‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الكنيسة وتجديد الخطاب الديني .. أبعاد أزمة «سر التناول»
مصر - يوليو 14, 2020

الكنيسة وتجديد الخطاب الديني .. أبعاد أزمة «سر التناول»

وجدت الكنيسة الأرثوذوكسية المصرية نفسها في ورطة كبيرة مع تفشي جائحة كورونا وانتشار عدواها في مصر خلال الشهور الماضية؛ حيث أثير بشدة موضوع تجديد الخطاب الديني داخل الكنيسة بشأن سر التناول، الذي يعد طقسا كنسيا قديما، وأحد الأسرار السبعة للكنيسة، ويتضمن إقامة قداس تجري خلاله الصلوات على الخبز والخمر وفي نهاية القداس يُعطى الكاهن لجميع رعايا الكنيسة المشاركين في القداس من ملعقة فضية واحدة موجودة بكل كنيسة تسمى “الماستير”، حيث يناول بها الكاهن المشاركين في هذا الطقس شربة من الخمر في فمهم بذات الملعقة، ويعتبر الأقباط التناول تذكيراً بالعشاء الأخير الذي تناوله السيد المسيح بصحبة تلاميذه.

سبب الأزمة أن كثيرا من كهنة الكنيسة أصروا على إقامة قداس “سر التناول” مع تفشي العدوى إيمانا منهم بأن الإيمان سيمنع انتقال العدوى عبر الصلاة وإقامة قداس التناول؛ لكن وفاة 10 كهنة بفيروس كورونا  خلال شهر يونيو الماضي لتشددهم وتجاهلهم التحذيرات العلمية التي دعت إلى ضرورة التباعد الاجتماعي وعدم استخدام أدوات الطعام والشراب التي يستخدمها الآخرون؛ فجرت جدلا واسعا داخل الكنيسة حول ضرورة تجديد الخطاب الديني بما يفضي إلى ضرورة التصالح بين إيمان الكنيسة من جهة والنظريات العلمية من جهة ثانية.

ومع بداية ظهور العدوى في فبراير ومارس، طالب البعض بتعليق “طقس التناول” حتى انتهاء الأزمة من باب الاحتراز، بينما أصرّ آخرون على استمراره إيماناً منهم بقدرة السر المقدس على الشفاء من الأمراض، لكن الكنيسة أكدت عبر القس بولس حليم، المتحدث الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية، أنها لن تغير طريقة طقس التناول، وهو ما عرض كثيرا من الرهبان والمصلين للإصابة بالعدوى.

وازدادت الأزمة عمقا واتساعا بعد تصريحات بعض القساوسة التي عبروا فيها عن إصرارهم على استمرار الكنيسة في طقس التناول في الوقت الذي تزداد فيه حالات الوفيات والإصابات بين الكهنة، في الوقت الذي التزمت فيه الكنيسة الصمت ولم تصدر بيانات رسمية تكشف عن حقيقة تفشي العدوى بين كهنتها ورعاياها، وفي 23 يونيو 2020م واجهت الكنيسة الانتقادات التي طالتها والورطة التي وجدت نفسها فيها بالإعلان عن إجراءات احترازية مع بدء فتح الكنائس السبت في 27 يونيو، ومنها بحث تغيير طقس التناول، ما وضع الكنيسة أمام اختيارين كلاهما مرّ:

إما الإصرار على ممارسة طقس التناول كما هو دون تغيير والمخاطرة بصحة رعاياها ونشر العدوى بينهم ما قد يدفع إلى تمرّدهم على الكنيسة، والثاني تغيير الطقس وبالتالي تغذية الأزمة المتواصلة بين التيار المتشدد الذي ينتمي إلى أنصار البابا شنودة وتلاميذه المنتشرين في الكنائس والفريق الثاني الذي يقوده البابا في سياق الصراع الدائر بين التيارين بخلاف موقف التيار العلماني القبطي الذي يميل إلى مواقف البابا قليلا رغم مخالفته في مواقف أخرى.

 

التكتم على حجم الإصابات

ما يثير الشكوك حول موقف الكنيسة أنها أعلنت في الـ8 من يونيو 2020م عن وفاة أول راهب متأثرا بإصابته بفيروس “كورونا” وهو القمص ساويرس أنبا بولا المرشح السابق في الانتخابات الباباوية سنة 2012م، وهو ما يتعارض ما أعلنته إحدى الصفحات القبطية على فيسبوك، التي نشرت في الرابع من نفس الشهر صوراً من جنازة القمص بولا عياد كاهن كنيسة الأنبا بولا بشبرا الخيمة في القليوبية، جراء إصابته بفيروس كورونا أيضاً، وهي الجنازة التي أقيمت -بحسب الصفحة- في الثالث من نفس الشهر أي قبل إعلان الكنيسة وفاة القمص ساويرس بخمسة أيام كاملة، وتزايدت حالات الوفاة حتى 24 يونيو إلى 10 حالات، بينما كانت أول حالة وفاة بكورونا بين الرهبان في الأول من يونيو لبولس الفاخوري من دير القديس الأنبا متاؤس الفاخوري في إسنا، إثر تعرضه لوعكة صحية شديدة.

 

صراع أجنحة بين أنصار شنودة وتواضروس

الأزمة أخذت أبعادا سياسية داخل الكنيسة في إطار الصراع الدائر بين تيار البابا الراحل شنودة وتيار البابا الحالي تواضروس؛ وأعاد الخلاف بشأنه الانقسامات العميقة داخل المجتمع القبطي، سواء بين الشارع أو الكنيسة، أو بين تيارات متعددة داخل المؤسسة الكَنَسية نفسها، تتراوح ما بين التطرف والاعتدال والانفتاح على الاتجاهات الجديدة في الجماعة القبطية، كما أعاد الاستقطاب بين تياري شنودة وتواضروس اللذين يتصارعان على قيادة شعب الكنيسة.

ومع بدء تفشي جائحة كورونا اتخذت الكنائس عدة إجراءات احترازية، بهدف تقليل انتشار العدوى بدأت بوقف الاجتماعات الكنيسة والأنشطة ومدارس الأحد، اتساقا مع القرارات الحكومية بهذا الشأن والتي منعت جميع أشكال التجمعات بما فيها الصلوات في المساجد والكنائس، وظهر البابا يلقي عظته منفردا دون مصلين، بيما حفلت الكنائس التي يقودها كهنة متشددون أو منتمون لتيار البابا شنودة بمئات المصلين دون اكتراث للتحذيرات التي توصي بضرورة التباعد الاجتماعي ودون اكتراث أيضا للقرارات الحكومية الصادرة بهذا الشأن أو بيان الكنيسة الذي دعا إلى العمل بالتدابير الاحترازية.

وفاقم الأزمة أن بعض الكنائس الأرثوذوكسية التابعة للكنيسة المصرية في عدد من الدول الغربية التزمت بالقرارات التي أصدرتها حكومات هذه الدول وغيرت طريقة طقس “التناول” بناء على شكاوى من بعض الأقباط هناك الذين خشوا من أن الطريقة التي يؤدى بها “التناول” قد تؤدي إلى نقل العدوى، وهو ما اعتبره الكهنة المتشددون في مصر تنازلا من البابا والكنيسة،  بينما دافع عنه الأب أنتوني حنا، كاهن كنيسة السيدة العذراء ومارمينا بولاية كاليفورنيا الأمريكية، في مقطع فيديو قائلا: “أرفض وصف قداسة البابا تواضروس بالهرطوقي، الحكومة والسلطات في أمريكا أجبرتنا على تغيير طريقة التناول، وإلا سيتم إغلاق كنائسنا في المهجر”، مضيفاً أنَّ الطرق المقترحة هي توصيات صحية في وضع استثنائي بحت، “لا نشك في جسد المسيح ودمه، لكننا لا نستطيع أن نُجبر السلطات والحكومات على إيماننا، أي تعنت سيكون نتيجته غلق الكنائس”.

وازداد الانقسام والاستقطاب عمقا في أعقاب تصريحات البابا تواضروس مع الصحفي فيكتور سلامة على صفحات جريدة “وطني” القبطية في سياق تعليقه على الجدل الدائر بشأن سر التناول في ظل تفشي جائحة كورونا واحتمال نقل العدوى بين رعايا الكنيسة حيث قال «‏لم‏ ‏نفكر‏ ‏في‏ ‏هذا‏، ‏ولم‏ ‏نناقشه‏ ‏في‏ ‏اجتماعات‏ ‏اللجنة‏ ‏الدائمة‏ ‏للمجمع‏ ‏المقدس‏، ‏ولكنه‏ ‏أمر‏ ‏وارد‏»، وبسبب استخدام كلمة “أمر وارد” تعرَّض البابا ومَن يطالبون بتعليق العمل بطقس التناول للرفض والاستهجان من قساوسة متشددين وتيارات مناصرة لهم، اعتبرت مجرد التفكير في تعطيل الطقس هو بمثابة ضعف إيمان وتشكيك في  قداسة التناول. وهؤلاء يؤكدون أن طقس التناول، الذي يُطلق عليه “إفخارستيا”، ويعني الشكر، لا ينقل الأمراض ولا يمكن القبول بالتشكيك في ذلك لأنه نقطة إيمانية بحتة، فضلاً عن أنه ليست هناك أي حادثة تاريخية تقول إن شعب كنيسة كاملة أو حتى معظمه نُقلت له عدوى ما بسبب التناول، والأمر لا يتعلق بفيروس كورونا المستجد، بل يمكن أن ينطبق على كافة الأمراض الجسدية الأخرى.

وفي تعليقات لقناة “سي تي في” التابعة للكنيسة الأرثوذكسية، قال الأنبا رفائيل، الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة (الذي نشرت صورته على غلاف مجلة روزاليوسف الممنوع): “نؤمن أن سر التناول هو سر الحياة، وهو الشافي من مرض الخطية، وأمراض الجسد والنفس والروح، وبالتالي هو طقس إيماني بحت لا يصلح أن نتعامل معه بقواعد العلم”،  وادعى  أنه “في أثناء انتشار أوبئة مثل الكوليرا والطاعون لم نسمع في كل تاريخ الكنيسة أن أشخاصاً ماتوا نتيجة التناول”، واكتفى بتوجيه المشاهدين إلى الكف عن الأحضان والقبلات عند التحية وضرورة غسل اليدين باستمرار.

بالمثل، قام الأنبا أغاثون، أسقف مغاغة والعدوة، ببث مقطع فيديو على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، حول “التعليم والإيمان”، بعرض آراء عدد من أساقفة الكنيسة يرفضون المساس بطريقة “التناول”، منهم البابا الراحل شنودة الثالث، والأنبا رفائيل أسقف كنائس وسط القاهرة، والأنبا بنيامين مطران المنوفية، والأنبا مكاريوس أسقف عام المنيا. ووصل الأمر إلى أن الأنبا يؤانس، أسقف أسيوط، الذي يحمل شهادة علمية في الطب، قال خلال اجتماعه الأسبوعي بكاتدرائية رئيس الملائكة ميخائيل، بمدينة أسيوط، وبحضور مئات الأقباط: “لو فيه عدد قليل من أسيوط هيصلي من كل قلبهم كورونا مش هيقرب مننا”، مكرراً العبارة، ومطالباً الجموع بالترديد خلفه.

في المقابل، أكد القمص عبدالمسيح بسيط، أستاذ اللاهوت الدفاعي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وكاهن كنيسة العذراء بمسطرد، على موافقته بشأن كل كلمة قالها البابا تواضروس حول طقس سر التناول، والتزامه وزملائه بكل ما يقره المجمع المقدس بهذا الشأن، إذا تمت مناقشته في حال عودة فتح دور العبادة، أياً كان قراره. وأضاف قائلاً إن الكنيسة لا تعرف الجمود؛ لأنه في بداية القرون الأولى كان التناول يتم بشكل مختلف؛ حيث كان الراغب في التناول يتقدم ويمد يده ويأخذ جزءاً من (القربان المقدس)، لكن بعد زيادة أعداد المؤمنين استخدم “الماستير” لكي يتمكن الكاهن من مناولة أكبر عدد ممكن.

وهاجم الباحث القبطي باسم الجنوبي  الكهنة المتشددين وعلى رأسهم الأنبا رفائيل، حيث كتب على صفحته بفيسبوك قائلاً إن “الأنبا رفائيل يؤمن أن التناول لا ينقل كورونا مثله مثل مجموعة من الرهبان والكهنة كان لديهم نفس الاعتقاد، وأصروا على فتح أديرة وكنائس بشكل سري، وكانت النتيجة انتشار عدوى كورونا، ومن هؤلاء الكهنة مَن توفي بالفعل، لكن دون أن يكتب في أسباب الوفاة فيروس كورونا، من لا يصدقني يستطيع متابعة صفحة المتحدث باسم الكنيسة وتعدُّد نعي رهبان شباب كل ذنبهم أنهم مثل الأنبا رفائيل.. يؤمنون باعتقاد أفضى إلى موت!”. ووجَّه الباحث اتهامات قاسية للأنبا المتشدد قائلاً: “نيافة الأنبا رفائيل هنا استخدم الفيسبوك في عمل أمرين: الأول تحريض الناس على الانتحار الجماعي (قتل مؤجل باسم الرب)، والثاني معارضة البابا وتعليمات الدولة على الفضاء العام، وبدلاً من أن يقول رأيه الديني داخل المجمع المقدس، خرج جهراً ليصلي ويستعرض إيمانه على السوشيال ميديا”.

 

التغطية على الأزمة

جرى التغطية على الأزمة داخل الكنيسة بإجراءين:

الأول: هو محاولة جر الأزمة نحو مربع مختلف والتغطية على القصف المتواصل بين كهنة الكنيسة من الأجنحة المختلفة، حيث انتهزت قيادة الكنيسة الغلاف المسرب لمجلة “روزاليوسف” قبل التوزيع ، يتضمن صورة للأنبا رفائيل، وهو أحد الكهنة المتشددين، مع عنوان “الجهل المقدس”، كما ألحقت صورة الأنبا بعنوان فرعي: “أساقفة يتحالفون مع كوفيد ١٩ ضد البابا.. القتل باسم الرب”، ما دفع الحكومة وأجهزتها الأمنية والإعلامية للتدخل السريع بتغيير الغلاف قبل طرح المجلة في الأسواق.

وقامت الكنيسة بتوظيف غلاف المجلة وشنت هجوما حادا عليها، وتبارى المسؤولون في الحكومة والهيئة الوطنية للصحافة في إدانة ما فعلته المجلة رغم أنها لم تطرح في الأسواق إلا بعد تغيير الغلاف وسحب الموضوع الذي لم يعجب الكنيسة. وبالتالي نجحت الكنيسة في التغطية على خلافتها الداخلية والصراع بين أجنحتها المختلفة حيث حظي موضوع غلاف مجلة “روزاليوسف” بتغطية إعلامية كثيفة وتناسى إلإعلام سبب الأزمة وهو “طقس التناول” ولم يطالب الإعلام العسكري مطلقا الكنيسة بضرورة تجديد خطابها الديني بهذا الشأن، بعد تأديب رئاسة تحرير “روزاليوسف” ومحررة شئون الكنيسة بها؛ حيث قررت الهيئة الوطنية للصحافة إحالة رئيس تحرير المجلة هاني عبدالله للتحقيق، وإيقاف محرر الشؤون القبطية، وإلزام المجلة في العدد التالي بالاعتذار للكنيسة والحفاظ على ما وصفته بـ”الوحدة الوطنية والعلاقات الطيبة التي تربط الصحافة والإعلام بالبابا والأقباط”. وحتى الصحفي محمد منير الذي أجرى مداخلة هاتفية مع قناة “الجزيرة مباشر” والتي انتقد فيها موقف المجلة، جرى اعتقاله لاحقا؛ لأنه اعتبر الزج بصورة المرشد العام للإخوان المسلمين على غلاف المجلة مع راهب متشدد إشعالا وتحريضا على الفتنة الطائفية. ومن دواعى الأسف أن الكنيسة في انتقادها لغلاف المجلة المستفز تجاهلت القضية الأصلية وهي أزمة سر التناول وتعصب كثير من كهنة الكنيسة وتشددهم بهذا الشأن بما يهدد حياة وصحة رعايا الكنيسة باسم الإيمان، وراحت تنتقد صورة الغلاف التي جمعت الكاهن المتطرف رفائيل مع فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع أستاذ الطب البيطري بكلية العلوم بجامعة بني سويف وأحد أهم مائة عالم في العالم العربي. ذلك أن الكنيسة ترى في بديع ــ كما ترى سلطة الانقلاب ــ أنه أحد قادة الإرهاب وهو المعتقل منذ انقلاب 2013 على ذمة اتهامات سياسية ملفقة والذي لم يثبت يوما أنه تسبب في إيذاء أحد وهو أيضا صاحب العبارة الشهيرة “سلميتنا أقوى من الرصاص”.

الثاني: هو مخرجات اجتماع “المجمع المقدس” يوم 27 يونيو برئاسة البابا والذي انتهى إلى تفويض أساقفة الإبراشيات في فتح أو استمرار غلق الكنائس طبقا لظروف كل إيبارشية من حيث حجم ومدى انتشار العدوى، بناء على تقدير الموقف الصحي داخل كل إبراشية. مع تعليق الصلوات بشكل كامل بكافة الإيبارشيات المرقسية يومي الأحد والجمعة وفقًا لقرار مجلس الوزراء. وعن كنائس القاهرة والإسكندرية “إيبارشية البابا”، والتي تشهد ارتفاعًا في نسب الإصابات والعدوى، قررت الكنيسة تأجيل فتح الكنائس حتى منتصف يوليو على أن يعاد وقتها تقييم الموقف.

أما بشأن أزمة «طقس التناول» فقد جرى الاتفاق في اجتماع المجلس المقدس الذي استمر ساعات عبر تقنية “الفيديو كونفرانس” على استمرار الطريقة التقليدية في الكنائس التي بها أكثر من كاهن عبر “المستير”، على أن يجرى الاستثناء من ذلك بالنسبة للكنائس التي بها كاهن واحد فقط وبها عدد كبير، حيث سيتم سر التناول بعد رجوع الكاهن إلى أسقف إيبارشيته بالطريقة الاستثنائية وهي طريقة “مناولة المرضى والمسجونيين”، بصورة استثنائية وفي أضيق الظروف على أن يجرى العودة للطريقة التقليدية بعد انتهاء مسببات اتخاذ القرار.

ودافع البابا عن موقف الكنيسة مهاجما الكهنة والجهات التي انتقدت تعليق “طقس التناول”، وفي افتتاحية مجلة الكرازة الناطقة بلسان الكنيسة في عددها الصادر في 27 يونيو على الموقع الرسمي لها على شبكة الإنترنت،  وصف البابا منتقدي الكنيسة بأعداء الخير الذين يشككون في الإيمان المستقيم لها بشائعات وهرطقات وأكاذيب وضلالات، وأن الكنيسة تقف دائما ضد أي انحراف إيماني أو عقيدي. واتفق البابا مع الرهبان المتشددين بالتأكيد على أن سر التناول “جسد ودم المسيح” بحسب الاعتقاد الكنسي، لا ينقلان أي عدوى لأنها سر حياة، لكنه اختلف معهم حول إجراءات تقديم السر ، مضيفا أنها قد تغيرت أشكالها عبر الزمان، وبقى الهدف هو إتاحة سر التناول كما هو رغم اختلاف الوسائل والأساليب المستعملة لذلك.

وأشار البابا إلى طريقتين لتقديم “سر التناول” في الكنيسة، الأولى تقليدية عبر “المستير”، والثانية تستخدم بدونها في مناولة “المرضى والمسجونين”، وهي ليست بدعا ولا خروجا ولا انتقاضا على قدسية السر بحسب وصفه، لافتا إلى أنه في زمن تأسيس السر لم يكن هناك وباء عالمي يقضي على مئات الألوف من البشر ويصيب الملايين في معظم أقطار العالم، مشددا على أن هذا زمن يحتاج وقاية وحرص بالغ.

خلاصة الأمر، أنه رغم تمسك الكنيسة في بداية تفشي عدوى كورونا بطقس “التناول”الذي أفضى إلى وفاة عدد من الكهنة ورعايا الكنيسة، إلا أن  رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وأركان نظامه وحكومته لم يصدر عنهم طلب واحد للكنيسة بضرورة تجديد الخطاب الديني، وحتى التقرير الوحيد الذي صدر في إحدى المجلات الحكومية ينتقد مواقف بعض الكهنة المتشددين تجاه المرونة التي أبداها البابا لاحقا تم مصادرة المجلة كلها ومنع توزيعها وإحالة رئيس تحريرها ومحرر التقرير للتحقيق في تأكيد على أن هدف السيسي والنظام من دعوات تجديد الخطاب الديني تختص بالإسلام فقط؛ لأهداف سياسية، أهمها التزلف للحكومات الغربية واسترضاء الإدارة الأمريكية التي تنتمي إلى اليمين المتطرف والذين  يرون في تشدد السيسي تجاه الإسلام والحركات الإسلامية، واتهام الإسلام بالإرهاب، هو شكل من أشكال حماية المصالح الأمريكية والغربية في مصر والمنطقة. والهدف الثاني هو ابتزاز الأزهر ليكون شيخه وهيئة كبار علمائه أكثر طوعا وإذعانا للنظام، وهو ما تحقق بالفعل والمؤشر على ذلك هو صمت الأزهر على مشروع قانون هيئة الأوقاف الذي وافقت عليه مؤخرا لجنة الشئون الدينية بالبرلمان، والذي يمنح السيسي صلاحية التصرف في أموال الوقف بما يناقض أحكام الشريعة الإسلامية وفتوى هيئة كبار العلماء في مارس 2018م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بعد مفاجأة «جمعة الغضب» .. هل يتجه الحراك  في مصر نحو «عصيان مدني»؟

بعد مفاجأة «جمعة الغضب» .. هل يتجه الحراك  في مصر نحو «عصيان مدني»؟   باغتت جمعة الغض…