‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر لماذا يريد السيسي أن يجعل من “دار الإفتاء” كيانا موازيا للأزهر؟
مصر - يوليو 27, 2020

لماذا يريد السيسي أن يجعل من “دار الإفتاء” كيانا موازيا للأزهر؟

لم يكترث برلمان الأجهزة الأمنية لرفض الأزهر الشريف لمشروع قانون دار الإفتاء، ووافق على التعديلات التي يتضمنها مشروع القانون في جلسة الأحد 19 يوليو 2020م؛ بما يفضي إلى استبعاد تبعية الدار للأزهر وجعلها تابعة لمجلس الوزراء، واعتبارها كيانا دينيا مستقلا؛ وهو ما يمثل محطة جديدة من الصدام بين نظام الانقلاب والأزهر؛ لأن مشروع القانون الجديد بما يتضمنه من تعديلات تمثل في جوهرها عدوانا على الأزهر وتقليصا لصلاحياته التي نص عليها الدستور ومسا باستقلاله ودوره في مجال الدعوة باعتباره المرجعية الأساسية لكل ما يتعلق بالشئون الإسلامية.

هذه التعديلات التي جرى إقرارها تنهي الطريقة التي اعتمدت عام 2012م في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي والتي تقضي بانتخاب المفتي من خلال اقتراع سري مباشر، يصوت فيه أعضاء هيئة كبار العلماء التي يترأسها شيخ الأزهر، ويؤسس لآلية مغايرة توقف سلطة هيئة كبار العلماء عند اختيار ثلاثة مرشحين للمنصب من داخل الهيئة أو من خارجها، ثم ترفع ترشيحاتها تلك لرئيس الجمهورية الذي منحه القانون سلطة مطلقة في الاختيار من بين المرشحين الثلاثة، كما منحه الحق في التمديد للمفتي بعد أن يبلغ السن القانونية.

وبحسب تقرير سابق للجنة المشتركة من لجان (الشؤون الدينية والأوقاف، والخطة والموازنة، والشؤون الدستورية) بالبرلمان فإن مشروع القانون يهدف إلى إعادة تنظيم دار الإفتاء ومنحها الشخصية الاعتبارية المستقلة والاستقلال، ويهدف إلى إعادة تنظيم كل ما يتعلق بالمفتي من حيث: وضعه الوظيفي، وإجراءات تعيينه واختياره، ومدة شغله للمنصب، والتجديد له، وسلطاته، واختصاصاته، ومن ينوب عنه في تسيير شؤون الدار بوجه عام في أحوال معينة.

 

بنود مشروع القانون

مشروع القانون، الذي حظي بموافقة البرلمان، ينص على المواد الآتية:

أولا، “دار الإفتاء هيئة ذات طابع ديني، تتمتع بالشخصية الاعتبارية، وتتبع وزارة العدل، ويمثلها فضيلة مفتي الديار المصرية، وتقوم على شؤون الإفتاء وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، ويكون للدار أمين عام من الدرجة الممتازة، ويصدر قرار تعيينه من المفتي”، وكانت دار الإفتاء المصرية استَقلت ماليًّا وإداريًّا عن وزارة العدل فى نوفمبر 2007، وأصبح لها لائحة داخلية ومالية تم اعتمادهما ونشرهما في جريدة الوقائع المصرية، وتتبع الدار وزارة العدل تبعية سياسية هيكلية فقط، دون أن يكون للوزارة أي سلطة عليها، وينحصر سبب هذه التبعية فيما تقوم به دار الإفتاء من نظرٍ في قضايا الإعدام وإبداء الرأى الاستشارى فيها.

ثانيا، جواز التجديد للمفتي بعد بلوغ السن القانونية المقررة للتقاعد، ومعاملته معاملة الوزراء من الناحية المالية والمراسم والمخصصات، وهو ما اعتبر تمهيدا لاستمرار المفتي الحالي الدكتور شوقي عبدالكريم موسى علام، الذي يبدي أكبر صور الخضوع والإذعان للنظام العسكري الحاكم، بعد انقضاء مدته الحالية في 4 مارس/آذار 2021، والذي سيبلغ من العمر 60 عاماً (سن التقاعد) بحلول العام المقبل

ثالثا، تضمن مشروع القانون أنه “في حالة خلو منصب المفتي أو قيام مانع لديه، يتولى الأمين العام لدار الإفتاء تسيير شؤون العمل بالدار، فيما عدا ما يتعلق بقضايا الإعدام المُحالة من المحاكم المختصة”، ويلتزم أمناء الفتوى في أداء عملهم وفق معيار “المهنية”، وبذل الوسع والتقيد بمعتمد الفتوى قبل إبداء الرأي الشرعي، ومراعاة المعايير المنظمة لعمل أمناء الفتوى الواردة باللائحة الخاصة بهم.

رابعا، ينص مشروع القانون أيضا على تشكيل لجنة أمناء الفتوى بقرار من المفتي، والتي تعتبر الجهة العلمية العليا في دار الإفتاء، واعتماد الرأي الذي تختاره اللجنة من فضيلة المفتي باعتباره الرأي المعبر عن دار الإفتاء، مع جواز ندب أمناء الفتوى كخبراء بالدار لمدة سنة، قابلة للتجديد، بعد بلوغهم سن التقاعد القانونية.

خامسا، يمنح مشروع القانون الحصانة القانونية لأمناء الفتوى، وعدم اتخاذ أي إجراءات ضدهم إلا بعد الحصول على إذن من المفتي، واعتماد موازنة مالية مستقلة لدار الإفتاء في الموازنة العامة للدولة، إلى جانب منح المفتي سلطة اعتماد الهيكل التنظيمي والوظيفي والمالي لدار الإفتاء، واللوائح الداخلية لها، ويكون لدار الإفتاء إنشاء حسابات خاصة بالبنك المركزي ضمن حساب الخزانة الموحد، تودع فيها مواردها الذاتية، مع إلزام أجهزة الدولة بمعاونة الدار في أداء مهامها، وتزويدها بما تطلبه من بيانات أو معلومات، وإعفاء الدار من جميع أنواع الضرائب والرسوم والعوائد والدمغات.

سادسا، ينظم مشروع القانون إجراءات العقاب وتأديب أمناء الفتوى أمام مجلس تأديب مُشكل من رئيس لجنة أمناء الفتوى رئيساً، وعضوية أقدم عضوين من أعضاء لجنة أمناء الفتوى، وأحد المستشارين المنتدبين بدار الإفتاء، ومدير إدارة الشؤون القانونية، وتوقيع الجزاءات عليهم بأغلبية الآراء، شريطة اعتمادها من المفتي، مع جواز الطعن عليها أمام المحكمة التأديبية.

سابعا، استحدث مشروع القانون إنشاء مركز لإعداد المفتين برئاسة مفتي الديار المصرية، بهدف إعداد الكوادر العلمية، وإكسابهم المهارات اللازمة لذلك، بحيث يتكون المركز من إدارتين، إحداهما للتدريب المباشر، والأخرى للتدريب عن بعد، على أن تكون مدة الدراسة في أي منهما ثلاث سنوات، وتعتمد هذه الدرجة من المجلس الأعلى للجامعات.

 

أسباب رفض الأزهر

وأبدى ممثل الأزهر محمد الضويني الأمين العام لهيئة كبار العلماء، خلال جلسة البرلمان رفضه للتعديلات محذرا من أن  مشروع القانون يعتدي على اختصاصات الأزهر، والتأكيد على أن أي هيئة دينية يتم إنشاؤها تعد جزءا لا يتجزأ من رسالة الأزهر “ومن يقُل بغير ذلك يشكل مخالفة صريحة للدستور” مطالبا بأن تكون تبعية دار الإفتاء للأزهر الشريف، كما اعتبر الموافقة على تلك التعديلات فتنة تدق أسافين الخلاف بين الأزهر والمؤسسات الدينية، وأن السماح لدار الإفتاء بالتغول على اختصاصات الأزهر الشريف، لن تجني البلاد من ورائه إلا خطابا متباينا”، وأوضح الأمين العام لهيئة كبار العلماء أن دار الإفتاء ليس لها استقلالية الرأي الشرعي، مشيرا إلى أن هناك مسائل يتم العودة فيها في الأساس لهيئة كبار العلماء، وأن (هذا) القانون -بالإضافة إلى مخالفته للدستور- يعمل على إنشاء كيان مواز للأزهر، وهو ما يتجاوز حدود الخلاف على الاختصاص.[[1]]

وفي تأكيد على رفض الأزهر لمشروع القانون، تعمدت هيئة كبار العلماء التي يرأسها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب مساء السبت 18 يوليو 2020م، تسريب  نص الخطاب الذي أرسلته إلى رئيس البرلمان علي عبدالعال برقم 166 بتاريخ 20 فبراير 2020م قبل جلسة البرلمان لمناقشة المشروع يوم 23 فبراير 2020م، وأعلنت الهيئة عبر الخطاب، رفضها مشروع القانون، مقترحةً تعديلات أكدت أنها تتسق مع أحكام الدستور، بخلاف المشروع الذي تقدمت به الحكومة إلى من جانب رئيس جامعة الأزهر السابق النائب “أسامة العبد”، واستهدفت “كبار العلماء” بتسريب الخطاب حتى “تضع المجلس أمام مسؤوليته التاريخية، قبل إقرار القانون الذي يعتبر عدواناً على الأزهر، وحتى يعلم الجميع أن الأزهر وهيئة كبار العلماء أوضحا جلياً اعتراضهما على المشروع، وأنهما لم يكتفيا بذلك، بل اقترحا تعديلات عليه تضمن خروجه متسقاً مع الدستور والقانون”.

وشدد خطاب الأزهر على المضامين الآتية[[2]]:

أولا، الأزهر طبقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 7 من الدستور هو “هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساس في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة، ونشر علوم الدين، واللغة العربية في مصر والعالم…”. و”إذا كان الأزهر بنص الدستور، هو المرجع الأساس في كل تلك الأمور التي في صدارتها الإفتاء، والبتّ في كافة الأمور المتعلقة بالشريعة، والرد على الاستفسارات الشرعيَّة من أيّ جهة، وتقديم الآراء الشرعية في شأن المعاملات المالية المعاصرة، وإجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى، والرد على الشبهات المثارة، وغيرها من الأمور الشرعية التي تضمنها مشروع القانون، وأسندها لهيئة تابعة لوزارة العدل، ولا تتبع الأزهر الشريف؛ فإن ذلك ينطوي على مخالفةٍ دستورية، ومساسٍ باستقلال الأزهر، وجعْل رسالته مشاعاً لجهات أخرى لا تتبعه”. ورأى أن “دار الإفتاء ستصير عندئذٍ كياناً عضوياً منبت الصلة عن الأزهر الشريف، وتمارس عملها بمعزل عن الأزهر”.

ثانيا،  يؤكد نصَّ القانون رقم 103 لسنة 1961، وتعديلاته بالمرسوم بقانون رقم 13 لسنة 2012، على أن الأزهر هيئة مستقلة تتمتع بشخصية اعتبارية. و”لما كان مشروع القانون المقترح قد تضمن إنشاء هيئة دينية إسلامية، وأناط بها الاختصاص بكافة ما يتعلق بالفتوى، فقد أسند إليها إجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى، وجعلها الجهة القوامة على شؤون الفتوى، والرد على الشبهات المثارة، وهي المتحدث في كل شؤون الشريعة الإسلامية، وإعداد المفتين وتأهيلهم (داخل جمهورية مصر وخارجها)، وترجمة الفتاوى الشرعية إلى اللغات المختلفة ونشرها، وإصدار النشرات والكتب والمجلات، وأي إصدارات ذات الصلة بنشاط دار الإفتاء”. وتطرق الخطاب إلى “إنشاء مركز يسمى مركز إعداد المفتين برئاسة المفتي، في دار الإفتاء، يهدف إلى إعداد الكوادر العلمية التي تشتغل بالإفتاء، وإكسابهم المهارات اللازمة لذلك، وتأهيلهم داخل مصر وخارجها، وإصدار شهادة دبلوم يعادلها المجلس الأعلى للجامعات، وهذا مما يعد افتئاتاً على جامعة الأزهر، التي تختص بإصدار الشهادات العلمية في العلوم الإسلامية”.

ثالثا، يؤكد خطاب “كبار العلماء” أنه “فضلاً عما تقدم، فقد تضمّن مشروع القانون المقترح عُدوانا على اختصاص هيئة كبار العلماء بالأزهر واستقلالها، وهي التي تختص وحدها بترشيح مفتي الجمهورية، وقد جاء المشروع ملغياً للائحة هيئة كبار العلماء التي تكفلت بإجراءات ترشيح ثلاثة بواسطة أعضاء هيئة كبار العلماء، والاقتراع وانتخاب أحدهم لشغل المنصب، وجاء المقترح ليلغي ذلك”. وذكر خطاب “كبار العلماء” أن “ما ذُكر في مقدمة  مشروع القانون المقترح من أن هناك فصلاً بين الإفتاء والأزهر منذ نحو 700 عام، وأن هناك كياناً مستقلاً (دار الإفتاء) غير صحيح”، ويؤكد خطاب “كبار العلماء” أن مقر الإفتاء في القدم كان في الجامع الأزهر. وأن “جميع مناصب الإفتاء في مصر طوال العصر العثماني كانت في يد علماء الأزهر، وأشهرها إفتاء السلطنة والقاهرة والأقاليم”، واعتبر أن “مشروع القانون المقترح تضمن عُدواناً على اختصاص هيئة كبار العلماء بالأزهر واستقلالها”؛ فقد تضمنت التعديلات أنه: “في حال خلو منصب المفتي أو قيام مانع لديه يَنْدُبُ وزيرُ العدل بقرار منه مَن يقوم مقامه إلى أن يعيَّن مفتٍ جديد، أو زوال المانع”. وقالت الهيئة إن “مُؤدَّى هذه النصوص -فضلًا عن سلبها اختصاص هيئة كبار العلماء- جَعْلُ تبعيَّةِ الفتوى الشرعية لأحد السادة وزراء الحكومة، وتخويله سلطة ندب مَن يحلُّ محلَّه عند خلو منصبه؛ بما يُؤكد زوال جميع الضمانات التي كفلها الدستور والقانون لاستقلال الأزهر وهيئاته، وإسناد رسالته لأحد أعضاء الحكومة، رغم أنَّ الأزهر هو مَن يختار المفتي ابتداءً”.  وأضافت: “كما تضمن مشروع القانون المقترح عُدواناً على جامعة الأزهر في ما تضمَّنَه من النص على أن ينشأ بدار الإفتاء مركز يسمى مركز إعداد المفتين برئاسة المفتي، يهدف إلى إعداد الكوادر العلمية التي تشتغل بالإفتاء”.

رابعا، المشروع “لم يخلُ من المساس بمجمع البحوث الإسلامية، الذي يتألَّف من عددٍ لا يزيد على 50 عضواً من كبار علماء الإسلام، يُمثلون جميع المذاهب الإسلامية، ويكون من بينهم عددٌ لا يزيد على الـ20 من غير مواطني جمهورية مصر العربية”.

خامسا، يؤكد الأزهر أن المخالفات الدستوريَّة التي شابت مشروع القانون “لا تقتصر أو تقف عند مجرد العدوان على اختصاصات الأزهر، ومحاولة إنشاء كيان موازٍ للأزهر يقوم في موضوعه وغايته على محاولة الحلول محلَّه في رسالته وأغراضه، فالأمر يتجاوز حدود النزاع على الاختصاصات، أو التشبث بالصلاحيات، أو احتكار جهةٍ للقيام بدور معين، ومنع غيرها من مشاركتها فيه”. ورأت أن “الخطورة تكمن في تجزئة رسالة الأزهر، وإهدار استقلاله الذي هو عِمادُ وسطيته واعتداله، فالأزهر ليس مجرد هيئة وأشخاص، وإنما هو رسالة علميَّة لا تحتمل إلا أن تكون مستقلة غير تابعة، وهذا المشروع المعروض يخلُّ إخلالاً جسيماً بالدستور، كما يخلُّ بالاستقلالية والحياد الذي ينبغي أن يتمتع بهما منصب مفتي الجمهورية”.

 

استهداف الأزهر وشيخه

مشروع القانون الجديد الخاص بدار الإفتاء يمثل استهدافا للأزهر كمؤسسة ورسالة ومشيخة، والهدف من التعديلات هو”إنشاء كيان موازٍ للأزهر، وتفريغ دور الأزهر وتهميشه لصالح كيان دار الإفتاء الذي سيكون تحت أمر السلطة التنفيذية”، كما أن المستهدف أيضا هو شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، الذي يرى السيسي أنه تسبب في كثير من الإحراج للنظام وللسيسي شخصيا ويقف له في كثير من المواقف معريا قصور أفكاره وتصورته الشائهة حول الإسلام.

وربما يستهدف السيسي بمشروع القانون الضغط على مشيخة الأزهر وهيئة كبار العلماء لإبرام صفقة خفية تقتضي سحب مشروع القانون الذي ينزع معظم الصلاحيات من الأزهر لحساب دار الإفتاء مقابل استقالة الطيب وتعيين شخصية تتمتع برضا السيسي وأجهزته الأمنية تكون أكثر إذعانا وانصياعا لتوجيهات النظام؛ ذلك أن السلطة الوحيدة التي لا يملكها السيسي أو يسيطر عليها بشكل تام هي سلطة تعيين شيخ الأزهر أو عزله، بفضل تحصين المنصب بعد جهود حثيثة قادها الطيب عام 2012 لإقرار تعديلات بعض أحكام القانون رقم 103 لسنة 1961، المتعلقة بإعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها.

ويتسق مشروع قانون “الإفتاء” مع التوجهات الديكتاتورية لنظام السيسي لأنه يمنح رئيس الجمهورية سلطة اختيار المفتي على غرار ما منحته التعديلات الدستورية التي جرى إقرارها في إبريل 2019م سلطة اختيار رؤساء الهيئات القضائية والنائب العام، وبالتالي فإن النظام مصمم على تقويض جميع أشكال المشاركة الشعبية حيث ألغى فعليا جميع صور الانتخابات التي قررتها مكتسبات ثورة 25 يناير وحتى الانتخابات التي تتم فهي صورية تتحكم الأجهزة الأمنية في جميع مخرجاتها من الألف إلى الياء. كما ألغى انتخابات رؤساء الجامعات وعمداء الكليات؛ فكل ذلك بات بالتعيين، فكيف يبقى اختيار المفتي بالانتخابات؟ لذلك يستهدف مشروع القانون الجديد لدار الإفتاء إلغاء الاختيار من جانب هيئة كبار العلماء ليتم التعيين من جانب رئيس الجمهورية.

الهدف من مشروع القانون أيضا مكافأة المفتي الحالي شوقي علام الذي يبدي جميع صور التجاوب والانصياع والإذعان؛ فالمفتي الحالي تم اختياره في 2013 بالاقتراع السري المباشر من هيئة كبار العلماء وتم التجديد له في مارس 2017 لمدة أربع سنوات أخرى تنتهي في مارس 2021م، وسوف يبلغ سن المعاش مع انتهاء مدته القانونية الثانية؛ وبحسب نص قانون تعيين المفتي تنتهي مدته القانونية عند بلوغه السن القانونية لترك الخدمة “60” سنة؛ ما يتوجب معه اختيار مفتي جديد لدار الإفتاء المصرية؛ فهل يترك السيسي وأجهزته الأمنية الأمر لشيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء؟ لذلك يستهدف النظام مكافأة شوقي علام والتجديد له أو حتى ترقيته لمستوى أعلى وتعيين شخصية أخرى مماثلة على رأس دار الإفتاء. ولا يخشى السيسي تعيين إحدى شخصيات هيئة كبار العلماء؛ لأنهم جميعا تجاوزوا السن القانونية ولكن الهيئة تستعين بآخرين من خارجها لانتخابهم على رأس دار الإفتاء وما يخشاه السيسي وأجهزته الأمنية أن تتوافق الهيئة على اختيار شخصية مماثلة لشخصية الطيب  تتسم بقدر من الاستقلالية فتقف عقبة أمام  جرائم وانتهاكات النظام وخصوصا في ملف الإعدامات التي يوقع علي صحتها مفتي الديار دون أدلة سوى التحريات الأمنية؛ ولعل هذا هو سبب طرح القانون في هذا التوقيت في ظل أحكام الإعدامات الجائرة التي افتقدت إلى جميع معايير النزاهة والعدالة، ورغم ذلك قابلها المفتي بتجاوب واسع حرصا على ولائه للنظام الديكتاتوري وأجهزته الأمنية على حساب رضا الله وإحقاق الحق والعدل بين الناس.

خلاصة الأمر، أن الأزهر وهيئة كبار العلماء يدركون جيدا أن مشروع قانون “دار الإفتاء” الجديد إنما يمثل استهدافا للأزهر وشيخه وهيئة كبار علمائه، ويجعل من دار الإفتاء كيانا موازيا جرى منحه جميع صلاحيات الأزهر الدعوية والعلمية في الوقت الذي يخضع “الإفتاء” للحكومة بما يفقد المؤسسة الدينية كثيرا من هامش الاستقلالية الذي تتمتع به.

ولا يملك الأزهر وهيئة كبار علمائه سوى مواجهة هذا الانتهاك الفاضح للدستور ونزع صلاحياته لأهداف سياسية سوى الطعن بعدم دستورية القانون في المحكمة الدستورية العليا”، يعزز هذا التوجه ما يتردد عن استعانة الأزهر ببعض أبنائه ومنتسبيه من القامات القانونية الكبيرة ومن خارج الأزهر أيضا والذين يؤمنون بأهمية استقلال الأزهر والدفاع عنه أمام تغول السلطة التنفيذية وإخضاعها لجميع المؤسسات ولم يتبق سوى مشيخة الأزهر التي تتمتع بهامش استقلالية ترى سلطة الانقلاب أنه يهدد وجودها واستقرارها لهذا تتربص به وتكيد له؛  فهل تفلح محاولات السيسي في إخضاع الأزهر أم أنه يستعصى على الانحناء أمام جبروت الطغاة والمستبدين؟.

 

أهم المصادر:

  • محمود صديق/السيسي وسلطة اختيار المفتي.. مكايدة لشيخ الأزهر أم تهديد له؟/ الجزيرة نت 29 فبراير 2020
  • محمد عبد الشكور/صراع على مشيخة الأزهر!/ الجزيرة مباشر الجمعة 28 فبراير 2020
  • مشروع قانون يمنح السيسي سلطة تعيين مفتي الجمهورية/العربي الجديد 23 فبراير 2020
  • فادي الصاوي/ القصة الكاملة لاختيار المفتي الجديد.. هل يتصادم الأزهر مع البرلمان؟/ مصر العربية  24 فبراير 2020
  • محمد مغاور /قانون جديد يسحب تعيين المفتي من الأزهر ويمنحه للسيسي/ “عربي 21” الأحد، 23 فبراير 2020
  • فادي الصاوي/ هيئة كبار العلماء تجدد فترة ثانية لمفتي الجمهورية/ مصر العربية 06 يناير 2017
  • “الإفتاء المصرية” تهاجم الإخوان: خوارج العصر وقتالهم أعلى مراتب الجهاد/ الجزيرة نت 21 فبراير 2019
  • في عهد السيسي.. دار الإفتاء تدعو لطاعة الحاكم ونصرته والدعاء له/ الجزيرة نت 3 مايو 2019
  • مصطفى محمد/ بعد «معركة» الطيب والخشت.. ماذا فعل المفتي في جامعة القاهرة؟/ مصر العربية 13 فبراير 2020
  • أحمد البحيري/ المفتي من الأمم المتحدة: دعاة التطرف يستخدمون الشباب معولًا لهدمِ الأوطان..طموحات الإرهابيين توسعت إلى حد تلقي تمويلات وإقامة جيوش وتسليح كتائب/ المصري اليوم الثلاثاء 18 فبراير 2020
  • الإفتاء المصرية تهاجم العملية التركية في سوريا.. وناشطون يردون/ الجزيرة مباشر الثلاثاء 3 مارس 2020

[1] تبعية دار الإفتاء.. السيسي يحسم جولة في صراعه مع شيخ الأزهر/ الجزيرة نت 20 يوليو 2020

 

[2] الأزهر يرفض مشروع قانون بالبرلمان “يمس استقلاليته”: يتضمن عدواناً على اختصاصنا/عربي بوست 19 يوليو 2020//الأزهر يعارض تعديلات برلمان السيسي: مشروع الإفتاء يصنع كياناً موازياً/العربي الجديد 19 يوليو 202//قانون تنظيم دار الإفتاء: محطة جديدة بصراع الطيب والسيسي/العربي الجديد 20 يوليو 2020م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الصحافة والسلطة في مصر

خاضت نقابة الصحفيين منذ تأسيسها في عام 1941 معارك عديدة مع أنظمة الحكم المتعاقبة؛ وذلك دفا…