‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر الصحافة والسلطة في مصر
مصر - أغسطس 3, 2020

الصحافة والسلطة في مصر

خاضت نقابة الصحفيين منذ تأسيسها في عام 1941 معارك عديدة مع أنظمة الحكم المتعاقبة؛ وذلك دفاعًا عن الصحفيين، وعن الحرية التي تكفلها لهم المهنة؛ حتى يمكنهم تثقيف الشعب بما يحدث حوله، من خلال الأخبار والتحليلات المختلفة التي يتم تقديمها، ولكن في السنوات الأخيرة تصاعدت المعارك بين النقابة ونظام الحكم الحالي، فأصبحت النقابة مقرًّا للعديد من الاحتجاجات، سواء من الصحفيين أو فئات أخرى من الشعب المصري، الذين يطالبون بعدة إصلاحات، سواء على الجانب السياسي أو الاقتصادي والاجتماعي، وفي بعض الأحيان يتم الاستجابة من الدولة، ولكن الدولة لا تستجيب بشكل كامل؛ حتى لا تظهر بشكل ضعيف أمام الرأي العام والصحفيين، وفي هذه الورقة سوف يتم التعرف إلى مدى الحرية التي تم منحها من قِبل السلطة للصحفيين في أواخر عام 2019 وحتى النصف الأول من 2020، وهل حدثت من جانب الدولة انتهاكات لحرية الصحافة في هذه الفترة أم لا؟، وهل حدث تطور في سياسة الدولة تجاه تدعيم حرية الصحافة في مصر؟

واقع حرية الصحافة في مصر:

اتخذ نظام الحكم في عهد السيسي منذ البداية طريق السيطرة على وسائل الإعلام؛ لمنع وجود أي صوت معارض؛ حتى يمكنه العمل في صمت، ودعم وتأييد من جميع وسائل الإعلام، فتم اتباع سياسة منع وحجب وسائل الإعلام المعارضة؛ من أجل السيطرة على كل قطاعات الدولة، ووقف أي صوت معارض، فبمجرد إلقاء عبد الفتاح السيسي خطاب الانقلاب على الرئيس “محمد مرسي” في 3 يوليو، ومع انتهاء كلمات بنود الخطاب -الذي كان في نهايته وضع ميثاق شرف إعلامي- اتجهت عربات الشرطة إلى مباني القنوات المؤيدة لحكم جماعة الإخوان المسلمين داخل وخارج مدينة الإنتاج الإعلامي، وأوقفت البث، وأصبحت تفتش في الوثائق الموجودة، وتقوم بإلقاء القبض على الصحفيين ومقدمي البرامج، كما تم التضييق على الكثير من الإعلاميين والكتاب المؤثرين؛ لمنعهم من الكتابة، مثل “علاء الأسواني”، و”بلال فضل”، والإعلاميين مثل “باسم يوسف” و”يسري فودة” و”ريم ماجد”، وتم تعيين أشخاص لا علاقة لهم بالإعلام، وإنما علاقتهم متوطده بأجهزة الأمن، وأصبح الهدف هو تعبئة الجماهير، وتبرير كل سياسات النظام، وتشويه أي صاحب رأي مخالف[1].

تطور سيطرة الدولة على الصحافة في مصر:

شهد عام 2019 ومطلع عام 2020 سيطرة واضحة من نظام الحكم على وسائل الإعلام، وخاصة الصحف، التي وصفها البعض بنظام “العسكرة”؛ تطبيقًا لرؤية السيسي، التي أعلنها حول ضرورة الاصطفاف الإعلامي خلف القيادة، على غرار إعلام الستينيات في عهد “جمال عبد الناصر”، حتى بلغت انتهاكات الدولة لحرية الصحافة في هذه الفترة 532 انتهاكًا؛ فتقدمت حالات الحبس والاحتجاز المؤقت خلال العام قائمة الانتهاكات، بعدد 116 انتهاكًا، تلتها القرارات الإدارية التعسفية (106 انتهاكات)، ثم التدابير الاحترازية (73 انتهاكًا)، فانتهاكات السجون (61 انتهاكًا)، ثم انتهاكات النيابات والمحاكم (58 انتهاكًا)، والمنع من التغطية (43 انتهاكًا)، وقيود النشر (32 انتهاكًا)، فالمداهمات والإغلاقات والحجب (19 انتهاكًا)، فالاعتداءات (12 انتهاكًا)، والمنع من السفر (9 انتهاكات)، ثم القيود التشريعية (3 انتهاكات)، وبلغت جملة الانتهاكات التي تعرضت لها الصحفيات خلال هذه الفترة 37 انتهاكًا، كما تم حبس مجموعة من الصحفيين والإعلاميين، بلغ عددهم حتى مارس الماضي 73 صحفيًّا وصحفية، كما بلغ عدد الصحفيين الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية 29 صحفيًّا، وفقًا لآخر حصر لـ “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان”[2].

وبالرغم من نفي المجلس الأعلى للإعلام وجود صحفيين محبوسين على خلفية القيام بعملهم، إلا أن هناك حوالي 9 صحفيين محبوسين؛ نتيجة ممارستهم لعملهم الصحفي، وكتابة محتوى ينتقد الحكومة وسياستها، منهم الصحفي “عادل صبري” رئيس تحرير موقع مصر العربية، وإسماعيل الإسكندراني، ومصطفى الأعصر، وإسلام جمعة، ومحمد أبو زيد، ومحمود حسين، ومحمد حسن، ومعتز ودنان[3].

كما ذكرت منظمة “مراسلون بلا حدود” أن مصر استخدمت مصطلح مكافحة “الأخبار الزائفة” ذريعة لتبرير حجب الصفحات والمواقع الإلكترونية من جهة، وسحب بطاقات اعتماد الصحفيين من جهة أخرى، فتم حجب أكثر من 546 موقعًا إلكترونيًّا، وبلغ عدد المواقع الصحفية والإخبارية المحجوبة 108 مواقع، ومن أشهر هذه المواقع صحيفة “العربي الجديد”، ومواقع “مجموعة الجزيرة الإعلامية” و”الجزيرة الوثائقية” و”الجزيرة الإنجليزية”، و”عربي 21″ الإخباري، و”ساسة بوست”، و”مدى مصر”، و”مصر العربية”، وصحيفة “البديل”، وصحيفة “البداية”، وصحيفة “بوابة يناير”، وموقع “حركة شباب 6 إبريل” الإخباري[4].

 

 

خطة الدولة للسيطرة على الإعلام في 2020:

اعتمد السيسي في الفترة الأخيرة على سياسة السيطرة على وسائل الإعلام بشكل قوي؛ لطمس أي صوت معارض لقراراته أو سياساته، من خلال الاعتماد على رئيس جهاز المخابرات العامة، أو ما يتم وصفه برجل السيسي الأول اللواء “ناصر فهمي”، بمعاونة العميد “محمد صفوت”، في تطوير منظومة الإعلام المصري؛ بحيث يسهل السيطرة عليه، ولا نجد فيه معارضين كثيرين، فتم الاعتماد على سياسة إعادة رجال الأعمال مرة أخرى للمؤسسات الإعلامية تدريجيًّا، بعد فشل إدارة تلك المؤسسات، عن طريق الجهاز مباشرة، وتكبُّدها خسائر طائلة، وبعد أن تنقل الملف بين عدة جهات، من بينها المخابرات العامة، وتنازعه “عباس كامل” و”محمود السيسي”، ثم انتقل إلى رئاسة الجمهورية، وتحديدًا تحت إشراف اللواء “محسن عبد النبي”، ولكن في كل مرة كان السيسي يعلن عن عدم رضاه عن ملف الإعلام؛ حيث صار الإعلام لقيطًا وفاقدًا للشرعية؛ لذلك كان لا بد من إجراء حركة تغييرات واسعة[5].

وقامت سياسة الاعتماد على رجال الأعمال الداعمين للنظام للسيطرة على سوق الإعلام المصري المكتوب والمرئي على ثلاثة اتجاهات؛ تمثلت في: 1- بقايا رجال أعمال نظام الرئيس المخلوع “محمد حسني مبارك”؛ كـ”محمد الأمين” و”السيد البدوي” و”طارق نور” وعائلة “الكحكي”. 2- رجال الأعمال الجدد المدعومون من المؤسسة الأمنية، وأبرزهم “أحمد أبو هشيمة” رئيس مجلس إدارة شركة إعلام المصريين، و”ياسر سليم” رئيس مجلس إدارة شركة بلاك آند وايت، و”طارق إسماعيل” صاحب شركة دي ميديا، بالإضافة إلى “إيهاب طلعت” صاحب الخبرة الواسعة في إدارة القنوات التلفزيونية والتسويق. 3- الدفع بعدد من العسكريين، دخلوا إلى مجال الإعلام حديثًا، كـ”محمد سمير” المتحدث العسكري الرسمي السابق باسم القوات المسلحة المصرية، مدير قناة العاصمة، وضابط الجيش السابق “أحمد شعبان”، وهو مدير مكتب اللواء “عباس كامل”، الذي هو مدير مكتب السيسي[6].

وبعد التعرض السريع لأبرز ما حدث في الإعلام المصري -وخاصة الصحافة المصرية في الفترة الأخيرة منذ أواخر عام 2019 وحتى بداية 2020- نجد أن الدولة استطاعت أن ترهب وتقوم بوقف الأصوات المعارضة، من خلال قرارات الفصل والوقف النهائي للصحفيين المعارضين أو الصحف والوكالات، التي تتخذ سياسة مخالفة للرؤية الرسمية للدولة، ويمكن أن تتطور هذه العقوبات لتصل إلى الحبس والاعتقال والاتهام بقضايا الإرهاب، وتهديد السلم الاجتماعي، وأحيانًا السجن مدى الحياة، كل هذا أثار حالة من الرعب في نفس الصحفيين المصريين، فأصبحوا يتحركون في ثلاثة اتجاهات لتفادي الاصطدام مع النظام؛ الاتجاه الأول: هو ترك العمل في الصحف والقنوات المحلية بالدولة، والاتجاه إلى الخارج من أجل ممارسة العمل الصحفي أو الإعلامي. الاتجاه الثاني: هو الانصياع لرغبة الدولة، والعمل على دعم قرارتها وتأييدها؛ من أجل جني ثمار الولاء. الاتجاه الثالث: هو ترك مجال الصحافة، والاتجاه إلى عمل جديد بعيد عن الكتابة والرأي، وفتح مشاريع تجارية؛ من أجل الهروب من تحت قبضة الدولة، والعيش في أمان وسلام.

فالدول التي تسعى إلى التطوير والتجديد لا تقوم بإرهاب الصحفيين؛ لأنهم أول من يقومون بنشر هذه التطويرات وانتقادها؛ حتى يتم تقويمها، والعمل في الاتجاه الصحيح؛ لإفادة الصالح العام، أما الدول التي تستهدف الصحفيين، وتقوم بوقفهم وحبسهم، لا تتقدم إلى الأمام، ويتم تصنيفها ضمن الدول التي تسعى لطمس الديمقراطية، والاعتماد على الصوت الواحد المؤيد.

[1] مصطفى مهنا، هل ينجح نظام السيسي في السيطرة الكاملة على الإعلام؟، موقع قنطرة، الرابط: https://bit.ly/2D57X4D

[2] موقع عرب 48، مصر: 532 انتهاكًا بحق الصحافة خلال عام 2019، يناير 2020، الرابط: https://bit.ly/2X7eulV

[3] سارة نور، الصحافة في مصر .. حرية منقوصة بالقانون وحقوق يكفلها الدستور، موقع مصر العربية، نوفمبر 2019، الرابط: https://bit.ly/336Lwqk

[4] موقع العربي الجديد، السلطات المصرية تحاصر حرية الصحافة، متوفر عبر الرابط:  https://bit.ly/2P5T1Wp

[5] موقع العربي الجديد، تغييرات واسعة في خريطة إعلام السيسي، ديسمبر 2019، الرابط: https://bit.ly/30dmzry

[6] موقع نون بوست، كيف سقط الإعلام المصري في قبضة نظام السيسي؟، إبريل 2019، الرابط: https://www.noonpost.com/content/27271

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مصر في أسبوع

مصر في أسبوع تقرير تحليلي لأهم الاتجاهات والمضامين لما جاء في الملفات المصرية في الأسبوع ا…