة من المتغيرات الجيوسياسية التي عصفت بالمنطقة، أهمها عملية الانكفاء الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط، وتعزيز العلاقات الأمنية مع روسيا، ومقاسمة العرب نظرية العداء مع إيران عبر سلوكيات التطبيع[5].

أكثر من ذلك، يحاول نتنياهو استغلال حالة الانفتاح العربي غير المسبوقة على التطبيع مع إسرائيل، خاصة من قبل دول الخليج، على رأسها الإمارات، والتي كان آخر مظاهرها، قيام الطيران الإماراتي برحلات جوية إلى تل أبيب، ونشر السفير الإماراتي في واشنطن مقالًا في إحدى الصحف الإسرائيلية، وأخيرًا، إعلان الإمارات رسميًّا، إطلاق مشاريع مشتركة مع الاحتلال الإسرائيلي في المجال الطبي، ومكافحة فيروس كورونا.

ثالثًا: التحديات التي يمكن أن تواجه عملية الضم:

1- انقسام الداخل الإسرائيلي حول عملية الضم: فهناك ثلاث فئات إسرائيلية معنية بهذه القضية، وهي: مجتمع الأمن القومي، والحركة الاستيطانية، والطبقة السياسية. ولا يرى المسؤولون في الفئة الأولى، التي تضم العديد من الجنرالات المتقاعدين، أي ميزة إستراتيجية من المضي قدمًا في عملية ضم الأراضي في الضفة الغربية من جانبٍ واحد. لكنهم يجدون فيها الكثير من السيئات المحتملة، وهي: انهيار السلطة الفلسطينية؛ زيادة حدة التوترات مع الأردن؛ تشتيت الانتباه عن الجدل حول إيران؛ الإضرار بالعلاقات مع الحكومات العربية التي لا ترى أن هناك مجالًا للتوفيق بين التطبيع وعملية الضم؛ تناقص شرعية إسرائيل في الخارج بشكلٍ أكبر؛ لا سيما في خضم تحقيقات “المحكمة الجنائية الدولية”؛ الإِضرار بالعلاقات مع الاتحاد الأوروبي؛ تلاشي الدعم الأمريكي من الحزبين [الديمقراطي والجمهوري] لإسرائيل؛ والانزلاق نحو واقع الدولة الواحدة[6].

ويأتي في ذات السياق، التباينات بين تقديرات جيش الاحتلال وجهاز الأمن العام “الشاباك” من جهة، وبين تقديرات “الموساد” من جهة ثانية، بشأن ردود الفعل الفلسطينية المتوقعة على تنفيذ مخطط الضم. فقد أشارت القناة الإسرائيلية (12)، في 25 يونيو 2020، إلى أنه خلال اجتماع الكابينت الإسرائيلي، في 24 يونيو 2020، تبين أنه في الوقت الذي يحذر الجيش، ممثلًا برئيس الأركان الجنرال أفيف كوخافي، ورئيس شعبة الاستخبارات الجنرال تمير هايمان، ورئيس “الشاباك” نداف أرجمان، من رد فعل فلسطيني عنيف، قد يصل إلى اندلاع انتفاضة ثالثة وعمليات تستهدف الجيش والمستوطنين، يمكن أن تمتد أيضًا إلى قطاع غزة، فإن رئيس “الموساد” يوسي كوهين يرى أن الرد الفلسطيني والعربي قد يكون محدودًا، وأن الجانب الفلسطيني “لن يكسر قواعد اللعبة”. لكن في الجيش خشوا أن تكون تقديرات الموساد “طلبت منه”، في إشارة وتلميح إلى أن نتنياهو نفسه طلب من رئيس “الموساد” أن يعرض هذه التقديرات، خاصة وأن كوهين مقرب من نتنياهو، ويعتبر من مؤيدي مخطط الضم بفعل مواقفه وقناعاته السياسية اليمينية[7].

ومن ناحية المستوطنين، تشهد هذه الفئة انقسامًا حول الموضوع. فقادة الكتل الاستيطانية الكبيرة -التي تقع بالقرب من الحاجز الأمني ​​في الضفة الغربية، وتضم حوالي 77 في المئة من المستوطنين- يميلون إلى تأييد الضم؛ لأن هدفهم الرئيس هو العيش داخل دولة إسرائيل. إلا أن المستوطنين الأكثر تشددًا من الناحية العقائدية، والذين لا ينتمون إلى كتلة معينة يعارضون عملية الضمّ، التي ينظر فيها حاليًّا؛ لأنها من المُفترض أن تَبقى ضمن الحدود المنصوص عليها في خطة السلام لإدارة ترامب، التي تصوّرت حصول إسرائيل على حوالي 30 في المائة من الضفة الغربية. وبعبارة أخرى، فإنهم لا يريدون أن تصبح نسبة الـ 70 في المائة المتبقية من الأراضي، دولة فلسطينية على أعتاب أبوابهم؛ لأنهم ينظرون حتى إلى دولة مشتتة الأراضي وخاضعة لشروط كثيرة على أنها تشكل تهديدًا لإسرائيل. وظهرت هذه الانقسامات جزئيًّا؛ لأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يضع بعد الأساس لتسوية توافقية بشأن الأراضي. ولكن إذا اضطر إلى الاختيار بين الرئيس ترامب والمستوطنين غير المنتمين إلى كتل معينة، فسيختار ترامب.

أما بالنسبة للطبقة السياسية في إسرائيل، فقد أدّت الانقسامات في واشنطن بشأن مسألة ضم الأراضي إلى تقوية وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس ووزير الخارجية غابي أشكنازي، اللذين يؤيدان وحدهما تقريبًا رؤية خطة ترامب للدولة الفلسطينية[8]. فهناك خلاف داخلي بالحكومة الإسرائيلية بين نتنياهو من جهة، وغانتس وأشكنازي من جهة أخرى، بشأن آليات وتوقيت الضم. حيث يبدي غانتس وأشكنازي إصرارهما على أن “تنفيذ أية خطوة ضم يجب أن يكون ضمن عملية سياسية واسعة النطاق، يتلقى الفلسطينيون في إطارها مقابلًا، وليست كخطوة إسرائيلية أحادية الجانب”. فيما سبق أن أعلن نتنياهو عزمه الشروع في عملية الضم في الأول من يوليو المقبل، لتشمل غور الأردن ومساحات واسعة من الضفة، دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية[9].

2- ما يبدو من وجود تباين في المواقف بين خطة ترامب للسلام وبين رغبة اليمين الإسرائيلي بإجراء عمليات ضم أحادية؛ إذ تشترط الإجراءات الإسرائيلية أخذ الموافقة من قبل إدارة ترامب كي تكون متناسبة مع خطة السلام، والتي أقرت أن أي إجراء إسرائيلي بضم مناطق من الضفة الغربية سيكون مشروطًا بقبول إسرائيل جميع بنود خطة ترامب لحل الصراع العربي الإسرائيلي، ومن أحد أهم بنودها أن تقبل إسرائيل بتحقيق دولة لفلسطين، وتجميد توسيع المستوطنات لأربع سنوات، وهو الأمر الذي تحاول الأخيرة التهرب منه، والاستعاضة عنه بفرض واقع جديد على الفلسطينيين، يحول دون وصولهم لدولة فلسطين، حتى لو قبلوا بخطة ترامب[10].

ومن الشروط الأمريكية أيضًا للموافقة على عملية الضم، ضرورة الانتهاء من تعيين حدود الضفة الغربية من خلال “اللجنة الإسرائيلية الأمريكية المشتركة”، والتي يرأسها السفير الأمريكي في إسرائيل “ديفيد فريدمان”، إلا أن اللجنة لم تزر غور الأردن إلا مرة واحدة فقط، كما أن أزمة كورونا عطلت كثيرًا من عمل اللجنة على أرض الواقع، وبهذا فإن عمل اللجنة لم ينته من ترسيم الحدود. كما تشترط واشنطن التوافق السياسي بين كافة الأحزاب الإسرائيلية[11]، وهو التوافق غير الموجود حاليًّا؛ نظرًا للخلاف بين نتنياهو وكل من غانتش وأشكنازي، كما هو موضح أعلاه.

رابعًا: التداعيات التي يمكن أن تخلفها عملية الضم:

– تقوية حركة حماس؛ حيث تحاول الحركة تصوير الضم دليلًا على فشل اتفاقيات أوسلو. ولا تريد الحركة تحفيز تصعيد غير منضبط في معقلها في غزة؛ لكنها ترحب بانهيار الأمن في الضفة الغربية، التي تسيطر عليها “السلطة الفلسطينية”. وبناء على ذلك، كانت عناصرها أكثر نشاطًا في دفع الشعب إلى التحرك ضد الضم. كما أنها قدمت نفسها بديلًا دبلوماسيًّا للسلطة الفلسطينية، على سبيل المثال، أرسل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إسماعيل هنية رسائل مؤخرًا إلى أربعين زعيمًا عربيًّا، طالب فيها عقد قمة للتباحث حول عملية الضم[12].

– إنهاء مبدأ حل الدولتين، وحل دور السلطة الفلسطينية وإنهاء عملية السلام؛ لأن عمليات الضم إذا ما طبقت بإجراء أحادي وفق رؤية نتنياهو، فهي تعني إطباق الحصار على ما تبقى من الأراضي المحتلة، وعزلها عن بعضها، وتقطيع أي تواصل حدودي مع الأردن، فمن الجهة الغربية تمَّ بناء جدار الفصل العنصري، ومن الجهة الشرقية فرض سيادة وسيطرة أمنية على غور الأردن، وبالتالي فإنّ ما تبقى من المناطق الواقعة في الوسط -كالخليل ونابلس- ستصبح بحكم الساقطة، بعد وضعها بين فكي كماشة، وستقود هذا المعطيات في حال طُبقت من الناحية العملية إلى إنهاء قيام دولة فلسطينية؛ بل سينتج عنها قطع جغرافية متناثرة غير مترابطة جغرافيًّا، إلا من خلال الأنفاق، مقابل ذلك ستحقق إسرائيل ترابطًا جغرافيًّا لمستوطناتها؛ تمهيدًا لإنشاء دولة يهودية ذات قومية أحادية.

– ستطال التداعيات بشكل مباشر الأردن، والذي تربطه حدود برية مع فلسطين، وقد أعلن الملك عبد الله الثاني ملك الأردن رفضه أكثر من مرة لأي عمليات ضم، وهدد بتجميد العمل ببعض بنود اتفاقيات السلام مع إسرائيل، وإنهاء العمل باتفاقيات أخرى، بما فيها اتفاقية وادي عربة والغاز، ويمكن فهم موقف الأردن من خلال مخاوفه من مخاطر مشروع فرض السيادة على غور الأردن والذي يعني تهديد تركيبته السكانية، والتي تتكون من 50 إلى 55% من أصل فلسطيني، والمخطط يحمل في طياته حمل موجة جديدة من اللاجئين للداخل الأردني؛ تمهيدًا لتوطينهم، وهذا الأمر سيُشكل عبئا على الأردن، ويهدد أمنه القومي، فضلًا عن استنزاف إضافي لموارده الاقتصادية، ورغم تعرض الأردن لعدة ضغوط من بعض الأطراف، إلا أنه قد لا يُقدم أية تنازلات أمام هذه المشاريع، على اعتبار أنها بمثابة ثوابت غير قابلة للمساومة[13].

خامسًا: ردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية على عملية الضم:

يشير المحلل العسكري روبن بن يشاي، في تقدير موقف له نشرته صحيفة “يديعوت أحرنوت”[14]، إلى أبرز توقعات ردود الأفعال المحلية والإقليمية والدولية بعد الضم، والتي تقوم على تقديرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تتمثل في:

أبو مازن: لن يقوم بكسر القواعد، فهو غير معني بالعنف، وتشير التوقعات إلى أن التظاهرات بالضفة لن تكون أقوى من تلك التي حدثت بعد الإعلان عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وهناك توقعات في حال عدم مساس إسرائيل بمصادر رزق السكان بالضفة، فإن الاحتجاجات سرعان ما ستنتهي.

ولكن في حالة ما إذا تصاعدت حدة المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في الضفة، فإن الجيش الإسرائيلي سيرد بسرعة وقوة، حسب الخطة المجهزة التي تم التدرب عليها، والتي تهدف إلى منع حدوث عمليات أمنية ضد الإسرائيليين، على المحاور الرئيسة بالضفة الغربية، وسيتم التركيز على حماس بالضفة؛ لمنعها من النجاح في التسبب بتصعيد الأوضاع بها، أو تنفيذ العمليات، وتشير التقديرات أن التصعيد بالضفة سيستمر عدة أسابيع فقط.

غزة: ستقود حماس الاحتجاجات على الضم بغزة، وربما تحدث تظاهرات بالقرب من الجدار الحدودي، وهناك توقعات أن تقوم حركة الجهاد الإسلامي أو منظمات أخرى، بإطلاق صواريخ تجاه الغلاف. ولكن الجيش الإسرائيلي أعد خطة للرد السريع والرادع على أي صاروخ؛ لمنع حدوث التصعيد، وفي حال تدهور الأوضاع الأمنية، الجيش مستعد لتصعيد قد ينتهي بحرب كبيرة داخل قطاع غزة.

الأردن: يتوقع حدوث تظاهرات بعد تطبيق الضم، قد يقوم بها الفلسطينيون هناك بقيادة حركة الإخوان المسلمين، لكن الملك عبد الله وأجهزته الأمنية سوف يعملون على احتواء هذه التظاهرات؛ لعدم تعريض نظام الحكم للخطر. بينما رد الفعل الأردني الرسمي سيكون مرتبطًا بضم الأغوار، عندها متوقع أن يعلق الملك عبد الله العلاقات مع إسرائيل لفترة قصيرة، أو يقوم بسحب السفير الأردني من إسرائيل.

لبنان: يتوقع قيام اللاجئين الفلسطينين هناك بالتظاهرات احتجاجًا على الضم، وقد تقوم بعض الفصائل بإطلاق صواريخ من لبنان، لكن الجيش اللبناني سوف يمنع التظاهرات على الحدود مع إسرائيل، فحكومة لبنان التي ترتكز على حزب الله، ليست معنية -في هذه المرحلة- بمواجهة عسكرية مع إسرائيل.

مصر والدول العربية: يتوقع عقد اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية؛ للتحذير من تداعيات الضم، وقد تطالب الدول العربية مجلس الأمن بعقد جلسة خاصة لمناقشة الضم.

تركيا: من الصعب توقع ردة فعل تركيا على الضم. لكن المؤكد أن ردها على الضم سيتأثر بشكل كبير بموقف البيت الأبيض، وما إذا كان الضم سيتماشى مع “التفويض” الذي سيحصل عليه نتنياهو منه، خاصة إذا أصدر الرئيس ترامب بيان دعم نهائي.

إيران: ستحاول تحريض الفلسطينيين ضد الضم، وخلال ذلك قد تنجح حركة الجهاد الإسلامي بجر حركة حماس لمواجهة عسكرية مع إسرائيل بعد الضم.

الاتحاد الأوروبي: رغم التهديدات بفرض العقوبات، فليس من المتوقع أن يعمل الاتحاد الأوروبي كجسد واحد ضد إسرائيل بعد الضم؛ حيث إنه لا يوجد إجماع أوروبي حول مسألة الضم. وقد تكتفي الدول الأوروبية الكبرى -مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا- بالشجب، وقد تكتفي بعض الدول الأوروبية بفرض العقوبات الشكلية على إسرائيل.

الأمم المتحدة والمحكمة الدولية: وهذه هي المصادر الرئيسة التي تُقلق إسرائيل، خصوصًا اتخاذ قرار في المحكمة الدولية ضد إسرائيل بعد الضم، حول توقيف شخصيات سياسية وعسكرية إسرائيلية، والتحقيق معها في جرائم حرب ضد الفلسطينيين. ويتوقع أن تقوم بعض الدول بالأمم المتحدة، مثل روسيا والصين، بشجب الضم، لكن مع معارضة أمريكية واضحة، لن يتم  اتخاذ أي قرار بالأمم المتحدة ضد الضم.

 

سادسًا: سيناريوهات عملية الضم:

يرى وديع أبو نصار، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، أن هناك أربعة سيناريوهات أمام نتنياهو لتنفيذ عملية الضم[15]، وتتباين السيناريوهات المتوقعة بين الضم على مراحل، أو التأجيل، أو تنفيذه اعتمادًا على “صفقة القرن” الأمريكية (30% من مساحة الضفة)، أو ضم مساحات أكبر من المعلن؛ بهدف إرضاء المستوطنين. وهذه السيناريوهات مرتبة من الأكثر ترجيحًا إلى الأقل ترجيحًا.

السيناريو الأول: هو أن يلجأ نتنياهو -بالاتفاق مع الإدارة الأمريكية- إلى تنفيذ الضم “على مراحل، بحيث يبدأ بالكتل الاستيطانية الكبيرة القريبة من مدينة القدس، مثل معاليه أدوميم، شرق القدس، وغوش عتصيون، جنوب المدينة. ومن الممكن أن يشمل ذلك أيضًا كتلة أرئيل، شمالي الضفة الغربية، وهذا يعني أن الضم سيبدأ بخطوات صغيرة متراكمة، دون تنفيذه دفعة واحدة على 30% من مساحة الضفة الغربية”.

وما يدعم هذه السيناريو، هو عدم توصل لجنة ترسيم الخرائط الإسرائيلية – الأمريكية إلى مرحلة الخرائط النهائية. فضلًا عن أن عملية الضم الجزئي لا يلزم نتنياهو بقبول خطة ترامب بكاملها[16]، أي أن الضم الجزئي قد يكون الحل الوسط بين إسرائيل والولايات المتحدة، التي تشترط عدم شروع نتنياهو في عملية ضم الجزء المحدد من الضفة في خطة ترامب (30% من الضفة الغربية) إلا مقابل الموافقة الإسرائيلية بإقامة دولة فلسطينية على باقي أجزاء الضفة، وهو الشرط الذي يرفضه نتنياهو.

أما السيناريو الثاني -بحسب أبو نصار- فهو أن يستخدم نتنياهو المعارضة الفلسطينية والعربية والدولية، وعدم وجود اتفاق مع الإدارة الأمريكية على خرائط الضم، كغطاء ومبرر لتأجيل الخطوات التي كان من المقرر أن يعلن عنها في الأول من يوليو الى موعد لاحق. وفي هذه الحالة، سوف يلعب على عامل الوقت، وبالتالي سيبقي الضم على جدول الأعمال، ولكن دون أن يحدد موعدًا دقيقًا له، وقد يعمد إلى تنفيذه في أي وقت، مع ترجيح أن يتم ذلك قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر المقبل.

وما يرجح هذا السيناريو، ما نقلته صحيفة “جروزاليم بوست” الإسرائيلية، 29 يونيو 2020، عن مصادر أمريكية، قولها إن “إسرائيل لن تتخذ خطوات لتوسيع سيادتها بالضفة الغربية هذا الأسبوع”. كما قال البيت الأبيض، في 25 يونيو 2020، إن مشاورات داخلية (تضم كلًّا من السفير الأمريكي في تل أبيب، ديفيد فريدمان، والمبعوث الخاص للبيت الأبيض إلى الشرق الأوسط، آفي بيركوفيتش، ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، ومستشار وصهر ترامب، غاريد كوشنر، ومستشار الأمن القومي الأمريكي ريتشارد أوريان، بجانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب) قد أجريت، وانتهت دون التوصل إلى قرار نهائي، بشأن الضم.

أضف إلى ذلك، أنه وبرغم اقتراب الموعد الذي حدده نتنياهو لإطلاق عملية الضم في الأول من يوليو 2020، إلا أنه لم يتم الإعلان عن أي جلسة للحكومة أو المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية “الكابينت” أو الكنيست (البرلمان)؛ لإقرار الشروع بهذه العملية. كما نقل الموقع الإلكتروني لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية عن غانتس قوله -في اللقاء مع الوفد الأمريكي (الذي يضم المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، آفي بيركوفيتش، وعضو لجنة ترسيم الخرائط الإسرائيلية – الأمريكية سكوت لييث، والسفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان)، والذي وصل إلى إسرائيل في 26 يونيو 2020؛ لاستكمال المشاورات مع الجانب الإسرائيلي حول عملية الضم- إن: “الأول من يوليو ليس تاريخًا مقدسًا للضم، الأمر المقدس الوحيد الآن، هو التعامل مع جائحة كورونا والبطالة”[17].

السيناريو الثالث: يتمثل بأن يعلن نتنياهو أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (صفقة القرن المزعومة) تسمح لإسرائيل بضم 30% من الضفة الغربية، وأنه سينفذ هذا الضم كما ورد في الخطة، دون الالتفات إلى المعارضة الفلسطينية والعربية والدولية وخاصة الأوروبية.

وبخصوص السيناريو الرابع، الذي يتوقعه أبو نصار، فهو أن يذهب نتنياهو إلى ضم ما هو أكبر من 30% من الضفة؛ من أجل إرضاء المستوطنين الإسرائيليين، “وهو ما قد يفاجئ الكثيرين حول العالم”.

ويرى أبو نصار أن نتنياهو يتأرجح بين الخيارين الأول والثاني، ولكن إذا ما تعاظمت الضغوط الدولية عليه، فإنه قد يؤجل خطوة الضم (السيناريو الثاني)، أما إذا ما كانت المعارضة ضعيفة، فإن من المرجح له أن يعتمد الخيار الأول”.

[1] “ضمُّ الأغوار الفلسطينية طموح قديم متجدّد لإسرائيل (الدوافع والتداعيات)”، مركز برق للسياسات والاستشارات، 15/6/2020، الرابط: https://bit.ly/3ifRSsm

[2] “ما هو مآل قرار الضم في إسرائيل؟”، المرصد المصري، 28/6/2020، الرابط: https://bit.ly/2YLg3HL

[3] “ضمُّ الأغوار الفلسطينية طموح قديم متجدّد لإسرائيل (الدوافع والتداعيات)”، مرجع سابق.

[4] “ما هو مآل قرار الضم في إسرائيل؟”، مرجع سابق.

[5] “ضمُّ الأغوار الفلسطينية طموح قديم متجدّد لإسرائيل (الدوافع والتداعيات)”، مرجع سابق.

[6] “أعمال الضمّ الإسرائيلية في الضفة الغربية؟ السيناريوهات والتداعيات”، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 23/6/2020، الرابط: https://bit.ly/2BRdSZW

[7] “تباين بين تقديرات الجيش و”الشاباك” وتقديرات “الموساد” بشأن تداعيات الضم”، العربي الجديد، 26/6/2020، الرابط: https://bit.ly/31q1cUO

[8] “أعمال الضمّ الإسرائيلية في الضفة الغربية؟ السيناريوهات والتداعيات”، مرجع سابق.

[9] “اجتماع “حاسم” في واشنطن لنقاش مصير خطة الضم بالضفة”، عكا للشؤون الإسرائيلية، 21/6/2020، الرابط: https://bit.ly/2YsjuCR

[10] “ضمُّ الأغوار الفلسطينية طموح قديم متجدّد لإسرائيل (الدوافع والتداعيات)”، مرجع سابق.

[11] “ما هو مآل قرار الضم في إسرائيل؟”، مرجع سابق.

[12] “أعمال الضمّ الإسرائيلية في الضفة الغربية؟ السيناريوهات والتداعيات”، مرجع سابق.

[13] “ضمُّ الأغوار الفلسطينية طموح قديم متجدّد لإسرائيل (الدوافع والتداعيات)”، مرجع سابق.

[14] روبن بن يشاي، “توقعات ردود الأفعال المحلية والإقليمية والدولية بعد الضم”، عكا للشؤون الإسرائيلية (مترجم)، 28/6/2020، الرابط: https://bit.ly/2ZrxJag

[15] “4 سيناريوهات محتملة للضم الإسرائيلي بالضفة الغربية”، القدس العربي، 29/6/2020، الرابط: https://bit.ly/3g4iBXc

[16] “يديعوت: خطة الضم “جزئية” والخرائط النهائية لم ترسم بعد”، عربي 21، 29/6/2020، الرابط: https://bit.ly/2VAshB0

[17] “مصادر أمريكية: “الضم” الإسرائيلي لأراضٍ فلسطينية لن يبدأ في الأول من يوليو”، القدس العربي، 29/6/2020، الرابط: https://bit.ly/2NJNbZT

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الاستفتاء على الدستور الجديد..اختيار صعب يضع الجزائر أمام مخاطر العسكرة أو الثورة المضادة!!

  على حد السيف ، تقف الجزائر ، بين آمال استكمال مسار التغيير ، الذي بدأه الثوار في فب…